الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

"الجنون الرقمي".. لماذا تتدهور صحتنا كلما انغمسنا افتراضياً؟




20 ابريل 2026

يشرح الطبيب النفسي الأميركي نيكولاس كارداراس، كيف تحولت شبكة الإنترنت إلى عالم مواز يعيش فيه البشر، وكيف أنها تجعل البعض يكذبون ما تراه أعينهم على أرض الواقع لمجرد أن هناك في "الفضاء الرقمي" تأكيدات تخالف ذلك، ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي تقود البشر نحو أزمة صحة عقلية ونفسية متفاقمة. لا يكتفي كارداراس بتشريح المشكلة، إنما يطرح بصفته متخصصاً في علاج الإدمان الرقمي كيفية استعادة عقولنا التي تكاد مواقع التواصل تتحكّم فيها. وهو يبني على ما أورده في كتابه السابق "أبناء الشاشات المتوهجة" (2019)، والذي ركّز فيه على التوعية بمخاطر "إدمان الشاشات" على الأطفال، واشتهر منه مصطلح "الهيروين الرقمي".

وبينما كرس كتاب "أبناء الشاشات" أن الهواتف والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل ليست وسائل ترفيه بريئة، بل بيئة قادرة على إعادة تشكيل العادات والعلاقات، والتأثير في الانتباه، وفي جودة النوم، وصولاً إلى ما يشبه الإدمان لدى الأطفال. يتناول كتاب "الجنون الرقمي: كيف تتسبب وسائط التواصل الاجتماعي في تدهور صحتنا العقلية وكيف نستعيد سلامتنا العقلية" (الطبعة العربية دار مكتبة جرير، 2023) المجتمع بأسره، محذراً من أزمة صحة نفسية وعقلية كبيرة ناتجة عن تزايد الانغماس الرقمي.

ينطلق الكتاب من قول الفيلسوف الهندي كريشنامورتي (1895- 1986): "تكيُّفك مع مجتمع مريض ليس معياراً للصحة السليمة"، ويؤكد كارداراس أن الكسل والانعزال والتشتت وغياب الأهداف والانغماس الرقمي كلها أمور ضد طبيعة البشر البيولوجية. يكتب: "لا تزال احتياجاتنا النفسية والاجتماعية والعاطفية المتوارثة في إطارها القديم. نحن بحاجة إلى مجتمع بشري، وتواصل إنساني، ونشاط بدني، وهدف، وطبيعة، وأمل. كل ذلك تم تقليصه أو تدميره بواسطة التكنولوجيا".

شركات احتكارية تغلّب مصلحتها على حساب صحتنا العقلية

يروي كارداراس في الكتاب واقعة عاشها شخصياً في أواخر عام 2019، قبيل جائحة كورونا، حين كان يزور والده المهاجر اليوناني المصاب بمرض السرطان، يكتب: "لم يفهم والدي ذاك العالم الغارق في التكنولوجيا، ذلك العالم الذي لا ينظر فيه الناس إلى أعين بعضهم البعض، بل يظلون منكّسين رؤوسهم أمام الشاشات لساعات طوال، شاعرين بالضياع والفراغ. كره والدي هوسنا بالتكنولوجيا. كان بستانيّاً مُخلصاً طوال حياته، يحبّ طهي الطعام للجميع تعبيراً عن محبته، وكان يوبخني لأنني أستمر في تفقد هاتفي لمطالعة رسائل العمل أثناء زياراتي له. كان يقول لي توقف عن النظر إلى هذا الشيء الغبي واحضر معنا ما دمت قدمت إلينا". وهو يختم القصة بحكمة والده العجوز الذي عاش سنوات الحرب العالمية الثانية، وهاجر بحثاً عن الأمان، وشهد ظهور التلفزيون، ثم الإنترنت، والذي قال له: "أنا سعيد لأنني لن أعيش طويلاً في هذا العالم الجديد".

ينطلق كارداراس من قصة والده إلى السؤال المحوري لكتابه: لماذا تتدهور صحتنا العقلية كلما تقدّم مجتمعنا تكنولوجياً؟ ولماذا تزداد أمراضنا النفسية مع ازدياد انغماسنا الافتراضي؟ وفي هذا الإطار يرى أننا "قد تحوّلنا يقيناً إلى مجتمع مريض جداً. فقدنا أنفسنا أثناء إضاعة الوقت أمام الشاشة، لمشاهدة صور إنستغرام وفيديوهات القطط على يوتيوب. صرنا نموت بمعدلات قياسية".

يتناول كارداراس تلك الأزمة النفسية بوصفها واقعاً، لا نظرية جدلية، ويستشهد بالأرقام الرسمية، إذ سجلت في الولايات المتحدة وحدها أكثر من مئتي ألف وفاة في عام 2019 بدوافع نفسية شملت الانتحار والجرعات المميتة من المخدرات وإدمان الكحول، ومعظمهم من الشباب، ثم جاءت جائحة كورونا لتضاعف هذه الأرقام حين تحوّل "التباعد الاجتماعي" إلى ضرورة صحية، ما فاقم الانغماس في الوسائل الرقمية للتواصل، والدراسة، والعمل، والترفيه. ويُفصّل الكتاب كيف تعمل مواقع التواصل الاجتماعي كآلات إدمان مُهندسة بدقة، مشيراً إلى أن المحور العصبي هو الدوبامين، تلك المادة الناقلة العصبية التي تُفرز في المخ، مُنتجةً الشعور بالمتعة. تستغل شركات التكنولوجيا الكبرى الدوبامين عبر توظيف مخططين من علماء السلوك مُهمّتهم الوحيدة تصميم عناصر تبقيك متصلاً بالتطبيق أو اللعبة أو الموقع الإلكتروني لأطول فترة ممكنة.

يشخّص عوارض الانغماس الرقمي بالكسل وغياب الأهداف

ويلفت إلى وثائق داخلية خاصة بمنصة فيسبوك عرضتها عالمة البيانات الأميركية فرانسيس هوغن أمام مجلس الشيوخ، أكدت أن شركة ميتا علمت يقيناً بأن خوارزمياتها تُضر بصحة المراهقين، وقد تزيد من معدلات الانتحار وكراهية الذات لدى المراهقات، لكنها قررت الإبقاء على تلك الخوارزميات المُضرة لأنها تزيد المشاركات، وتحقق أرباحاً.

حين صدر الكتاب في عام 2022، لم يكن الذكاء الاصطناعي التوليدي وروبوتات الدردشة قد دخلت حياتنا اليومية بهذا الشكل المتشعّب. ما يجعلنا اليوم أمام جنون رقمي مضاعف. يمكنك تخيل كيف تؤثر بالشخص تجربة الحضور العاطفي المُصطنع مع روبوت محادثة، وتأثيرها الكبير على إفراز الدوبامين. وينتقد الكتاب فكرة "التفكير الثنائي"، وهو نمط إدراكي يحول كل التفاعلات إلى ثنائيات حادة، إما حبّ أو كراهية، إما جيد مطلق أو شرير مطلق، إذ باتت الخوارزميات تدفع المزيد من المتفاعلين إلى أن يكونوا أقل مرونة وتفاعلاً، وأكثر عرضة للهشاشة والاندفاع.

ويرى كارداراس أننا "نعيش جميعاً في عالم فقد عقله، يدفعه نحو الجنون سباق رقمي يخوضه أشخاص مُستنزَفون، مستيقظون دائماً، ومحبوسون في غرفهم، ويعانون أحمالاً زائدة على الطاقة العصبية، ويشعرون بالوحدة المستمرة". وهو يُطلق على شركات التكنولوجيا الكبرى وصف "التكنوقراطية الجديدة"، معتبراً أنهم "بارونات العصر الحديث الذين يُحرّكهم الطمع والغطرسة". ويخصص الكتاب جزءاً مهماً لظاهرة "المؤثرين" على وسائل التواصل الاجتماعي، مُحللاً كيف تحوّلت الشهرة من أمر ينشأ عن موهبة حقيقية إلى سلعة تصنعها الخوارزميات.



ويطرح كارداراس مفهوماً جديداً يُسمّيه "العدوى الاجتماعية الرقمية"، مفاده أن الاضطرابات النفسية يمكن أن تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي كما الأمراض المعدية، ويستدل على ذلك باضطراب انتشر خلال وباء كورونا، حين راحت آلاف المراهقات يُظهرن أعراض حركات لا-إرادية بعد مشاهدة مقاطع على "تيك توك"، ما بدا في بادئ الأمر إفراطاً في التعاطف أو تمثيلاً، قبل أن يتبين للأطباء أنه اضطراب وظيفي عصبي نشأ عن عدوى رقمية.

ويُخصّص الكتاب فصلاً للتفاعل بين انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتفشي السمات النرجسية في المجتمع، ويقول إن منصات مثل إنستغرام وسناب شات مبنية على تصوير الذات وتصميمها وتسويقها، ليصبح المستخدم مُنتِجاً ومُستهلِكاً في آنٍ لسردية ذاتية مُثلى تخالف الحياة الفعلية. والمشكلة ليست في زيف الصورة المُقدَّمة فقط، بل فيما تولّده من توقعات، وقلق، وإحساس مستمر بالنقص حين تُقارن حياتك الفوضوية بالصور المُعدَّلة التي يبثّها الآخرون.

في الثلث الأخير يتحوّل الكتاب إلى بحث في مخرج من الأزمة، إذ يرى كارداراس أن ما نفتقده في العصر الرقمي هو ما تحدثت عنه الفلسفة الإغريقية منذ آلاف السنين، حيث الغاية، والمعنى، والفضيلة ممارسة، لا مجرد قناعة، وهو يستدعي فكر أرسطو الذي عرف السعادة الحقيقية بأنها ممارسة التميّز الإنساني، وليس الرضا الآني الذي تصنعه المنصات. ويقول: "علينا أن نكون ممتنين للأدوات كأدوات، لا أن نكون عبيداً لها. ناموا وأيقنوا أن الوقت الذي تبقّى لكم لا يُقاس بما ستنجزونه في الإنترنت". ويؤكد كارداراس أن البشر بنوا على مدى آلاف السنين، تقاليد فكرية وروحية متينة لمواجهة اضطراب الوجود وضياع المعنى، بينما الحضارة الرقمية تتيح تجاهل هذا التراث الإنساني المتراكم، واستبداله برسائل قصيرة، أو غرف إلكترونية لا يتوقف فيها صدى الصوت من دون تفاعل حقيقي.

لا يخلو الكتاب أيضاً من انتقادات، فهو يتجاهل أن الواقع أكثر تعقيداً من طرحه الأكاديمي، وواقع أن شركات التكنولوجيا ليست جيّدة بالمطلق، لكنها أيضاً ليست شريرة بالمطلق، كما يغيب عن الكتاب نقاش دور أنظمة التعليم، والتدخلات الحكومية والمجتمعية، وكأنّ المنصات الرقمية هي المدان الوحيد، بينما نماذج العمل الرأسمالية، وغياب التشريعات، أو قصورها، وضعف الوعي القانوني، كلها أمور تستدعي استجابات جماعية لا فردية.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

مهاب نصر.. مصر التي اختُزلت بـ"قاهرة" نجيب محفوظ




11 مايو 2026

كشف كتاب "الجغرافيا المقلوبة: عن الحداثة المصرية ومآزقها" (بيت الحكمة للثقافة، القاهرة، 2025) لمهاب نصر، عن مواضع الخلل التي منعت اكتمال المشروع الحداثي في مصر، مركزاً على مشكلات من بينها مركزية كل من المدينة واللغة والثقافة في المأزق، فضلاً عن التدخل السياسي الفج في كل المجالات، كما يرصد المفارقات القائمة بين الجغرافيا والتاريخ، وشيوع المفاهيم المقلوبة التي باتت أشبه بحقائق راسخة تمنع تصحيح المسار.

يضمّ الكتاب مجموعة مقالات نقدية مطولة كتبها الشاعر والناقد المصري مهاب نصر (1962-2023)، بين عامي 2013 و2021، يستعرضها في خمسة أبواب منفصلة، لكنها تظل متشابكة إلى حد بعيد، ويحاول الكاتب من خلالها تشريح المبادئ المتخيلة للحداثة في المجتمع المصري، والتي يراها بعيدة تماماً عن كونها مشروعاً مكتملاً. ويقول: "يصبح الوطن شخصاً اعتبارياً يقف على خشبة مسرح، أو هو خشبة المسرح ذاتها التي يتناوب عليها الأبطال التراجيديون".

يناقش الكاتب في الفصل الأول المركزية الجغرافية القومية في روايات أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ (1911- 2006)، ويقدم نقداً حاداً لفكره وسرده، موجهاً إليه، عبر تحليل شخصيات رواياته، اتهامات بتعمد اختيار موضوعات لا تعبر عن غالبية المصريين، كما لا تصطدم بخطوط السلطة الحمراء، بينما لا تلتزم عادة بالسياق المحافظ الرائج مجتمعياً.

يبدأ الكتاب الانتقادات بالقول إن محفوظ لم يكتف باعتبار نفسه كاتب القاهرة، لا مصر كلها، بل قرر أن يكون كاتب الجزء الشرقي من المدينة فقط، "تلك البقعة المسنودة على هضبة المقطم، مدينة الفتوات والتجار والجوامع والتكايا"، مضيفاً أن "معظم أعماله تدور في هذا الجزء المحتشد بالتاريخ، والملوث بالرمال"، وأن اختيار اسم الجبلاوي في روايته الشهيرة "أولاد حارتنا" هو مثال على التأثر المباشر بالجبل (المقطم) الذي يحتضن المدينة.

ويحيلنا الكاتب على مصطلح "النسب الصحراوي للقاهرة"، والذي صكه صاحب "شخصية مصر" جمال حمدان (1928- 1993)، ليحدد ما يشبه قطيعة عمرانية للنمط الفرعوني لمكان العاصمة، والتي بدأت مع الفتح العربي ببناء العاصمة على الجانب الشرقي من نهر النيل، بداية من "العسكر"، مروراً بـ "القطائع"، وصولاً إلى قاهرة المعز لدين الله الفاطمي. وكتب حمدان: "على هضبة الأهرام والجيزة بقايا العصر الفرعوني، وإن كانت معلقة كالحفريات، بينما على سفوح المقطم وعند أقدامه ترقد المدينة الحديثة".

ويرى مهاب نصر أن طبيعة الجغرافيا التي خلقها محفوظ خلال السرد الروائي تمثل الحدود ذاتها التي تعتمدها النخبة الثقافية والفكرية المصرية حتى الوقت الحاضر في تعريفها للوطن، وحدود العلاقات الإنسانية فيه، وأنه اختار عن وعي بيئة شرق القاهرة التي تمتد من أحياء الحسين والسكاكيني والمقطم والحسينية والجمالية وباب الشعرية والوايلي إلى حدود العاصمة قديماً عند حلوان جنوباً والعباسية غرباً.

يرصد شيوع مفاهيم مقلوبة باتت حقائق راسخة تمنع تصحيح المسار

ويؤكد أن تلك الفكرة كانت مركزية في جيل محفوظ كله، وهو جيل مرحلة "مصر للمصريين" التي صاغها أحمد لطفي السيد (1872-1963)، وترى الاستقلال مرهوناً بالولاء الوطني. ويقول الكاتب إن "فكرة الواقعية في أدب محفوظ تعود إلى طبيعة عقيدته الأدبية التي كانت في جانب أساسي منها ترجمة لأيديولوجيا التمصير، والتي تحدد معناها مسبقاً بقرار نخبوي جماعي مفاده إنجاز أدب مصري بمسحة محلية"، وتلك المسحة قائمة أساساً على مدينة القاهرة، ولا مكان فيها للأطراف.

ويرصد الكتاب أن القاهرة بوصفها مدينة محاصرة بالصحراء لا تتفاعل مع أبطال روايات محفوظ، ولا تشكل لهم مرجعاً، بل إطاراً قهرياً من العزلة، ولذلك يهيم بعضهم فيها كالأشباح. وحين تنتقل بيئة السرد إلى الصحراء، أو إلى الجهة الغربية من النهر، حيث الأحياء الجديدة، يكون ذلك إما للتعبير عن علاقات غير شرعية، كما في "بداية ونهاية"، وإما خارجة عن السياق الاجتماعي كما في "قلب الليل"، أو معبرة عن الانعزال كما في "الحرافيش".

ويقول إن "واقعية محفوظ ترصد المكان (القاهرة) على هيئة فخ أو مصيدة، والخروج منه هو الموت المحقق، والسقوط هو حليف كل محاولة للإفلات منه". ويستشهد بشخصية "أحمد عاكف" بطل رواية "خان الخليلي"، والذي سبَّب تغيير مكان إقامته تغييرَ مصيره.

حين يخرج أبطال محفوظ من القاهرة، تكون الإسكندرية؛ مدينة مهاب نصر، ملاذهم، ورغم أهميتها كونها ثاني أكبر مدن مصر، تظل مهمشة أيضاً، فهي إما مشفى للخارجين من معترك السلطة، وإما استراحة للساقطين من مسرح السياسة، كما في "ميرامار" و"السمان والخريف".

ويلحظ الكتاب أن محفوظ تجاهل الريف بالكلية، رغم أنه يحتل غالبية المساحة المأهولة في مصر، ولم يتعرض للشخصية الريفية سوى في إطار التحولات الجذرية التي تطرأ عليها حين تنتقل إلى المدينة، وتعد شخصية محجوب عبد الدايم في "القاهرة الجديدة" نموذجاً لفكرة الفرار من رجعية التقاليد الريفية إلى انفتاح المدينة.

ويستطرد نصر: "هناك أيضاً فكرة العمل الغائبة دائماً عن روايات محفوظ، رغم أهميته كممارسة تجمع البشر تعيد صياغة أولوياتهم، وتنشئ العلاقات بينهم، إذ لا يمتلك سرد محفوظ الروائي أية تفاصيل دقيقة عن أي صنعة أو مهنة، وبالتالي لن تظهر كثيراً كلمة المصنع، وكأنك تعيش في دولة موظفين وتجار وأصحاب دكاكين".

يلفت "الجغرافيا المقلوبة" كذلك إلى حرص جيل محفوظ من المثقفين المتصلين بالسلطة الحاكمة على اعتماد اللغة العربية، والكاتب لا يرى في ذلك مجرد حرص على الأصل الثقافي، وإنما يعتبره محض دعم للغة الدولة الرسمية. ويستدرك أن ذلك "لا يعني أن كتاب النخبة المصرية بصفة عامة كانوا يسعون للالتحاق بمؤسسات السلطة، وإنما كانوا ينظرون إلى الدولة باعتبارها مشروعاً عقلانياً مجرداً ينبغي دعمه، حتى يتمكن من صون المجتمع".

ويحيلنا الكتاب على مقطع معبر لشاعر النيل حافظ إبراهيم (1872- 1932) من كتاب "ليالي سطيح"، يقول فيه إن "للناس في مصر لسانين، وقد تناكرا حتى اختصوا الأول بالكلام، وجعلوا الثاني من نصيب الأقلام"، في وصف صريح لحالة الازدواجية السائدة في المجتمع المصري، حيث يُنتقد الظلم في الخفاء، ويُمدح الظالم في العلن، ما يجسد الخوف من السلطة، ويسلط الضوء على نفاق اجتماعي وسياسي رائج.

ويضيف مهاب نصر: "أخبار العالم يقولها الأبطال، بينما لا نرى أبداً هذا العالم، كما أن مصائر الشخصيات مرتهنة بمسار الدولة، وأسئلتهم الوجودية هي صدى مباشر للسؤال السياسي العام". يقول محفوظ على لسان البطل في رواية "حضرة المحترم"، إن "الدولة هي معبد الله في الأرض، وبقدر اجتهادنا فيها تتقرر مكانتنا في الدنيا والآخرة".

ينتقل صاحب "الجغرافيا المقلوبة" لاحقاً إلى مرحلة أوسع من نقد نجيب محفوظ، فيقرر أن "الشائعة القائلة بتسجيل محفوظ القاهرة التاريخية بتفصيل حاراتها وأزقتها وعادات أهلها تحتاج إلى إعادة نظر. إذ تبدو مخالفة لواقع الحال، فسرد محفوظ فقير في تفاصيله"، وهو يستشهد بـ "ميرامار" و"ثرثرة فوق النيل"، حيث تعيش الشخصيات في بيئة مكانية معزولة، غالباً شقة مفروشة، أو عوّامة، أو بنسيون "فندق شعبي صغير".

ويحيلنا مجدداً على دراسة الناقدة المصرية سيزا قاسم (1935-2024)، بعنوان "بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ " (1978)، وتقول فيها إنه "إضافة إلى كون العناصر التي يختارها محفوظ لوصف المكان ليست معبرة، فإن هناك تكراراً لنفس العناصر، فالبيوت والحجرات تظهر في نفس الشكل وعلى نفس الطراز، والسمات مشتركة بين الأماكن المختلفة، وليست سمات مميزة".

ويستدرك نصر: "حتى لا يكون نجيب محفوظ ضحية، يدفع الجميع الثمن، بمن فيهم محفوظ نفسه، فرغم كل التكريس الإعلامي والعالمي، لم يقرأ أعماله سوى الآلاف من أبناء بلاده، وهم نخبة محاصرة مثله تماماً". ويفسر: "صنع لنا التاريخ نجيب محفوظ، لكن محفوظ لم يكتب تاريخاً، لم يكتب حتى ثغرات التاريخ الرسمي، لأن ما هو شخصي وما هو عام عنده مجرد نماذج في رواياته، فلا هذا هو المواطن، ولا هذا هو الوطن".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"صُنع في أميركا"... ترامب نتيجة حتمية لتاريخ أميركي مظلم





25 مايو 2026

في كتابه "صُنع في أميركا: التاريخ المظلم الذي قاد إلى دونالد ترامب" (بنغوين راندوم هاوس، نيويورك، 2026) يقدّم الإعلامي البريطاني إدوارد ستورتون إسهاماً مهماً في فهم صعود الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة، كما يحاول دحض أسطورة "الشذوذ" التي تتمسك بها نخب ليبرالية أميركية لتفسير فوز ترامب بالرئاسة. ويمثل الكتاب رحلة استقصائية في جذور سياسات الهوية، والإمبريالية، والتعصب الديني، والشمولية الأمنيّة التي يرى الكاتب أنها شكلت هوية الولايات المتحدة، ويقدّم فكرة مفادها أن ترامب ليس انحرافاً عن المبادئ الأميركية الرائجة، بل هو "التجسيد الأكثر صدقاً لجوهرها المظلم"، مضيفاً: "ترامب ليس ظاهرة، بل مرآة لدولة استعمرت، وطهّرت عرقياً، وشوهت دستورها طوال تاريخها".

ويرى ستورتون (1957) أن ترامب رئيس يعيد إنتاج وقائع تاريخية سابقة، وأن قراراته المثيرة للجدل لم تكن مجرد قرارات رئاسية عابرة، ولا هلوسات شعبوية، كما يحلو للبعض وصفها، بل هي "صدى مباشر" لأنماط حاكمة في السياسة الأميركية تمتد إلى ثلاثة قرون مضت. عمل ستورتون في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني لأكثر من 40 عاماً، واشتهر بكونه أحد المقدمين الرئيسيين لبرنامج "اليوم" على راديو "بي بي سي 4"، ويعتمد كتابه "صُنع في أميركا" على رصد ستّ سمات رئيسية تميز السياسة الترامبية، وهو يتتبع كلّ سمة منها عبر ربطها بسابقة تاريخية أو أكثر.

أولى سمات ترامب التي لها سوابق تاريخية هي الإرث التوسعي الإمبريالي، فترامب الذي تحدث علناً عن جعل كندا "الولاية 51"، وأعاد إحياء فكرة شراء جزيرة غرينلاند، لم يبتدع ذلك، إذ إن الولايات المتحدة التي نعرفها اليوم بُنيت على صفقات توسعية متعددة تجاهلت تماماً حقوق السكان الأصليين، وصبغت توسعها بمفهوم "القدر الجلي" الذي جعلها "أمة إمبريالية" بامتياز، بينما قدمت نفسها لاحقاً قوة مناهضة للإمبريالية. ويستعرض الكتاب مثال "صفقة لويزيانا" في عام 1803 مثالاً، حين اشترى الرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون إقليم لويزيانا من فرنسا، بينما لم تكن تلك الأراضي الشاسعة ملكاً للإمبراطورية النابليونية كي تبيعها، بل كانت مأهولة بعشرات القبائل من السكان الأصليين، ثم "الحرب المكسيكية" (1846-1848) التي أجبرت سلطات المكسيك على التنازل عن نحو نصف أراضيها، بما فيها كاليفورنيا وتكساس، مقابل 15 مليون دولار.

يرى أن الترامبية ذات جذور تاريخية لا مجرد هلوسات

السمة المشتركة الثانية التي رصدها الكتاب هي التعصب الديني، ويربط الكاتب بين مقولة حاكم مستعمرة خليج ماساتشوستس، المحامي البيوريتاني جون وينثروب، في عام 1630: "يجب أن نعتبر أنفسنا مدينة على تلّة. أعين العالم كلها علينا"، وبين مصطلح "أميركا أولاً" الذي يعتمده ترامب وحركة "ماغا" حالياً. يسأل ستورتون: "كيف يمكن للإنجيليين المحافظين، وهم من أشد المؤمنين بالأخلاق المسيحية، أن يدعموا رجلاً اتُهم بالاعتداء الجنسي والكذب والفساد؟"، ثم يجيب: "مدينة وينثروب أيضاً لم تكن نموذجاً للتسامح، بل لمشروع تطهير ديني في مستعمرة خليج ماساتشوستس، حيث كان المخالفون يتعرضون للجلد أو النفي أو الإعدام". ويضيف: "النزعة الاستعلائية التي يتبناها الإنجيليون اليوم، واستعدادهم لتبرئة ترامب في سبيل الأجندة المحافظة، هي نفس النزعة التي جعلت وينثروب يطرد المخالفين (الكويكرز) خارج مستعمرته".

والسمة المشتركة الثالثة في الكتاب هي الشوفينية والاعتقالات الجماعية، فسياسات ترامب تجاه المهاجرين، ولا سيما بناء جدار الفصل على الحدود المكسيكية، والفصل العائلي للمهاجرين ليست اختراعاً، بحسب ستورتون، لكنها إحياء لـ"قوانين الأجانب" التي أصدرها الرئيس الأميركي الثاني جون آدامز في عام 1798، والتي أعطته صلاحية اعتقال وترحيل أي أجنبي يعتبره "خطراً على السلام والأمن"، وسجن الصحافيين المعارضين بتهمة "التحريض"، وهذه القوانين جرى إسقاطها في وقت لاحق باعتبارها تمثّل انتهاكاً صارخاً للتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يحمي حرية التعبير والصحافة.

أما السمة الرابعة فتناول من خلالها ستورتون تجاهل ترامب المؤسسات القضائية، وتعمده توسيع صلاحيات الرئيس، سواء عبر تجاهل الأحكام، أو مهاجمة القضاة الذين يصدرون أحكاماً لا تعجبه، معتبراً أن ترامب لم يخترع فكرة تجاهل أحكام القضاء. بل أحيا ما فعله الرئيس السابع أندرو جاكسون، والذي تجاهل ما قضت به المحكمة العليا في قضية وورستر ضد جورجيا في 1832، وهو الحكم الذي أكد حقوق قبيلة شيروكي من السكان الأصليين في التحكم بأراضيها، وليس ولاية جورجيا. وحينها قال جاكسون ساخراً: "القاضي جون مارشال أصدر حكمه، فليقم بتنفيذه بنفسه"، ثم أمر بترحيل 60 ألفاً من السكان الأصليين قسراً عبر ما يعرف في التاريخ الأميركي بـ"درب الدموع والآلام"، وخلال هذا الترحيل الدامي قضى نحو ربع المُرحّلين نحبهم.

رحلة استقصائية في جذور سياسات الهوية والإمبريالية والتعصب الديني

ويتناول الكتاب في السمة المشتركة الخامسة أزمة التعرفات الجمركية الحمائية التي فرضها ترامب على الصلب والواردات الصينية، ثم على دول عدة، واصفاً نفسه بـ"رجل التعرفات"، ويشير ستورتون إلى أن ذلك مجرد تكرار فج لما فعله في عام 1890، الرئيس الخامس والعشرون ويليام ماكينلي، الملقب أيضاً بـ"نابليون التعرفات"، حين رفع الرسوم الجمركية إلى أعلى مستوياتها في تاريخ الولايات المتحدة. ويؤكد الكاتب أن "حمائية" ماكينلي لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل كانت خطاباً شعبوياً هدفه المعلن "حماية العامل الأبيض من المنافسة الأجنبية"، وهو الخطاب ذاته الذي يستخدمه ترامب حالياً.

وترصد السمة المشتركة السادسة في الكتاب ظاهرة "معاداة الإعلام"، ويقول ستورتون إن ترامب الذي يوصف بأنه "رئيس التغريدات"، يكرر الهجوم على وسائل الإعلام غير الموالية، ويواصل تشويه سمعة الإعلام المستقل بزعم "حماية الأمن القومي". ثم يحيلنا في الكتاب إلى السيناتور جوزيف مكارثي، الذي استغل منصته في "اللجنة الفرعية للتحقيق" (1950-1954)، لتلفيق التهم وإرهاب الخصوم، معتمداً على الصحف والإذاعة في نشر الخوف.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

محمّد البرادعي ونواف سلام.. مواقف ومآلات




07 يونيو 2026

إذا ما وضعت صورة محمّد البرادعي (78 سنة) إلى جانب صورة نوّاف سلام (72 سنة)، لظننتَ لوهلة أنك أمام شقيقين. والتشابه بينهما لا يقتصر على الشكل وحده، بل يمتدّ إلى دراستهما الحقوق، والالتحاق بالعمل في الأمم المتحدة، وصولاً إلى اعتمادهما أسلوب "المواطن الكوني"، أو "البيروقراطي الدولي".

تولّى البرادعي منصب نائب رئيس الجمهورية في مصر (2013) في لحظة فارقة. فتنة سياسية عميقة، وانقسام مجتمعي حاد، وشوارع تغلي. كان الرجل قادماً من منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث اعتاد التعامل مع الملفات بمنطق الجداول الزمنية والتقارير الفنية. فماذا فعل حين وجد نفسه في قلب أزمة القاهرة؟... تكلّم بلغةٍ لا يفهمها سوى مترجمي الأمم المتحدة، وكرّر على المصريين مصطلحات "الحوار الوطني الشامل" و"آليات الانتقال الديمقراطي" و"الحوكمة الرشيدة"، بينما الشارع يطلب أموراً أبسط، رغيف خبز وعدالة اجتماعية وكرامة. كان الرجل يتحدّث وكأنه يُلقي محاضرة في مجلس الأمن. ينظر إلى المصريين بنظرة "الخبير الدولي" الذي يزور بلداً نامياً 48 ساعة، كي يُعدّ تقريراً عن "الأوضاع" بعد أن يغادر إلى مستقرّه الأوروبي.

فشل البرادعي فشلاً ذريعاً. لم يستطع أن يشعر بغضب سائق تاكسي في الإسكندرية، أو هموم فلاح في دلتا النيل، أو خيبة شاب عاطل في القاهرة. كان يعتقد أن القيم العالمية التي يُردّدها في المؤتمرات التي يحضرها في لندن ونيويورك كافية لحل أزمة وطنية عميقة. وحين احتدم الصراع غادر البلاد تاركاً خلفه ذكرى رجلٍ كان يُجيد الإنكليزية أكثر من العربية، وبضعة مقابلات مع قنوات محلية تحولت إلى مصدر سخرية لاذعة منه بين المصريين.

ما يجمع البرادعي وسلام ليس مجرّد الخلفية الأممية، بل عقلية المواطن الكوني التي تُبعد صاحبها عن أرضه وشعبه

أما نواف سلام، فقد تولّى رئاسة الحكومة اللبنانية (2025) في لحظةٍ ليست أقلّ فداحة. دولة منهارة اقتصادياً، وشعبٌ يعيش غالبيته تحت خط الفقر، ونظامٌ طائفي متآكل، وكيان مجرم يهدّد البلد كله بالاحتلال. كان الرجل قادماً من منصب رئيس محكمة العدل الدولية، حيث اعتاد التعامل مع مصطلحات "القانون الدولي" و"العدالة التحكيمية".

يخاطب نواف سلام اللبنانيين بلغةٍ لا تقلّ تعقيداً عن لغة البرادعي. يحدثهم عن "الإصلاحات الهيكلية" و"الحوكمة الشفافة" و"الشراكة مع المجتمع الدولي"، بينما اللبناني يبحث عن كهرباء، ودواء، ومدّخرات مهدرة. يتحدث كأنه لا يزال يُلقي رأياً استشارياً في مقر المحكمة بلاهاي، وينظر إلى مواطنيه بنظرة "القاضي الكوني" الذي يفصل في نزاعٍ بين دولتين، لا كمسؤول في بلد يعيش أزمة وجودية.

لم يستطع سلام منذ توليه رئاسة الحكومة أن ينهي أي مشكلة، ويبدو أنه لا يدرك أن البلد الذي يرأس حكومته معرّض لحرب أهلية في حال الإصرار على الإجهاز على المقاومة، ولا يصدّق أن العدو المتربّص لا يضمر الشر لحزب الله وحده، بل للبلد كله. ربما يعتقد أن القيم الغربية التي يلوك مصطلحاتها في المحافل الدولية في مؤتمرات ومنتديات باريس وبروكسل كافية لحل أزمة وطنية مزمنة. لكن الواقع يخالف هذا تماماً، فمنطق القوة وحده يحكم، ولبنان ليس قوياً.

المرجح أن نواف سلام سيغادر إلى مستقر أوروبي قريباً، كما فعل محمّد البرادعي سابقاً، تاركاً خلفه ذكرى رجل لم يفهم طبيعة بلد تولى فيه مسؤولية كبيرة فيه، وأزمات سيكون له نصيب في استفحالها، وربما انعدام إمكانية تجاوز تداعياتها.

إذا التقى البرادعي وسلام يوماً في مطارٍ أوروبي لن يتحدّثا عن مصر أو لبنان

ما يجمع البرادعي وسلام ليس مجرّد الخلفية الأممية، بل عقلية المواطن الكوني التي تُبعد صاحبها عن أرضه وشعبه، فكلاهما يؤمنان بالقيم الغربية أكثر من المبادئ الشرقية، وبديمقراطية نموذجية غير قائمة، وبسيادة القانون على الطريقة الأوروبية، وبحقوق الإنسان بالصيغة التي أنتجها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. تلك المفاهيم التي تبدو مناسبة لصالونات جنيف، تتهاوى حين تصطدم بالواقع العربي الكارثي في أزمنة الانهيار السياسي، والانحدار الديمقراطي، والصراعات الأهلية، والاحتلال. ففي مصر، كما في لبنان، تظل "الحوكمة" و"الشفافية" و"الحوار البنّاء" و"الشراكة الدولية" محض مصطلحات فارغة من معناها، بينما المطلوب استعادة الكرامة المهدرة، والعدالة المفقودة، وخطط للمستقبل.

يمثل البرادعي وسلام نموذجاً بيروقراطياً دولياً يُنتج قادةً بلا جذور، وسياسيين بلا ظهير شعبي، ومنقذين محتملين بلا قدرات إنقاذ فعلية. فمن يقضي عقوداً في مكاتب الأمم المتحدة المكيفة يفقد القدرة على سماع نبض الشارع، أو صوت المقهورين، ولا يملك حتى القدرة على الحديث بلغةٍ يفهمها المواطن العادي، فالأصل أن الأوطان لا تدار بمنطق الوكالة الدولية، والشارع لا يهدأ بقرار من محكمة العدل الدولية.

إذا التقى البرادعي وسلام يوماً في مطارٍ أوروبي لن يتحدّثا عن مصر أو لبنان. غالباً سيتبادلان التحية بلغة غير العربية، ثم يتشاركان الشكوى من صعوبات العمل مع الجماهير "الغوغائية"، قبل أن يتجه كلٌ منهما إلى غرفة الانتظار الدولية، في طريقه إلى مستقره الهادئ بعيداً عن صخب السياسة التي لم يكونا يوماً مؤهلين للعمل بها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

عبد العزيز مخيون... محطّات في الدراما والسينما




11 يونيو 2026


ارتبط وجدان الجمهور المصري والعربي بالفنان الراحل عبد العزيز مخيون (1946- 2026) عبر شخصيتين قدمهما مبكراً في مساره الفني الذي امتد لأكثر من نصف قرن، الأولى شخصية طه السماحي في المسلسل الملحمي "ليالي الحلمية" (1987)، للكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، إذ كانت الشخصية نموذجاً لنضال الحارة الشعبية المصرية، ولحالة الوعي بهموم البلاد من خلال مقاومة الاحتلال الإنكليزي.

والشخصية الثانية هي ضابط الشرطة سالم زيدان في الفيلم الأيقوني "الهروب" (1991)، من تأليف مصطفى محرم وإخراج عاطف الطيب. في "الهروب"، يمزق سالم زيدان الصراعُ بين الواجب والعدالة، ويعبر بوضوح عن مأزق المثقف داخل المؤسسة الأمنية. يتطور الصراع بين الرائد سالم الذي يمثّل السلطة والقانون، ومنتصر (أحمد زكي)، الذي يمثل التقاليد والدم الصعيدي الحامي.

في عالم الدراما، ثمة لحظة فارقة يتجاوز فيها الممثل حدود الأداء ليدخل منطقة التلبس، وقد يبدو هذا نجاحاً، لكنه غالباً ما يتحول إلى أزمة تلاحق الفنان. وبينما استكان بعضهم للشخصية التي أحبها الجمهور، رفض عبد العزيز مخيون الذي تخرج من معهد الفنون المسرحية في القاهرة، الاستسلام لسطوة هاتين الشخصيتين الناجحتين، أو حصر نفسه في قالب نمطي، واستعان بثقافته الواسعة وموهبته لتجاوز هذا التحدي.

في عام 1987، تزامناً مع عرض الجزء الأول من "ليالي الحلمية"، قدم شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلي أبو داود في فيلم "بئر الخيانة" (إخراج علي عبد الخالق)، وهو دور شديد التعقيد يتطلب ممثلاً قادراً على تجسيد الشر المطلق، كما يعارض تماماً شخصية المناضل طه السماحي.

في عام 1991، تزامناً مع عرض "الهروب"، شارك عبد العزيز مخيون في فيلم "شحاتين ونبلاء" من إخراج أسماء البكري، وقدم فيه شخصية المحقق نور الدين، الذي يتتبع خيوط جريمة قتل اعترف بارتكابها البطل رغبةً منه في تدمير ذاته من فرط اليأس، لتشهد الأحداث مواجهة فلسفية بينهما حول مفهوم العدالة.

ربما ساعد مخيون أيضاً تعامله مع العديد من كبار الكتاب والمخرجين؛ ففي بداياته الأولى، عمل مع علي بدرخان في "الكرنك" (1975)، ومع يوسف شاهين في "إسكندرية ليه؟" (1978)، و"حدوتة مصرية" (1982).

وقبل "ليالي الحلمية"، عمل مع أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ في المسلسل الشهير "الشهد والدموع" (1985)، إذ أدّى دور شخصية وحيد: المثقف الحالم الذي يحاول إنهاء العداوة بين أفراد العائلة عبر قصة حب تربط أفراد الجيل الثاني.

في 1986، قدم شخصية جابر الجبالي في فيلم "الجوع" (إخراج علي بدرخان عن رواية نجيب محفوظ)، مبرزاً قدراته على تجسيد معاناة الطبقات الفقيرة. كما قدم عدداً من الأدوار التاريخية، من بينها شخصية عزيز مصر في مسلسل "محمد رسول الله" (1982) تأليف عبد الحميد جودة السحار وإخراج أحمد توفيق، وشخصية أبو طالب بن عبد المطلب في مسلسل "عمر" (2012) من تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي.

تميز مخيون بالقدرة على إضفاء طبقات أداء متعددة على الشخصيات التي يجسدها، حتى لو كانت تبدو متشابهة. ومن بين الجوانب التي لا يعرفها كثيرون، أنه درس الموسيقى وأجاد العزف على آلة الكمان، وربما ساعدته معرفته الموسيقية في تجسيد شخصية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في أربعة أعمال درامية هي "أمير الشعراء" (1982) من إخراج إبراهيم الصحن، ثم في مسلسل "أم كلثوم" (1999) تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج إنعام محمد علي، ومسلسل "السندريلا" (2006) عن حياة سعاد حسني، من إخراج سمير سيف، ومسلسل "أبو ضحكة جنان" (2009) عن حياة إسماعيل ياسين، من إخراج محمد عبد العزيز.

كان مخيون أيضاً شغوفاً بشخصية الصحافي، وقدمها عدة مرات، بداية من مسلسل "أنا وإنت وبابا في المشمش" (1989) من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج محمد فاضل، ثم في فيلم "امرأة آيلة للسقوط" (1992)، إخراج مدحت السباعي.

ولعلاقته بالصحافة قصة لا تروى كثيراً، إذ عمل بها في بدايات حياته، وكان ينشر في مجلات من بينها "روز اليوسف"، وله مقابلات مهمة مع شخصيات مثل لويس عوض والمعماري حسن فتحي، والشاعر نجيب سرور.

وكتب كثيراً من المقالات في النقد المسرحي. كما كانت له علاقة طويلة بالصحافي المصري مجدي أحمد حسين، رئيس تحرير صحيفة الشعب التي كانت تصدر عن حزب العمل المعارض.

في عام 2004، تأسست الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، وكان عبد العزيز مخيون أحد أبرز مؤسسيها. كانت "كفاية" تطالب الرئيس، حينها، حسني مبارك بترك السلطة، وترفض ترشحه لفترة رئاسية خامسة، وعارضت تولي ابنه جمال الرئاسة من بعده.

كان الانضمام إلى حركة "كفاية" تعبيراً عن مواقف مخيون السياسية الصريحة، وكان يمكن أن تؤدي إلى توقف مساره الفني، لكنه لم يهتم كثيراً بذلك، كما انضم لاحقاً إلى الفنانين المشاركين في ثورة 25 يناير، وكان حاضراً في ميدان التحرير، وفي الحراك السياسي الذي أعقب سقوط النظام.

في هذه الفترة أيضاً، عرف كثيرون أن رئيس حزب النور السلفي يونس مخيون، هو خال عبد العزيز مخيون، لكنه لم يكن قريباً من هذا الحزب، بل كان يعارض توجهاته، رغم محاولات بعضهم الربط بينه وبين التيار الإسلامي خلال الفترة من 2011 حتى منتصف 2013.

في سنواته الأخيرة، قدم مخيون أدواراً مهمة أيضاً، من أبرزها تجسيد شخصية حسن الهضيبي، المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في الجزء الثاني من مسلسل "الجماعة" (2016)، من تأليف وحيد حامد وإخراج شريف البنداري، وشخصية "الشيخ مدين"، المتصوف في مسلسل "جزيرة غمام" (2022) إخراج حسين المنباوي.

تبرز أعمال عبد العزيز مخيون المتنوعة، التي تجاوزت الـ200 فيلم ومسلسل، التزامه العميق بالفن الجاد الذي يترك أثراً، كما تعكس مشاركته السياسية الفاعلة وعياً نادراً بين أبناء جيله، وتؤكد امتزاج حضوره الفني بالوعي السياسي والثقافي.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

ستيفاني روزا: الحداثة تؤيد استمرار النظام الاستعماري




العربي الجديد

14 يونيو 2026

يطرح كتاب "اليسار ضد التنوير؟" (المحروسة، القاهرة، ترجمة عصام الدين حسين، 2026) للأكاديمية الفرنسية المتخصصة في الفلسفة السياسية ستيفاني روزا، عدة أسئلة جوهرية حول مآلات التيارات اليسارية، والتحولات التي شهدتها خلال القرنين الأخيرين، من بينها: هل انقلب اليسار على أبيه الروحي كارل ماركس؟ وهل بات يهاجم إرث التنوير الذي كان لعقود مصدر استمراره؟

وينطلق الكتاب الصادر بداية عن دار "فايار" عام 2020، من كون الهجوم على أفكار مثل العقلانية والتقدم والكونية لم يعد مصدره اليمين المحافظ أو المؤسسات الدينية فحسب، بل امتد إلى التيار اليساري، كما أنه بات مرصوداً في بعض دراسات ما بعد الاستعمار، وفي شعارات الحركة النسوية التقاطعية، والعديد من الحركات الهوياتية. ويعدّ الكتاب خلاصة لدراسات ستيفاني روزا السابقة حول فلسفة التنوير والفكر الاشتراكي، وتقول الكاتبة فيه، إنه "منذ ظهور الحركات الاشتراكية والشيوعية والأناركية، كانت مهمة اليسار هي توسيع مكتسبات التنوير، لا هدمها. أما اليوم، فثمة تيار يساري يُحدث تحوّلاً جوهرياً في طبيعة هذه العلاقة".

يُفرد الكتاب الفصل الأول لتشخيص ما يسمّيه "اللاعقلانية الجديدة"، وكيف تتسلل إلى اليسار في أثواب متعددة، من بينها رفض الأُطر التنظيمية الجماعية، مثل النقابات العمالية، وتحدي مسارات اتخاذ القرار الديمقراطية، مع التركيز على ظاهرة التعلق بالعفوية والحدس على حساب التحليل المنهجي. وتُحدد الكاتبة بوضوح كيف تتقاطع اللاعقلانية مع العداء للعلم، وكيف تحول الفكر اليساري من أداة تحرر عقلاني إلى احتضان الغرائز ودعم أزمة الهويات. وهي ترصد في الكتاب ظاهرتين معاصرتين، أولاهما ازدهار ثقافة "الشهادة الشخصية" والتي باتت تُقدَّم بوصفها أهم من المعرفة النظرية، والثانية هي صعود "المعرفة الهوياتية"، والتي تربط صحة الادعاء المعرفي بانتماء صاحبه الهوياتي. تقول روزا: "اللجوء إلى أسلوب الرواية بضمير المتكلم، ورفض التعميم لصالح التجارب الفردية من بين نتائج هذه الروح المعادية للعقلانية".

ترى أن اليسار ليس تحررياً ما لم يحافظ على العقلانية  

في فصله الثاني، يعالج الكتاب هجوم تيارات يسارية على مفهوم التقدم، وتستحضر الكاتبة ما فعله الفيلسوف الفرنسي جورج سوريل (1847-1922)، صاحب كتاب "أوهام التقدم" الصادر في عام 1908، حين انتقد التقدم باعتبار أنه "أيديولوجيا برجوازية صُممت لترسيخ هيمنة الطبقات الحاكمة، وصرف انتباه الجماهير عن النضال الحقيقي"، وانتقد فكرة "الخط المستقيم" للتاريخ التي روّجها مفكرو عصر التنوير، معتبراً أنها "أسطورة ملفقة لإقناع الطبقات الكادحة بأن الحاضر هو بالضرورة أفضل من الماضي، والمستقبل سيكون أفضل للجميع، ما يبث السلبية والاستكانة".

يعدّ فصل الكتاب الثالث هو الأكثر توسعاً، والأكثر إثارة للجدل أيضاً، وفيه تحاول الكاتبة إثبات أن مفهوم الكونية يشمل الحقوق الإنسانية المشتركة، والمساواة بصرف النظر عن الانتماء، والعلمانية بوصفها فضاء محايداً، وترى أن تلك المبادئ الأساسية باتت تتعرض لحملات إقصاء أو إنهاء من بعض منظري التيار اليساري. وتكتب: "بالنسبة للهوياتيين العِرقيين المعاصرين، تخفي فكرة الكونية واقع الهيمنة البيضاء، فالكونية المُدّعاة ليست في رأيهم سوى قناع يبرر استمرار النظام الاستعماري".

وتستشهد بمثالين للدلالة على فكرتها: أولهما استناد هو تشي منه في إعلان استقلال فيتنام عام 1945 صراحةً إلى إعلان الاستقلال الأميركي وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي، مستعملاً الكونية التنويرية سلاحاً أيديولوجياً ضد الاستعمار، لا أداة لتسويغه. والمثال الثاني هو الخلاف بين جواهر لال نهرو والمهاتما غاندي حول رؤيتهما لمستقبل الهند، حين دافع نهرو بوصفه رجل دولة ذا توجه اشتراكي عن إرث العقلانية الغربية بوصفها أداة أساسية لتحديث المجتمع، في حين كان غاندي يدعو إلى اقتصاد ريفي لا مركزي يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي، والعودة إلى نمط الحياة التقليدي.

ويورد الكتاب نقداً لاذعاً لتيار النسوية التقاطعية، والذي يعتبر أن تجارب النساء تختلف بحسب العرق، والطبقة، والتوجه الجنسي، والموقع الجغرافي، وترى الكتابة في ذلك توجهاً طبقياً، وأن هذا التيار يُفرط في تقييم الجندرية والعرقية على حساب المساواة، كما يُفتت النضال العمالي ويُشتت طاقته في مسائل هوياتية. وتستشهد بالنقاش المحتدم حول دستور تونس في 2012، حين تبنّى المشروع الأول للدستور تعريف "المرأة مكملة للرجل لا مساوية له". وتقول روزا: "أين كانت الفيلسوفات الحقيقيات في تلك اللحظة؟ لماذا تصدت لهذا التعريف المعارضات التونسيات المدفوعات بكره الإسلام وحدهنّ؟".

ويمكن اعتبار محاولة رسم الخريطة الفكرية للتيارات اليسارية من بين أبرز ما يُقدمه كتاب "اليسار ضدّ التنوير؟"، إذ تتبعت ستيفاني روزا كيف انبثقت بذور اللاعقلانية اليسارية من رحم النقابية الثورية في مطلع القرن العشرين. وترصد هجوم جورج سوريل على الاشتراكية البرلمانية متهماً إياها بالتواطؤ مع الجمهورية البرجوازية، ثم ذهاب تلميذه عالم الاجتماع إدوار بيرت (1875-1939) أبعد من ذلك بالدعوة إلى التحالف مع أقصى اليمين، ما يعتبره الكتاب "إرهاصة أولى للفاشية". وتؤكد روزا أن تلك المواقف أظهرت بجلاء أن رفض أفكار التنوير يمكن أن يقود تيار اليسار إلى مواقف لا تختلف كثيراً عن كل ما يدعي محاربته. وكتبت: "ثمة تقاطع نظري بين دراسات ما بعد الاستعمار المعادية للكونية، وبين مواقف الإسلام السياسي، ويعتمد هذا التقاطع بالأساس على رفض الكونية التنويرية".

ويكرر الكتاب في أكثر من موضع السؤال عن حقيقية بعض تيارات اليسار، ويقرر أنه لا يمكن أن يكون اليسار يساراً من دون أن يحمل مشروعاً تحررياً كونياً يخاطب الإنسان، لا العرق أو الجنس أو الدين، كما يسأل: هل المصالحة بين النسبية الثقافية ومشروع التحرر الإنساني ممكنة أصلاً؟ وتُجيب روزا: "اليسار الذي يتخلى عن مبادئ العقلانية والتقدم والكونية لا يمكن اعتباره يسار تحرر، بل يتحول إلى يسار هويات يُعيد إنتاج منطق الشمولية، وإن بخطاب ثوري، وتكمن خطورته في أنه يُوهم أتباعه بأنه يدعو إلى التقدم، بينما يُغلق الأفق أمام أي مشترك للطبقة العاملة". وتضيف: "لقد تعلّم اليسار أن ينتقد بشجاعة دولة العمال حين تحوّلت إلى دولة استبداد، وعليه اليوم أن يتعلم نقد الهوياتية التي تُفرغه من مضمونه الإنساني".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

قواعد التفاوض بين عقلية التاجر ودبلوماسية البازار




19 يونيو 2026


يمثّل توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تتويجاً لمسار دبلوماسي مُعقّد، شاركت فيه وساطة باكستانية دعمتها وساطة قطرية في الأسابيع القليلة الماضية، ونتج عنه هدنة مؤقّتة في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ "حضارة كاملة ستفنى" إذا لم تُعد إيران فتح مضيق هرمز، وبعد أكثر من خمسة أسابيع على هجمات جوية وصاروخية مُتبادلة.

بدأ المسار التفاوضي في مسقط خلال عام 2025، وكانت آخر جولاته في 6 فبراير/ شباط الماضي، ثم في جنيف، لكنه لم يكتمل بسبب تصعيد عسكري بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران في 28 فبراير/ شباط، وأسفر عن مقتل المُرشد علي خامنئي وعديد من القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية، بمن فيهم وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري ورئيس أركان الجيش، إضافة إلى مئات الضحايا، ودمار واسع في أنحاء إيران، وأعقب هذا ردّ إيراني واسع طاول إسرائيل ودول الخليج العربي الست والأردن.

ويُعدّ المسار التفاوضي الطويل بين واشنطن وطهران نموذجاً للمقارنة بين أسلوب "التاجر" الأميركي وأسلوب "البازار" الإيراني، وليس في هذا استعارة ثقافية، بل واقع يعتمد على منطقين متصارعين جرى توثيقهما مُسبقاً في كتابين رائجين يمكن الإضاءة عليهما لفهم ما يجري: "فن الصفقة" الذي أصدره ترامب بالتعاون مع الصحافي توني شوارتز في 1987، وكشف فيه كيفية إدارته صفقاته التجارية والعقارية: و"قوّة التفاوض" الذي أصدره وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 2023 (ترجمة فاطمة محمدي سيجاني، الطبعة الثانية، دار هاشم للكتب والنشر، بيروت، 2026) ويُعبّر عن مبادئ الدبلوماسية الإيرانية الراسخة. لكن التناقض بين طرفي الاتفاق ليس مجرّد اختلاف في الأسلوب، بل يمكن اعتباره "صداماً حضاريّاً" بين نموذجين للسلطة والمصلحة بينهما انعدام كامل للثقة المتبادلة، فالأميركي يرى الاتفاق "صفقة" يجب أن تُبرم بسرعة وتُعلن بزهو إعلامي، بينما يراها الإيراني "مهمّة" يجب أن تُدار ببطء وتُبنى عبر التراكم. ويعكس هذا فلسفتين متعارضتين بالكلية، فالتاجر يريد أن تجمع الصفقة كلّ شيء في عقد، بينما صاحب البازار يُفضّل صفقة مُجزّأة كي يحافظ على بعض أوراق الضغط لاستخدامها في الجولات المقبلة.

يورد ترامب في "فن الصفقة" أنّ استخدام التأثير يتطلّب الخيال والبراعة لإقناع الطرف الآخر بأنّ من مصلحته إتمام الصفقة، وأنّه يستغل وسائل الإعلام دائماً لإثارة الاهتمام وتحقيق الأرباح، بينما أسوأ ما يمكن فعله في أيّ صفقة أن تظهر تلهفك لإتمامها. ويقول: "أدخل في أي صفقة متوقعاً الأسوأ. هناك أوقات يكون فيها الخيار الوحيد المواجهة، وموقفي طوال حياتي هو الردّ بقوة، وإلا فإن الموقف السيئ سيصبح أسوأ".

يريد التاجر أن تجمع الصفقة كلّ شيء في عقد، بينما صاحب البازار يُفضّل صفقة مُجزّأة كي يحافظ على بعض أوراق الضغط لاستخدامها في الجولات المقبلة

ويبرع ترامب في استخدام أسلوب "التناقض المُتعمّد"، فبينما تجرى المفاوضات، كان يكرّر عبر "تروث سوشال" تصريحات عدائية للغاية. وليس في هذا ارتباكاً، بل استراتيجية، فهو بوصفه تاجراً مُحترفاً لا يتوقّف عن الضغط حتى اللحظة الأخيرة، حتى يُبقي الطرف الآخر في حالة عدم يقين دائمة، ما يُضعف موقفه، ويُرغمه على تقديم مزيد من التنازلات.

بينما يؤكد عباس عراقجي في كتابه "قوة التفاوض" أنّ التفاوض ليس مجرّد عملية تقنية لإدارة الخلافات، بل هو ممارسة سيادية تعكس القوّة الوطنية، وتترجم مكانة الدولة وفاعليتها على الساحة الدولية، ما يجعله "فناً استراتيجياً يتطلّب ذكاء ثقافياً، وصبراً استنزافياً، وقدرة على تحويل عناصر القوة إلى خطاب تفاوضي يحافظ على الكرامة والاستقلال".

وفي كلمة ألقاها في معرض الكتاب في طهران في مايو/ أيار 2025، قال عراقجي إنّ "المساومة تكتيك تفاوضي شائع بين الإيرانيين"، وبحسبه، يتقن الدبلوماسيون الإيرانيون لعبة "المفاوضات من أجل المفاوضات" وسيلة لإرهاق الطرف الآخر. وبينما كانت المفاوضات جارية، كانت إيران تتحدّث عن إنتاج صواريخ باليستية بمديات أكبر، وعن خطط لبناء محطّات نووية جديدة. وليس هذا تناقضاً، بل استراتيجية أيضاً، فطهران ترفض العرض الأوّل بقوّة كي تتحسّن شروط العرض الثاني.

ليس الاتفاق سوى هدنة تجارية عسكرية تفتح مضيق هرمز وتُوقف الحرب، مع تأجيل بقية القضايا الخلافية

كانت إدارة ترامب تفاوض طهران في مسقط بعقلية "التاجر"، وعندما قرّرت أن التفاوض لن يفضي إلى النتيجة التي تريدها، أو بالأحرى لن تفضي إليها سريعاً، تحوّلت من أسلوب الضغط الأقصى إلى أسلوب الهجوم الأقصى، فبعد أن هدّد ترامب إيران بـ"قصف لم يسبق له مثيل"، نفّذ تهديده حرفياً. وكتب على "تروث سوشال" بعد مقتل المرشد علي خامنئى وقياداته: "لم يكن بمقدوره، أو القادة الآخرين الذين قُتلوا معه، فعل أي شيء"، وأضاف أن "القصف المكثف والدقيق سيستمر من دون انقطاع".

في هذه المرحلة، لم يعد التاجر ترامب يتفاوض على المكاسب، بل قرّر تحطيم الطرف الثاني مُعتقداً انهيار النظام الإيراني على وقع الضربات القوية، وأنّه سيتمكّن حينها من إعادة بناء أرضية التفاوض وفق ما يوافق أهواءه، وأهواء بنيامين نتنياهو بالطبع. لكن هناك فارقاً جوهريّاً بين الصفقة في عالم المال والأعمال والصفقة في عالم السياسة، فالأولى تتعامل مع أرقام، والثانية تتعامل مع أرواح ومصائر. لكن النظام الإيراني أظهر تماسكاً كبيراً، واستبدل القادة المقتولين بقادة آخرين سريعاً، ولم يتأخّر ردّه العسكري، فأطلق هجوماً صاروخياً واسعاً طاول مناطق عدّة داخل الأراضي الفلسطينية المُحتلة، وركّز غالباً على تل أبيب وحيفا، وهاجم القواعد الأميركية في دول الخليج العربي، مع مرافق نفطية وصناعية وخدمية مهمّة في تلك البلدان. وقد جسّد هذا الردّ العسكري ما كتبه عراقجي في كتابه أنّ "المقاومة القصوى هي الردّ الطبيعي على الضغط الأقصى". ليكون واضحاً للجميع أنّ الإيراني حين يُهاجم يُحوّل الصراع إلى معركة شاملة يكون فيها الجميع خاسرين.

مع استمرار الهجمات المتبادلة واستمرار إغلاق مضيق هرمز وفرض واشنطن حصاراً بحرياً على إيران، برزت باكستان وسيطاً جديداً، وفي 8 إبريل/ نيسان الماضي، نجح رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد جيشه عاصم منير في إقناع الطرفين بهدنة مؤقّتة، ثم تحوّلت إسلام أباد إلى مقرّ للمفاوضات، مع مشاركة من قطر. ولم يكن اختيار باكستان عبثياً، فهي دولة نووية مسلمة لها علاقات وثيقة مع واشنطن، وعلاقات تاريخية مع جارتها إيران، ما يجعلها وفق منطقي التاجر والبازار موثوقة، كونها تعرف الطرفين جيداً، ويمكنها أن تقدّم ضمانات لكليهما.

يعكس التحوّل الإسرائيلي من التهديد بالهجوم إلى عدم الاعتراض حقيقة أنّ إسرائيل، رغم مشاركتها في الهجوم على إيران، ليست من يُقرّر مصير المفاوضات

بحلول مايو/ أيار، اتفق الأميركيون والإيرانيون عبر الوسيط الباكستاني، وبمساعدة الوسيط القطري، على "مذكرة تفاهم" إطاراً أولياً لإنهاء الحرب، تشمل بنودها فتح مضيق هرمز، ووقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج المشروط عن بعض الأصول الإيرانية المُجمّدة، مع تأجيل قضايا البرنامج النووي إلى مفاوضات لاحقة تجرى خلال 60 يوماً.

وتُظهر بنود مذكّرة التفاهم تحوّلاً دراماتيكياً في مواقف الطرفين، فترامب الذي كان يُصرّ على التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، وعلى "صفر تخصيب"، بات يقبل بهدنة نووية مؤقّتة مقابل فتح المضيق ووقف الحرب، ما يمكن اعتباره تجارياً "دفعة أولى". كما أنّ طهران التي كانت تُهدّد بفرض رسوم على العبور من المضيق، وتطالب بتعويضات عن الدمار الذي أحدثه الهجوم الأميركي الإسرائيلي، باتت تقبل برفع الحصار البحري وبعض الأموال المُجمّدة، ما يمكن اعتباره نهاية للحرب تحفظ ماء الوجه.

وتُبرم الصفقة بين الطرفين مباشرة، ومن دون ضمانات مُلزمة، ما يعني أنّ انهيارها وارد في أيّ لحظة، ربما عبر تدخّل من أطراف أخرى. في 15 يونيو/ حزيران، قال بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحافي، إنّ "إسرائيل أنقذت نفسها من الدمار"، وإنّ الهجوم على إيران "أضعف قدراتها الدفاعية والنووية". وقد تجنّب انتقاد الاتفاق الأميركي الإيراني مُكتفياً بالقول إنّه وترامب لا يتفقان دائماً، وإنّ قواته لن تغادر جنوب لبنان.

ويعكس التحوّل الإسرائيلي من التهديد بالهجوم إلى عدم الاعتراض حقيقة أنّ إسرائيل، رغم مشاركتها في الهجوم على إيران، ليست من يُقرّر مصير المفاوضات، وأنّ القرار بيد ترامب وحده، بينما نتنياهو مُجبرٌ على الرضوخ في حال إتمام الصفقة، ولو لا تُلبّي كلّ مطالبه.

قد يُطيح المرشد الجديد مجتبى خامنئي الاتفاق إذا شعر أنّه لا يحقّق مصالح الجمهورية الإسلامية

أمّا دول الخليج العربي، فهي بالأساس خاسر أكبر من استمرار الحرب، وقد أصابت الصواريخ الإيرانية مطاراتها وموانئها ومنشآتها النفطية، وخلّفت لديها أضراراً كبيرة، وهذا يجعلها مُضطرّة للاختيار بين مطرقة الصفقة التي ستُعيد إيران إلى سوق النفط العالمي منافساً لها وسندان استمرار الحرب الذي يعني المزيد من الخسائر. والظاهر أنها قرّرت تجرّع الخيار الأوّل.

هناك إذاً اتفاق، لكنه ليس اتفاقاً شاملاً، بل يمكن وصفه بأنّه هدنة تجارية عسكرية تفتح مضيق هرمز وتُوقف الحرب، مع تأجيل بقية القضايا الخلافية، وهذا بحسب منطق التاجر الأميركي يعد "صفقة ذكية" يحصل عبرها على النفط والاستقرار معاً، من دون القبول ببرنامج نووي إيراني. وبحسب منطق البازار الإيراني، فإنّه تجسيد لفكرة "التفاوض من أجل التفاوض" وسيلة لشراء الوقت، أو امتصاص الضغوط، أو الحصول على المعلومات، أو تأكيد المكانة والاعتبار الدولي، وهذا يتطلّب استقراراً نسبياً يوفّره الاتفاق.

ومع توقيع مذكرة التفاهم، نكون أمام أربعة سيناريوهات مستقبلية: يعتمد الأوّل، وهو استمرار الصفقة، على أنّ الاتفاق ليس مبنياً على الثقة، بل على التراجع المُتبادل. يتراجع ترامب عن مواصلة الحرب لأنّه حقّق بعض أهدافه الخاصة بالقدرات النووية الإيرانية، وتتراجع إيران عن التخصيب لأنّها بحاجة ماسّة إلى الأموال المُجمّدة لإعادة بناء اقتصادها المُدمّر. والسيناريو الثاني هو الفشل، فالتوقيع ليس نهاية المطاف، كون العوائق المُحتملة كثيرة. فنتنياهو قد يُصعّد عسكرياً في لبنان ليُفشل الاتفاق، والكونغرس الأميركي قد يرفض أيّ اتفاق يسمح بالتخصيب، وفي إيران أيضاً، قد يُطيح المرشد الجديد مجتبى خامنئي الاتفاق إذا شعر أنّه لا يحقّق مصالح الجمهورية الإسلامية. والاستنزاف هو السيناريو الثالث، فقد يستمر وضع لا سلم لا حرب، وتراوح المفاوضات مكانها، وعندها يحصل ترامب على صفقة تفاوضية يستخدمها سياسياً، وتحصل إيران على هدوء هش يجعلها تحتفظ ببرنامجيها النووي والباليستي، ويواصل نتنياهو التهديدات والوجود في جنوب لبنان ذريعة لبقائه في السلطة. والسيناريو الرابع إبرام اتفاق موسّع خلال الـ60 يوماً، يُعيد رسم واقع المنطقة كلّها، لكن هذا السيناريو يواجه عقبات عدّة أيضاً، فدول الخليج لا تثق بطهران، ولا تريد الثقة بها، والإيرانيون يخشون أنّ دول الخليج تتحيّن الفرصة للمشاركة في حرب جديدة ضدّهم، بينما واشنطن ترغب في إبرام مزيد من الاتفاقات الإبراهيمية، ولا تريد أن تكون ضامنة لاتفاق إقليمي يشمل إيران، لأنها ستتحمل التبعات في حال فشله.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

عن السذاجة العربية في زمن الفجور الغربي





27 يونيو 2026

كشف الموقف الغربي من العدوان الإسرائيلي الإجرامي على قطاع غزّة أن غالبية العرب يتجاوزون الطيبة إلى مرحلة السذاجة، بينما هذا في عالم السياسة نقطة ضعف فتاكة، وربما السذاجة، إلى جانب الخضوع والتبعية، هي ما سمحت لإسرائيل بمواصلة تدمير غزّة على سنتين، واحتلال أكثر من نصف مساحتها، ومحاولة تكرار الأمر نفسه في جنوب لبنان، وفي جنوب سورية.

قارن ما فعله العرب بما فعلته إيران في غضون صراعها أخيراً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وكيف تواصل التحدّي رغم كل الخسائر، بينما قرّر العرب الاستسلام من دون حتى محاولة المواجهة. ... التعامل الغربي مع العرب امتداد طبيعي لميراث استعماري ما زالت كل الدول العربية تعاني من تداعياته، شمل تكرار التدخل العسكري، وحدود "سايكس بيكو"، وزرع بذور الفتن الطائفية والعرقية، حتى حين رحل الجنود، ترك المستعمرون وراءهم دولاً مُفكّكة، وحدوداً مأزومة، ونخباً توارثت التبعية، فضلاً عن عقود اقتصادية جائرة، وشركات نفط متعددة الجنسيات. ما زالت دول عربية تملك احتياطيات نفطية ضخمة، مثل الجزائر والعراق وليبيا، تُصنّف ضمن الدول الفقيرة نسبياً، بينما تتدفق ثرواتها نحو خزائن الغرب.

كان الأوروبيون لعقود يُبررون استعمارهم بـ "التمدين" و"التحديث"، وها هو الأميركي يُبرّر تدخلاته العسكرية بـ "نشر الديمقراطية"، وفي الحالتين يظل الهدف واحداً، وهو السيطرة على الثروات، وعلى الممرات الاستراتيجية، وتفكيك أي قوة عربية قد تُشكّل تهديداً للمصالح الغربية، أو تقاوم إجرام إسرائيل.

من بين مظاهر النفاق الغربي رفض استقبال المهاجرين العرب، رغم أن هؤلاء المهاجرين هم نتاج سياساتهم المدمّرة في بلادنا

ومن بين مظاهر النفاق الغربي رفض استقبال المهاجرين العرب، رغم أن هؤلاء المهاجرين هم نتاج سياساتهم المدمّرة في بلادنا، فالحروب التي شنّتها أميركا وحلفاؤها الأوروبيون على العراق والصومال وليبيا وسورية وغيرها، والعقوبات التي فرضتها على لبنان واليمن والسودان وغيرها، هي التي أنتجت موجات اللجوء. ويمتد الإجرام الغربي إلى دعم المستبدين بينما يتشدّقون بـ "حقوق الإنسان" و"الحريات"، وهم يدعمون الأنظمة الاستبدادية العربية، ويُزوّدونها بالسلاح والتقنيات لقمع الشعوب، فالديمقراطية الغربية ليست سوى غطاء للهيمنة، وهم يقبلون بالأنظمة المستبدة إذا كانت مطيعة، ويُسقطون الأنظمة المنتخبة إذا رفعت رأسها مطالبة بحقوق شعوبها.

يكرّر قادة ودبلوماسيون غربيون منذ سنوات حديثاً ممجوجاً عن الحوار بين الحضارات، واحترام القيم المشتركة، وحرية الرأي والتعبير، رغم أن أي نظرة موضوعية تؤكد أنهم لا يرون العرب إلا من خلال عين مصالحهم، وأنهم يؤطّرون العلاقة مع الحكام عبر حجم الاستفادة من الثروات والموقع الجيوسياسي، وليس عبر الشراكة الاستراتيجية. وبينما يصدق بعض العرب شعارات الحرية والديمقراطية الغربية، يؤكّد الواقع المعاش أنها ليست حقيقية، فحرية الرأي مرفوضة إن كانت تنتقد جرائم الغرب، وحقوق الإنسان ليست دائماً للجميع، بل تقتصر أحياناً على الغربي الأبيض، بينما القانون الدولي بلا قيمة حقيقية ما دامت لا تدفع نحو تطبيقه قوة عظمى.

تأسّست إسرائيل على الأراضي العربية وفق "وعد بلفور" البريطاني (1917)، ومنذ هذا التاريخ دعم الغرب كل جرائمها ضد العرب، وفي مقدّمتهم الفلسطينيون، وكانت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة بمثابة مختبر حقيقي للقيم الغربية، وقد ثبت خلالها زيفها، إذ تهاوت كل نظريات حقوق الإنسان، وتوارى القانون الدولي، ورأينا كيف تسابق القادة الغربيون على زيارة تل أبيب، وإعلان تضامنهم المطلق مع حكومة اليمين المتطرّف.

يكرّر قادة ودبلوماسيون غربيون حديثاً ممجوجاً عن الحوار بين الحضارات، واحترام القيم المشتركة، وحرية الرأي والتعبير، ونظرة موضوعية تؤكد أنهم لا يرون العرب إلا من عين مصالحهم

بعد تكشف الكثير من الفظائع، وباستثناء رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بات بعض قادة الغرب، بمن فيهم ماكرون وشولتز وستارمر، يطلقون عبارات إدانة مقتضبة لما تفعله إسرائيل، بينما يتدفق عتادهم العسكري عليها بلا توقّف، ويحمون حكومة نتنياهو في كل المحافل، وفي مجلس الأمن. ... وفي قمّة مجموعة السبع أخيراً في فرنسا، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: "بدون الولايات المتحدة، وبدوني شخصياً، لما كانت إسرائيل موجودة أو باقية اليوم"، تأكيداً إضافيّاً على واقع الحماية والرعاية، لا مجرد الدعم. وتشكل الصهيونية المسيحية تياراً سياسياً قوياً في الولايات المتحدة وأوروبا، وتعتبر دعم إسرائيل واجباً دينياً يمهد لـ "العودة الثانية" للمسيح، إلى جانب كراهية العرب والمسلمين.

في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبعد أيام من "طوفان الأقصى"، قال وزير الخارجية الأميركي السابق، أنتوني بلينكن، في مؤتمر صحافي في تل أبيب: "أقف أمامكم ليس فقط لكوني وزيراً لخارجية الولايات المتحدة، ولكن أيضاً بصفتي يهودياً". إنه خطاب اصطفاف قائم على الهوية الأيديولوجية يتجاوز الدبلوماسية إلى البُعد العقائدي الشخصي. ولم يجد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن حرجاً في المجاهرة بصهيونيته طوال مسيرته السياسية، وصولاً إلى تكراره خلال الحرب الأخيرة على غزة: "أنا صهيوني، وليس بالضرورة أن تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً".

ويفسّر انتقاد إسرائيل أحياناً بأسباب انتخابية، كما يفعل الديمقراطيون حالياً مع إدارة ترامب الجمهورية، فهذا النقد المُتأخر، لا يعكس تغيراً في المواقف، بل هو مجرد تكتيك سياسي لاسترضاء الرأي العام مؤقتاً.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية