الأحد، 4 أكتوبر 2026

غسان أبو ستة: إذا نجحت إبادة غزة فالقادم سيكون الضفة ثم المثلث




07 ديسمبر 2023


يؤكد الطبيب الفلسطيني ــ البريطاني غسان أبو ستة (54 سنة)، أن العدوان على قطاع غزة ليس مجرد انتقام من شعب غزة رداً على عملية "طوفان الأقصى"، وإنما جزء من سياسة ممنهجة يتعمد فيها الاحتلال الإسرائيلي محاولة تنفيذ تطهير ديموغرافي، وأن تلك المحاولة إذا نجحت، فإنها ستتمدد إلى الضفة الغربية والمثلث، وصولاً إلى إنهاء القضية الفلسطينية.
ويقول في مقابلة مع "العربي الجديد"، إن "ما يتم حالياً هو ترك أكثر من 40 ألف جريح ومريض للموت في ظل عدم توفر أي سبل لدى الكوادر الطبية لعلاجهم بعد الدمار الذي طاول القطاع الطبي. هناك الكثير من الجهود التي يفترض أن يبذلها كل داعم أو متعاطف مع القضية الفلسطينية، أو مع وقف إطلاق النار، وعلى رأسها الضغط على المؤسسات الدولية المعنية لممارسة وظائفها، فالصليب الأحمر الدولي كمثال كانت مهمته تأمين إجلاء الأطفال الخدج من مجمع الشفاء الطبي، لكنه ترك بعضهم يموتون، وخلال عملي في المستشفى المعمداني، كان يفترض به أن يعمل على توفير الأدوية، لكنه لم يكن يفعل ذلك، وكنا نعتمد على الهلال الأحمر الفلسطيني في توفير ما تيسر من الأدوية".
ويتابع: "في البداية، لم أكن أستوعب أسباب عدم قدرة منظمة الصحة العالمية على منع اعتقال الاحتلال للطبيب محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء، ولماذا لا يتدخل الصليب الأحمر للإفراج عنه، ثم تذكرت ما قالته الكاتبة الأميركية أودري لورد (1934- 1992): إن (أدوات السيد لن تهدم بيته)، وهذه كلها من أدوات السيد. هناك قبول كامل للهيمنة الإسرائيلية، لدرجة أن الصليب الأحمر لا يستطيع إيصال الأدوية إلى فريقه في المستشفى الأوروبي، حتى أنهم لا ينتقدون ذلك علناً".
ويرى أن "هذه الحرب تطرح سؤالاً أساسياً، وهو متى تكون لدينا مؤسسات عربية فاعلة في القطاع الطبي؟ كانت هناك محاولات في 2009 من اتحاد نقابات الأطباء العرب لخلق مؤسسات تمتلك الطاقات البشرية والمعدات والتمويل، لكنها لم تكتمل، والعيب يكمن في الجسم النقابي الطبي. عندنا الكثير من مصادر التمويل، ولا بد من إيجاد منظمات ومؤسسات عربية قادرة على التدخل، فالأزمات في بلادنا لا تنتهي، والحروب مرض عربي مستوطن".
ابتكر الطبيب غسان أبو ستة منهاجا عربيا متخصصا في طب الحروب ومناطق الصراع، ويقول عنه: "الحروب ليست فقط في فلسطين، وإنما في سورية، وفي العراق، واليمن، وليبيا وغيرها من البلدان العربية، فضلاً عن الكوارث الطبيعية، بينما مقررات كليات الطب وكليات التمريض العربية أولوياتها أوروبية أو أميركية. الأمراض التي نتعامل معها مختلفة عن الأمراض في أوروبا، وبالتالي ينبغي أن نعطي طالب الطب العربي منهاجاً يستجيب للأمراض الشائعة، ومن بينها أمراض الحروب، وقد عملنا مع عدة جامعات عربية، من بينها الجامعة المستنصرية في العراق، وكلية الطب في عدن، والجامعة الإسلامية في غزة، وصار هذا المنهاج جزءاً من مقرراتهم، وفي رأيي أنه يجب تعميمه. الكارثة أن كليات الطب العربية باتت تقيس أهميتها بأعداد خريجيها الذين يهاجرون سنوياً، وليس خدمة المجتمع المحلي".
ويواصل: "العدوان على غزة يشهد إجراماً غير مسبوق، لكن تقابله أيضاً مقاومة مذهلة، وأعني هنا المقاومة الإنسانية، فعنصر الإسعاف في غزة يركض إلى عمله وكأنه ذاهب إلى أول أيام العمل، وليس شخصاً منهكاً على مدار شهرين، وهناك عائلات قررت كفالة الأطفال الذين قضى كل أفراد عائلاتهم، وأتذكر طفلاً أجريت له جراحة لبتر اليد والساق، وعمره ثلاث سنوات فقط، وبالتالي لم نتمكن من معرفة اسم عائلته. وعندما ذهبت في اليوم التالي لمتابعة حالته، وجدت سيدة ترافق مصاباً يقبع إلى جواره تحمله بين يديها لتطعمه، رغم أنها لا تعرفه. وهناك الطبيبة التي استشهدت خلال عملها، وقام زملاؤها بكفالة أطفالها. إلى جانب مقاومة الاحتلال، هناك مقاومة للموت. عشرات العائلات تستضيف عائلات نازحة رغم أنها لا تربطها بها أي صلة قرابة أو حتى صداقة، والناس تتقاسم كل شيء، الطعام والمأوى والأدوية والمال".
وحول قصف المستشفى المعمداني، يروي أبو ستة: "في الأوضاع الطبيعية، لن يختلف طبيبان في غزة حول أن المستشفى المعمداني لن يطاوله القصف، لأنه يدار من مجلس كنسي، ومسؤول عنه أسقف في لندن، بينما بقية مستشفيات القطاع لا تتمتع بالحماية ذاتها، وأعتقد أن اختيار الاحتلال الإسرائيلي قصفه أولاً كان نوعاً من جس رد الفعل، فلما كان رد الفعل العالمي بائساً، قرر الاحتلال التمادي في استباحة المستشفيات، وقد طاول القصف بعد المعمداني مستشفيات أطفال، هي مستشفى الرنتيسي ومستشفى النصر ومستشفى محمد الدرة".



ويضيف: "رغم كونها جريمة حرب، تقبّل الرأي العام الغربي الأكاذيب الإسرائيلية التي تروج أن المقاومة هي التي قصفت المستشفى، حتى أن وسائل إعلام غربية لم تكلف نفسها طرح سؤال حول قدرات صواريخ المقاومة مقارنة بحجم التفجير، رغم أن الجميع يعلم أن صواريخ المقاومة غير قادرة على هذا التدمير الذي قتل نحو 480 شخصاً".
يتابع: "لا توجد مستشفيات حقيقية حالياً في قطاع غزة، وبالتالي فإن الجرحى والمرضى يموتون بينما الكوادر الطبية لا تملك فعل شيء لهم. في مرحلة سابقة، كنا نفتقد إلى مطهرات الجروح والمسكنات، حتى أننا كنا نحاول بوسائل بدائية التصدي للالتهابات البكتيرية. كنت أشتري صابون غسل الأطباق، وأخلطه بالخل لاستخدامه في تطهير وتعقيم الجروح. لكن الأعداد كبيرة جداً. عندما قصف مسجد الصبرة، وصل إلى المستشفى المعمداني أكثر من 300 جريح خلال نصف ساعة، وكلهم من العائلة نفس ها، وعندما قصف حي الشجاعية أخيرا، وصل إلى المستشفى المعمداني نحو 600 جريح".
ويواصل: "المستشفيات الميدانية التي وصلت إلى جوار غزة قد تنفع في ظل الأعداد الضخمة من المصابين، فهي وسيلة جيدة للفرز، أو للعلاج الأولي، لكنها غير قادرة على استكمال علاج مئات من الإصابات المعقدة التي تحتاج إلى مستشفيات تخصصية، وأطباء متخصصين. مستشفيات غزة يمكن أن تستعيد قدرتها على العمل الأساسي في غضون أسابيع قليلة، والمستشفى المعمداني كمثال يمكن رفع قدرته إلى ثلاثة أضعاف خلال أسابيع قليلة، وهناك مستشفيات صغيرة، مثل الكويتي، يمكن تطويرها سريعاً عبر إضافة غرف عمليات. حتى أن مجمع الشفاء الذي أصابه تدمير منهجي للأجهزة والمعدات يمكن إعادة تأهيله سريعا لأن المباني ما زالت قائمة".
ورغم حجم المأساة المتواصلة، يقول أبو ستة: "نعمل حالياً على خطط للتعامل مع فترة ما بعد الحرب، فالعمل على علاج 40 ألف جريح في هذا العدوان مهمة ضخمة، وتشمل الخطة إدخال مستشفيات ميدانية، وإصلاح المستشفيات القائمة، وإخراج الجرحى الذين يحتاجون للعلاج إلى خارج غزة. لكن كل هذا يصطدم حاليا بالفيتو الإسرائيلي المدعوم بمساندة أميركية وأوروبية، والذي يرى أنه قصف هؤلاء لقتلهم، وبالتالي فلن يسمح بعلاجهم. الحل هو الضغط العربي والدولي، خصوصا من منظمة الصحة العالمية، المشكلة أن المجتمع الدولي لا يتحرك، حتى أن العرب أنفسهم باتوا يقبلون أن إسرائيل لا يمكن إيقافها، وهذه جريمة. فكرة العقوبات على إسرائيل لا تطرح أبداً، بينما العقوبات تفرض على روسيا وعلى العراق وإيران، لكن ليس على إسرائيل".
ويركز الطبيب الذي يحمل الجنسية البريطانية على فداحة قرار الحكومة البريطانية بالمشاركة في العدوان على غزة، رغم كل التخوفات القائمة في المجتمع وبين السياسيين البريطانيين من اعتبار ذلك مشاركة في جرائم حرب. يقول: "حالياً، تورط جنود بريطانيون في الحرب، ما يعني إمكانية مقاضاة هؤلاء بتهمتي التحريض والمشاركة، فقط لدعم إسرائيل. بعض من يعيشون في غزة لديهم أفراد من عائلاتهم مواطنون بريطانيون، وهؤلاء من حقهم مقاضاة الجنود والسياسيين في المحاكم البريطانية. السلطات أنشأت إدارة لجرائم الحرب بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وهذه الإدارة يمكن أن تتابع كل جرائم الحرب، وهذه القضايا ستنظر في المحاكم المحلية، وبالتالي فإن فرص الفصل فيها أكبر من انتظار المحاكم الدولية. هناك أيضاً حالات مشابهة في الولايات المتحدة، وهذا ينبغي العمل عليه، سواء في المحاكم الجنائية أو المحاكم المدنية، وهناك قضايا مشابهة كثيرة".
ويقول: "شاهدنا تظاهرات ومسيرات ضمت عشرات الآلاف في بريطانيا، ما يعني أن هناك موقفاً شعبياً قوياً وواضحاً، لكن السياسيين في واد آخر. ممثلة منطقتي في لندن مسلمة من أصول بنغالية، والمنطقة فيها أكبر نسبة ناخبين مسلمين، لكنها رغم ذلك صوتت ضد وقف إطلاق النار، وهي متوافقة مع آراء رئيس حزب العمال كير ستارمر الداعمة للصهيونية. هناك إجماع داخل المؤسسة البريطانية الحاكمة على دعم إسرائيل. يختلفون على كل شيء إلا على مساندة إسرائيل. وأتذكر قول أحد مرضاي في المستشفى لي: طول عمرنا فاكرين المحتل هو إسرائيل. لكن اتضح أنها الناطور، ودورها أن تجمع الإيجار وتزعج السكان. بينما صاحب العمارة هو المستعمر الأبيض".
ويوضح أنه "نحن في مرحلة لا بد أن تنتهي سريعاً بهزيمة إسرائيل، فالصهيونية توازي النازية، والحل الوحيد حالياً هو إنهاؤها مثلما تم إنهاء النازية. المجتمع الإسرائيلي حالياً يكرر شعارات إحراق وإبادة الفلسطينيين، وقد شاهدنا عريضة تدعو للإبادة وقع عليها عشرات الأطباء. في المقابل، دور الأطباء العرب محدود، وهذا تراجع كبير، وأتذكر في 2009 أن اتحاد نقابات الأطباء العرب هو الذي قاد ردة الفعل على العدوان، وأدخل مئات الأطباء العرب إلى غزة. إذا نجحت إسرائيل في الإبادة بقطاع غزة، فإن القادم سيكون الضفة الغربية، ثم المثلث، والثمن سيدفعه أيضاً الأردن ولبنان. الرسالة الإسرائيلية واضحة، وهي جعل غزة مثالاً، وهذه العقلية خطر على المنطقة كلها".
خشى أبو ستة أن يسمح للاحتلال بأن يحقق بالهدنة ما لم يستطع تحقيقه بالحرب، عن طريق فرض حصار مشدد يمنع إدخال مواد البناء والفرق والمعدات الطبية وغيرها، ويقول: "عندها ستبدأ مرحلة التطهير العرقي شبه الطوعي، إذ يترك الاحتلال الفلسطينيين في غزة لعدة سنوات بدون أي شيء، فيضطرون للمغادرة، وبالتالي يفرغ القطاع من سكانه. إسرائيل انتقلت إلى مرحلة التوقف عن التعايش مع المشكلة الديمغرافية الفلسطينية، والبداية من غزة، ثم تنتقل إلى بقية المناطق. التطهير العرقي واضح المعالم، ومن أمثلته استهداف الجامعة الإسلامية، ثم قتل رئيسها، واستهداف الأطباء ذوي التخصصات النادرة في غزة، مثل استهداف الطبيب همام اللوح، وهو أخصائي الكلى الوحيد في القطاع، وقتله يعني قتل كل مرضاه. إنها سياسة ممنهجة لتفكيك مفاصل الحياة في غزة".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

خمسة أخطاء يرتكبها الآباء الصارمون بحق أطفالهم




12 اغسطس 2023


يسعى أحد الوالدين، أو كليهما، إلى فرض قواعد شديدة الصرامة تجاه الأطفال، وربما تؤدي تلك القواعد إلى الحد من النمو النفسي للأطفال، أو ثقتهم بأنفسهم. لا شك في أن القواعد مطلوبة، لكن عليكم الحرص على عدم تحولها إلى قيود. 
عاملوا أطفالكم باحترام، واحرصوا على الاستماع إليهم، وإجراء محادثات مفتوحة، وستتلقون الاحترام في المقابل، كما ستتجنبون تربية طفل يريد أن يهرب منكم.
تشرح اختصاصية تربية الأطفال، لورا ماركهام، في كتابها "ما الخطأ في تربية الأطفال الصارمة؟" أن الأبوة والأمومة الصارمتين تنتجان أطفالاً أقل احتراماً لذاتهم، ويتصرف بعضهم بشكل أسوأ من الأطفال الآخرين.
تعالوا نستعرض خمس علامات شائعة تدل على شدة صرامة الأبوين:

1- لا رأي للطفل

إذا كنتم نادراً ما تطلبون مساهمة طفلكم في أمور الحياة، أو إذا كان الأبوان لا يعيران أهمية لرأي أطفالهما، أو يعتمدان الصراخ في التعامل معهم، فسيطور الطفل طريقة تواصل مماثلة، وغالبية هؤلاء الأطفال يتمردون على الأبوين في وقت لاحق. 

2- مزيد من القيود

يمكن لبعض الروتين أن يمنح الأطفال شعوراً بالأمان، لكن القواعد الصارمة تعيق قدرة الطفل على تطوير شخصيته، بينما بعض الحرية تعلم الأطفال كيفية التحلي بالمرونة، والتعامل مع المواقف المختلفة في الحياة. اسمحوا لأطفالكم بمخالفة القواعد في العطلات أو في أوقات محددة.

3- مكافأة النتائج وليس الجهود

غالباً ما يخلق الآباء الصارمون نموذج "أبيض وأسود" أو "صحيح وخاطئ". في الواقع، هناك كثير من المناطق الرمادية في الحياة، والطفل الذي يفشل قد يكون عمل بجد ويستحق الثناء. الأطفال الذين يكافأون على النتائج وليس الجهود، يطورون الأولويات التي تركز على الفوز، ويشعرون بمزيد من الضغوط والقلق. اشرحوا لهم أن الفوز ليس كل شيء. اعترفوا بجهدهم، واعملوا معهم على الحلول.

4-  العقاب على كلّ الأخطاء

الأطفال الذين يعاقبون على كل خطأ سوف يتعلمون القيام بكل ما في وسعهم لتجنب العقاب، وليس الأخطاء. وبعضهم سيكونون كاذبين محترفين لأنهم سيعتقدون أن القوة والسيطرة هما مفتاح العلاقة. إذا كنت تضبط طفلك يكذب، فقد حان الوقت للتحدث معه حول سبب شعوره بالحاجة إلى تجنب الحقيقة.

5- تجاهل الانفعالات العاطفية

الأبوة الصارمة تعيق قدرة الطفل على تنظيم عواطفه بنفسه، وعندما يتم التحكم في الأطفال بشكل كامل، فإنهم لا يطورون مهارات حياتية مهمة مثل الانضباط الذاتي، أو قدرة حل النزاعات، أو التحكم في الانفعالات، وبعض الدراسات تربط أساليب الأبوة الصارمة باكتئاب الأطفال. خذ لحظة لتهدئة نفسك قبل تأديب طفلك، واقترب منه بطريقة هادئة بدلاً من الغضب أو التهديد بالعقاب.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

تعرفوا إلى القواعد الأساسية لتفادي مخاطر الكوارث

ناجون من زلزال المغرب (بولنت كيليتش/ فرانس برس)



07 أكتوبر 2023

شهدت السنوات الأخيرة تزايد أعداد الكوارث الطبيعية بسبب تداعيات التغير المناخي، وبسبب تداعيات كوارث مثل الزلازل والأعاصير والحرائق والفيضانات، فإن تجهيز خطة تعامل معها يظل أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً في المناطق المعرضة لها بشكل متكرر.

أياً كانت الكارثة، ينبغي معرفة مواقع المستشفيات، وطرق الإخلاء ووجهاته، ووضع الوثائق المهمة في مكان واحد معروف لكل أفراد الأسرة، ثم عقد اجتماع عائلي لمناقشة الاحتياجات الأساسية، وتحديد المسؤوليات، مع تجهيز احتياجات الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة".

ويستعرض موقع everydayhealth.com خطوات يقترحها خبراء للتعامل مع أنواع الكوارث المختلفة.

الزلزال

في المناطق المعرضة للهزات المتكررة، يلزم تخزين إمدادات الطوارئ، وحقيبة إجلاء تحتوي على ملابس وأحذية ومواد غذائية تكفي لمدة ثلاثة أيام على الأقل، ومن المهم عدم البدء في الإخلاء إلا بعد توقف الهزة، فكثير من الإصابات تحدث عندما يركض الناس هرباً أثناء الهزات، فيتعرضون للخطر. الأفضل دائماً هو الاحتماء في أفضل مكان آمن بالمنزل.

الفيضان

يفضل البحث عن ملجأ في طابق مرتفع، ومن الأفضل أن يكون قريباً من نافذة، وتوفير بعض الماء والطعام. إذا كنت تعيش في منزل من طابق واحد، فيقترح تكديس المراتب فوق طاولة الطعام، ما يوفر ارتفاعاً إضافياً في حال اندفاع المياه إلى الداخل. اتبع إرشادات الإخلاء الصادرة عن المسؤولين المحليين، وجهز خطة للوصول إلى وجهة آمنة، إلى جانب إمدادات تكفي لعدة أيام.

الإعصار

يجري التحذير من وقوع إعصار بشكل مبكر عادة، وينبغي التنبه إلى التحذيرات. مع تأكيد الموعد، عليك تأمين المأوى. اتجه دائماً إلى الطابق السفلي، ولا تصعد أبداً إلى الطابق العلوي. اختر غرفة داخلية بدون نوافذ، عادة ما تعتبر الحمامات خياراً جيداً لأنه إذا تضرر المنزل، فقد توفر مساحة للاختباء، واحتفظ بجهاز راديو يعمل بالبطارية لتبقى على اطلاع على التوجيهات الرسمية.

العاصفة

إذا كنت ستغادر، فارحل مبكراً. عندما تقترب العاصفة، غالباً ما يتجه الأشخاص في الاتجاه المعاكس لمساره، ما يعني أن حركة المرور تكون كثيفة، وتأكد مسبقاً أن لديك وسيلة مغادرة، فإن كانت سيارة خاصة، تأكد أن بها ما يكفي من الوقود، أو ضع خططاً لمرافقة الأصدقاء أو العائلة، ومن الضروري مراعاة جميع التحذيرات الرسمية أثناء العاصفة وقبلها، خاصة إرشادات الإخلاء.

الحريق

غالباً ما يهرع الناس إلى الحمام عندما تشتعل النار في منازلهم لأنهم يعتقدون أن المياه ستكون مفيدة. لكن من الأرجح أنهم يعلقون هناك. يفضل الذهاب إلى الباب أو النافذة للخروج، والتأكد من إغلاق الأبواب أثناء التحرك، إذ يساعد ذلك على تعطيل انتشار النار، وينبغي التأكد من أن جميع أفراد الأسرة يعرفون طرق مغادرة المنزل الآمنة، ويدركون أهمية ترك متعلقاتهم. وبطبيعة الحال، فإن اتخاذ احتياطات منع نشوب الحريق أفضل من الاضطرار إلى التعامل معه.

الثلوج

يمكن أن يكون الطقس الشتوي خطيراً، ما يستلزم وضع خطة طوارئ، فالعواصف الشتوية تزيد من خطر حوادث السيارات، وانخفاض حرارة الجسم، والتسمم بأول أكسيد الكربون، والنوبات القلبية المرتبطة بالجهد الزائد، ولتقليل المخاطر، ينصح الخبراء بالبقاء في المنزل، وارتداء ملابس دافئة، وتجهيز إمدادات غذائية، والاستعداد لانقطاع التيار الكهربائي.

الانفجار

تعد الاستجابة للانفجار أمر صعب عندما لا يعرف سببه، لكن من الأفضل الافتراض أنه سيكون هناك تهديد أو خطر، على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي انفجار الغاز الطبيعي إلى خلق المزيد من التهديدات، مثل الحريق أو الزجاج المكسور. والنصيحة الأهم هي الإخلاء السريع المنظم.

الهجوم المسلح

في حال التعرض لهذا الوضع، ابق في المنزل محتمياً، وأبقِ نوافذك وأبوابك مغلقة. لا تكن فضولياً لمعرفة ما يحدث في الخارج، فالقيام بذلك قد يعرضك للخطر. في حال كنت في الشارع أو في مكان عام، من المهم تجنب الحشود، والاحتماء فوراً، والتأكد من احتماء أفراد العائلة، خصوصاً الأطفال.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

يسري أبو شادي: إيران يمكنها صنع قنبلة نووية والتسرب الإشعاعي كارثي




العربي الجديد

23 يونيو 2025 


يرى كبير مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق يسري أبو شادي أنّ الضربة الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية قد تكون عاملاً في حسم مصير الصراع الإسرائيلي الإيراني، ويقول في مقابلة مع "العربي الجديد" في الدوحة، إنه لا يعتقد أن تلك الضربة ستقضي على المشروع النووي الإيراني، وإنه يخشى أن تؤدي إلى صنع إيران قنبلة نووية، ما يخلف مخاطر أكبر، من بينها الخطر الإشعاعي.

كيف تقيّم الضربة الأميركية التي طاولت المنشآت النووية الإيرانية فجر الأحد؟

ليست لدينا معلومات وافية بعد، لكنّني أعتقد أن الهالة الإعلامية لهذه الضربة أكبر من قيمتها الفعلية، وأنها جزء من "البروباغندا"، وأرجّح أنّ منشأة فوردو لم تُدمَّر كما يُقال. المواقع النووية الثلاثة التي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدميرها، هي منشآت تعرضت لضربات إسرائيلية سابقة، وبالتالي فما قيمة الضربات الجديدة، كان كثيرون يتوقعون ضرب فوردو، التي لم تكن إسرائيل تمتلك قدرات لتدميرها، بينما استهداف نطنز هدفه زيادة حجم التدمير القائم بالفعل، وربما الغرض كان الوصول إلى ما تحت الأرض، وفي تقديري أن تلك الضربات الجديدة أيضاً لم تصل إليه، لأن الأعماق كبيرة. المهم الآن، هل استطاعت إيران تأمين المواد المخصّبة التي تمتلكها، وحجمها يقدر بنحو 500 كيلوغرام أم لا؟ في رأيي أن ما يتردّد حول نقل مواد من فوردو يومَي 19 و20 يونيو/حزيران غير صحيح، ولا يمكن تخيّله، فهذه المنشأة تحت المراقبة الأميركية والإسرائيلية، ولو حدث ذلك لقاموا بقصف الشاحنات التي خرجت منها، وتصوّري أن نقل المواد المخصّبة، إن جرى، فقد كان قبل الضربة الإسرائيلية الأولى.

أعلن رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، عقد اجتماع لمجلس محافظي الوكالة، الاثنين، وهناك أيضاً اجتماع لمجلس الأمن الدولي، ما المنتظر أن يصدر عنهما؟

لا أتوقع شيئاً من الوكالة، فإسرائيل كرّرت ضرب المنشآت الإيرانية، وآخرها مفاعل آراك، ولم يصدر عن الوكالة أي إدانة، فكيف نتوقع منها إدانة الولايات المتحدة؟ مجلس محافظي الوكالة يضم 19 صوتاً من الدول الغربية، ما يعني سيطرة شبه كاملة، وبالتالي لن يصدر أي موقف. لا أتخيل أيضاً أن يتخذ مجلس الأمن موقفاً ضد الولايات المتحدة، فهي عضو دائم، وتملك حق النقض. نعيش في عالم تسيطر عليه قوة عالمية واحدة، هي الولايات المتحدة، وانتهى زمن توازن القوى مع اختفاء حلف وارسو وزوال الاتحاد السوفييتي، والصين رغم أنها قوة ضخمة، لكنها تركز على الاقتصاد، أما روسيا فهي منشغلة في أوكرانيا، ولا أزال أعتقد أن حرب أوكرانيا أخطر كثيراً، وأنها يمكن أن تطلق شرارة حرب عالمية ثالثة.

ما المتوقع من إيران إزاء الوكالة، وهل يمكن أن تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي؟

تقرير الوكالة الأخير كان مُسيّساً، وتضمن أخطاء مهنية، واستُخدم لتوفير مبرّر للاعتداء الإسرائيلي، إذ قال إنّ إيران سحبت رخصة التفتيش من ثمانية مفتّشين، بينما إيران تسمح لـ130 مفتشاً بالعمل. بعدها قالت الوكالة إنّ المفتشين الثمانية خبراء كبار، بينما الحقائق تؤكّد أن الوكالة لديها 24 من الخبراء الكبار، ما يعني أن هناك 16 آخرين، وإيران قالت إنها أوقفت المفتشين الثمانية لأن علاقاتها متوترة مع بلديهم؛ ألمانيا وفرنسا، والبلدان كانا ضمن الاتفاق النووي في عام 2015. وقف تراخيص المفتشين موجود في بنود معاهدة حظر الأسلحة النووية، وليس مخالفة.

منذ اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل، يعيش الشرق الأوسط على صفيح ساخن، فما حجم المخاطر؟

الأوضاع خطرة للغاية، والتصعيد الأميركي يزيد من خطورتها. قبل بضعة أيام، قال مسؤول إسرائيلي إنه لو استمر القصف الإيراني فإن الأمن القومي الإسرائيلي سيكون مهدّداً، وإن إسرائيل قد تستعمل السلاح النووي إذا تعرض أمنها لخطر حقيقي. خلال اليومين الأول والثاني من الصراع، كانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة تتخيلان أن إيران هزمت، لكن تبين لاحقاً أن إيران قوية، وظهر زيف ادّعاء أن أقل من 10% من صواريخها تصل إلى العمق الإسرائيلي، والواقع أنّ نسبةً تفوق 20% من صواريخ إيران تصيب أهدافها، وتصل إلى مدن إسرائيلية عدّة في وقت واحد، وأعتقد أنه لا يزال في جعبتها الكثير، ويمكنها المقاومة طويلاً، بينما لا تستطيع إسرائيل، مجتمعياً واقتصادياً، تحمّل الأمر طويلاً.

رداً على هذه التصعيد، هل تتوقع أن يكون لدى إيران قنبلة نووية، أو كونها قادرة على تجهيز قنبلة نووية سريعاً؟

أستبعد أن يكون لدى إيران قنبلة نووية، لأنها خاضعة لتفتيش دقيق من الوكالة الذرية، لكن الإمكانات التي لديها تمكّنها من صنع قنبلة نووية، ربما خلال أسابيع، فلديها 500 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، والوكالة تعتبر أن أي نسبة تفوق 20% يمكن أن تؤدي إلى صنع قنبلة، مع ضرورة توفر الأجزاء الأخرى للقنبلة بالطبع، والإيرانيون متقدمون عسكرياً. تظل القنبلة النووية المعيارية بحاجة إلى يورانيوم مخصّب بنسبة 90%، ومن هنا، هناك خياران مفترضان، الأول أن لدى إيران منشأة فيها وحدات طرد مركزي، ويمكنها استخدامها في زيادة نسبة التخصيب إلى 90%، وهذا قد يستغرق 3 إلى 4 أسابيع للوصول إلى قنبلة نووية، ولديها بالفعل صواريخ قادرة على حملها. والثاني أن تقرّر إيران استخدام اليورانيوم المتاح (60%) في إنتاج قنبلة نووية، ستكون أضعف، لكنّها تظل نووية، وسيكون وزنها أكبر، ربما يصل إلى 1500 كيلوغرام، علماً أنّ لديها صواريخ قادرة على حمل ما يصل إلى 1800 كيلوغرام.

خسرت إيران أخيراً العديد من العلماء النوويين، فهل لهذا تأثير على مشروعها النووي؟

بدأت إيران المشروع النووي مبكراً، ولديها مئات العلماء المتخصّصين، وآلاف من الفنيين، وبالتالي لن تتأثر كثيراً، والعلماء الذين جرى استهدافهم، بعضهم متقاعد، بينما العلماء العاملون يمكن استبدالهم بالصف الثاني والثالث. في رأيي أن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن أن يتأثر بهذه الاغتيالات، لأنّه برنامج كبير.

لا يزال مسؤولون إيرانيون يتحدّثون عن الفتوى التي تحرّم امتلاك أسلحة نووية، فهل يمكن أن يؤدي التدخل الأميركي إلى تغيير العقيدة النووية الإيرانية؟

ناقشت هذا الأمر مرات عدّة مع مسؤولين إيرانيين، وقبل أسبوعين فقط تحدثت فيه مع وزير الخارجية عباس عراقجي خلال زيارته إلى القاهرة. الفتوى قائمة، وعراقجي قال بوضوح إنّه ليس لدى الحكومة نيّة لمخالفتها، لكنه أكد أنه في حال تهديد الأمن القومي، وفي حال طلب الشعب أو البرلمان هذا، فإنهم قد يستجيبون. قبل يومين كانت هناك مناقشات في البرلمان الإيراني تتناول هذا الأمر، بدأت بطرح الانسحاب من معاهدة حظر الأسلحة النووية، التي وقعت عليها إيران ولم توقع عليها إسرائيل. عموماً قرار الانسحاب من المعاهدة يتطلّب البقاء تحت رقابة الوكالة الذرية لمدة ثلاثة أشهر. إذا حدث هذا، فسنكون أمام تكرار نموذج كوريا الشمالية من جديد، وربما حينها تصدر فتوى جديدة تتيح امتلاك سلاح نووي للدفاع عن الدولة، أو لامتلاك وسيلة ردع.

في حال تحقّق سيناريو القنبلة النووية الإيرانية، كيف سيكون وضع الدول العربية، سواءً دول جوار إيران، أو دول جوار إسرائيل؟

إن استخدمت إسرائيل قنبلة نووية ضد إيران، ستكون هناك آثار كارثية على كل دول الخليج العربي، وإن امتلكت إيران قنبلة نووية، عندها ستصبح قادرة على توجيه ضربات مدمّرة، وسيكون لهذا تأثير على سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى الأردن ومصر وسورية ولبنان. في الحقيقة، تتحمل الوكالة الذرية المسؤولية، فتقريرها الأخير أدان إيران، وبعد التقرير بنحو 12 ساعة فقط، وقع الهجوم الإسرائيلي الأول. هل كانت لدى إيران خطط لضمان تأمين اليورانيوم المخصّب الذي تملكه (500 كيلوغرام)؟ سنعرف الجواب لاحقاً. هذه الكمية كان أغلبها في منشأة نطنز، وكمية أقل في فوردو.

كيف ترى مواقف الدول العربية، خصوصاً المعرّضة للخطر؟

عشنا لسنوات في ظل أزمات بين إيران ودول عربية عدّة، وكان مبعثها الاعتراض على دعم إيران بعض المنظمات والكيانات، لكن هذا الوضع انتهى تقريباً، خصوصاً بعد إسقاط نظام بشار الأسد في سورية، وما جرى لحزب الله في لبنان، ربما لا يزال هناك دعم لجماعة الحوثي في اليمن، لكن علاقات إيران جيّدة حالياً مع معظم الدول العربية، وعلى رأسها مصر والسعودية، وقد شاهدنا تنديداً عربياً واسعاً بالهجوم على إيران، وأعتقد أن هذا لم يكن متوقعاً من إسرائيل وحلفائها، وربما حدث ذلك لأنّ العرب يستشعرون الخطر الإسرائيلي الكبير على المنطقة كلّها.

يخشى كثيرون من المخاطر الإشعاعية، فكيف تقيّم الأمور باعتبارك خبيراً؟

هناك مخاطر نووية، ومخاطر كيميائية، والخطر الكيميائي محدود التبعات، فهي مواد سامة وخطرة بالطبع، لكن يمكن التعامل معها بسهولة، وتأثيراتها لا تستمر طويلاً، على عكس الخطر النووي، سواء الانفجارات النووية أو القنابل الانشطارية. لنأخذ مثلاً مفاعل بوشهر، وهو في رأيي الأخطر، رغم أن الجميع يتحدثون عن فوردو باعتباره الأهم. في حال حدوث انفجار في بوشهر، أو تعرضه لقصف، سنكون أمام كارثة كبيرة، فالتلوث الإشعاعي لن يكون في الهواء، وإنما سيطاول الماء أيضاً.

الحديث محدود عن مفاعل بوشهر، والتركيز دائماً على فوردو، وبنسبة أقل على نطنز... لماذا؟

قبل أيام قال متحدث عسكري إسرائيلي إنهم يركزون على نطنز وفوردو وأصفهان، وعلى بوشهر أيضاً، وقد تعجّبت من هذا. بعد وقت قصير، صدر بيان توضيحي، يؤكد أن مفاعل بوشهر ليس من بين المنشآت المستهدفة، وكنت أتوقع هذا، فضرب بوشهر غير متوقع لأسباب عدّة، الأول أن هناك خبراء روسيين فيه، وهم يعملون على بناء مفاعلَين آخرَين في الموقع نفسه، لأنهم من بنوا أصلاً المفاعل الحالي الذي يعمل منذ 13 سنة، وقد صدرت تحذيرات من روسيا بهذا الخصوص. ثانياً، هذا المفاعل استراتيجي، وتدميره يؤدي إلى أزمة في الكهرباء، وهو بالفعل ينتج طاقة كهربائية كبيرة، لكن بالنسبة لدولة عندها مصادر أخرى، ومنتج كبير للنفط، لن يؤدي إلى انقطاع الكهرباء في إيران كلّها. السبب الثالث، أنّ المفاعل يضم كميات كبيرة من البلوتونيوم، ربما ثلاثة أطنان، وبالتالي فإنّ الخطر على منطقة الجوار سيكون كارثياً.

هل لهذا التّراجع الإسرائيلي علاقة بالقواعد الأميركية الموجودة في منطقة الخليج؟

هذا سبب إضافي، وبالتأكيد لن تسمح الولايات المتحدة بتضرّر قواعدها وجنودها، وهم الآن معرضون للخطر أكثر من أي وقت مضى في حال قرّرت إيران استهداف القواعد الأميركية. خلال لقائي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في القاهرة، قال لي بوضوح إنهم مستعدون لضرب أي قاعدة عسكرية أميركية تشارك في الاعتداء عليهم. هناك تقريباً 29 قاعدة عسكرية أميركية في 11 دولة إقليمية مجاورة أو قريبة من إيران. في اللقاء نفسه، استنكر مسؤول خليجي تهديد عراقجي بضرب القواعد الأميركية في بلدان الخليج، وكان رده، أنهم سيضربون القاعدة الأميركية وليس الدولة التي توجد فيها.

 كيف سيكون ردّ فعل الوكالة ومجلس الأمن إنْ قَصفت إيران مفاعل ديمونا الإسرائيلي في رأيك؟

لا أعتقد أن إيران ستقرّر ضرب مفاعل ديمونا، رغم قدرة صواريخها على الوصول إليه، فهي تدرك أن الضربة لن تكون لها فاعلية، ربما تكون لها قيمة معنوية بالطبع؛ أولاً ديمونا يتمتّع بحماية قوية ضد الاستهداف، ثانياً من ناحيّة فنّية هو مفاعل قديم للغاية، فعمره يتجاوز ستين سنة. لا شكّ أن المفاعل أنتج كميات ضخمة من البلوتونيوم، لكن من السذاجة أن أتخيّل أن هذا المفاعل لا يزال فاعلاً حتّى الآن كما كان عند إنشائه. إسرائيل لديها، قطعاً، وسائل أخرى للتخصيب، أهمها التخصيب بالليزر، وهي رائدة في هذا المجال، وبالتالي فإنّ ديمونا ليس الأهم، كما أنّ لديها مفاعلات غيره. العالم العربي لا يعرف سوى اسم ديمونا، لأنّ له تاريخاً طويلاً معنا، وأيّ مشكلة فيه ستؤدي إلى مخاطر كبيرة، خصوصاً على الأردن كونها الأقرب، وعلى مصر أيضاً.

إن نجحت إيران في إنتاج سلاح نووي، فهل هذا جيّد أم سيّئ بالنسبة لجيرانها العرب؟ وهل يمكن أن يشجع دولاً عربية على قرار مماثل؟

البرلمان الإيراني بدأ يميل إلى قرار الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ربما لأن الوكالة لا تقوم بدورها، ولأن قراراتها مُسيّسة. إيران بدأت في أواخر التسعينيات، بينما لم تدخل أي دولة عربية في هذا المجال. الإمارات عندها أربعة مفاعلات نووية، لكن ليس لديها قدرات تخصيب، ومصر تبني أربعة مفاعلات بخبرات روسية، لكن أيضاً لا تضم إمكانيات تخصيب. امتلاك إيران لسلاح نووي ربما يؤدي إلى شيء من توازن القوى في المنطقة، وهي في النهاية دولة إسلامية، ومواقفها جيّدة بالنسبة للقضية الفلسطينية، ربما كان لها تدخلات مرفوضة في سورية وفي العراق، وإن سألت الشارع العربي تجد الغالبية داعمة لإيران ضدّ إسرائيل، خصوصاً أنّ الأجواء مشحونة بسبب ما يحصل في غزة. 

هل هناك أي موقف يمكن أن تتخذه الدول العربية لحماية نفسها من النووي الإسرائيلي؟
الدول العربية يمكنها أن تهدّد بتعليق توقيعها على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية جماعياً، لا تنسحب، لكن أن تهدّد بالتعليق، وفي حال استمرت إسرائيل على موقفها تقرّر تعليق توقيعها على المعاهدة فعلياً، وإذا استمر الأمر، يمكن أن تنسحب الدول العربية من المعاهدة جماعياً. وعندها يكون من حق كل دولة أن تفعل ما تشاء في الملف النووي. على أرض الواقع، لا تملك أي دولة عربية منشآت نووية، ولا يبدو أن أي دولة تفكر في الأمر فعلياً.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

زهران ممداني... عن "المسلم الصالح والمسلم الطالح"




27 يونيو 2025


بات النضال من أجل حقوق الإنسان يمثّل تحدّياً لافتراضاتٍ بنيت عليها الحركة العالمية لحقوق الإنسان، إذ كان الافتراض الأساسي أن انتهاك الحقوق سوف يجيء من البلدان حديثة الاستقلال، بلدان العالم الثالث، وأن فرض الحقوق سوف يكون مسؤولية القوة الكبرى، الولايات المتحدة. وجرى دعم هذا الافتراض بواسطة الاعتمادات المالية التي خصّصتها القوة الكبرى. لكن احتلال العراق قلب تلك الافتراضات رأساً على عقب، إذ ماذا علينا أن نفعل عندما تصبح القوة العظمى الوحيدة المصدر الأساسي لانتهاك حقوق الإنسان؟ ... هذا رأي الأكاديمي الأوغندي من أصل هندي، محمود ممداني، في كتابه "المسلم الصالح. المسلم الطالح... أميركا وصناعة الحرب الباردة وجذور الإرهاب"، الصادر في سنة 2004 (نقله إلى العربية فخري لبيب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009)، ردّاً على تداعيات تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، في 11سبتمبر (2001). وقد تذكّرت الكتاب المهم بعد إعلان تصدّر نجل كاتبه، زهران ممداني (34 سنة)، انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك، والتي أصابت قواعد اليمين الأميركي الأبيض بصدمة، إذ بات ممكناً أن يتولى مسلمٌ من أصول جنوب آسيوية المنصب الهام.

وُلد زهران في 1991 في العاصمة الأوغندية كمبالا، وانتقل إلى نيويورك مع أسرته في السابعة من عمره، ورغم أنه حصل على الجنسية الأميركية في 2018، إلا أنه تمكّن من التقدّم على 11 مرشّحاً، منهم حاكم الولاية السابق أندرو كومو. ويقيني أنه متأثر بمسيرة والده الطويلة الداعمة حركات التحرّر في العالم، وبانتقاداته النزعة الاستعمارية الغربية، والهيمنة الرأسمالية على المجتمعات. ما يجعل صدمة اليمين الأبيض مبرّرة نوعاً ما. ليس ذلك فقط، فالمرشّح الشاب مناهض علناً سياسات الرئيس دونالد ترامب الرأسمالية، وداعم للتحرّر الفلسطيني، وأسّس، في أثناء دراسته الجامعية، جمعية "الطلاب الداعمين للعدالة بفلسطين"، وهو ينادي بتطبيق سياسات مثل جعل المواصلات العامة مجانية، وتجميد زيادات الإيجارات، وتحصيل مزيد من الضرائب من ذوي الدخل المرتفع، ما عرضه لحملة تشويه كبيرة جعلت من انتقاده لإسرائيل معاداة للسامية، في حين تضم نيويورك أكبر عدد من اليهود خارج الشرق الأوسط، كما جلبت عليه غضب رجال الأعمال والمليارديرات الذين يعيشون في ذات المدينة. ولا يمكن أيضاً تجاهل التركيبة العرقية والاجتماعية والثقافية لزهران ممداني، فوالده أوغندي الجنسية صاحب الأصول الهندية أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا العريقة، ووالدته المخرجة السينمائية الهندية ميرا ناير، وقد تزوّح أخيراً من الفنانة السورية راما دوجي، ويدعمه بالأساس الشباب والملونون واللاتين، ومعهم السناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكسندريا أوكازيو كورتيز. ولكن كل هذا التمايز يستخدم ضده أيضاً، فاليمين الأبيض يعتبره مرشّحاً من خارج السياق الاعتيادي، وهناك من يستخدمون، بفجاجة، ميراث العنصرية المتجذّر، والذي يعتبر أي ملوّن، وأي مسلم، شخصاً طالحاً.

المرشّح الشاب زهران ممداني مناهض علناً سياسات الرئيس دونالد ترامب الرأسمالية، وداعم للتحرّر الفلسطيني

يعيدنا هذا إلى كتاب محمود ممداني، وهو مهم للغاية في السياق الشرق أوسطي الملتهب، والذي يكتوي بنار العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركيا وغربياً على غزّة، وتداعياته التي تشمل ما جرى مع حزب الله في لبنان، وما جرى أخيراً من عدوان على إيران، وكلها مدعومة غربياً، سياسيا وعسكرياً. يقول ممداني في كتابه إن أحد الأمور الأساسية التي جعلته يقرّر إنجازه "إشارة قيلت من دون انتباه" حسب وصفه، حول "الحرب الصليبية"، في إشارة إلى ما قاله الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، عقب غزو العراق، حين فرق بين "مسلمين صالحين" و"مسلمين طالحين"، وأن المسلم الطالح هو المسؤول عن الإرهاب، بينما يشتاق المسلم الصالح إلى تبرئة اسمه من هذه الجريمة الرهيبة، وأن المسلمين الصالحين سوف يدعمون أميركا من دون شك في الحرب. ويرى الكاتب أن هذا التصريح "كان عجزاً عن إخفاء الرسالة الأساسية لهذا الخطاب الذي يفترض أن كل مسلم طالح، ما لم يثبت أنه صالح، وأن كل المسلمين قد أصبحوا ملزمين أن يثبتوا أنهم صالحون بالالتحاق بالحرب ضد المسلمين الطالحين". ويكتب: "أحكام الصالح والطالح تشير إلى الهوية السياسية للمسلم، لا إلى هويته الثقافية أو الدينية. هؤلاء الذين فكروا في الهوية الثقافية، والآن في الهوية الدينية، باعتبارها متميزة عن الهوية السياسية، لا ينسون المأزق الذي واجهه المجندون إجبارياً لحساب القوة الغربية. ألم يكن اليهودي العلماني في أوروبا وأميركا، ثم في ألمانيا النازية، مجبراً على الإقرار بأن الحداثة الغربية قد حوّلته من مجرد هوية ثقافية ودينية إلى هوية سياسية؟ ألم تكن الصهيونية التاريخية هي رد اليهود العلمانيين الذين أقنعوا بأن اختياراتهم السياسية مقصورة على هذه الهوية السياسية التي فرضت عليهم؟".

وفي مقدمته المكتوبة خصيصاً للنشر في الترجمة العربية من الكتاب، كتب محمود ممداني: "ليس هناك مسلمون صالحون متاحون في الحال، وقد انشقّوا عن المسلمين الطالحين، الأمر الذي يسمح بعناق الأولين، ونبذ الآخرين. تماماً، كما أنه ليس هناك مسيحيون أو يهود صالحون انشقّوا عن الطالحين منهم. افتراض وجود مثل هذه الأنساق يخفي رفض مخاطبة فشلنا الخاص في تقديم تحليل سياسي لأزماتنا".

ينتقد محمود ممداني الحديث عن الأصولية الدينية بوصفها نسقاً سياسيّاً، أو ربطها بـ"الإرهاب السياسي"

في موضع آخر من الكتاب، يشرح ممداني مصطلح الأصولية: إنه "تعبير ابتدع في العشرينات داخل الدوائر البروتستانتية في الولايات المتحدة، وهي مثل مذهب المحافظين، ظهرت في المشهد في فترة متأخّرة، وكما كانت المحافظة مجرّد رد فعل سياسي على الثورة الفرنسية، وليست ردّة إلى أزمان ما قبل الحداثة، كذلك كانت الأصولية أيضاً، رد فعل في إطار الدين للأوضاع السياسية المتغيرة. هناك فرق بين الأصولية المسيحية التي ظهرت في العشرينات في أميركا، والمسيحية السياسية التي هي ظاهرة نشأت في أميركا أيضاً بعد الحرب العالمية الثانية". ويضيف: عندما نتحدّث عن الأصولية الإسلامية، فالأمر يكون مضلّلاً، على الأقل، فيما يتعلق بالاتجاه السائد للإسلام السني، حيث إنه لم يضع ترتيباً هرمياً دينياً موازياً للترتيب الهرمي للدولة العلمانية، كما فعلت المسيحية التاريخية؛ لذا افتقد هذا الاتجاه مشكلة العلمانية. يمكن تطبيق الأصولية على أنماط الإسلام الشيعي، والتي طورت بالفعل تراتباً هرمياً إسلامياً.

ينتقد ممداني الحديث عن الأصولية الدينية بوصفها نسقاً سياسيّاً، أو ربطها بـ"الإرهاب السياسي"، ويقول: يجب تمييز الأصولية بما هي ظاهرة دينية عن تلك التطورات السياسية التي وصفت وصفاً جيداً، كالمسيحية السياسية، والإسلام السياسي. الأصولية الدينية تشبه حركة مضادة للثقافة، وليست حركة سياسية، ومشكلة استخدام تعبير الأصولية لوصف تلك الحركات، أنها تميل إلى مساواة الحركات التي تشكلت في سياقات تاريخية وسياسية مختلفة جذرياً، وطمس فروقها العقائدية، بما في ذلك موقع العنف في عقيدتها الدينية.

يرفض الكاتب أيضاً افتراض أن كل حركة سياسية تتحدّث لغة الدين حركة إرهابية محتملة. ويرى أن "الدليل إلى طبيعة الحركة السياسية لا يكمن في لغتها، لكنه يكمن في أجندتها، وكما أنتجت بداية المسيحية السياسية بعد الحرب العالمية الثانية في أميركا حركات متنوّعة، مثل حركة الحقوق المدنية وحركات الحقّ المسيحي، كذلك فعلت بداية الإسلام السياسي في أثناء الحرب الباردة، إذ أدّت إلى نشوء حركاتٍ ذات أجندات سياسية متباينة، بل وحتى متناقضة. الحركات المعتدلة تنظم وتثير مستهدفة الإصلاح الاجتماعي في إطار السياق القائم، أما الحركات الراديكالية فتهدف إلى كسب سلطة الدولة، إذ وصلت إلى نتيجة مؤدّاها أن الوضع السياسي القائم هو العقبة الرئيسية أمام الإصلاح الاجتماعي".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

آلاء النجّار... فلسطينية من "شعب الجبّارين"




27 مايو 2025 


في سنوات مراهقتي، كنت مفتوناً بشخصية الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (1929- 2004)، فالرجل كان مفوّهاً، يمتلك كاريزما افتقرَ إليها كثيرون من حكّام العرب آنذاك، وما يزالون. ربما كنت معجباً أيضاً بإصراره على ارتداء الزي العسكري مع الكوفية الفلسطينية غطاءَ رأسٍ تقليدياً. كان هذا قبل نحو ثلاثة عقود، لكنّني لا أزال أتذكّر تكراره وصف الفلسطينيين في خُطَبه بـ"شعب الجبّارين"، وكان عادة ما يتبعها بمقولة "يا جبل ما يهزّك ريح". وبصفتي أزهريّ النشأة والتعليم، كنت أفهم مصدر صفة "الجبّارين"، المأخوذة من القرآن الكريم (سورة المائدة: 22): "وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ". اقتبسها "أبو عمّار"، واعتمدها في خطبه لأنها معبّرة للغاية عن موقفه مقاوماً فلسطينياً يدرك أن شعبه سينتصر حتماً على "بني إسرائيل"، ويبشّر مواطنيه بتحقق ذلك يوماً ما.

فقْدُ أمّ تسعة أطفال في لحظات ليس خبراً عاديّاً، وإنما خبر يستحقّ التوقّف عنده طويلاً

مع مرور السنوات، ومع التعمّق في المسألة الفلسطينية، تغيّرت تقييماتي لبعض مواقف "أبو عمّار". رغم ذلك، لا يمكن بحال مقارنة مواقفه النضالية بما يفعله رأس السلطة الفلسطينية الحالي، الرئيس محمود عبّاس. ذكّرتني بـ"شعب الجبّارين" قصةُ الطبيبة الفلسطينية آلاء النجّار، الأم الثكلى، التي فقدت تسعةً من أطفالها في قصف إسرائيلي دمّر منزلهم في خانيونس. ولأنني أب لشابَّين، لا يمكنني تخيّل كيف يمكن لإنسان طبيعي أن يتحمّل فقد هذا العدد من أبنائه دفعة واحدة. هذا حملٌ تنوء به الجبال، فما بالك بامرأة في منتصف العقد الثالث من عمرها. تذكّرت عندها مقولة "أبو عمار"، وزاد يقيني بأن نساء فلسطين لسْنَ مثل بقيّة نساء العالم، إذ ينتمين إلى "شعب الجبّارين"، وفي مقدّمتهنّ نساء قطاع غزّة.
درست آلاء النجّار الطبّ، وتخرجت طبيبةَ أطفال، وكانت حين وقعت الفاجعة في عملها في مجمع ناصر الطبي، تزاول مهنتها المقدّسة، التي تتطلّب في غزّة قدراً كبيراً من الشجاعة. وهي، في الوقت نفسه، زوجة طبيب، وتدير معه عيادة طبية خاصّة خارج أوقات دوامها الرسمي. رغم تلك المهام كلّها، التي يعتبرها كثيرون معوّقات، أنجبت السيّدة الفلسطينية عشرة أطفال، خلال 12 سنة فقط. وللعلم، كانوا 11 طفلاً، لكنّها فقدت أحدهم قبل أن يتجاوز عمره الشهرَين، قبل أربعة أشهر.
يحاجج كثيرون بأن كثرةَ الإنجاب ثقافةٌ رائجة في المجتمع الفلسطيني، ويربطها بعضُهم بأبعاد ديموغرافية، ولا يمكن إنكار ذلك، لكن يظلّ إنجاب هذا العدد الكبير من الأطفال في سنواتٍ قليلةٍ أمراً صعباً. تقريباً، أنجبت النجّار طفلاً كلّ سنة. هل هذه برأيكم مواصفات امرأة عادية؟... بالطبع لا. إنها امرأة فلسطينية، واستثنائية، ومن غزّة، ومن "الجبّارين".
يحاول بعضهم تشبيه مأساة آلاء النجّار بما عاشته الصحابية والشاعرة تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية، الملقّبة بـ"الخنساء"، وهي شخصية يَضرب بها العرب المثل في الصبر على الفقد. لكن هذا التشبيه لا يستقيم في رأيي، فالخنساء فقدت أولادها الأربعة، وآلاء فقدت تسعة، وأولاد الخنساء كانوا شبّاناً، بينما أبناء آلاء كانوا أطفالاً، أكبرهم يحيى لم يتجاوز عمره 12 سنة، وأصغرهم الطفلة سيدرا، التي لم يتجاوز عمرها ستّة أشهر. وأبناء الخنساء استشهدوا في حروب القادسية ضدّ الفرس، بينما أطفال آلاء استشهدوا تحت ركام قصف إسرائيلي غادر. أيتهما إذاً تستحقّ أن تكون مضرباً للمثل؟ الخنساء أم آلاء؟ تربح آلاء الرهان.

الطبيبة آلاء النجّار امرأة فلسطينية، واستثنائية، ومن غزّة، ومن "شعب الجبّارين"

خلال ساعات، تحوّلت قصة فقد آلاء النجّار أطفالها إلى أيقونة إعلامية، وتداولتها مختلف وسائل الإعلام الكُبرى، ففقْدُ أمّ تسعة أطفال في لحظات ليس خبراً عاديّاً، وإنما خبر يستحقّ التوقّف عنده طويلاً، حتى لو كان الشأن الفلسطيني ليس من بين ما تركّز فيه وسائل الإعلام العالمية، والمنحازة في غالبيتها إلى إسرائيل، وعادة ما تعتمد الرواية الصهيونية، رغم ثبوت أنها كاذبة ومضلّلة مئات المرّات، لكنّه الهوى الغربي الصهيوني.
الأكثر أهميةً أن تكون دماء أطفال النجار الشهداء، ولوعة قلبها المحترق، سببَين في إشعال الغضب العالمي المتزايد ضدّ الجنون الصهيوني، وأن تسهم في تزايد المطالبات بوقف المذبحة الجارية في غزّة، وألّا يتجاهل الرأي العام العالمي القصّة الدامية سريعاً، بعد أن أثبت على مدار نحو 600 يوم أنه لا يهتم كثيراً بمصير أطفال غزّة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

إسرائيل في الدراما العربية: الموقف الرسمي يُهيمن على المسلسلات

من مسلسل أم هارون (MBC)



22 مارس 2025


يكرّر صنّاع الدراما العربية على جمهورهم أن أعمالهم بمثابة صدى للقضايا الراهنة، وإن كان ذلك مثارَ انتقادات واسعة وخلافات وإشكالات تتجدد، لكن على مدار عقود طويلة سابقة، ظلت القضية الفلسطينية موضوعاً لا يختلف فيه أو عليه صنّاع الدراما العرب، وبقيت حاضرة بقوة، في السينما أولاً، ثم في الدراما التلفزيونية مع فورة انتشارها بحلول نهاية تسعينيات القرن الماضي، حين تحول شهر رمضان إلى موسم العرض الأهم سنوياً. وللمفارقة، لم يؤثر في ذلك مسار التطبيع المصري ثم الأردني، إذ ظلت الأعمال الدرامية عصية على التطبيع مع إسرائيل، وأُنتجت أعمالٌ تلفزيونية عدة لا يزال الجمهور العربي يتذكرها، بل ويستعيدها، من بينها كأمثلة مسلسل "دموع في عيون وقحة" (1980) للمؤلف صالح مرسي والمخرج يحيى العلمي، ومسلسل "رأفت الهجان" بأجزائه الثلاثة لنفس المؤلف والمخرج الذي بدأ عرضه في 1988، والمسلسلان أنتجهما التلفزيون المصري، ومسلسل "عز الدين القسام" (1981) عن قصة أحمد دحبور وإخراج هيثم حقي، ومسلسل "التغريبة الفلسطينية" (2004) تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي، ومسلسل "الاجتياح" (2007) تأليف رياض سيف وإخراج شوقي الماجري، ومسلسلات تاريخية تناولت شخصية محرر القدس صلاح الدين الأيوبي وغيرها.

لكن العقد الأخير شهد تحولاً كبيراً في التعامل الدرامي مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً عروبياً، ويمكن إرجاع ذلك إلى أسباب متباينة، من بينها انحسار، أو بالأحرى، هزيمة الربيع العربي، ثم موجة التطبيع الجديدة التي أطلق عليها "اتفاقات أبراهام"، وقبل هذا وذاك، وإن بتأثير أقل، اعتماد كثير من الأنظمة العربية خطاب جعل إيران العدو الأخطر، لا إسرائيل، ويقف خلف هذا ضغوط وتهديدات أميركية، بعضها مبطنة وأكثرها صريحة.

وخلال السنتين الماضيتين، وكذا في رمضان 2025، لم تنتج مراكز صنع الدراما العربية الكبرى للعرض في شهر رمضان، أعمالاً درامية تتناول القضية الفلسطينية، على الرغم من إعادة "طوفان الأقصى" القضية إلى واجهة الأحداث الإقليمية، وحضورها العالمي الطاغي بعد اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. يصعب اعتبار ذلك موقفاً اتخذه صنّاع الدراما بمفردهم من دون تدخل فوقي سلطوي، فالسياق الطبيعي للصناعة، وكذا منطق الربح والجماهيرية، يفرضان عليهم استغلال حالة التضامن الواسعة مع الشعب الفلسطيني لإنتاج أعمال تدعم نضاله، أو تذكر بالعدو الحقيقي، وخطره المحدق بالإقليم كله. لكن أياً منهم لم يفعل ذلك، ربما جهلاً بدورهم في التنوير ودعم قضايا شعوبهم المحقة، وربما، وهذا غالب الظن، خشية من غضب الحكام، خصوصاً المطبعون منهم.

لتوضيح هذا السياق، هناك بعض الوقائع اللازمة لفهم الحالة. في رمضان 2015، أحدث موضوع المسلسل المصري "حارة اليهود" للمخرج محمد العدل جدلاً واسعاً، واعتبر نتيجة مباشرة للتقارب بين السلطات المصرية والكيان الصهيوني، وأكد كثيرون أنه لم يكن لصانع دراما مصري أن يقدم مسلسلاً يتبنى وجهة نظر مماثلة إلا لثقته برضا السلطات الحاكمة عن ذلك، مذكّرين بتاريخ طويل من الأعمال السابقة التي كانت تتبنى وجهة نظر مغايرة، وتقدم اليهودي عموماً، ويهود مصر خصوصاً، باعتبارهم شخصيات سيئة بالمطلق، وتسبغ عليهم صفات قميئة مثل الطمع أو البخل أو الكذب، وصولاً إلى اتهامهم صراحة بالخيانة أو التآمر، وذلك على غرار شخصية "شايلوك" في رائعة ويليام شكسبير (تاجر البندقية).

وفي 2020، وهو عام توقيع "اتفاقات أبراهام"، كان النزوع إلى التطبيع الدرامي أكثر وضوحاً، وبرزت مسلسلات رمضانية تناولت العلاقة مع إسرائيل، أو تاريخ اليهود في المنطقة العربية، مثل مسلسل "أم هارون" للمخرج محمد العدل، وهو نفسه مخرج مسلسل "حارة اليهود"، وبطولة حياة الفهد التي قدمت دور طبيبة يهودية كانت تعيش في الكويت في أربعينيات القرن الماضي، وصور المسلسل في الإمارات لصالح شبكة إم بي سي السعودية (MBC)، وكذلك المسلسل السعودي "مخرج 7" للمخرج أوس الشرقي، الذي استعرضت إحدى حلقاته موقف الأب الأربعيني (ناصر القصبي) من طفله الذي ينخرط في ألعاب إلكترونية مع طفل إسرائيلي. في رمضان 2020 نفسه، عرض المسلسل المصري "النهاية" للمخرج ياسر سامي وبطولة يوسف الشريف، الذي كتبه عمر سمير عاطف مؤلف فيلم "أولاد العم" (2009)، واعتمد صيغة "الخيال العلمي"، ربما هرباً من الرفض الرسمي لإنتاجه، إذ تنبأت الحلقة الأولى منه بـ"زوال إسرائيل" بعد تفكك الولايات المتحدة، من خلال مشهد يتحدث فيه مدرس لتلاميذه عن "تحرير القدس" عبر حرب عربية خاطفة انتهت بهروب اليهود إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا.

للمقارنة، خلال العقود السابقة، كان حضور القضية الفلسطينية، والعداء العربي للكيان الصهيوني أشد وضوحاً مقارنة مع ما نشاهده خلال العقد الأخير، وكان صناع الدراما يتحسبون من غضب الجهور، وفي حال شذ أحدهم عن السياق، كان يواجه بهجوم جماهيري ونقدي واسع. يمكننا في هذا السياق تذكر الهجوم على فيلم "ريح السد" (1986) للمخرج التونسي نوري بوزيد فيلمه لمجرد أنه قدم شخصية يهودية طيبة، بينما اعتاد الجمهور العربي على تقديم اليهودي سيئاً، أو السخرية منه، وكذلك الهجوم على فيلم "سجل اختفاء" (1996) للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، الذي كان مشهده الختامي يظهر علم إسرائيل مرفرفاً، وقبل ذلك فيلم "إسكندرية ليه" (1979) للمخرج يوسف شاهين الذي قدم شخصيات يهود مصريين إيجابية في استعراضه للمجتمع متعدد الثقافات والأصول في مدينة الإسكندرية خلال أربعينيات القرن الماضي.

يظل استعراض قضايا الشعوب وهمومها أحد أدوار الدراما الأساسية إلى جانب الترفيه، لكنّ أحداً لا يمكنه إنكار أن صناعة الدراما حول العالم لها علاقة وثيقة بالسياسات والاقتصاديات، ما يعني أنها تخضع لسطوة الحكومات والممولين. وحتى في الدول التي يزعم سكانها التمتع بقدر أكبر من الحرية في إبداء الرأي والتعبير عن المواقف، لا يملك صنّاع الدراما إلا هامشاً صغيراً من الحرية، وهم ينساقون إلى توجهات السلطات، وسطوة المنتجين، باستثناء نماذج نادرة. ويندرج ضمن ذلك ما أنتجته هوليوود من أعمال حول حرب فيتنام، والأفلام التي تتناول الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان، وما تنتجه بوليوود من أعمال تمجد الجيش الهندي وتتهجم على الجارة باكستان، إلى غير ذلك من النماذج العالمية المعروفة.

عربياً، يظل الحال أكثر بؤساً، إذ إن صناع الدراما، من المحيط إلى الخليج، يخضعون بالكلية للمواقف الرسمية، وفي أحيان كثيرة تعد أعمالهم صدى لما تردده السلطات عبر الإعلام الرسمي، وللسخرية قد تتغير موضوعاتها بصورة فجّة فور تغيّر السلطات، ومن ذلك بدء تصوير مسلسل في دمشق أخيراً بعنوان "قيصر"، يروي بعضاً من سيرة مسرّب صور الفظائع التي كانت تحدث في سجون نظام الأسد، وذلك قبل أن يمضي شهران على سقوطه وتحرر سورية من قبضته.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

زهران ممداني... العدالة الاجتماعية موروثاً فكرياً



العربي الجديد

09 نوفمبر 2025 


في الصفحات الأولى من كتابه المهم "لا مستوطن ولا مواطن: صنع أقليات دائمة وتفكيكها" (نقله إلى العربية عبيدة غضبان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2023)، كتب الأكاديمي والمفكّر محمود ممداني إهداءً إلى ابنه: "إلى زهران، لقد علمتنا كيف نشتبك بالعالم في أوقات عصيبة. لعلك تلهم بالكثير وتنير المسير"... والأربعاء الماضي، فاز زهران ممداني (34 سنة)، المهاجر المسلم الحاصل على الجنسية الأميركية قبل سبع سنوات فقط، بمنصب عمدة نيويورك، أهم مدن الولايات المتحدة، وإحدى أهم مدن العالم، ما مثّل حدثاً كبيراً في السياسة الأميركية، قارنه بعضهم بفوز باراك أوباما بالرئاسة ليكون أول رئيس أميركي ملوَّن. لا أحد يعلم على وجه اليقين، ما إذا كان ممداني سيلهم بالكثير وينير المسير، كما توقّع والده في كتابه (صدر بالإنكليزية في 2020).
يبدي زهران دعماً واضحاً للأقليات والمهاجرين، ويتحدّى اليمين المتطرّف وجماعات الضغط الرأسمالية، وقد وعد الناخبين بسياسات اجتماعية. ويعتقد كثيرون أن العمدة الشاب الذي سيتسلم مهام منصبه بداية العام المقبل سيكمل طريقه في المسار الذي خطّه لنفسه، بينما يخشى بعضهم أن يبدّل قناعاته، ويخالف تلك المبادئ، تحت ضغوط الواقع السياسي، أو نتيجةً لسطوة الشخصيات الرأسمالية، وفي مقدمتها الرئيس دونالد ترامب، أو حتى طمعاً بالبقاء في السلطة. ولأفكار محمود ممداني تأثير كبير في طريقة تفكير ابنه، عمدة نيويورك الجديد، وخصوصاً أن مُنتَجه الفكري يركّز عموماً على تفكيك الخطاب الاستعماري، ومناقشة نظريات القوميين واليمين المتطرّف، والدعوة إلى إرساء المواطنة الكاملة، والحقوق المتساوية للبشر كافّة.

كتاب محمود ممداني استقصاء عن الحداثة السياسية بشكليها الاستعماري وما بعد الاستعماري

وتشكّل أطروحات ممداني الأب، وخصوصاً في "لا مستوطن ولا مواطن"، الأساس الفكري لمقاربة زهران للعدالة الاجتماعية، إذ تؤثّر رؤية الأب، حول محدودية الليبرالية في معالجة إرث الدولة الاستعمارية، في الابن، فيدفع زهران باليسار إلى ما هو أبعد من مجرّد "سياسة التمثيل"، وصولاً إلى الاهتمامات المادّية الملموسة، مثل تجميد الإيجارات. ويشترك زهران مع والده في التزام قضايا ما بعد الاستعمار والعدالة العالمية، ويتجلّى ذلك في مواقفه المؤيِّدة للقضية الفلسطينية، ووصفه إسرائيل بدولة فصل عنصري، وهو موقفٌ يتوازى مع تحليلات والده في "لا مستوطن ولا مواطن"، الذي يركّز على النموذج الإسرائيلي حالةً مستمرّةً للاستعمار الاستيطاني.
يصف محمود ممداني كتابه بأنه "استقصاء عن الحداثة السياسية بشكليها الاستعماري وما بعد الاستعماري، وبحث في جذور العنف المفرط الذي ابتُليت به المجتمعات ما بعد الاستعمارية". وهو يدحض افتراض أن القومية سابقةٌ على الاستعمار، مؤكّداً أن الاستعمار والقومية وجهان لعملة واحدة، وأن الدولة القومية تؤدّي، بالضرورة، إلى تشكّل أقليات محكومة ببنية قائمة على سلب الحقوق والحرمان من المواطنة الكاملة. ويقدّم الكتاب قراءةً مغايرةً للتاريخ الاستعماري عبر ربطه بالحداثة السياسية، كذلك يمثّل إطاراً نظرياً لفهم العنف السياسي في المجتمعات المعاصرة استناداً إلى تجارب تاريخية، ويمكن أيضاً اعتباره دعوةً إلى التفكير النقدي في مفاهيم الدولة والوطنية والمواطنة، إذ يطرح أسئلةً جوهريةً بشأن طبيعة العدالة والتاريخ والذاكرة في عالم ما بعد الاستعمار، ويقدّم مساهمةً مهمة في فهم ديناميكيات القوة والهُويَّة في عالمنا المعاصر.
وبينما يشهد العصر الحالي صعوداً للقوميات المتطرّفة، واستمراراً للصراعات الاستعمارية، وتبعاتها، مثل اللجوء، يقدّم الكتاب إطاراً نظرياً وتاريخياً لفهم هذه الظواهر، وللتفكير في بدائل أكثر عدالة وإنسانية تقوم على مواطنة شاملة تتجاوز الهُويَّات العرقية والدينية، في ديمقراطية تشاركية حقيقية.
في الكتاب أيضاً، يرفض محمود ممداني السردية التقليدية التي تحدّد بداية الدولة الحديثة بتوقيع "معاهدة وستفاليا" في عام 1648، التي يُقال إنها أنهت الحروب الدينية في أوروبا، وأرست مبدأي التسامح الديني داخلياً وضمان السيادة المتبادلة خارجياً. بينما يُرجع الكاتب اللحظة المُؤسِّسة للدولة الحديثة إلى 1492، العام الذي شهد ولادة الدولة الأمّة في شبه الجزيرة الأيبيرية، بالتزامن مع بداية عمليات التطهير العرقي للمسلمين واليهود، وشهد كذلك غزو الأميركيَّتَين وبداية عصر الاستعمار الأوروبي. ويؤكّد ممداني (الأب) أن الدولتَين، القومية والاستعمارية، خلق بعضهما بعضاً، وأنهما وجهان لعملة واحدة، وليستا متعاقبتَين تاريخياً كما يفترض بعضهم عادةً، وأنهما بُنيتا بشكل متبادل عبر التاريخ من خلال تسييس أغلبية دينية أو عرقية على حساب أقلية مصنوعة.
كذلك يقدم الكتاب مفهوماً جديداً لوصف الاستراتيجية الاستعمارية الحديثة، "عرّف تسد"، بدلاً من الصيغة الرومانية القديمة "فرّق تسد". فالإمبراطورية البريطانية دفعت الاستراتيجية خطوة إلى الأمام من خلال التصنيف الاستعماري المُنتِج للعنف، فتعرّف الهُويَّات بشكل جامد، ومن ثمّ استخدامها أدواتٍ للسيطرة. ويشدّد ممداني على أن "الدولة القومية ليست حلّاً للتنوع، بل هي المشكلة، إذ تنتج أغلبيات وأقليات دائمة". ويؤكّد أن ثنائية المستوطن/ المواطن الأصلي، فئتَين متصارعتَين، بناء سياسي وليست حقيقة طبيعية، وأنها صُنِعتْ لتبرير السيطرة. بينما فكرة الدولة التي تمثّل أمّةً واحدةً متجانسةً عرقياً أو دينياً فكرةٌ خيالية.
ويناقش الكتاب، في فصله الخامس، إسرائيل نموذجاً للعنف الاستعماري الاستيطاني المستمرّ، فبينما ينظر الصهاينة إلى أنفسهم سكّاناً أصليين عائدين، يشكّل اليهود العرب تحدّياً للصهيونية، التي تفترض أن الهُويَّة العربية واليهودية متعارضتان. وينتقد الكتاب "حلّ الدولتَين" لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن "الحكم الاستعماري غير المباشر" هو أصل فكرة "حلّ الدولتَين"، قائلاً: "المشروع الصهيوني استلهم النموذج الأميركي في التعامل مع السكّان الأصليين، فإمّا الإزالة المادّية وإما الإزالة القانونية من خلال إنكار الحقوق السياسية". وهو يطرح مفهوم "البقاء" بديلاً من تصنيف "المستوطن/ الأصليين"، وهو مفهوم استوحاه من تجربة جنوب أفريقيا.
فيما ترى الباحثة مريم الهاجري أن هناك إشكالاً صريحاً في محاولة ممداني إعادة إنتاج الحلّ في جنوب أفريقيا ضمن السياق الفلسطيني، المنطلق من تجاوز عنف الدولة القومية عبر المساواة بين الجاني والضحية، من دون أيّ محاسبة أو معاقبة. وكتبت الهاجري في تحليلها ("عمران"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد الـ38، نوفمبر/ تشرين الثاني 2021): "رغم فكرة أن القومية التي ولدت، ظاهرةً ومفهوماً، في سياق أوروبي، تقوم في الأساس على العنف، فإن النتائج التي يخلص إليها المؤلّف انطلاقاً من هذه الحجّة إشكالية، خصوصاً أننا نستعملها في سياق دولة استيطانية استعمارية، إذ تشير، عن قصد أو من غير قصد، إلى أن المجتمعات المُستعمَرة لم تكن لديها سلطة أو رأي في تطوير هُويَّتها، وعلاوة على ذلك، فإنه لم يتطرّق إلى أن الجماعات المُستعمَرة استخدمت القومية التي فرضتها عليها الحداثة، وسيلةً للتحرّر والمطالبة بتقرير المصير والسيادة في عالم ينتظم على نحو متزايد حول الدولة القومية".

يذهب الكتاب إلى أن الدولة القومية ليست حلّاً للتنوع، بل هي المشكلة، إذ تنتج أغلبيات وأقليات دائمة

يناقش ممداني أيضاً فكرة خلق "أقلّيات دائمة"، وأنها ليست مجرّد مجموعاتٍ صغيرة عددياً، بل مجموعات مُنحت هُويَّةً سياسيةً تجعلها دائماً في وضعية الضعف والتهديد، ومُستبعَدة من مفهوم "الأمّة"، ومن أمثلة هذه الأقليات يهود أوروبا، والسود والهنود الحمر في الولايات المتحدة، والمسلمون والهندوس في شبه القارّة الهندية، والعرب في فلسطين مثالاً معاصراً صارخاً على تحوّل الفلسطينيين "أصليين" محرومين من الحقوق، وتحوّل اليهود "مستوطنين" يحظون بالحقوق كلّها.
ويشرح كيف أن الدولة القومية الحديثة تعمل، في أحيانٍ كثيرة، "دولة مستوطنين" بالنسبة إلى بعض سكّانها، و"دولةً أمّةً" بالنسبة إلى الآخرين الذين تحرمهم من الحقوق. ويشدّد على أن هذا التناقض مصدر العنف المستمرّ. ويضرب مثالاً الحالة السودانية، وكيف أن سياسات الحكم غير المباشر البريطانية عمّقت الفجوة بين العرب في الشمال، والأفارقة في الجنوب، ما أدّى إلى حروبٍ أهلية طويلة، ثمّ انفصال جنوب السودان. ويرى أن المواطنة المتساوية هي البديل لتحويل الجميع مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات تحت مظلّة دولة مدنية واحدة. ويقول: "المشكلة ليست في وجود أناس من خلفيات مختلفة في أرض واحدة، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى أساس للتمييز السياسي والحرمان من الحقوق".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية