الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

خسائرنا المحتملة في انتخابات البرازيل

أنصار للرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في ساو باولو (11/10/2026 Getty)



العربي الجديد
13 أكتوبر 2026

تبدو البرازيل بلداً بعيداً جغرافياً عن بلادنا، إذ تقبع على بعد آلاف الكيلومترات في قلب قارّة أميركا الجنوبية، لكن علاقتها بنا نحن العرب قوية، وتاريخية، وفيها جاليات عربية كبيرة، وقد كانت عقوداً تدعم قضايانا، بداية من التحرر من الاستعمار، إلى مقاومة التبعية للغرب، إلى تكوين تحالفات مناهضة للإمبريالية، فضلاً عن دعم مستمر لإقامة الدولة الفلسطينية.
يجعل كل هذا الانتخابات الرئاسية البرازيلية، وجولتها الثانية المقرّرة في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، بين اليساري لولا دا سيلفا واليميني فلافيو بولسونارو مهمّة بالنسبة لنا عرباً، ومنتمين إلى ما يطلق عليه العالم الثالث، خصوصاً أن نتائج الجولة الأولى كشفت عن توجه دولة ظلت عقوداً أحد أبرز معاقل اليسار عالمياً، نحو اليمين، بعد صدمتين مماثلتين في جارتيها الأرجنتين وكولومبيا.
قبل أشهر قليلة، لم يكن أحد يتوقع أن اسم بولسونارو سيعود إلى واجهة السياسة البرازيلية، فالرئيس الأسبق جايير بولسونارو يقضي حكماً بالسجن 27 عاماً تحت الإقامة الجبرية إثر إدانته بالتخطيط للانقلاب على نتائج انتخابات 2022، لكن فلافيو بولسونارو حوّل تركة أبيه السياسية إلى قاعدة انتخابية، وتقدّم في جولة الانتخابات الرئاسية الأولى بنسبة 47% من الأصوات مقابل نحو 45% للرئيس الحالي لولا دا سيلفا.
وتفيد استطلاعات الرأي بأن فوز السيناتور بولسونارو على الرئيس لولا بات سيناريو مرجّحاً، خصوصاً أن مكاسب اليمين في الانتخابات البرلمانية المتزامنة، سيما في مجلس الشيوخ، تعني أن بولسونارو، حال فوزه، لن يبدأ ولايته بمواجهة المؤسسة التشريعية، بل بغالبية تسهّل عليه تمرير كل أجنداته السياسية والاقتصادية والبيئية.
الأكثر دلالة في النتائج أن المرشحين الذين جاؤوا في المراكز الثالث والرابع والخامس جميعهم من اليمين، أي أن الأصوات الموزّعة تميل في الجولة الثانية إلى مرشّح اليمين، وليس إلى مرشّح اليسار. وخسارة اليسار في البرازيل ستكون لها تداعيات كبيرة، أكبر كثيراً مما حدث أخيراً في كولومبيا، وقبل ذلك في الأرجنتين، فالبرازيل بلد أكبر، واقتصاد أهم. حين فاز أبيلاردو دي لا إسبرييا بالرئاسة في كولومبيا تعهد ببناء عشرة سجون عملاقة، مقلداً تجربة نجيب بوكيلة في السلفادور، وبتصعيد عسكري فوري ضد المجموعات المسلحة، ورفع تجميد عقود النفط والتعدين، وفتح الريف أمام التنقيب، كما أعلن انضمام بلاده إلى تحالف "درع الأميركتين" لمحاربة الجريمة المنظمة الذي يتزعمه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومنذ فوز خافيير ميلي بالرئاسة في الأرجنتين، في ديسمبر/ كانون الأول 2023، كانت خياراته واضحة، فهو مؤيد كل سياسات ترامب، ولكل سياسات بنيامين نتنياهو، وزار تل أبيب مرّات، وأعلن نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة حالما تسمح الظروف، وصوّتت حكومته ضد انضمام فلسطين إلى الأمم المتحدة، ووصف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بأنها "الشيء الصواب"، وعدّ الولايات المتحدة وإسرائيل "أختين في المعاناة".
لهذا ينبغي دراسة ما قد يعنيه فوز بولسونارو الابن جيداً، لأن البرازيل ليست دولة هامشية، فهي عضو مؤسّس في مجموعة الـ20، وفي تجمع "بريكس" مع الصين وروسيا وجنوب إفريقيا والهند، ولطالما كانت من أبرز الأصوات المدافعة عن الحق الفلسطيني في المحافل الدولية.
في المقابل، ورث فلافيو بولسونارو عن أبيه تأييد إسرائيل، وربما تجاوزه في التأييد، فبينما تعهد الأب في 2018 بإغلاق السفارة الفلسطينية في برازيليا لأن "فلسطين ليست دولة"، تعهد الابن في حملته الانتخابية بنقل السفارة البرازيلية إلى القدس المحتلة، وظهر نتنياهو عبر رسالة بالفيديو في مؤتمر لحزب فلافيو، في يوليو/ تموز الماضي، داعماً ترشيحه.
وبينما سعى لولا دا سيلفا في فترة ولايته التي أوشكت على الانتهاء إلى إحياء منظومة "بريكس"، ورفع صوت دول الجنوب في قمة العشرين، ينتقد فلافيو بولسونارو كل المبادرات المناهضة لسيطرة الدولار على الاقتصاد العالمي، ولا يستبعد الخروج من بريكس أصلاً، ويتوقع كثيرون أن يعيد سياسات والده البيئية الخاصة باستباحة غابات الأمازون، رئة كوكب الأرض الأخيرة، كما اقترح علناً تقديم تنازلات لإدارة ترامب في ملف المعادن الحرجة التي تمتلك البرازيل ثاني أكبر احتياطي منها في العالم.
يمكن فهم هذا كله في سياق دعم ترامب العلني له، ولوالده من قبله، وقد فرض البيت الأبيض رسوماً جمركية ثقيلة على الصادرات البرازيلية بعد خسارة بولسونارو الأب، وعاقبت إدارته قضاة المحكمة العليا البرازيلية بسحب تأشيراتهم، وألغت الاعتراف بسفير البرازيل في واشنطن، في حملة ضغط صريحة.
إذا ما فاز فلافيو بولسونارو، فلن تكون الخسارة من نصيب حزب العمال اليساري وحده، ولا خسارة لولا دا سيلفا الشخصية. بل ستخسر فلسطين داعماً دبلوماسياً مهماً، وتخسر قضية التغير المناخي ما تحقق في سياق حماية الأمازون، وتخسر أميركا الجنوبية آخر أسباب توازنها الديمقراطي الهش، وتخسر دول الجنوب كلها لاعباً بارزاً في مواجهة سياسات الهيمنة الغربية.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق