‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكاياتي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكاياتي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 14 يوليو 2020

أروى صالح.. "المبتسرون" في زمن التحرش والهزيمة





عن العربي الجديد

كلّما تفجّر نقاش التحرش في المجتمع الثقافي المصري، أتذكّر الكاتبة أروى صالح (1951 - 1997)، وكتابها "المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية" (1996)، وفيه سردت حكاية جيلها الذي صنعته، أو بالأحرى دمّرته هزيمة عام 1967، والتي يُطلق عليها "النكسة".
كانت أروى أحد الموهوبين في جيلها الذي يّوصف بأنه جيل الحركة الطلابية في السبعينيات، و"المبتسرون" شهادة مهمّة على هذا الجيل وعلى الوسط الثقافي، واليسار، والنخبة، وأظن أنه لا زال صالحاً للاستدلال في الوقت الحالي، خصوصاّ أن هذا الجيل لا زال يحتل حيزاً كبيراً في ما يمكن أن نسميه "النخبة الثقافية" في مصر، سواء في الانتاج الأدبي، أو المواقف، أو الفضائح.
في "المبتسرون"، فصلٌ مهم بعنوان "المثقف عاشقاً"، وفي العنوان رمزية تشير إلى ما أسمته أروى صالح "النضال على السرير"، وهي تفضح فيه أساليب مثقفين كبار في الإيقاع بضحاياهن من خلال الوعود والكلام المعسول، ويؤكّد عدد من أصدقائها الذين اطلعوا على نسخة الكتاب الأولى قبل النشر، أنه كان يضمّ أسماء شخصيات معروفة، بعضهم رحلوا وآخرون كانوا أحياء وقتها، وسردُ لوقائع تعرّضت إليها أروى شخصياً، لكن تمّ حذفها قبل النشر حتى لا يتعرض الكتاب إلى المنع، أو لا يتمّ مهاجمته بدعوى أنه يشوّه الأشخاص.
وهي تقول في هذا الفصل الكاشف: "لا شيء يعدل تهافت البرجوازية على الجنس قدر عجزها عن الاستمتاع به"، وتقول: "إن المثقف في علاقته بالمرأة يسلك كبرجوازي كبير، أيّ كداعر، ويشعر ويفكِّر نحوها كبرجوازي صغير، أي كمحافظ مفرط في المحافظة".
قدّمت شهادة مهمة على اليسار والوسط الثقافي في مصر السبعينيات
أطلقت أروى صالح سهاماّ كثيرة على المثقفين، وانتقدتهم بصراحةِ أحد أفراد المعبد الذي قرّر أن يفضح ممارسات الجميع، فكتبت: "يكفي أن تكون كاتباً، أو أن يتمّ تعميدك بهذه الصفة، لتحظى بمكانة مرموقة تُصبح قيمة بذاتها تمارس إرهاباً على الآخرين الذين لا يحق لهم أن يحكموا على ما تكتب، بل عليهم أن يشتغلوا مفسرين له، ودعاة متحمسين ملزمين بالدفاع عنه، ذلك أن الكتابة تنتمي لصفوة الصفوة المبدعين الذين يُحددون الاتجاه، والعقول التي توجه المنفذين".
وكتب الشاعر المصري عبد المنعم رمضان في مقال عنها: "كانت الأقوال المتناثرة عن أروى تتضارب، وترسم لها أكثر من صورة، صورة نضالها، وصورة ثقافتها، وصورة أزواجها، ثم صورة كبيرة لخصوماتها وانتحاراتها الفاشلة؛ كانت قمراً على قمر عند البعض، وطيناً تحت طين عند آخرين، طهارة كاملة عند البعض، ودنساً كاملاً عند آخرين".
ألقت أروى بنفسها من الطابق العاشر في 7 حزيران/ يونيو 1997، لتموت منتحرة بعد عدّة محاولات فاشلة للانتحار، وقد كتبت بنفسها في كتابها الذي يجمع بين الفصحى والعامية المصرية: "أقدر أموت عشان قضية، ساعتها الموت بيبقى جزء لا يتجزأ من الحياة".
الصورة
اجتهد كثيرون لتفسير، أو تبرير أسباب انتحار صالح، والأرجح أن عدم قدرتها على مسايرة الواقع كان سبباً مباشراً لانهزامها في مواجهته، وقرارها بالمغادرة، ومن أصدق ما كتب في التفسير ما قالته هي نفسها: "رابطتي الأكثر حقيقية بالواقع، تبقى الإيمان الصلب بأجمل ما أنتجه البشر وهم يحاولون اكتشاف حلمهم وصنعه نقياً، ناصعاً، ومبرّأ من وساخة هؤلاء البشر أنفسهم. والذين كنت عاجزة في العلاقة المباشرة معهم عن تفسير لغزهم، فضلاً عن التعامل معهم، فاقدة أبسط روابط الثقة بهم، وكأن الواقع مصرّ على السخرية من إيماني الحصين في قلاعه الخاصة، الحقيقية جداً رغم كل شئ، والتي كنت أجري لأحتمي بأحضانها من قساوته كلما تعضني".
وكتبت ضمن ما يمكن اعتباره من الأسباب: "في ذلك العالم الوهميّ تنبت أرض لكل أنواع العجائب، وفيها يمكن أن يستحيل الأقزام فحولاً، وأن تولد المآسي الوضيعة من مهازل رخيصة، وأن تُستغل التضحيات النبيلة في إرضاء نزوات مريضة، وأن تنشأ صداقات حميمة، بل وعلاقات حب، بين أناس لا يجدون سبيلاً حقيقياً واحداً للتعرف على بعضهم البعض، وأن تكتسب أية خزعبلات لخيال مهووس قوة اليقين، وأن تصنع الأحداث الهامة صدفاً بعضها طريف، والبعض الآخر بذيء. كل ذلك كان ممكناً وأكثر ما دام يحدث في واقع مصطنع خارج كل واقع، ومن ثم فهو أكثر تشوهاً من أي واقع".
وقد وصفتها الكاتبة والناقدة المصرية أمينة النقاش، قائلة: "كانت أروى فتاة دقيقة الحجم، رقيقة الملامح، وسيمة الروح، ذات وجه طفولي وصوت خفيض، لكنه مفعم بالحماس الذي يبدو وكأنه ثقة بالنفس. تمتلك حيوية عقلية ساهمت ثقافتها المتنوعة وذكاؤها اللماح في شحذها وتجددها، وأمدتها بحضور آخاذ، مما جعلها دوماً نجمة السهرات بلا منازع".
ألقت بنفسها من الطابق العاشر في 7 حزيران/ يونيو 1997
لكن فساد الوسط الثقافي لم يكن السبب الوحيد لما وصلت إليه أروى، فللهزيمة أثر واضح في حياتها، وحياة كلّ جيلها، وربما لا زالت آثار الهزيمة ماثلة في العقل الثقافي الجمعي المصري والعربي حتى الآن.
تقول أروى في "المبتسرون": "عندما تحوّل زمن عبد الناصر إلى ماض ضاعت معالمه، تُهنا! ولم نجد ما نتوكأ عليه في المتاهة سوى الحنين. تعرّي وعينا التاريخي وهو يُواجه حاضراً لا يسير وفق نبؤاته الثورية، فأخذنا نولول مع النادبين على زمن الانهيار"، وتضيف: "اليوم أصبح مُبرر وجود القضية، أي قضية، هو تأكيد ذواتنا التي تمددت كثيراً في الفراغ"، وقد تنبأت بأنه "سينتهى الحال بجموع الناصريين واليساريين على حجر إسرائيل".
وفي محاولة لتحليل ما جرى، تسرد صالح: "الهزيمة رشقت الأسئلة بلا رحمة في قلب هذا الحلم، حينها بدونا كشعب يُحاول بعد طول نسيان أن يستعيد قدرته على التفكير، وتركه النظام الذي انكسرت هيبته الغشوم بالهزيمة، يلهو بهذه اللعبة الخطرة إلى حين، واندفع المثقفون، كل الفئات المتعلمة، يُعيدون فتح كل الملفات المحرّمة، وتجرّأ المبدعون على مناورة الرقيب، يقولون كلاماً خطيراً تماماً بقدر ما كانت تستقبله تربة متعطشة تبحث عن طرق جديدة تسلكها، عن إلهام لشعب لم يكن قد استولى عليه اليأس بعد. لهذا كان زمن الهزيمة هو الأكثر حيوية على كل مستوى يمكن تخيله في كل تاريخ نظام ثورة يوليو، حيوية لم يعرفها الشعب لا قبلها ولا بعد النصر، وفي هذا الزمن بالذات اندلعت الحركة الطلابية".
وتواصل: "إن المثقفين المهزومين يعشقون تحطيم الأصنام من كل نوع: ناجحون، مشهورون، مبدعون، يحبون ذلك إلى حد أن العجز عنه في حالة من الحالات يصيبهم بالإحباط، إن البرهنة على أن (الكل باطل) احتياج لا ينتهي عندهم".
ولم تتجاهل أروى رصد ما جرى لجيلها بعد الهزيمة، فقالت: "البحث عن الأمان- المادي والمعنوي أيضاً- انتهي بالبعض من البرجوازيين الصغار من المناضلين السابقين إلى نهايات لم يحلم بها مثقفو الستينيات، فالعمل في المقاولات مثلاً، بل والانتقال إلى أحزاب فاشستية سافرة لكنها تتضمن صعوداً سريعاً وقبولاً اجتماعياً، ناهيك عن المؤسسات الصحفية الخليجية التي امتصت كل من له ظل موهبة في عمل ثقافي، والذي كان أثره الوحيد الحقيقي هو تحويلهم إلى باعة ثقافة على المقاس البترولي".
كانت الصدمة ماثلة في كلّ ما كتبته صالح، ومنه: "لقد تهاوت الحدود التي كانت واضحة حتى الأمس بين الحقيقة والزور، والخصوم والحلفاء، وأيضاً بين الصواب والخطأ"، لكنها في الوقت ذاته لا تنكر الخطأ أو تدعي الذكاء، كيف ذلك "وقد استحق المغفلون أن يمتطيهم الأفاقون".
في أعقاب انكسار حلم تحقّق مطالب ثورة 25 يناير، تذكّرت ما كتبته أروى صالح في "المبتسرون" عن جيلها، جيل النكسة، لأنه يمكن أن ينطبق بشكل ما على جيلي أيضاً، أو على الغالبية فيه، ومنه: "خصوصية المأساة عند جيل خاض تجربة التمرد، أنه مهما كان مصير كل واحد من أبنائه، سواء سار فى سكة السلامة والإذعان لقوة الأمر الواقع، أو حتى أعلن الكفر بكل قيم التمرد القديم، أو سار في طريق الندامة، واعتزال الحياة، والمرض النفسي، فإنه شاء أم أبى لا يعود أبداً نفس الشخص الذي كان قبل أن تبتليه غواية التمرد، لقد مسه الحلم مرة، وستبقى تلاحقه دوماً ذكرى الخطيئة الجميلة، لحظة حرية، خفة لا تكاد تحتمل لفرط جمالها، تبقى مؤرقة كالضمير، وملهمة ككل لحظة مفعمة بالحياة".
وتضيف: "دهمتنا نحن أيضاً حجلة الانتقال من زمن إلى زمن. كنا نظنه زمننا، وأننا سنغيره، ولكن لم نتبين مواقع أقدامنا بما فيه الكفاية، فقد اتضح مرة أخرى أن زمن قادة الشعب الحقيقيين لم يحن بعد"، لكن دائماً "الأبطال لا يظهرون في غيبة الملاحم".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأربعاء، 10 يونيو 2020

النقد الفني... مهنة مستباحة


نشرت أولا في مجلة الكويت

يصر معظم كتاب السينما العرب في الداخل والخارج، حين نسألهم نحن المحررين عن الأفلام التي شاهدناها معهم أو الظواهر التي نرصدها من دونهم، على أن نُسبقَ أسماءهم بلقب الناقد، وبعضهم يحرص أن يكون لقبه متبوعا بلفظة «الكبير» رغم أن الكثير منهم لا يستحق أكثر من لقب «الناقم».

بات النقد السينمائي والنقد الفني عموماً مباحا متاحا لكل من شاهد فيلما سينمائيا ووجد من ينشر له في زاوية أو عمود وما أكثر من ينشرون حاليا في ظل الهجمة الإلكترونية القائمة التي انتهت بنا إلى نقاد لا نعرفهم إلا عبر مدوناتهم أو صفحات الفيس بوك دون أن يخبرنا أحدهم بصلاحياته للحديث.
شخصيا حاول البعض أن يصفوني بالناقد رغم حرصي الدائم على رفض اللقب الوثير الذي يستعذبه كثيرون من زملاء المهنة وبات معروفا عني جملة مأثورة يتناقلها عني الأصدقاء نصها «الله يحرق النقاد» وسببها كفري التام بالنقاد العرب الذين لا يملك معظمهم أيا من أساسيات النقد التي تؤهلهم أصلا للكتابة ناهيك عن التحليل والنقد.
كيف أتقبل أن زميلا أو صديقا في نهاية العقد الثاني من عمره بات ناقدا محترفا وكيف يمكنني قبول تحول صحفي فشل في ممارسة المهنة إلى ناقد باعتباره النقد أسهل كثيرا من الصحافة فهو لا يحتاج في رأي أشباه النقاد إلا مشاهدة الأفلام ثم جلسة هادئة وكوب شاي لزوم تدبيج مطولة لا يمكن لعاقل أن يكملها لعدم ترابط معانيها حول عمل فني لا يعرف الكاتب عنه إلا ما شاهده على الشاشة كما لا يعرف عن السينما إلا عدة أفلام شاهدها وعدداً أكبر من المقالات التي كتبها غيره.
عشت كثيرا في جدل عميق مع زملاء وأصدقاء حول أحقية فلان أو علان في إطلاق لقب الناقد عليه وكنت دائما أحاول البحث عن سند لمن يصنف نفسه ناقدا دون وجه حق، كم فيلما شاهد في حياته؟ وهل درس النقد الفني؟ بمعنى أنه يعرف النظريات الفنية والاتجاهات النقدية وكم من الكتب والدراسات النقدية قرأ في حياته طالت أو قصرت وبأي لغات؟.
وهل يدرك مدعي النقد الفروق بين الأجيال السينمائية وتغير التقنيات في الصناعة من جيل لآخر وكم مهرجانا حضر؟ وكم ندوة ناقش فيها صناع السينما؟ وغيرها الكثير من الأسئلة التي أعتقد أن الناقد لابد أن يكون لديه منها حصيلة واسعة من الأجوبة قبل أن نطلق عليه لقب «ناقد».
الجدل كان ينتهي دائماً بأني ناقم على النقاد أو أنني لا أعترف بالنقد كمهنة رغم أن هذا غير حقيقي على الإطلاق لأني أقرأ لنقاد كبار كثيرين وأحرص على قراءتهم حتى أتعلم وأفهم بينهم مصريون وعرب وأجانب كونت منهم قائمة أضيف إليها كل فترة اسما جديدا وأحذف أيضا كل فترة أسماء تسقط من وجهة نظري في هاوية المصالح أو تعمد إلى بيع قلمها وهؤلاء باتت كثرتهم أمرا محزنا حقا.
تبقى الأزمة في تعدد المنابر الإعلامية التي تريد كتابات لملء فراغات وتسويد صفحات دون النظر إلى قيمة ما يكتب أو مستوى ما يقدم فيه من تعليقات وملاحظات وعلاقته بالنقد وكونه ينتمي إلى الانطباعات أم إلى الانتقادات التي لا تكون عادة مبنية على نظريات أو أسس نقدية.
وبينما نعرف في العالم العربي معاهد متخصصة للنقد الفني وجمعيات للنقاد تتفاوت في قوتها وعدد أعضائها من بلد لأخر إلا أننا لا نمتلك تعريفا محددا للناقد الفني إجمالا قبل أن نتحول إلى تصنيف النقاد في المجالات المختلفة حيث إننا نعرف نقاد السينما بشكل واسع بينما لا نعرف تقريبا نقادا للتليفزيون وينحصر عدد نقاد الموسيقى والغناء في فئة محدودة جدا تجعل الأمر مختلطا بين تلك المجالات المتباينة.
حالة الخلط تلك ألقت بنا في هوة سحيقة من التضارب النقدي فالناقد السينمائي مثلا يكتب في التليفزيون والموسيقى والمسرح وربما في الفنون التشكيلية وهو أمر لم يعرفه أي بلد في العالم حيث ظل التصنيف محددا ومتباينا بين كل مجال وكان لكل مجال جمعية خاصة أو تصنيف داخل جمعية عامة إلا لدى العرب فكل يكتب ما يشاء وقتما يشاء.
بعيدا عن التصنيفات الواضحة التي لا يمكن إغفال دورها والنقاد الذين يظهرون يوميا دون رقيب أو حسيب فإننا نعيش فوضى نقدية حتى على مستوى النقاد المعتمدين أو المفروضين علينا قسرا دون أن نختارهم أو حتى نتمكن من إبداء آرائنا فيما يكتبون، فبينما الناقد غير الصحفي إلا أن رؤساء الصفحات الفنية في كل الصحف العربية باتوا نقادا رغما عن القراء لأن لديهم القدرة على اقتطاع أجزاء من تلك الصفحات التي يشرفون عليها لأقلامهم على حساب الخبر والحوار والتقرير.
المهم أن هؤلاء الزملاء ترقى بعضهم لمنصب الإشراف على الصفحات بحكم السن أو الأقدمية وأحيانا الصدفة أو حتى المجاملة لا يجيد بعضهم الكتابة أصلا ولا يعرف الفارق بين المقال والعمود والرؤية النقدية وتحليل العمل الفني ورغم ذلك فإننا مجبرون على قراءة ما يسطرون مهما كان غثا والسكوت على أفكارهم غير المنطقية أو المرفوضة أحيانا مهما كانت براقة.
لكن هؤلاء الزملاء الأعزاء أفضل كثيرا من نقاد محترفين باعوا القلم لمن يكتب وعطلوا ضمائرهم مقابل حفنة من المال أو مشاركة في مهرجان أو الإشراف على مسابقة في احتفالية حتى أن بعضهم يعمل لدى شركات الإنتاج بمقابل مادي محدد سواء لرسم الخطط الإنتاجية أو اختيار النصوص الجديدة أو حتى يحصلون على مقابل مالي دون عمل لمجرد تحييد أقلامهم كونهم يمتلكون مساحات في صحف ومجلات يمكنهم فيها التقريع أو الهجوم على الأعمال الفنية دون سند نقدي.
ورغم أن الكثير من القراء يتجاهلون تماما المقالات النقدية بعكس المتخصصين الذين تلفت نظرهم المقالات قبل الأخبار والتقارير بما يعني أن الناقد يكتب لحفنة من القراء وأن ما يكتبه لا تأثير له على العامة ممن يسعى خلفهم المنتجون بحثا عن الإيرادات ونسب المشاهدة إلا أن قلم الناقد مازال له نفس التأثير النفسي في عقل المنتج الذي لا يهمه أن يقدم عملا جيدا بقدر ما يهمه أن يشتري أقلام النقاد حتى لا يهاجمون عمله.
بقي أن نشير إلى اختفاء المطبوعات النقدية المتخصصة في العالم العربي واحدة تلو الأخرى بما يؤكد عدم الإقبال عليها من القراء بينما تصر الصحف على وجود مقالات نقدية في صفحاتها الفنية يبقى بعضها أحيانا لمجرد ملء المساحة بينما كانت الصحف فيما مضى تباع باسم الكاتب أو الناقد وحده.
وتسبب اختفاء المطبوعات النقدية المتخصصة وزيادة عدد النقاد «عاطلا وباطلا» إلى تحول بعضهم إلى التدوين، فعرفنا أخيرا نقاد المدونات الذين لا نعرف لهم نشاطا نقديا إلا عبر مدوناتهم الإلكترونية التي تحولت في أوقات كثيرة إلى شتائم متبادلة بينهم لتصفية خلافات شخصية أو الخلاف على أموال يتلقونها من جهات يتصارعون عليها أو لمجرد محاولة كل منهم إثبات أنه الأجدر وأن الآخرين مجرد هواة مقارنة به.
رفضنا طويلاً ومازلنا نرفض أن يتحول النقد إلى مهنة من لا مهنة له.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 17 مايو 2020

نحن ضحايا كورونا




 يتجاهل كثيرون الحقائق المعلنة حول فيروس كورونا، ويسهل على المتابع رصد أوجه مختلفة لهذا السلوك، فالبعض ينساقون خلف الدعاية الحكومية التي تروج الأكاذيب، أو تزيف الحقيقة؛ لا يمكن قصر هذا على بلد محد، أو على منطقة جغرافية، فجميع الحكومات تمتهن الكذب.
 يلجأ أخرون إلى خداع أنفسهم بأن الفيروس ليس خطيرا، أو أنه مؤامرة يقف خلفها عدو مزعوم يتهمه بكل مشكلاته، وتبعات فشله، أو فشل حكامه.
بداية، يجب أن ندرك أن الإصابات ليست مشكلة ⁧‫فيروس كورونا‬⁩ الأهم؛ هي مشكلة كبيرة بالطبع، إذ ربما سيصاب غالبية البشر بالفيروس، لكن القسم الأكبر من المصابين يتعافون، حتى قبل التوصل إلى علاج أو لقاح للفيروس، وغالبية المصابين لا تظهر عليهم أعراض خطيرة، أو لا تظهر عليهم أعراض على الإطلاق.
وهناك صنف ثالث من البشر قرروا الاستسلام للواقع، رغم أن التداعيات على الأغلب، ستكون أكثر خطورة من نتائج انتشار الفيروس المباشرة.
  أبرز تداعيات كورونا حاليا، هي عدد الوفيات. الأعداد المعلنة للوفيات حول العالم غير دقيقة، لكنها تظل كبيرة.
هناك آلاف الوفيات الأخرى من بين المصابين لكنها غير مسجلة لأسباب مختلفة، بعض الدول تخفي الأرقام الحقيقية، ودول أخرى تتجاهل انتشار الفيروس، وبالتالي عدد الوفيات، وكثير من الدول ليست لديها القدرة على اكتشاف المرض، ولا يمكنها الوصول إلى الضحايا، فضلا عن حصرهم والكشف عنهم.
في ‏13 مارس/ آذار، كان عدد الوفيات المسجلة عالميا 5000 وفاة، وفي ‏الأول من أبريل/نيسان قفز الرقم إلى 50 ألف وفاة، ثم في ‏9 أبريل، بات عدد الوفيات 100 ألف، وتضاعف الرقم في ‏24 أبريل، ثم بلغ 300 ألف في ‏13 مايو/أيار.
  هناك أيضا آلاف الوفيات من غير المصابين، وبعضهم ماتوا بسبب عدم الإسراع إلى إنقاذهم، أو عدم قدرتهم على مراجعة المستشفيات، أو عدم توفر الدواء، سواء بسبب الضغط الشديد على القطاع الصحي، أو إجراءات العزل المفروضة.
‫ربما نكتشف بعد انقشاع الأزمة وفاة عشرات الآلاف من البشر لأسباب أخرى، مثل الجوع، أو العطش، أو البرد، أو ارتفاع درجة الحرارة، وخصوصا في البلاد الفقيرة، وفي مجتمعات النازحين واللاجئين المنتشرة حول العالم.‬
لاشك أن هناك أخرين قتلتهم الضغوط النفسية التي تعرضوا لها بسبب انتشار كورونا، بعضهم فقد مصدر رزقه، وأخريم لم يتمكنوا من تحمل الرعب المنتشر عالميا، وتلك أيضا من التداعيات التي لا يمكن حصر ضحاياها حاليا.‬
  خطر كورونا لازال كامنا، ونحن جميعا ضحايا محتملون، وسيحتاج العالم إلى سنوات للتعافي، كما ستتغير كثير من الأمور



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 16 يناير 2020

تنمر طالبة الجامعة الخاصة





 حين كنا صغاراً، كان الأهل يشجعوننا للتميز في دراستنا حتى نتمكن من الالتحاق بكلية جيدة في جامعة مهمة، على اعتبار أنه السبيل إلى مستقبل أفضل، ولا شك في أن كل الآباء والأمهات يحلمون أن يعيش أبناؤهم ظروفاً أفضل من واقعهم. رغم تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن حرص الأهل على نيل أبنائهم تعليماً متميزاً ما زال قائماً، وفي ظل تدني مستوى وجودة التعليم في المدارس والجامعات الحكومية، زاد انتشار التعليم الخاص، إذ تدفع العائلات المال مقابل أن يلتحق الأبناء بكليات أفضل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن التعليم الخاص أفضل. قبل أيام، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، تدوينة لطالبة جامعية جاء فيها ما يمكن اعتباره واقعة تنمر مكتملة الأركان، إذ إنها اعتبرت نفسها أفضل من عشرات الآلاف من أقرانها لأنها تدرس في جامعة خاصة، معتبرة أن طلاب الجامعات الحكومية هم من "طبقات الشعب الجاهل المتخلف"، على حد قولها. خلطت الفتاة في تدوينتها بين التنمر الذي هو ادعاء الأفضلية بأسلوب يشمل تحقير الآخرين، وبين النرجسية التي هي شعور داخلي بالأفضلية، ما يشي بجهل ليس مستغرباً على غالبية المنخرطين في التعليم المصري الذي بات خارج مؤشرات جودة التعليم العالمية من فرط السوء، ولا فارق في هذا بين الحكومي والخاص. أثارت التدوينة سجالات طويلة عبر مواقع التواصل، وقوبل تنمر طالبة الجامعة الخاصة بتنمر من طلاب في جامعات أجنبية، فضلاً عن استنكار آلاف من طلاب الجامعات الحكومية الذين ردد بعضهم أن الجامعات الخاصة ليست إلا وسيلة لمنح أبناء الأثرياء شهادات لا يستحقونها. لاحقاً، استضاف أحد البرامج التلفزيونية الطالبة لاستعراض رأيها، فقالت إنها فوجئت بردّات فعل وشتائم لم تخطر ببالها عندما كتبت التدوينة القصيرة. ولما سألها مقدم البرنامج عن اسم الجامعة التي ترتادها، كانت المفاجأة الأكبر، فجامعتها الخاصة ليست من بين الأفضل في مصر، ويحجم كثيرون عن ارتيادها كون مستواها العلمي لا يختلف عن الجامعات الحكومية، فضلاً عن أن الإقبال على خريجيها في سوق العمل ليس كبيراً. زادت حدة الانتقادات للفتاة حين كشفت عن اسم جامعتها، ووجه آخرون سهام النقد إلى الجامعة وخريجيها، في حين ظل النقاش هامشياً حول أسباب تدني التعليم في مصر، وأهمية العمل على استعادته مكانته السابقة، ودور الطلاب في الدفع باتجاه رفع مستوى المدارس والجامعات، الحكومية والخاصة على حد سواء. وكان من المثير للأسى لجوء بعضهم إلى تحقير حرص الأهل على تعليم أبنائهم استناداً إلى نجاح أفراد غير متعلمين.
يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 20 ديسمبر 2019

عن الزوجة المصرية


 في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر/ كانون الأول، انتحرت سيدة في العقد الرابع من عمرها في محافظة المنوفية بدلتا نيل مصر، عبر تناول عقار قاتل، وكان السبب المعلن هو إصابتها بصدمة عقب علمها بأن زوجها المغترب تزوج من سيدة أخرى.
 جلست أفكر وقتها، كيف تقرر سيدة عاقلة الانتحار لأن زوجها تزوج عليها؟ لماذا لم تطالب بالطلاق الذي بات القانون يتيحه لها في حال رفضت أن تصبح زوجة ثانية؟ وما الفائدة من قتل نفسها؟ تذكرت أيضا وقائع سابقة قامت فيها زوجات بقتل الزوج انتقاما، ثم خطر ببالي أن لديها أطفالاً، وبدأ عقلي في استعراض التداعيات الاجتماعية والنفسية التي سيعيشونها بعد انتحار أمهم؟ وموقفهم من أبيهم؟ وهل سيعتبرونه متهماً، أم يلتمسون له العذر في الزواج من غير أمهم. قبل بضعة أيام طالبت السفارة المصرية في الدوحة، عبر صفحتها الرسمية في موقع "فيسبوك"، اثنين من أفراد الجالية المصرية المقيمين في قطر، بالحضور إلى مقرها لاستلام وثائق زواج، وهو إجراء طبيعي ومتكرر. لكن غير الطبيعي في الواقعة كان نشر صفحة السفارة الرسمية لأسماء الزوجتين وجنسيتيهما، والتي كشفت أنهما يحملان جنسية إحدى البلاد الآسيوية. كان يمكن أن تمر الواقعة دون اهتمام يذكر باعتبارها شأناً يهم اثنين من المغتربين، لكن التدوينة التي جرى حذفها لاحقاً، شهدت اهتماماً واسعاً، إذ بلغ عدد التعليقات عليها نحو ألفي تعليق، وهو أمر غير متكرر في أي تدوينة على صفحة السفارة التي تخدم نحو 200 ألف مصري في قطر. عدد كبير من التعليقات استنكر قيام السفارة بنشر معلومات شخصية لمواطنين عبر صفحتها الرسمية، وطالبها البعض باعتماد صيغة تواصل بديلة، وربما كان هذا سبب حذف التدوينة عقب ما أحدثته من صخب، كما اعتبر بعض المعلقين ما فعلته السفارة فضيحة للشخصين، على اعتبار أنها كشفت أمر زواجهما في حين يمكن أن يكون أحدهما، أو كلاهما، متزوجاً في بلده، ولا تعلم زوجته عن زواجه الجديد. واعتمدت بعض التعليقات هذه الفرضية، وقام أصحابها، بعضهم ساخراً والبعض بجدية، بتحريض الزوجتين المصريتين على معاقبة الرجلين، وغالبية هؤلاء بطبيعة الحال كن من السيدات، في حين لجأ كثير من الرجال إلى صيغ الرثاء للزوجين، مذكرين بوقائع قتل زوجات مصريات لأزواجهن لنفس السبب. ولم يغب عن التعليقات عدد من الألفاظ العنصرية، وأشكال من التمييز ضد الزوجتين الآسيويتين، كما اتهمهما البعض بخطف الرجلين من عائلتيهما. وبرز جدال واسع بين المعلقين الذين عدّد بعضهم مزايا الزوجة المصرية المخلصة المتفانية، ليتهمها آخرون بأنها كسول ونكدية.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 24 نوفمبر 2019

عن شباب العائلة



عندما تفرض عليك الظروف الابتعاد عن العائلة لفترات طويلة، فإنك تكتشف بعد فترة عدم قدرتك على فهم تصرفات أفراد من عائلتك، وتفسير هذا قد يكون مرده إلى تغير طريقة تفكيرك، أو تغير طريقة تفكير، أو أعمار أفراد العائلة، وعادة كلاهما معاً. لن يكون هذا غريباً في حال كنت تناقش مشكلة شخص آخر، أو تقرأ تجربته الشخصية، لكن عندما يكون الأمر خاصاً بك، وبعائلتك، فلا شك أن تفسيراتك للأمر ستكون مختلفة، وربما تفشل في فهم المشاعر المتباينة التي ستنتابك، والتي قد تشمل الحيرة أو الحزن وربما الغضب. أتواصل عبر مجموعة مغلقة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي مع نحو عشرين شخصاً من عائلتي، وأفراد المجموعة العائلية من الجنسين، تتباين أعمارهم واهتماماتهم وثقافتهم، فمنهم من يدرس بالمرحلة الابتدائية، ومراهقون ومراهقات، وشباب وشابات، وأولياء أمورهم من أشقائي وأبناء عمومتي. تأسست المجموعة في الأصل لتبادل الأخبار الشخصية، والصور، والمعلومات عن العائلة، وهي مكان لتبادل التهاني في المناسبات، والمحافظة على الروابط العائلية، خصوصاً بالنسبة للجيل الأصغر الذي لا يملك نفس الأجواء الحميمية التي كان يتمتع بها الجيل الأكبر لأسباب بينها انشغال الكبار الذي لا يسمح لهم بأن يقابلوا بعضهم كثيراً، والمسافات التي تفصل بين أفراد العائلة بعد أن بات لكل منهم عائلته الخاصة، فضلاً عن مواقع التواصل التي باتت سبباً لقلة اللقاءات المباشرة. الأفراد الأصغر سناً في المجموعة هم الأكثر تفاعلاً، وهم أيضا الأكثر انفتاحاً، وصراحة، في حين يحجم آباؤهم وأمهاتهم عن الإسهاب في كتابة آرائهم أو أفكارهم خشية أن يتصيدهم أبناؤهم، كما أن التواصل الإلكتروني لا يغريهم كثيراً. ينصب اهتمام الكبار في الأغلب على محاولات تصويب أفكار الصغار، وأحياناً تهديدهم، وفي أحيان أخرى تقريعهم، وهي ممارسات أحرص على التصدي لها، وتحريض الجيل الأصغر على مقاومتها، ومطالبة الأهل بعدم استخدامها مع الأبناء. ينزعج الكبار دوماً من أسلوبي، لكن هذا لا يجعلني أحجم عن الدفاع عن حقوق الصغار، وحريتهم في التعبير. لطالما كانت طريقة تفكيري مختلفة عن أشقائي وأبناء عمومتي، ولطالما كانت علاقتي بمواقع التواصل والتقنية متطورة عنهم؛ ربما لأسباب تتعلق بطبيعة عملي، وأسفاري المتكررة، وتواصلي مع أشخاص من جنسيات وخلفيات حضارية وثقافية متباينة. لكن الأبرز في التجربة العائلية هو ما أتعلمه يومياً من هؤلاء الأطفال والشباب، من الجنسين، والذين أتيح لهم ما لم يتح للجيل الأكبر من تطور تقني يصبغ طريقة تفكيرهم وتصرفاتهم.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 9 نوفمبر 2019

على هامش أزمة الشعراوي



مات الشيخ محمد متولي الشعراوي قبل أكثر من عشرين سنة (1911 - 1998)، ورغم ذلك يتجدد ويتكرر الجدل حول تصريحاته وميراثه الديني والدعوي لأسباب متباينة أغلبها له علاقة برغبة السلطات في مصر في فتح مجالات نقاش هامشية تشغل الناس عن مشكلاتهم اليومية الحقيقية.
بداية، لست من "دراويش" الشيخ الشعراوي، ودراويش الشخص حسب المعنى الرائج هم تلك الفئة من الناس التي تدافع عنه بلا عقل أو تعقل، حتى إن بعضهم يعتبر كل إيجابياته أقرب إلى المعجزات، وكل سلبياته مجرد محاولات من الآخرين للانتقاص منه، متجاهلين كونه بشراً يصيب ويخطئ.
في الأصل؛ يجب أن يكون الفارق واضحاً بين الانتقاد المتاح لكل الناس ضمن حرية الرأي والتعبير، وبين الاتهام العلمي الذي لا يجوز إلا لذوي الاختصاص. من حق كل شخص أن ينتقد أسلوب الشيخ الشعراوي الدعوي، أو حتى يرفضه، باعتبار أنه لا يعجبه، أو لا يناسبه، فقد اعتمد الشيخ الراحل أسلوباً قريباً بالأساس من أنصاف المتعلمين وغير المتعلمين، وكان هذا اختياراً موفقاً، إذ إن المجتمع الذي كان يستهدفه بخطابه يضم الملايين من هؤلاء.
لكن هذا المجتمع نفسه يضم عشرات الآلاف من المتعلمين، ومئات الآلاف ممن يظنون أنفسهم متعلمين أيضاً، وهؤلاء لا يناسب كثير منهم الأسلوب الشعبي للشعراوي، فهم يرون أنفسهم في منزلة أعلى من العامة، ومنهم من يعتبر أن هذا الأسلوب انتقاص من القدرات العلمية والثقافية المتخيلة للمجتمع. كل هذا مقبول ومتاح، لكن الأمر مختلف تماماً عندما نتطرق إلى الاتهام المباشر الموجه إلى المحتوى العلمي، إذ علينا وقتها أن نترك المجال للمتخصصين، فليس هذا من شؤون العامة.
إحدى مشاكلنا عربياً يتمثل في غياب الدراسات العلمية المتخصصة، فتجد طبيباً يتحدث كمتخصص في التاريخ، أو مهندساً يتناول نظريات الفلسفة، وكثيرين يتكلمون في الدين والسياسة والاقتصاد كأنهم متخصصون؛ رغم أن كل ما يعرفونه لا يتعدى الثقافة العامة، أو الانطباعات التي لا يمكن وفقها بناء رأي علمي. تغيب ‏في بلادنا ثقافة المتخصص الذي يتصدى لدراسة الموضوعات، أو الشخصيات، عن طريق الاستفاضة في سرد المعلومات والمشكلات، والإيجابيات والسلبيات، بحياد وتجرد، ووفق منهج علمي، ثم يترك الحكم للقراء. ولهذا السبب يظل كثير من الموضوعات التي تشغل مجتمعاتنا بلا تأصيل واضح، وتدور المناقشات فيها عادة حول الهوامش وليس الوقائع، فتنتشر الأكاذيب والأهواء.
وهذا السبب نفسه، يجعلنا نعاني من غياب حلول عملية معتمدة على مشاركة المجتمع بعد أن تم تغييبه عن قصد، مما يتيح للسلطة الحاكمة فعل ما يحلو لها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 20 أكتوبر 2019

مكافحة الفشل



 تستخدم الأنظمة العربية نفس أساليب القمع والاستبداد للحفاظ على بقائها في السلطة رغم فشلها الواضح. لا شك في أن الأنظمة تدرس الأحداث، وتتعلم منها، وكثيراً ما تغير من أساليبها لتجاوز الأسباب التي تسببت في سقوط أنظمة مماثلة، أو أجبرتها على التفاعل إيجابياً على غير رغبتها مع مطالب الشعب. في المقابل، فإن الشعوب العربية تواصل المطالبة بحقوقها الأساسية متجاهلة القمع الذي تستخدمه الأنظمة، وبعض الشعوب تجاوزت كل الخطوط الحمراء التي حاولت الأنظمة لسنوات فرضها، والتي جعلت سقف المطالب لا يتجاوز العيش الكريم أو توفير فرص العمل، بدلاً من ديمقراطية كاملة تضمن تداولاً سلمياً للسلطة، وحرية رأي، ومكافحة الفساد، ومحاسبة السلطة الفاشلة. عندما انحسرت موجة الربيع العربي التي اشتعلت في 2011، ظن أنصار الثورة المضادة أن الشعوب لن تقوم لها قائمة مجدداً، خاصة بعد تنفيذ الانقلاب العسكري في مصر، وتحويل الثورة في سورية واليمن وليبيا إلى صراع دموي متواصل حتى الآن. لكن الشعوب أثبتت أنها ما زالت قادرة على المقاومة وعلى المطالبة بالتغيير، وتمكنت من إسقاط مزيد من المستبدين، فسقط عمر البشير في السودان، وسقط عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر. الأوضاع في السودان ليست واضحة المعالم بعد؛ لكن الشعب استرد القدرة على التعبير عن رأيه فيمن يحكمونه بعد عقود من القمع والبطش. والحراك في الجزائر متواصل منذ فبراير/ شباط حتى الآن، رغم كل محاولات السلطة العسكرية الحاكمة التلاعب بمطالبه، وفرض رئيس جديد يضمن لها مصالحها التي كان يحميها بوتفليقة لسنوات. وليست التظاهرات ذات المطالب الاجتماعية في الأردن ولبنان والعراق إلا مظهراً آخر من مظاهر الغضب الشعبي الكامن، والذي ينتظر شرارة تفجر ربيع عربي جديد يعتقد كثيرون أنه لن يكون مثل سابقه الذي تلاعبت به قوى إقليمية ودولية. لا يمكن في هذا السياق تجاهل التأثير الإيجابي لتنظيم تونس مؤخراً انتخابات رئاسية وبرلمانية، وما تمثله تلك الممارسة الديمقراطية من نموذج يرغب بقية العرب في تكراره داخل بلادهم، ولو من باب الغيرة من أشقائهم في تونس. الواقع أن النجاح التونسي يؤكد أن الشعوب العربية قادرة على تحمل كلفة الديمقراطية؛ على عكس محاولات الأنظمة الحاكمة لربط الحرية بالفوضى، أو تهديد الشعوب بانهيار الدول في حال واصلت المطالبة بإسقاط الأنظمة. وتؤكد الأحداث أن الشعوب ما زالت قادرة على تجاوز ألاعيب الأنظمة التي تقاوم التغيير، ومنطق الأمور يؤشر إلى أن أهداف الشعوب، وعلى رأسها الحرية، ستتحقق يوماً. عسى أن يكون قريباً.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 13 أكتوبر 2019

هل ستعطش مصر؟





 في كلمته الأخيرة بالأمم المتحدة، كشف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن فشل المفاوضات الثلاثية مع إثيوبيا والسودان حول "سد النهضة"، مؤكداً أن مصر أعربت عن تفهمها لمشروع بناء السد رغم عدم إجراء دراسات وافية حول آثاره، وخصوصاً ما يراعي عدم الإضرار بالمصالح المائية لدول المصب، ومنها مصر. بعدها بأيام، وفي خطابه بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 1973، اتهم السيسي "ثورة يناير" بالمسؤولية عن مواصلة إثيوبيا بناء سد النهضة الذي يهدد نسبة كبيرة من حصة مصر من المياه، في حين أن السيسي هو من وقع في مارس/آذار 2015، اتفاقية المبادئ التي اعتبرت أول اعتراف مصري رسمي بالموافقة على بناء السد. وتنص الفقرة الختامية من اتفاق المبادئ على أن "تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتها الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا". ووفق حسن النوايا، طلب الرئيس المصري من رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، في مؤتمر صحافي مشترك في القاهرة، في يونيو/حزيران 2018، أن يقسم بأنه لن يتسبب في الإضرار بمصالح مصر فيما يخص حصتها من مياه نهر النيل. كرر أبي أحمد بلغة عربية ركيكة كلام السيسي الركيك أيضاً: "والله والله لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر"، ثم ضحك جميع الحاضرين، بل وصفق كثير منهم. بعد الواقعة، عبر كثير من خبراء المياه ودبلوماسيون وساسة عن صدمتهم من الطريقة التي يتم بها التعامل مع اتفاقية على هذا القدر من الأهمية، وأن يطلب من المسؤول الإثيوبي أن يقسم بأنه لن يتسبب في أية أضرار، بدلاً من توقيع اتفاق مكتوب يلزمه ويلزم بلاده بمصالح مصر، قبل أن تتحول الواقعة إلى مصدر للسخرية من السيسي ونظامه عموماً، ومن أسلوب القاهرة في إدارة أزمة سد النهضة على وجه الخصوص. في الثاني من أبريل/نيسان 2015، نظمت "اللجنة الشعبية للدفاع عن النيل" وقفات احتجاجية وسلاسل بشرية في القاهرة، ضد توقيع اتفاق مبادئ سد النهضة، والتي وصفوها بأنها "اتفاقية بيع النيل". لم تمنح السلطات الأمنية المصرية اللجنة الشعبية موافقة على تنظيم تلك الاحتجاجات، ما جعل كثيرين يحجمون عن المشاركة فيها خشية الاعتقال، إذ لا يسمح في مصر إلا بالتجمعات المؤيدة للنظام. في الأيام الأخيرة، بدأت وسائل الإعلام التي يديرها النظام، وحسابات عدد من المؤيدين في مواقع التواصل الاجتماعي، التلويح بعمل عسكري ضد إثيوبيا في حال لم تتراجع عن مشروع السد، مما أثار مزيداً من السخرية من أسلوب إدارة الملف، والذي بات كثيرون مقتنعين بأنه سيؤدي إلى تعرض مصر للعطش قريباً.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 6 أكتوبر 2019

الربيع العربي مجددا





 في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2011، قال الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، للمحتجين ضد نظام حكمه: "فهمتكم"، في محاولة بائسة للبقاء في السلطة، لكنه سقط. وفي مطلع فبراير/شباط من العام نفسه، قال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، مستعطفاً المحتجين ضده: "لم أكن أنوي الترشح لفترة رئاسية جديدة"، لكنه أيضاً سقط، ولاحقاً كرر معمر القذافي في ليبيا، وعلي عبد الله صالح في اليمن، مقولات مشابهة، لكنهم أيضاً أزيحوا من السلطة. يمكننا اعتبار إسقاط رأس النظام جزءاً مهماً في الثورة على أي نظام حكم فاسد أو فاشل أو مستبد، لكن ذلك لا يعني انتصار الثورة، بل هو خطوة كبيرة في طريق طويل يجب أن يؤدي إلى إقرار عدالة شاملة، وحقوق وحريات متكاملة، ونظام ديمقراطي يمنع تكرار وصول أيّ مستبد إلى سدة الحكم، أو بقاء أي حاكم لفترات طويلة. ليست الثورة نزهة، ولا توجد ثورة تحقق أهدافها بين ليلة وضحاها، والثورة الفرنسية التي يضرب بها المثل عادة، استغرقت 80 سنة لتحقق أهدافها، وشهدت تلك السنوات فترات انتصار وفترات اندحار مختلفة. لسنا أول الفاشلين إذاً، فما يمكن وصفه بأنه "الربيع الأوروبي" الذي انطلقت شرارته عام 1848، من خلال عدة ثورات شعبية ضد أنظمة الحكم الملكية، تحالفت الملكيات ضده، لكنه تكرر مجدداً حتى استطاع إسقاطها، أو تحويلها إلى ملكيات دستورية تملك ولا تحكم. وبعد أكثر من قرن من الزمان، انتصر المطالبون بالتغيير، وحصلت الشعوب على حقوقها كاملة في اختيار من يحكمها، ومحاسبته إذا أخطأ، وعزله إن فشل، ومحاكمته إن أجرم. في بلادنا التي تشتعل فيها الثورات، وإن تحت الرماد، يكرر أنصار الثورة المضادة طوال السنوات الأخيرة مقولات ممجوجة، منها أن الثورات لم تخلّف إلا الدمار، بينما الدمار أحدثته الأنظمة الفاسدة التي قامت ضدها الثورات. ويزعمون أن الثورات ممولة من الخارج بهدف تدمير الدول العربية، وكأن هذه الدول التي قامت فيها الثورات كانت نموذجاً للرخاء أو العدل، حتى إن بعضهم يستخدم مصطلح "الخريف العربي" للسخرية من مصطلح "الربيع العربي" الذي يتشبث به المطالبون بالتغيير والتحرر. في ظل هذه الظروف، قد يشعر الثائر باليأس من إمكانية تحقق مطالبه، فيركن إلى الصمت، أو يتجاهل ما يجري من حوله، محاولاً عيش حياة طبيعية، رغم أن الأوضاع المحيطة به غير طبيعية ولا مستقرة، ولا ينتظر أن تستقر إلا إن حدث تغيير حقيقي. التاريخ والمنطق يؤكدان أن عملية التغيير تستغرق وقتاً طويلاً، وتستلزم جهداً كبيراً، وأن الثورة لا تموت ما دام المؤمنون بها أحياءً.
يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 27 سبتمبر 2019

انتفاضة 20 سبتمبر




 من بين أبرز مساوئ الغربة أن لا يستطيع المغترب لقاء أصدقائه كالمعتاد، وإن أتاح انتشار مواقع التواصل ووسائط الاتصال الإلكترونية مجالاً بديلاً. لا مجال لمقارنة اللقاء الافتراضي باللقاء الفعلي، لكن عندما تكون البدائل محدودة، فإن مجموعات النقاش الافتراضية حل عملي، أو بالأحرى ضروري، لعدم فقدان التواصل مع الآخرين، ومناقشة الأحداث والموضوعات مع أشخاص تعرف خلفياتهم وتوجهاتهم ومواقفهم، حتى وإن كنت لا تعرف على وجه التحديد ما الذي فعلته بهم، وبك أيضا، فترات الغربة. شاركت قبل أيام في نقاش مع أصدقاء مصريين يعيشون في بلدان مختلفة عبر مجموعة على أحد مواقع التواصل، وهو نقاش متواصل؛ يخفت أحياناً ويحتدم في أحيان أخرى، ويميزه اختلاف التوجهات والوجهات. كان تعريف ما جرى في عدد من محافظات مصر يوم الجمعة 20 سبتمبر/أيلول الماضي، محور النقاش الذي أظهر حالة من انتعاش آمال التغيير، وشيوع أحلام العودة إلى الوطن، بالتوازي مع تفاقم المخاوف من زيادة القمع، أو فرض مزيد من القيود. لكن الأهم في النقاش كان محاولات تحليل خلفيات ومآلات ما يجري على الأرض، وكذا في الفضاء الإلكتروني المتخم بمقاطع الفيديو والتسريبات والتصعيد المتبادل. قال أحد الأصدقاء إن هناك ضرورة لوضع مسمى للأحداث، واقترح تسميتها "الحراك"، فقال صديق ثان إنه ليس حراكاً وإنما "انتفاضة"، ليرد ثالث أن ما يجري مرحلة جديدة من "الثورة"، وعندها شرح صديق متخصص في العلوم السياسية الفارق بين التسميات الثلاث أكاديمياً. لم نتفق على وصف محدد، لكننا ارتضينا أن نسميه "انتفاضة 20 سبتمبر"، وعندها سأل صديق آخر: ماذا سنفعل إن كانت الأوضاع يوم غد الجمعة (27 سبتمبر) مغايرة؟ هناك دعوة إلى تظاهرات أكبر في هذا اليوم، وفي المقابل، يتحدث موالون للنظام عن حشد المؤيدين في الشوارع لمواجهتها، أو على الأقل إظهار حجم التأييد مقارنة بحجم المعارضة. عندها شهد النقاش مجموعة من الأسئلة التي ليست لها إجابات محددة، لكنها تؤشر إلى أن أحداث هذا اليوم ستحدد طبيعة ما يليه. فإن خرجت تظاهرات معارضة كبيرة، فهل تسقط النظام، أو جزءا منه، أم تضطره إلى استخدام أساليب القمع القصوى؟ وإن لم تكن هناك تظاهرات كبيرة، وحشد النظام أنصاره في الشوارع، فهل يعني هذا نهاية هذه الجولة من "الانتفاضة"؟ أم أنها ستتواصل في مواعيد أخرى؟ اتفقت مع أصدقائي على أن الوضع في مصر ضبابي للغاية بسبب نقص معلوماتنا حول ما يجري داخل النظام نفسه، واختلفنا بشدة حول فكرة صراع الأجهزة، لكننا اتفقنا مجدداً حول خشية لجوء النظام إلى الانتقام.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 26 سبتمبر 2019

التوريث في مصر.. محمود السيسي على خطى جمال مبارك



القاهرة – العربي الجديد
قبل شهر واحد، كان محمود السيسي، نجل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اسماً غامضاً بالنسبة لعامة المصريين، قبل أن يتغير الأمر فجأة، بعد تكرار ورود اسمه في مقاطع الفيديو المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي تؤكد تعاظم دوره وتدخله في كثير من الملفات، فضلاً عن اتهامه بالمسؤولية عن جرائم وقعت في مصر، خصوصاً في سيناء. وفتحت مقاطع الفيديو التي يواصل نشرها الممثل والمقاول محمد علي، من إسبانيا، الباب أمام الكثير من الأشخاص للحديث عن الفساد في دائرة الرئيس المصري المقربة. فبعد حديث محمد علي عن بناء قصور واستراحات رئاسية، وإجراء تعديلات على أحدها بكلفة كبيرة بناء على طلب من زوجة الرئيس، بدأ آخرون كشف المزيد من التفاصيل حول تورط عدد من أفراد عائلة السيسي في الفساد.

وفي 22 سبتمبر/ أيلول الحالي، اتهم الناشط السيناوي البارز مسعد أبو فجر، في مقطع فيديو بثه عبر حسابه بموقع "فيسبوك"، السيسي ونجله محمود بالوقوف وراء هجمات استهدفت الجيش المصري بشمال سيناء. وقال إنّ ضابطاً في المخابرات الحربية بتكليف من السيسي ونجله، هو الذي يقف وراء الهجوم على معسكر الأمن المركزي في منطقة الأحراش برفح عام 2017، وهو نفسه من يقف وراء هجوم رفح عام 2012، والذي راح ضحيته 16 من ضباط وجنود القوات المسلحة. وفي مقطع فيديو آخر، قال أبو فجر إنّ السيسي ونجله يديران شبكة لتهريب البضائع والأموال عبر معبر رفح البري والأنفاق إلى قطاع غزة، بما يدرّ ربحاً شهرياً يُقدر بنحو 45 مليون دولار، يأخذ السيسي ونجله منها 15 مليوناً.
وفي 19 سبتمبر/ أيلول الحالي، اعتقلت قوات الأمن المصرية حازم غنيم، شقيق الناشط وائل غنيم، عقب ساعات من نشر الأخير الموجود في الولايات المتحدة، فيديوهات يهاجم في أحدها محمود السيسي، فزاد غنيم من هجومه على نجل الرئيس وتوعّده بإثارة الرأي العام المحلي والدولي ضده.
في السياق، قال الحقوقي المصري أحمد سميح، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "محمود السيسي كضابط في جهاز أمني سيادي، ومثله مئات الضباط، أمر معتاد ألا يعرفهم أحد؛ كواحدة من ضرورات العمل الأمني"، مضيفاً أنّ "ظهور اسمه للعلن سببه استخدام والده له وللجهاز الذي يعمل فيه للتدخل في الملفات السياسية المختلفة، وهذا مؤشر خطير على تسييس أجهزة الدولة ذات الطبيعة السرية لتحقيق مصالح سياسية مباشرة للرئيس". وحول مدى تأثير اتهامات الفساد على صعود محمود السيسي أو حظوظه المستقبلية، أوضح سميح: "لا أعتقد أنه سيكون لذلك تأثير كبير بالنظر إلى إحكام السيسي سيطرته على مفاصل الدولة في مصر".
من جهته، اعتبر الكاتب المختص في الشأن الإقليمي، فادي القاضي، أنّ "الحراك الحالي في مصر قد يكون مؤشراً بالغ الدلالة والأهمية على تنامي التجاذبات في أروقة الحكم إلى درجة معقدة"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "صيغة التوافق بين أركان نظام يوليو 2013، لم تعد قابلة للاستمرار بالشروط نفسها، وهي في جوهرها قواعد لاقتسام النفوذ والسيطرة على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي". وتابع القاضي أنّ "صعود نجم محمود السيسي قد يكون السياق الذي فهم منه المُقتَسِمون أن الرئيس الحالي عاقدٌ العزم على تغيير القواعد التقاسمية التي توافقوا عليها سابقاً".
وأوضح القاضي: "لا أعتقد أنّ هؤلاء تناسوا أنّ صيغة التوريث التي كان الرئيس المخلوع حسني مبارك يُعدّها لنجله جمال، كانت أيضاً صيغة غير مقبولة، وبعضهم عمل ضدها سراً أو علانية. لكن وضْع محمود السيسي على رأس المؤسسة الأمنية الأكثر حيوية وحساسية ليس فقط صيغة أخرى للتوريث، بل هو صيغة مباشرة لتمكين السيسي من السيطرة مباشرة على أدق تفاصيل المشهد الأمني، وهو بالضرورة يدفع بأركان السلطة إلى اتخاذ مواقف دفاعية، وربما تكون أكثر شراسة في الفترة المقبلة".
وأضاف القاضي أنّ "الأحداث الأخيرة تؤشر على أن أركان نظام يوليو (تموز) 2013 تتطاحن بشكل علني، لكن ليس هناك إمكانية معلوماتية واقعية تساعد في توقُّع مَن ستكون له الغلبة؛ مع الأخذ بالاعتبار غياب أي مشروع مدني أو جهة مدنية من شأنها التدخل لكبح جماح هذه الأطراف المتصارعة".
إلى ذلك، يطرح محللون فكرة مغايرة تتمحور حول تعمد إبراز محمود السيسي حالياً كمناورة معدة مسبقاً للدفع بأحد شقيقيه إلى الواجهة لاحقاً، على غرار ما جرى مع نجلي مبارك في السابق، إذ كان الشقيق الأكبر علاء هو الأشهر على الساحة قبل أن يتوارى ليتم لاحقاً الدفع بشقيقه جمال إلى صدارة الصورة.
ويشغل الابن الأكبر للسيسي، مصطفى، وظيفة عليا في هيئة الرقابة الإدارية، في حين أنّ ابنه الثالث، حسن، كان يعمل في إحدى شركات البترول، لكنه التحق أخيراً بجهاز الاستخبارات.
وفي السياق، قال الباحث المختص بقضايا التحول الديمقراطي، عبده موسى، إنه من الصعوبة الجزم بأنّ الهجوم على محمود السيسي موجّه، أو أنه جزء من الصراعات داخل المكون الدفاعي والاستخباري. وأضاف في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "في ضوء ما عرفنا من موقف متململ، بل ورافض لتوريث جمال مبارك الحكم قبيل ثورة يناير، لا مجال لاستبعاد تكرار الغضب داخل الأجهزة الاستخبارية بالذات من سيناريو مشابه للتوريث، ويزداد الأمر مع كسر ترقية محمود السيسي لأعراف القيادة التراتبية، والدفع به إلى موقع متقدم يفوق خبرته ورتبته، وسط أقاويل عن قيامه بدور المدير الفعلي للمخابرات العامة، فيما يبدو عباس كامل مجرد ستار، فضلاً عن إطاحة السيسي بجيل كامل من قيادات الجهاز لإفساح المجال لصعود ابنه".
ورأى موسى أنّ الهجوم على محمود السيسي "سيترك أثراً على شعبية والده، وربما ينصحه مقربون بتهميش ابنه لخفض حدة الضغط عليه، مثلما فعل مبارك حين همّش نجله علاء بعدما تضخمت الأقاويل حول فساده، وجرى بعد ذلك تصعيد الابن الأصغر جمال ليحتل واجهة مشروع التوريث"، لافتاً إلى أنه "قد يتكرر هذا السيناريو مع محمود السيسي ليحلّ محله شقيقه الأكبر مصطفى، الذي ارتبط اسمه في جهاز الرقابة الإدارية بتفجير قضايا فساد كبرى".
بدوره، رأى المحلل السياسي عمرو خليفة أنّ "الزج بمحمود السيسي في أعماق الدولة العميقة خطوة تكتيكية محسوبة لأبعد الحدود، ليكون عين والده داخل المنظومة، وعينه على (الرعايا) خارجها، فضلاً عن كونه خط دفاع أولياً"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "هناك مؤشرات واضحة على خطة توريث، ربما على المدى البعيد، بدليل الترقيات السريعة، ودوره في التعديلات الدستورية الأخيرة".
وحول وجود حالة من الغضب من بروز نجل السيسي، قال خليفة إنّ "الفترة الأخيرة شهدت ما يمكن اعتباره تحركات ضدّ الأب والابن معاً، وربما كان هذا تكراراً لما حدث سابقاً من الدولة العميقة ضدّ مبارك وابنه جمال. وبناءً على ذلك، فإنّ الأيام والأسابيع المقبلة ستحدّد المستقبل، فنحن أمام صراع وجودي على السلطة، وعلى أسلوب الحكم نفسه، والهجوم من المعارضة انطلق بالفعل، وأعتقد أنه سيتصاعد، ونهاية المعركة ستقرر دور محمود السيسي وحجمه، فإما يصبح رئيساً لمصر بعد والده، أو في السجن أو المنفى مع أبيه".
وفي يونيو/ حزيران الماضي، قالت مصادر لـ"العربي الجديد"، إنّ هناك توسعاً لنفوذ محمود السيسي داخل جهاز الاستخبارات العامة، الذي انتقل إليه من جهاز الاستخبارات الحربية بعدما حصل على ترقيتين في مدة زمنية قصيرة للغاية، إذ تمّت ترقيته من رتبة مقدّم في 2014، إلى عقيد، ثمّ إلى عميد، وهي الرتبة التي مكّنته من شغل درجة وكيل جهاز في الاستخبارات.
وأكدت المصادر أنّ نجل السيسي بات صاحب الكلمة العليا داخل الاستخبارات العامة، والمشرف على الملفات الأهم بدعم من اللواء عباس كامل، الذي كان يشغل منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية قبل انتقاله لرئاسة الاستخبارات العامة، وأنه يتولى شخصياً ملف الإعلام. وأشارت المصادر إلى أنّ "محمود السيسي تتم تهيئته لموقع ما، ولا يستبعد أن يكون ذلك الموقع هو خلافة اللواء عباس كامل على رأس الاستخبارات العامة".
من جهته، قال مصدر مقرب من دوائر صناعة القرار المصري، لـ"العربي الجديد"، إنه "بعدما تم فرْض محمود السيسي على ملفات داخلية، بدأ توجُّه جديد بتقديمه إلى الخارج عبْر ملفات إقليمية"، مضيفاً أنه "تولى الإشراف على ملف إدارة العلاقات مع السودان عقب سقوط الرئيس المخلوع عمر البشير، وهناك محاولات لتوليه ملف العلاقات المصرية الأميركية". وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في يناير/ كانون الثاني عام 2018، أنّ محمود السيسي زار واشنطن مرة واحدة على الأقل.
وفي منتصف إبريل/ نيسان الماضي، نشرت صحيفة "التايمز" البريطانية، تقريراً بعنوان "السيسي يجنّد أولاده لمساعدته على البقاء في السلطة حتى 2030"، على خلفية تمرير التعديلات الدستورية التي تمدد بقاءه في السلطة.
وفي أول انتخابات برلمانية في مصر بعد انقلاب يوليو/ تموز 2013، أقيمت "غرفة عمليات الانتخابات" داخل مقر المخابرات العامة، وكان محمود السيسي واحداً من أربعة أشخاص في الغرفة التي أدارت المشهد الانتخابي عبر اجتماعات يومية، وقامت بصناعة قائمة "في حب مصر" المؤيدة للسيسي، والتي هيمنت على البرلمان. وقد قال الناشط السياسي المسجون حالياً، حازم عبد العظيم، في شهادة نشرها على موقع "فيسبوك"، إنه كان مشاركاً في أحد تلك الاجتماعات بحكم نشاطه السابق كمسؤول للجنة الشباب في حملة السيسي الرئاسية الأولى.
بدورها، قالت مجلة "لسبريسو" الإيطالية في تقرير نشر عام 2016، إنها لا تستبعد أن يكون محمود السيسي أحد المطلعين على معلومات خاصة بشأن الباحث الإيطالي الذي قتل في مصر جوليو ريجيني حتى قبل اختفائه. وذكرت الصحيفة أنها اطلعت على "تفاصيل مقلقة بشأن دور محمود السيسي"، أوردتها عبر منصة "ريجينيليكس" الإلكترونية التي أطلقتها المجلة لتسليط الضوء على مقتل ريجيني، لكنها قالت إنها تمتنع عن نشر تلك التفاصيل لأن المسألة حساسة.

الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

وائل غنيم.. فتى ثورة يناير الغامض




نشر في العربي الجديد
24 يناير 2015

يوم السادس من يونيو/حزيران 2010 انتشر خبر وفاة الشاب المصري خالد سعيد على أيدي عناصر شرطة في مدينته الساحلية الإسكندرية، وتحول مقتل الشاب والطريقة الوحشية التي قُتل بها، ثم تناول الإعلام الرسمي ووزارة الداخلية المتهم الرئيسي في قتله، إلى أهم مادة إعلامية وشعبية يتداولها المصريون.

في اليوم التالي مباشرة ظهرت على موقع "فيسبوك"، الذي بات وقتها ظاهرة في البلاد، صفحة باسم "كلنا خالد سعيد"، تهتم بمتابعة القضية وتفاصيلها ورصد ردود الأفعال عليها، وكذا متابعة القضايا المماثلة. لم يكن أحد وقتها يدري مَن وراء الصفحة، أو "الأدمن" الذي يقوم على تحديثها.

في بداياتها لم تكن الصفحة بالأهمية الكافية، لكنها سريعاً باتت منتشرة وتزايد عدد متابعيها وزادت مصداقيتها وتأثيرها.

في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، فاجأني زميلي خالد البرماوي بما اعتبرته "قنبلة"، قال لي إنه أجرى حواراً مع "أدمن" صفحة "كلنا خالد سعيد"، تم تجهيز الحوار للنشر في موقع "مصراوي" المملوك لرجل الأعمال نجيب ساويرس، والذي كان البرماوي رئيس تحريره وقتها.

بعد النشر تحدثت مع خالد مطولاً عن الحوار والشخصية. كانت معلوماته عمن حاوره لا تزيد كثيراً عن معلوماتي. أجري الحوار "أونلاين" بالأساس، ولم نكن وقتها نعرف اسم الأدمن الحقيقي أو تفاصيل عنه، المهم أن الحوار كان انفراداً صحافياً هاماً، وحقق مشاهدة واسعة، وهذا بالنسبة للصحافي الأهم.

في هذا الوقت كانت الصفحة "الفيسبوكية" إحدى أبرز صفحات حقوق الإنسان في العالم، والصفحة الأكثر نشاطاً في مصر والوطن العربي بعدد متابعين تجاوز 333 ألف مشترك، وعدد زيارات يزيد عن 2.5 مليون زيارة يومياً. لم تكن فورة صفحات "فيسبوك" في هذا الوقت تُقارن بما باتت عليه بعد الثورة، وليست بالتأكيد مثلما هي عليه الآن، مرت أكثر من أربع سنوات.

نشر الحوار قبل أقل من شهرين فقط من تفجر ثورة مصر في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011، خلال الشهرين التاليين للنشر، لم تكن الغالبية العظمى من المصريين تعرف شيئاً عن الأدمن الغامض، كان الشائع أنه مصري يقيم في الخارج، لكن أجهزة الأمن استطاعت التوصل إلى شخصيته، خاصة وأنه عاد إلى مصر للمشاركة في النشاط بنفسه، تاركاً عمله المهم في واحدة من أهم مؤسسات العالم.

يوم 24 يناير/ كانون الثاني 2011 نشرت صفحة "كلنا خالد سعيد" وغيرها من الصفحات المناوئة لنظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك، بيانا يدعو الشعب المصري للتظاهر في الشوارع في اليوم التالي، الذي كان يوافق "عيد الشرطة"، وكانت الدعوة مقصودة، لأن الجهاز الأمني كان سلاح مبارك الأساسي للسيطرة على البلاد ومقدراتها وقمع المعارضين وإسكات كل الأصوات المطالبة بالتغيير أو الرافضة للفساد المتفشي.

انتشرت الدعوة بالفعل واستجابت لها أعداد قليلة من المصريين يوم الثلاثاء 25 يناير، مساء الخميس التالي مباشرة (27 يناير) اعتقل الشاب وائل غنيم الذي لم يكن يعرف اسمه إلا نفر قليل من المصريين، وقيل وقتها على نطاق واسع إنه "أدمن" صفحة "كلنا خالد سعيد"، التي بات عدد روادها ومتابعيها يقترب من النصف مليون شخص.

جرت في الأيام اللاحقة أحداث كثيرة، أبرزها "جمعة الغضب"، ثم "موقعة الجمل"، وبات التظاهر ضد مبارك يطلق عليه "الثورة"، وبات المطلب المعلن "ارحل".

في هذه الأثناء بدأت شركة "جوجل" البحث عن موظفها المختفي، كان وائل يشغل منصب المدير الإقليمي لتسويق منتجات جوجل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومشرفاً على تعريب وتطوير منتجات الشركة. بات اسم الشاب يتردد في أنحاء مصر، وبدأ كثيرون يصفونه بمؤسس الصفحة الثورية الأشهر في البلاد في تلك الأيام.

لم تعترف الشرطة المصرية أبداً باعتقال وائل غنيم، لكن الضغوط التي مورست على النظام الحاكم الذي كان يتزلزل وقتها داخلياً وخارجياً، جعلت رئيس الوزراء الجديد أحمد شفيق يقرر الإفراج عن عدد من المعتقلين المشاهير لإثبات حسن نيته واتجاهه للتغيير، كان بين هؤلاء وائل غنيم الذي أفرج عنه يوم الاثنين 7 فبراير/ شباط بعد 12 يوماً قضاها معتقلاً لا يعرف شيئاً عما يجري خارج الأسوار التي تحتجزه.

كنت في قلب ميدان التحرير عندما وصلني خبر الإفراج عن وائل غنيم، اتصلت هاتفياً بشقيقه حازم لتأكيد الخبر قبل نشره، لم يمنحني حازم الكثير من المعلومات، لم تكن لديه بالفعل إلا أنباء مثلما وصلتنا جميعاً. نشرت ما يتردد من أنباء عبر حسابي على "فيسبوك" و"تويتر"، كما اتصلت بمقر عملي (وكالة الأنباء الألمانية) لأبلغهم بما لدي من تفاصيل، نشر الخبر باعتباره أنباءً غير مؤكدة.



لاحقا ظهر وائل بصحبة الرئيس الجديد المعين للحزب الوطني حسام بدراوي، والذي قرر اصطحاب وائل بسيارته الشخصية إلى منزله، في مشهد تم ترتيبه إعلامياً، وأظهرته الكثير من وسائل الإعلام كدليل على نية النظام على التغيير استجابة لشباب الميدان.

بات اسم وائل غنيم يتردد صداه بين الثوار بعد حملات الدعوة لإطلاق سراحه، ثم الإفراج عنه، وبات معروفاً أنه مؤسس صفحة "كلنا خالد سعيد". لابد هنا من لفت النظر إلى الدور الهام الذي قام به الناشط عبد الرحمن منصور في إطلاق الصفحة وتطويرها، لكن يبقى وائل غنيم مصدر شهرتها الأساسي.

في تلك الأثناء، كان نظام مبارك يراوغ بكل جهده للبقاء، وكان صوت الرافضين يعلو أكثر للمطالبة برحيله، في ليلة الإفراج عنه ظهر وائل غنيم مع الإعلامية منى الشاذلي في برنامجها الشهير "العاشرة مساء" على قناة "دريم" الفضائية، كان الإعلام المصري الخاص وقتها مرتبكاً للغاية، لا يدري إلى أي جهة ينحاز، خاصة وأن ملّاك القنوات الفضائية جميعاً من رجال الأعمال الذين تخضع مصالحهم للنظام بالأساس، كانت الفضائيات تخشى النظام الذي لازال يحكم قبضته على كل شيء في البلاد، وتستشعر في الوقت ذاته أن تغييراً على الأبواب، وبالتالي حاول الجميع "إمساك العصا من المنتصف".

قال وائل في البرنامج واسع المشاهدة "إن أجندتنا الوحيدة هي حب مصر"، وعندما ذكرت مقدمة البرنامج سيرة الشهداء الذين سقطوا خلال الأيام الأولى من الثورة، انهار وائل غنيم وأجهش بالبكاء، وقال: "أريد أن أقول لكل أم ولكل أب فقد ابنه. أنا آسف لكن دي مش غلطتنا. والله العظيم مش غلطتنا. دي غلطة كل واحد متمسك بالسلطة ومش عايز يسيبها"، ثم فاجأ مقدمة البرنامج وجمهورها قائلاً: "عايز أمشي"، ولم يمهلها للرد وإنما قام من فوره مغادراً.




كانت تلك اللقطات القصيرة مفصلية مجدداً مثلما كانت صفحة "كلنا خالد سعيد"، وحققت دموع وائل غنيم تعاطفاً واسعاً في الشارع، الذي نكأ صدق الشاب المصري جراحاً كثيرة لديه وذكره بسنوات طويلة من القمع والفساد والفشل على كل المستويات.

في اليوم التالي، كان وائل غنيم نجم ميدان التحرير بلا منازع، استقبل الشاب استقبالاً مشهوداً، وتداول الآلاف صورة له مع والدة خالد سعيد، الذي بات يعرف باسم "الشهيد".




لم تمر إلا ثلاثة أيام، وتنحى مبارك وفوض صلاحياته للمجلس العسكري بقيادة وزير دفاعه المشير حسين طنطاوي، وبدأ طنطاوي ورجاله اللقاءات المتكررة مع من بات يطلق عليهم لاحقا وصف "شباب الثورة"، وبينهم وائل غنيم، وأحد اللقاءات الشهيرة التي لازالت صورة لها متداولة، ضمت الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي كان وقتها مدير المخابرات الحربية، وعنها كتب وائل غنيم "تدوينة" طويلة.

لكن تفاصيل لقاء أهم جرى قبل تنحي مبارك، وحضره وائل غنيم وآخرون، بينهم أحمد ماهر مؤسس حركة شباب 6 أبريل، في مكتب رئيس الوزراء وقتها أحمد شفيق، ربما فيها الكثير من الملامح عما كان يتم التحضير له.

عرفت بتفاصيل اللقاء في مكتب شفيق في مصر الجديدة، من خلال روايات متفرقة لعدد ممن حضروه، في الخلاصة: كان شفيق يتعامل مع الشباب باعتبار أن الأمر استقر له، وكان متعالياً متباهياً كعادته، ووزع عليهم "بونبوني" (نوع من الحلويات)، كان عليه شعار شركة "مصر للطيران" التي كانت تخضع لإدارته سابقاً كوزير للطيران المدني.

خرج الشباب من لقاء شفيق وكلهم ثقة بضرورة مواصلة الحراك حتى إزاحة مبارك تماماً عن السلطة، وكلهم يدرك أن النظام يحاول استعادة قوته ليفتك بهم، خرجوا من اللقاء إلى الميدان، وتسربت تلك الأفكار بين المتظاهرين فزادت إصرارهم على مطلبهم. وتنحى مبارك.

طوال فترة حكم المجلس العسكري كانت صفحة "كلنا خالد سعيد" تنحاز للطرف الثوري وتنتقد الحكام العسكريين وتفضح جرائمهم، باتت الصفحة في هذا الوقت مصدراً موثوقاً للأخبار في أنحاء العالم، حتى أن المجلس العسكري نفسه قرر تقليدها ودشن صفحة رسمية لنشر بياناته وتصريحاته على "فيسبوك".

وكان للصفحة دور هام خلال أحداث هامة جرت في تلك الفترة، بينها واقعة ضباط 8 أبريل، وأحداث محمد محمود الأولى والثانية، وأحداث مجلس الوزراء، ومجزرة ستاد بورسعيد وغيرها.



في تلك الفترة كنت متواصلاً مع وائل بشكل دوري، غالباً عبر "تويتر"، وتصادف أن كنت مع صديق مقرب في أحد مقاهي حي المهندسين بالعاصمة، نشارك في نقاش عن مساعي إطلاق شبكة اجتماعية جديدة يقوم عليها عدد من الشباب، بعد انتهاء اجتماعنا وعند مغادرتنا، شاهدنا وائل غنيم جالساً في أحد الأركان.

جمعتنا به جلسة امتدت لما يزيد عن الساعة، بات لدينا ما يشبه الثقة المتبادلة، كنت وصديقي صحافيين، لكنه كان يحدثنا باعتبارنا أصدقاء، لكن لا يمل من تكرار عبارة "مش للنشر"، تحدثنا في الكثير من الأمور، كان مثلنا جميعاً، لا يدري ما القادم، ولا إلى أي مسار ستتحول الأمور في بلادنا، وحدثنا أيضاً عن الكتاب الذي يعتزم إصداره عن فترة الثورة التي عايشها.

لاحقاً كتبت أنا أول تقرير باللغة العربية عن الكتاب في وكالة الأنباء الألمانية، حيث كنت أعمل. في فترة الانتخابات الرئاسية كان وائل غنيم من مؤيدي المرشح عبد المنعم أبو الفتوح وأحد الفاعلين في حملته الانتخابية، وفي المرحلة الثانية عندما انحصر السباق بين محمد مرسي وأحمد شفيق، انحاز إلى مرسي، وظهر ضمن شخصيات عدة في مؤتمر لدعمه، عرف بمؤتمر "فيرمونت".



لكن في فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي انحازت الصفحة ووائل غنيم لمعارضيه، وتولت فضح الكثير من الأخطاء التي وقعت في عهده. وقبل 30 يونيو بيوم واحد نشر وائل غنيم فيديو يطالب فيه مرسي بالإستقالة، عندها هاجمته علناً وانتقدت دعوته، محذراً من انقلاب عسكري وشيك، وكانت آخر مرة تحدثنا فيها مباشرة.

لكن اليوم الأخير للصفحة التي تجاوز عدد متابعيها 4 ملايين شخص، كان الثالث من يوليو/ تموز 2013، لم يكتب في الصفحة بعدها أي شيء، وإن بقي أرشيفها متاحاً لمن يريد.

لاحقاً لم يظهر وائل غنيم علناً إلا مرتين، الأولى عبر مواقع التواصل بعد نشر ما قيل إنه تسريبات صوتية يظهر اسمه فيها في الاسبوع الأول من يناير/كانون الثاني 2014، والثانية قبل أشهر قليلة في ندوة خارج مصر، ونالته الكثير من الاتهامات بالخيانة للثورة والشهداء، بل وموالاة الحكام العسكريين الجدد في مصر، والسكوت عن جرائمهم المتلاحقة، لكنه لم يرد أبداً.

يبقى أن ألفت النظر إلى مشروع وائل غنيم الذي يعمل عليه منذ نحو العامين، وهو "أكاديمية التحرير"، وهي أكاديمية للتعليم عن بعد وعبر الإنترنت، يستغل فيها طاقات الشباب لإنتاج وترويج مواد تعليمية مفيدة حول العالم وتقديم خبرات ومهارات لمن يرغب في ارتياد عالم الأعمال، خاصة في مجال التكنولوجيا.

 لم يكن وائل غنيم أبداً سعيداً بوصفه بالمناضل أو الثوري، أو مفجر الثورة، هو يرى نفسه شاباً مصرياً ضمن مئات الآلاف من الشباب المصريين التواقين إلى الحرية وتطور بلدهم، والذين شاركوا في ثورة شعارها "عيش. حرية. عدالة اجتماعية. كرامة إنسانية".

ختاما، لا أحد غير وائل غنيم نفسه يمكنه التهكن بأسباب انزوائه المفاجئ، أو بالأحرى قراره عدم الظهور والامتناع عن الحديث في السياسة على مدار الأشهر الماضية، شخصيا أجد أن من حق كل إنسان أن يقرر ما يشاء في ما يخصه وفق ما يناسبه، لكن يبقى من حقنا جميعا معرفة سبب توقف صفحة "كلنا خالد سعيد" عن العمل، كونها لا تخص وائل ولا أيا من القائمين عليها وحدهم، وإنما بات اسمها مرتبطا بالثورة المصرية التي بات الملايين شركاء فيها، ويبقى السؤال قائما في انتظار الإجابة: لماذا تقرر إيقاف الصفحة عن العمل؟ ومن صاحب هذا القرار؟



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 9 سبتمبر 2019

تفسيرات الأطباء للموت




 ليس عدد أصدقائي من الأطباء كبيراً لأسباب تتعلق بطبيعة مهنتهم التي تمنعهم من قضاء الأوقات مع الآخرين، أو تشغلهم عن متابعة الأمور التي تشغلني، وأحياناً ما يفاجئني طبيبي بأسئلة تكشف عدم اهتمامه بما أعتقد أنه الحياة. في الأصل، لست أحب التردد على الأطباء، أغلب البشر مثلي في هذا الشأن. أستسلم لفكرة الخضوع للعلاج حين تفشل محاولاتي في الهرب من المرض، أو التحايل على الألم. لكني أحب مجالسة الأطباء الذين يمتلكون رؤية ما حول طبيعة الحياة، وعادة ما تعجبني تفسيراتهم المتأثرة بمهنتهم، كما أن عدداً من أبرز الكتاب والروائيين الذين أحب القراءة لهم في الأصل أطباء. قبل أيام، جمعني نقاش مع أحد هؤلاء حول الوفاة المفاجئة للعشريني المصري عبد الله محمد مرسي، وكنت أنتظر رداً علمياً يفسّر موت شاب لا يعاني من أية أمراض بتلك البساطة. لكنه قال إن الأطباء أنفسهم لا يملكون تفسيرات واضحة لكثير من الأمراض التي تصيب البشر، وإن وفاة شخص أكثر تعقيداً من قدرة الطبيب على التفسير، وعادة يكون لها عشرات التفسيرات، حتى إن ما يدونه الطبيب الشرعي في تقرير الوفاة غالباً ما يكون رأيه المعتمد على السبب الظاهر، وليس سبب الوفاة الحقيقي. كنت مستغرقاً في التفكير في كلامه، ثم طالبته بمزيد من التوضيح، فقال إن أزمة قلبية قد تنهي حياة الإنسان، لكنها لن تكون سبب وفاته، ويظل ما أدى إلى حصول الأزمة القلبية هو السبب الحقيقي للوفاة. زادت حيرتي، فأضاف أن المتفق عليه بين العلماء والأطباء أن تعرض جسد الإنسان للمؤثرات الخارجية تنتج عنه استجابات معقدة لم يتم تحديد طبيعتها حتى الآن، وأن الأثر النفسي عادة ما يكون له تداعيات عضوية خطرة، وبعضها قاتل، إذ يمكن لوضع نفسي أن يتسبب في توقف القلب أو الدماغ عن العمل، وربما كان هذا ما جرى مع عبد الله مرسي الذي كان يعيش أزمة نفسية عميقة. تذكرت عندها مقولة للروائي أحمد خالد توفيق، وهو أيضاً طبيب: "الإنسان لا يموت دفعةً واحدة، بل كلما مات له قريب أو صديق مات الجزء الذي يحتله هذا الصديق أو القريب في نفسه، ومع الأيام وتتابع سلسلة الأموات، تكثر الأجزاء التي تموت بداخله، وتكبر المساحة التي يحتلها الموت". هناك نص مشابه كتبه جبران خليل جبران. ويظل ما كتبه المفكر والطبيب مصطفى محمود في "لغز الموت" معبراً: "الموت في حقيقته حياة. الموت يحدث داخلنا في كل لحظة. كل نقطة لعاب، وكل دمعة، وكل قطرة عرق فيها خلايا ميتة نشيعها إلى الخارج. ملايين الكرات الحمر تولد وتعيش وتموت، ومثلها الكرات البيض، وخلايا اللحم والدهن والكبد والأمعاء".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية