السبت، 29 نوفمبر 2014

سلامة عبد الحميد: عن العرب والرقص



عن العربي الجديد



مع فورة الإعلام والفضائيات والبحث عن الأرباح، بات الرقص قاسماً مشتركاً في كل برامج اكتشاف المواهب الفنية، خصوصاً الغنائية. وظلّت أصوات المتسابقين تحاول جاهدة منافسة الراقصات والراقصين الذين يظهرون في خلفية المسرح، ترفيهاً عن الجمهور. ثمّ اكتشفت الفضائيات مؤخّراً أنّ الراقصات في الخلفية يشغلن الجمهور ويلفتن الانتباه أكثر من المواهب التي تحاول تقديم نفسها، فتحولت إلى الاهتمام بالرقص نفسه، وتقديمه كموهبة، والعمل على تنظيم مسابقات خاصة.
في برنامج "أراب غوت تالنت" الذي تنتجه وتعرضه محطة "أم بي سي" السعودية، بات الرقص جزءاً من المسابقات، وأصبحت المنافسة في الرقص هدفاً لكثير من المشتركين. ولاحقاً، قرّرت محطة "أم تي في" اللبنانية خوض التجربة، فأنتجت وعرضت برنامجاً بعنوان "رقص المشاهير". والجدير بالذكر أنّ البرنامجين المذكورين تمّ تقليدهما عن النسخة الأجنبيّة.
لكن العام الحالي شهد التحول الأبرز والأهم، فقناة "القاهرة والناس" المصرية قرّرت التحدي ببرنامج اسمه "الراقصة"، يستغل اسم وشهرة الراقصة المصرية دينا في تحقيق مكاسب وجماهيرية. إلا أن البرنامج قوبل بعاصفة من الرفض والانتقاد، جعلت القناة تتوقف عن عرضه مؤقتاً، خصوصاً أنّ البعض استغله سياسياً لاتهام النظام الجديد في البلاد بالدعوة إلى الانحلال.
بينما في لبنان قرّرت محطة "أم تي في" تكرار التجربة بعد نجاح "رقص المشاهير" في موسميْن سابقيْن، لتقدّم هذا العام برنامج المسابقات "يلا نرقص" المنقول عن برنامج الرقص العالمي الشهير So You Think You Can Dance.
وبحسب البرنامج، "فإن كنتم تظنّون أنّ العرب لا يجيدون الرقص، فبرنامج (يلا نرقص) كسر المحظور، وأظهر مواهب استثنائية، ومستوى عاليا لراقصين قادرين بسهولة على المنافسة عالمياً".
الشهرة الواسعة التي حققتها كل من الراقصات اللامعات، سامية جمال وتحية كاريوكا ونجوى فؤاد وسهير زكي وزيزي مصطفى، ولاحقاً فيفي عبده ودينا ولوسي وغيرهنّ، وصولاً إلى الراقصة صافيناز، تجعل من الرقص الشرقي قضية لا يمكن تجاهلها في المجتمعات العربية. بل إنّ اهتمام العالم به، وامتهان كثيرات من دول أجنبية له، يؤكد أنّ الرقص ليس شيئاً هامشياً على الإطلاق، بل هو فن احترافي.
ظهور الرقص مبكراً في كل حضارات العالم من دون استثناء، ورسوم فرعونية على جدران المعابد الباقية التي ضمّت رقصات مختلفة، دليل على أنّه فن قديم. لكن الرقص في الحضارات القديمة كان جزءاً من طقوس دينية يقوم بها رهبان وراهبات نذرن أنفسهنّ للإله، قبل أن يتحول لاحقاً، بضعف سيطرة سدنة الآلهة على المجتمعات، إلى وسيلة للمتعة في بلاطات الحكام، ومواخير البسطاء.
يبقى التناقض اليوم قائماً لدى الكثير من العرب، الذين يسهرون أمام شاشات الفضائيات، أو يدفعون المال للسفر إلى بلدان غربية قاصدين المسارح والكباريهات للاستمتاع بالرقص الشرقي والغربي، فإذا ما عادوا إلى بلادهم ردّدوا جملاً مطاطية مكرّرة حول وقاحة المرأة التي ترقص وتجاوزها للأداب والأعراف.
 



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 20 نوفمبر 2014

سلامة عبد الحميد: محمد محمود... شارع الثورة والجرافيتي.. والشرطة








عن: العربي الجديد

يقبع الشارع في طرف "ميدان التحرير" بوسط القاهرة، ويصل بين شارع القصر العيني الشهير وحي عابدين التاريخي، ويعد أحد أهم محاور المرور في وسط العاصمة، على مدخله من ميدان التحرير يقبع مبنى الجامعة الأميركية وفي منتصفه مكتبتها العتيدة، وهناك في طرفه الثاني مقر وزارة الداخلية، معقل الشرطة العتيد، وأحد مقاصد المشاركين في ثورة يناير 2011 الرئيسية.
يزيد طول الشارع قليلا عن كيلو متر واحد، لكنه شهد أحداثا عدة خلال الثورة المصرية، حيث كان دوما ممرا لهجوم الشرطة على الثوار في الميدان، بل وهجوم من يعرفون بـ"المواطنين الشرفاء"، ومعظمهم تابع للشرطة أو يعمل معها.
 لكن شهرته باتت عالمية، بعد أحداث دامية جرت فيه بدءا من 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، راح فيها عشرات المصريين، ويحتفل بها الأن قلة ممن شاركوا فيها، وسط رفض رسمي كامل، وتهديدات باعتقال من يشارك.
شاهد العالم كله خلال أحداث 2011 قمعا غير مسبوق للثورة المصرية ومن شاركوا فيها، على يد الشرطة والجيش الذي كان يحكم البلاد وقتها ويدعي أنه صديق الثورة وحاميها، بينما كانت الأحداث بمثابة الحد الفاصل مع الثوار الذين باتوا يرددون علنا بعدها هتافهم الأشهر "يسقط حكم العسكر". كثير من المصريين لا يعرف الشخص الذي يُعرف الشارع باسمه، ولا تاريخه، ولا سر بقاء اسمه على الشارع، رغم تغير أسماء معظم شوارع وسط القاهرة بمرور السنين.
أُطلق الاسم على الشارع نسبة لاسم السياسي المصري الراحل محمد محمود باشا (1877- 1941) الذي تولى رئاسة الوزارة في مصر مرتين، والرجل ينتمي إلى أسرة سياسية حيث كان أبوه محمود باشا سليمان وكيل مجلس شوري القوانين وأحد كبار ملاك الأراضي الزراعية في صعيد مصر، وورث عنه ابنه 1600 فدان. وكان محمد محمود أحد أقطاب الجبهة التي مثلت مصر في مفاوضات 1936 التي انتهت بتوقيع معاهدة جلاء الإنجليز عن مصر، وعين رئيساً للوزراء أول مرة في عهد الملك فؤاد الأول منتصف 1928 وحتى أواخر 1929 بصفته رئيس حزب الدستوريين الأحرار.
وتؤكد المراجع التاريخية أن الرجل كان الوحيد الذي امتلك جرأة تعطيل الدستور، ويعلن الحكم بيد من حديد ليلغي الأوضاع التي نجمت عن الحكم الحزبي، وجمعت خطب ألقاها في كتاب بعنوان "اليد القوية" نضح منه أنه لا يحبذ الحكم الدستوري، رغم كونه رئيس حزب اسمه "الدستوريين الأحرار".
بعد أن أصبحت مصر مملكة مستقلة عين محمد محمود باشا مرة أخرى رئيسا للوزارة في الفترة من نهاية 1937 حتى أغسطس/ آب 1939، واحتفظ خلالها بمنصب وزير الداخلية، وبدأت الوزارة أعمالها بحل البرلمان الوفدي، وزيادة صلاحيات جهاز الشرطة وإطلاق يده في البلاد لاعتقال ومطاردة المعارضين.
ومن أهم أعمال مجلس الوزراء خلال تلك الفترة إنشاء وظيفة مفتش عام الجيش المصرى، وصدر مرسوم بتعيين عزيز باشا المصري مفتشا عاما للجيش.
ولأن مصر بعد التخلص من الملكية في 1952 حكمها الجيش، واستخدم الشرطة لتدعيم حكمه وحماية مصالحه، فإن اسم محمد محمود باشا كان لائقا تماما بالشارع الذي يضم مقر وزارة الشرطة المصرية، وربما كان هذا سر عدم تغيير اسم الشارع حتى الأن، وربما كان أيضا سر الهياج الشديد الذي كان يصيب الشرطة والجيش من تمركز الثوار في الشارع وهتافاتهم التي تملأ جنباته، ورسوم الجرافيتي التي تزين حوائطه.
كانت قوات الشرطة والجيش تطارد الثوار في شارع محمد محمود وكأنهم مجرمون، بينما الحقيقة أن العسكريين الذين يركبون المركبات المصفحة والمدرعات، ويطلقون الرصاص والخرطوش وقنابل الغاز، هم من يستحقون المطاردة والمحاكمة على جرائم ارتكبوها في حق البلاد، وجرائم لازالو يرتكبونها في حق العباد.
ظل الشارع بعد تلك الأحداث مزارا للمصريين والأجانب، ومَعلَما على أيام ثورة كانت تتوارى، انطلقت منه عشرات التظاهرات، ونظمت فيه عشرات الوقفات، وتغيرت رسوم "الجرافيتي" على حوائطه عدة مرات، إما لأن النظام الحاكم كان يزيلها، كونها تعبر عن اجرامه وتذكره بضحاياه، وإما لتغييرها لتضم مجرمين جدد، أو متورطين أخرين.
ظل شارع محمد محمود مصدر إزعاج شديد للمجلس العسكري الذي حكم البلاد خلفا للرئيس السابق حسني مبارك، وبنفس طريقته، كما تحول في عهد الرئيس المنتخب محمد مرسي إلى مصدر هجوم رئيسي على جماعة الإخوان، وحمل اسمه أشهر جمل اتهامهم بالتخلي عن الثورة "باعونا في محمد محمود"، وفي ذكرى الأحداث في عهد مرسي رفع المشاركون لافتة على مدخله كُتب عليها "ممنوع دخول الإخوان"، عقابا لهم على اعتماد رواية وزارة الداخلية وقتها وتكذيب روايات الثوار.
يبقى شارع محمود محمود، والأحداث التي جرت فيه، نموذجا على ثورة لم يحمها من قاموا بها، وانقلب عليها من يفترض بهم حمايتها، ودليلا على أن المزيد من الدماء ستهدر، وأن مزيدا من العيون سينطفأ نورها في سبيل الحرية

 




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 15 نوفمبر 2014

سلامة عبد الحميد يكتب: عن مصر العجيبة



في مصر العجيبة، يحدثنا إعلام الجيش والشرطة عن ضرورة الوقوف خلف الأجهزة الأمنية التي تحمي البلاد، ويكذبون بترديد أن الثقة بين الشرطة والشعب عادت وأن الشعب بات يثق في قيادته العسكرية أكثر من كل من حكموه سابقا. فيضرب الجيش والشرطة بعضهما في حي محرم بيك بمدينة الإسكندرية، وتحاصر قوات البحرية والشرطة العسكرية قسم شرطة وتغلقه على من فيه.
في مصر العجيبة، يحدثوننا عن قدرات جيشنا الخارقة ومناوراته العظيمة وتدريبه المتطور، وأسره قائد الأسطول الأميركي السادس، ووفقا لأحد إعلاميي الجيش. فتُضرب لنشاته العسكرية من مراكب صيد صغيرة بالقرب من دمياط، يسميها المصريون "بلنصات"، قبل أن تفر هاربة ولا يتم معرفة الجناة. ثم يتم كالعادة القبض على صيادين فقراء كانوا بالقرب من موقع الحادث حتى يمكن "تقفيل" القضية الفضيحة.
وفي مصر العجيبة، يصدعوننا بالبلاد التي باتت في أحسن حال واستعادت قدراتها الاقتصادية. بينما هي تشحت من طوب الأرض، وتعيش على معونات خليجية، وتوقع اتفاقيات مع اليونان المفلسة، أو بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية، ودول أخرى لا يعرف عنها المصريون شيئا.
في مصر العجيبة، الإعلام كله يعزف نغمة واحدة وحيدة، ألفها عسكري جاهل، فيها من النشاز ما فيها، حتى أصبحنا "مسخرة"، وبات العالم يقرأ عن عكاشة ولميس وموسى أكثر مما يقرأ عن السيسي نفسه.
في مصر العجيبة، يحدثوننا عن استعادة البلاد لدورها الريادي في المنطقة. بينما هي تدعم فصيلا في ليبيا وتساهم في قصف معسكرات عدوه جويا، فينتقم منها الفصيل الثاني بتفجير عند سفارتها، ومعاقبة عشرات الألاف من العاملين المصريين هناك.
في مصر العجيبة، يحدثوننا عن القرار المستقل وأننا كسرنا مناخير أوباما و"منيمين" أميركا من المغرب، وأن إسرائيل باتت تحسب لنا مليون حساب. بينما يتم تهجير أهلنا في سيناء من منازلهم وإفراغ الشريط الحدودي من سكانه الذين يعتبرون خط الدفاع الأول، من أجل عيون إسرائيل وحماية أمنها ومصالحها.
في مصر العجيبة، يقتل الجنود في ماسبيرو المتظاهرين المسيحيين، ويطالب التليفزيون الشعب بضرورة التصدي لهم وحماية الجيش، المفترض أنه موجود لحماية الشعب، ثم تجد المسيحيين يتحالفون مع الجيش، الذي قتلهم، ويقفون خلفه للإطاحة بالإسلاميين الذين جاءوا بانتخابات مباشرة قال العالم إنها نزيهة، وإن كان فيها مخالفات فإن الجيش أيضا هو المسؤول عنها باعتباره كان يحكم البلاد وقتها.
ثم في مصر العجيبة، يقتل الجنود في رفح 1 وفي رفح 2 وفي الفرافرة وفي كرم القواديس، ولا أحد يعرف من قتلهم، ولا إلى متى يستمر نزيف الجنود ولا إلى متى يتمكن الجيش من حماية جنوده قبل أن يتفرغ لمهمته الأساسية في حماية البلاد ومن فيها.
في مصر العجيبة، يحدثنا وزير عن تدفق سياحي، بينما الفنادق خاوية على عروشها، والجيش في الشوارع والشرطة تنكل بالمواطنين، والتظاهرات لا تتوقف، والمعتقلات مكتظة بأصحاب الرأي من كل التيارات، ومنظمات دولية كثيرة تنتقد وتهاجم النظام القمعي الجاهل الفاشي.
في مصر العجيبة، تظل ميزانية الجيش سرا، ولا يسمح لأحد بمناقشتها، ثم يسيطر الجيش على نحو نصف مقدرات البلاد الاقتصادية، ويتولى المشروعات التنموية بالأمر المباشر، ثم يجمع قائد الجيش المنقلب على رئيس منتخب أموال من الشعب الفقير لإنجاز مشروع جديد يرى أنه القشة التي قد تنقذه من مصيره المحتوم.
في مصر العجيبة، يكررون على أسماع الشعب الجاهل الفقير ليل نهار أن حاله أحسن من حال أهل سوريا والعراق، رغم أن الأشهر الأخيرة تشهد تصاعدا ملحوظا في أحداث العنف، ويشهد تحول الكثير من الأشخاص إلى حالة أقرب إلى اليأس الذي يدفع الأشخاص إلى الجنون، والجنون هو ما تنتظره بلادنا لتصل إلى الدرك الأسفل، الذي يبدو للأسف، ألا مناص من الوصول إليه.
لا أدري إن كانت تلك مصر العجيبة، أم مصر العبيطة، لكن الواضح أن الأيام القادمة أكثر سوءا وأكثر قتامة، أو بالفعل "أيام سودة".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 11 نوفمبر 2014

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

الأربعاء، 22 أكتوبر 2014

سلامة عبد الحميد يكتب: إديني عقلك








الحفاظ على العقل في هذا الزمن يحتاج قوة وثباتا، كلنا يحاول أن يحافظ على عقله، لكن بعضنا لا يستطيع.
تقوم في مصر ثورة على حكم عسكري استمر 60 عاما، يشارك فيها مئات آلاف المواطنين، بينما الملايين تلعنها وتلعن المشاركين فيها وتعتبرهم خونة وعملاء، يغادر الرئيس الحكم، فيهتف الملايين للثورة الطاهرة والثوار الأبطال.
ينتخب الشعب رئيسا مدنيا لأول مرة، لا يحقق الرئيس ما ينتظره الشارع، محملا بأعباء وحسابات، ومحاطا بعملاء ومؤامرات. يشارك ملايين في ثورة مضادة ويعيدون حكم العسكر، الحكم العسكري الجديد يقرر أن يعاقب الجميع حتى لا يتجرأ أحد على الثورة مجددا.. لا تتعجب.
في الجوار، تحاول السعودية إقناع العالم أنها دولة ديمقراطية، ترفض الاتهامات بالرجعية، البلاد بلا دستور، ولا يوجد قانون حقيقي وإنما محاكم أقرب إلى المجالس العرفية. في السنوات الأخيرة ظهرت نصوص قانونية لكن يظل تطبيقها قاصرا، ما زالت القيود على عمل المرأة قائمة، معظم من يتم إرسالهم للتعلم في الخارج لا يعودون، ترفض الدولة الأغنى عربيا حتى الآن أن تقود المرأة سيارتها بنفسها.. لا تتعجب.
يقصف الجيش الإسرائيلي غزة لمدة تقارب الشهرين، يقتل ويصيب الآلاف، لا يتحرك العالم، لا أحد يشجب ولا يندد حتى، الكل يمنح الفرصة للإجهاز على حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، لا يهم تدمير غزة، المهم أن تنتهي "حماس".
تثبت حماس أنها أقوى، تقاوم وتضرب العدو في العمق، تحدث أثرا أكثر فداحة من كل قذائفه وطائراته، بصواريخها محلية الصنع، يتحرك العالم ويطلب الهدنة، حماية لأمن إسرائيل.. لا تتعجب.
شرقا، يحتل عناصر الدولة الإسلامية "داعش" مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، لا ينتفض العالم، لا نسمع عن تحالف دولي إلا عندما يهدد هؤلاء مدينة صغيرة اسمها "عين العرب"، بالكردية "كوباني".
باتت كوباني المجهولة عاصمة العالم، وقبلة وسائل الإعلام الدولية، الكل يتحدث عنها، وكأن سقوطها سيغير خارطة الكون.. لا تتعجب.
شمالا وشرقا، تحصل الباكستانية ملالا يوسف على جائزة نوبل للسلام، الناشطة الحقوقية في مجال التعليم لم يتجاوز عمرها الثامنة عشرة، واستخدمت شبكة الإنترنت للتعبير عن رأيها والمطالبة بحقوق النساء، ومقاومة محاولات المتشددين في بلادها منع النساء من حقوق أساسية كالتعلم والعمل.
في 2011 حازت اليمنية توكل كرمان الجائزة نفسها، تظهر ملالا وتوكل معا، فجأة ترفع الفتاتان علامة "رابعة" أمام كاميرات العالم، لا أحد يعترض، بينما في عدد من الدول العربية رفع تلك العلامة جريمة.. لا تتعجب.

فقط حاول أن تحافظ على عقلك.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 14 أكتوبر 2014

محمد منير.. محايد أم منحاز؟





عن العربي الجديد


الكتابة عن محمد منير كالخوض في حقل أشواك. فللمطرب المصري الستيني شهرة طاغية وجمهور يدافع عنه بالحقّ والباطل، ومجرّد الحديث عن منير بأسلوب فيه انتقاد، يبدو أمراً غير مقبول لدى الملايين من عشّاقه، الذين يلقّبونه بـ "الكينج" أي الملك، ولا يكترثون لغيابه المتكرّر مؤخّراً، ولا لتغيّر طبقة صوته بفعل تقدّم السنّ، وغيرها من الأمور التي لها علاقة بعاداته الشخصية. 

لكنّ الانتقاد أمر مطلوب، والفنان الذي لا ينتقده أحد لا بدّ أنّه مات أو قرّر الاعتزال، بينما منير حيّ يرزق، أمدّ الله في عمره، ولم يقرّر الاعتزال، وإن قرّر الانزواء بعض الشيء، يغيب أحياناً ويعود فجأة. 

بعد غياب أكثر من عامين يعود محمد منير بأغنية جديدة، يهديها إلى الجيش المصري في ذكرى الاحتفال بانتصارات أكتوبر. وبينما الأغنية عادية ولا يمكن مقارنتها أبداً بإنتاج المطرب الأسمر، إلا أنّها ترافقت مع حملة إعلامية مكثّفة ومتواصلة، ليس لكون مطربها "متحيّزاً"، وفق عنوان الأغنية، ولكن للترويج لها، وهو أمر بات معتاداً في الوسط الفنّي خلال السنوات الأخيرة. 

ظلّ منير سنوات طويلة يغنّي بلسان الشعب الفقير المحروم، وكان هذا ما يميّزه بين أقرانه من النجوم الكبار، وظلّ سنوات طويلة يغنّي للفقراء في حفلات شعبية في ساحات واسعة زهيدة التكلفة، إلى جوار حفلاته في المنتجعات والقاعات الفخمة المخصّصة للطبقة الراقية. 

لكنّ منطق الأمور هو التغير، ومنير إنسان له أفضاله وأخطاؤه، وليس ملاكاً منزّهاً عن الخطأ.

عندما قامت الثورة في مصر كانت أغنيات منير قاسماً مشتركاً، وكان صمت منير عن التضامن مع الثورة أو دعم نظام مبارك مفهوماً، بينما كثيرون غيره تورّطوا في التحيّز لطرف على حساب الآخر.


في الفترة اللاحقة ظهرت معلومات تؤكد أن أغنية منير الثورية الشهيرة "ازاي"، كانت معدة بالأساس لحملة جمال مبارك الرئاسية، وأنه تم إجراء تعديلات عليها لتصبح أغنية ثورية.
وبينما لم يتمّ تأكيد المعلومة أو نفيها، إلا أنّ من ردّدوها أكّدوا أنّها وردت على لسان مؤلّف الأغنية نصر الدين ناجي نفسه، الذي التزم الصمت وقتها. 

اقرأ أالقصة الكاملة

في أغسطس/آب 2011، وبينما كانت الثورة المصرية قويّة وصوتها هو الأعلى، أعلنت شركة "أرابيكا ميوزيك" للإنتاج الفنّي أنّها تمكّنت - بعد مفاوضات استمرت لأكثر من عام - من التعاقد مع محمد منير على إنتاج وتوزيع ألبومه الغنائي الجديد، الذي يضمّ عشر أغنيات جديدة تتناسب مع أحداث الثورة المصرية، وتواكب التطورات التي تمرّ بها المنطقة العربية. 

وبينما تُنسب "أرابيكا ميوزيك" دائماً للمنتج اللبناني محمد ياسين، إلا أنّ الرائج أنّه شريك فيها مع الشاعر المصري نبيل خلف، ما يجعل الشركة، وفقاً لتقارير صحافية مصرية متعدّدة، "مجرد ستار لغسيل أموال وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي الذي يخضع للمحاكمة حالياً"، كونه "خلف" أحد المسؤولين الإداريين الكبار السابقين في الوزارة. 

ونفى محمد ياسين كثيراً أيّ علاقة بين الشركة وحبيب العادلي، بينما أنكر نبيل خلف مراراً أنّه شريك في "أرابيكا ميوزك"، لكنّ وثائق نشرتها الصحف المصرية وقتها أثبتت أنّ ابنه الممثّل شادي خلف هو شريك في الشركة، بينما نشرت صحيفة "الوفد" المصرية نقلاً عن شرطي سابق أنّ الشركة مملوكة ظاهرياً لمحمد ياسين، بينما هي في الواقع ملك وزير الداخلية السابق حبيب العادلي. 


القصة الكاملة

يتولّى الترويج لأغنية "متحيّز" مؤلّفها أيمن بهجت قمر، ولأيمن قصة مشابهة، فهو مؤلف أغنية "ريّسنا"، التي غنّتها المطربة شيرين عن مبارك قبل أيّام من ثورة أطاحت به، وهو نفسه الذي قال في حوار مع برنامج "360 درجة" إنّ علاء مبارك عاتبه في أغنية "لا باظت ولا خربت" فردّ عليه أنّه من الضروري أن يكتب أحد عن المشكلات القائمة، ثم قال لاحقاً في برنامج "الديكتاتور": "يبدو أنّهم لم يفهموا الأغنية أصلاً" (قاصداً النظام السابق). قبل أن يعتبر اليوم الذي كتب فيه أغنية "ريّسنا" يوماً "مشؤوماً"، ويقول إنّه كان ضدّ عصر مبارك، وضدّ كل ما جرى فيه، "لأنّهم أساءوا لسمعتنا كلنا". 

وكان لأيمن حوار شهير مع الإعلامية منى الشاذلي قبل الثورة يتحدّث عن مناقب مبارك، إذ قال: "من يحبّون مبارك ليسوا منافقين، وليس ضرورياً أن أكون معارضاً للرئيس حتّى أكون شخصاً محترماً". 

يوم 31 يناير/كانون الثاني 2011، بعد يومين فقط من "جمعة الغضب"، قال أيمن بهجت قمر لقناة "الحياة" إنّ "مبارك مظلوم ومفترى عليه"، قبل أن يقرأ على الجمهور قصيدة مؤثّرة بعنوان "رئيسي العزيز"، اعتبرت أنّ الحزب الوطني الحاكم هو السبب في كلّ كوارث مصر"، وكأنّ هذا الحزب كان معارضاً لمبارك، أو أنّ مبارك لم يكن رئيساً للحزب الوطني. 

في القصّة أيضاً مصالح، وصراع كلامي اشتعل بين أيمن بهجت قمر والمطرب عمرو دياب لاحقاً، جعل صفحات إلكترونية تابعة للمطرب الشهير تفضح قصّة شركة استثمارية اسمها "أرابيان رايتس" تمّ تأسيسها في العام 2010، وقيل إنّها مملوكة لمجموعة من الشعراء والملحّنين بينهم الشاعر نبيل خلف، ويشاركه فيها أيمن بهجت قمر، والهدف المعلن منها تحصيل حقوق النشر للشعراء والملحنين، بدلاً من جمعية المؤلّفين والملحّنين المصريّة المعترف بها من منظمة الحقوق الفكرية الـ"ساسيم" في فرنسا. 

لكنّ المفاجأة أنّ "أرابيان رايتس" ترتبط بمجموعة شركات أخرى تمّ تأسيسها في أغسطس/آب 2008 في لبنان، هي "أرابيكا ميوزيك". وقد ضمّت لائحة المساهمين في الشركة شادي، نجل الشاعر نبيل خلف، وكان مساهماً بـ30 في المائة من أسهم الشركتين، وكذلك شخص يدعى وجدي الشناوي قيل إنّه واجهة للشاعر نبيل خلف. 

وقصّة الشاعر نبيل خلف مثيرة للجدل، فقد كان يعمل وكيل أوّل وزارة الداخلية في عهد حبيب العادلي لحسابات الشرطة، وكان منتدباً من وزارة المالية كموظّف مدنيّ بوزارة الداخلية، ويراه البعض متورّطاً في جرائم غسل أموال بظلّ النظام السابق. 

العنصر الثالث في قصّة أغنية "متحيّز" هو الملحّن عمرو مصطفى، وهو أحد أبرز المنتمين إلى جماعة "آسفين يا ريس"، الداعمة للرئيس المصري المخلوع مبارك، وكانت له تصريحات كثيرة شهيرة للهجوم على الثورة المصرية، واسم عمرو مصطفى مرتبط بالكثير من القصص التي لها علاقة باقتباس ألحان غربية شهيرة في أغنيات مصرية، وسبق أن فضحه كثير من الملحّنين والمطربين المصريين، وآخر اقتباساته في أغنية "بشرة خير" التي غنّاها الإماراتي حسين الجسمي.








يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية