الأحد، 4 أكتوبر 2026

المجتمع التراتبي.. الإنسان في ميزان البيانات



العربي الجديد
24 فبراير 2026 


يستيقظ ملايين الناس يومياً على تنبيهات تطلقها هواتفهم أو ساعاتهم الذكية، وبعضها تُقيّم نوعية نومهم، ويطلب الملايين سيارة أجرة يقودها سائق يختارونه كونه يحمل تقييماً عبر التطبيق، ويتسوق مئات الآلاف من متاجر تمنحهم مكافآت بناء على قيمة مشترياتهم. هذا الواقع المعيش هو ما يسميه عالما الاجتماع ماريون فوركاد وكيران هيلي "المجتمع التراتبي".

لا يقدم المؤلفان مجرد تحليل لتأثيرات التكنولوجيا على حياة البشر اليومية، بل محاولة لتشخيص نظام اجتماعي جديد يقوم على القياس الدائم، وتصنيف كل جانب من جوانب الوجود الإنساني، وبالتالي ترتيب الناس في طبقات اجتماعية رقمية وفقاً لذلك.

تعمل ماريون فوركاد أستاذة لعلم الاجتماع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ويعمل كيران هيلي أستاذاً لعلم الاجتماع بجامعة ديوك في كارولينا الشمالية، وقد عملا معاً طوال أكثر من عقد مضى، وأنتجا أوراقاً بحثية عدة كانت تُمهد الطريق لنظريتهما الشاملة التي أطلقا عليها اسم "المجتمع التراتبي"، وقد طورا تدريجياً المفاهيم والأدوات التحليلية التي ضمها هذا الكتاب، والذي يحللان فيه البنية التحتية للرقمنة جنباً إلى جنب مع تداعياتها الاجتماعية والأخلاقية.

يطرح الكتاب (منشورات جامعة هارفرد، 2024) فكرة بسيطة شكلاً لكنها عميقة للغاية، ومفادها أننا نعيش في عصر يتم فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا، وتحويلها إلى وحدات رقمية، وأن هذا ليس مجرد جمع بيانات، بل تحول أساسي في كيفية تصنيف أفراد المجتمع.

نعيش في عصر يجري فيه قياس وتصنيف مختلف تفاصيل حياتنا

يبدأ الكتاب برحلة جغرافية ومادية عبر وادي سانتا كلارا في كاليفورنيا، والذي كان في خمسينيات القرن الماضي منطقة زراعية خصبة، لكنه تحول إلى مركز للتكنولوجيا المتطورة، ويتتبع المؤلفان كيف تحول الوادي من أرض تُنتج الغذاء إلى أرض تُنتج البيانات، ويرصدان كيف قدمت شركات وادي السيليكون خدماتها في البداية كـ "هدايا" للمستخدمين، من البريد الإلكتروني، إلى محركات البحث، ثم الشبكات الاجتماعية، وكلها كانت مجانية.

ويستخدم الكتاب "نظرية الهدية" لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارسيل موس لتحليل هذه المرحلة، فشركات التكنولوجيا "أهدت" خدماتها للعملاء، لكن المقابل الذي حصلت عليه لم يكن مالياً، بل بيانات. ولاحقاً، بدأت الشركات استغلال هذه البيانات، فكل نقرة، وكل عملية بحث، بل كل لحظة تقضيها على أي منصة أصبحت بيانات قابلة للتحليل، ثم للبيع. ما بدأ إذن خدمة للمستخدمين تحول إلى خدمة من المستخدمين، إذ لم نعد الزبائن، بل أصبحنا المنتج، فكل تفاعل رقمي يترك بصمة، وهذه البصمات ليست مجرد سجلات، بل مواد خام لصناعة ضخمة من التحليل، والتنبؤ، وبالتالي التحكم.

في أزمان سابقة، كانت المجتمعات تُنظّم الأفراد ضمن فئات تشمل الطبقات الاجتماعية والمهن، أو الأعراق والأجناس؛ بينما في المجتمع الرقمي يتم تصنيف كل فرد عبر طيف واسع من التقييمات، والتي تشمل الدرجة الائتمانية، أو نقاط الولاء، أو مستوى اللياقة البدنية، أو تصنيف المخاطر الصحية، أو درجة الموثوقية وغيرها، وهذه التقييمات باتت تحدد الكثير من التفاصيل، وتحدد أيضاً إمكانية الحصول على مزيد من الخدمات من عدمه.

ومن أبرز التصورات التي يطرحها الكتاب مفهوم "رأس المال الذاتي"، وهو يصف أصول البيانات التي تشكل الهوية الفردية الرقمية للشخص بناءً على المعلومات المستخرجة من مجموعات البيانات المتاحة عنه. ربما يمكن اعتبار هذا المفهوم الحديث نسخة العصر الرقمي من مفهوم "رأس المال الثقافي" لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.

يتحوّل الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال

لكن بينما يشير "رأس المال الثقافي" إلى المعرفة والمهارات والأذواق التي تمنح الأفراد مكانة اجتماعية، فإن "رأس المال الذاتي" يشير إلى البصمة الرقمية التي تحدد قيمة الفرد وفرصه. الفارق أن المفهوم الأقدم (الثقافي) كان شيئاً يمتلكه الفرد، ويمكنه تطويره بوعي، أما المفهوم الرقمي فهو يُستخرج من الفرد باستمرار، ويُحسب خوارزمياً، ويتغير ديناميكياً بطرق لا يمكن للفرد السيطرة عليها بالكامل، فهو تمثيل رقمي تمتلكه وتتحكم فيه الشركات بالأساس.

وفي حين تظهر نظرية بورديو كيف أن تفضيلاتنا الثقافية تكشف وتُحدد موقعنا الاجتماعي، يظهر فوركاد وهيلي كيف أن هذه العملية قد تمت "برمجتها"، فكل نقرة، وكل بحث، وكل إعجاب يُغذي خوارزميات تُصنفنا، وتُقرر ما سنراه، وما سنشتريه، ويحدث كل ذلك في أجزاء من الثانية بناءً على خوارزميات لا نفهمها، ولا نستطيع الطعن في طريقة عملها.

ويطور المؤلفان مفهوم "حالات التصنيف"، والذي يصف المواقف التي تؤثر فيها تنبؤات الخوارزمية على فرص حياة الناس، وتولد أشكالاً جديدة من التوقعات الاجتماعية، ويمكن تفسير الأمر من خلال أمثلة بسيطة، من بينها أنك قد تتردد في الركوب مع سائق سيارة أجرة غير مُصنف بتقييم جيد، أو لن تستأجر غرفة فندق من غير مراجعة تصنيف المكان وتقييم النزلاء السابقين له.

مفهوم آخر مبتكر يقدمه الكتاب هو "المواطنة التراتبية"، الذي يصف كيف أصبحت المشاركة المجتمعية الكاملة تعتمد على محافظتك على مستوى التقييم، وأولئك الذين لا يستطيعون، أو لا يريدون المشاركة في المجتمع الترتيبي يواجهون إقصاء متزايداً، ومن هؤلاء كبار السن الذين لا يستخدمون الهواتف الذكية، والفقراء الذين لا يملكون بطاقات ائتمان، والمهاجرين الذين لا يملكون وثائق رسمية، أي شخص "خارج النظام" يجد صعوبة متزايدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية.

والمفارقة أن محاولات تجنب نظام التصنيف تفشل، لأن عدم المشاركة أصبح أمراً مشبوهاً، فمن ليس لديه بصمة رقمية يُعتبر شخصاً مريباً، وباتت محاولة الحفاظ على الخصوصية تُفسر كعلامة على أن لديك شيئاً تخفيه. المواطنة الترتيبية إذن ليست اختيارية، إنها أحد شروط العمل، والسكن، والتنقل، وحتى الوصول إلى الخدمات.
ومن بين أكثر تأثيرات المجتمع التراتبي عمقاً ما يسميه ماريون فوركاد وكيران هيلي "الفردنة المفرطة". في السابق كان الناس يُعاملون كأعضاء في فئات أو جماعات؛ قد يكون هذا ظالماً، لكنه خلق أساساً للتضامن الجماعي والعمل المشترك، بينما في المجتمع الرقمي يصبح كل شخص بيانات تقاس وتصنف، ويخلق هذا تجربة خاصة لا يتشارك فيها الناس، ما يجعل التجربة الجماعية التي كانت أساساً للمجتمع المدني تتآكل، وتستبدل بملايين التجارب الفردية.

ومن أبرز المشكلات أنه لا توجد "إجازة"؛ فحتى عندما لا تشارك، تستمر الأجهزة القابلة للارتداء في تتبع حركتك ونبض قلبك، وتستمر السيارات الذكية في تسجيل عادات قيادتك، وتستمر الأجهزة المنزلية المتصلة بالإنترنت في مراقبة أنماط استهلاكك، وكل البيانات المستخرجة يتم معالجتها من خلال خوارزميات معقدة تصنف الأفراد وتطابقهم بفرص، أو منتجات، أو أشخاص آخرين. هذه العملية ليست شفافة بالطبع، إذ نادراً ما نعرف كيف يتم تصنيفنا، أو على أي أساس.

ويؤكد الكتاب أن المطابقة الخوارزمية تبدو محايدة وموضوعية، لكنها في الواقع مشبعة بالافتراضات، فالخوارزميات مُدربة على بيانات تعكس التحيزات والتفاوتات، ما يعني أنها غالباً ما تعيد إنتاج وتعزيز أنماط التمييز القائمة، لكن بقناع الموضوعية التقنية.

الجانب الأكثر إثارة للقلق هو كيف تُضفى الخوارزميات شرعية أخلاقية على تسلسلات المجتمع الترتيبي الهرمية، فعندما يحصل شخص على تقييم عال لا يُنظر إلى ذلك كتقييم تقني، بل كشهادة على قيمته، وبالعكس أيضاً، أولئك الذين يحصلون على تقييم منخفض لا يُعتبرون ضحايا لظروف اجتماعية أو اقتصادية، بل يُنظر إليهم كمسؤولين عن فشلهم الشخصي.

ولا يوجد مثال أوضح على "المجتمع التراتبي" من المنصات الخدمية. في "أوبر" مثالاً، كل من السائق والراكب يتم تقييمهم باستمرار، والسائق الذي لا يحقق التقييم المطلوب يُطرد من المنصة، بغض النظر عن ظروفه؛ والراكب الذي يحصل على تقييمات منخفضة قد يجد صعوبة في إيجاد سائق يقبله. يبدو هذا النظام عادلاً ظاهرياً، لكن الواقع أكثر تعقيداً، فالتقييمات تتأثر بتحيزات عرقية وطبقية وجغرافية، من ذلك أن السائق في الأحياء الفقيرة يحصل على تقييمات أقل، والراكب من أقليات عرقية معينة يواجه تمييزاً مُقنعاً.

والأهم أنه لا يوجد مجال للتضامن بين السائقين مثلاً، فكل منهم يتنافس بشكل فردي على تقييمه، ومحاولات التنظيم العمالي تصبح شبه مستحيلة عندما يكون كل عامل يُحدد مكانته تقييمه الفردي.

تمثل شركات التأمين شكلاً آخر مقلقاً. تقليدياً، كان التأمين يقوم على مبدأ توزيع المخاطر، والجميع يدفعون بناءً على متوسط المخاطر، والمحظوظون يدعمون المنكوبين. في المجتمع الرقمي، يتآكل هذا المبدأ، فشركات التأمين تستخدم بيانات من أجهزة تتبع اللياقة، وأنماط القيادة، وحتى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد الأقساط بشكل فردي، وبالتالي مكافأة "السلوك الجيد" وتحميل المخاطر العالية تكاليف أعلى، ما يعني نهاية التضامن الاجتماعي الذي يقوم عليه نظام التأمين التقليدي، فالأشخاص الأكثر احتياجاً للتأمين، مثل المرضى، أو الفقراء، يُستبعدون، أو يدفعون كلفة باهظة. لم تعد بوليصة التأمين إذن عقداً اجتماعياً، بل صفقة فردية تعتمد على رأس مالك الذاتي.

ولا يتجاهل الكتاب التحولات في سوق العمل، فخوارزميات الفرز باتت تحدد من يحصل على مقابلة عمل بناءً على تحليل سيرته الذاتية، وبصمته الرقمية، وحتى نبرة صوته في مقابلات الفيديو المسجلة، وتؤكد دراسات متعددة أن هذه الأنظمة تميز ضد النساء، والأقليات، وكبار السن.

حتى داخل أماكن العمل، بات هناك برامج تتبع لكل ضغطة مفتاح، وكل لحظة بعيداً عن الشاشة، وعمال المستودعات كمثال يرتدون أساور تتبع حركتهم، وتحدد معدلات إنتاجية يجب عليهم تحقيقها، وسائقو الأجرة يخضعون لكاميرات تراقب وجوههم للكشف عن علامات التعب أو التشتت، ويجري تقييمهم وفق ذلك.

ليست هذه مجرد أدوات إدارة، إنها شكل جديد من أشكال السيطرة الذي يُحول الأشخاص إلى بيانات قابلة للقياس والترتيب والاستبدال، بينما تذوب الكرامة الإنسانية، والتقدير المهني، والخبرة المكتسبة في بحر من المقاييس الرقمية، حتى أن التعليم، وهو آخر معاقل التقييم الإنساني، يخضع للترتيبية، فالخوارزميات تحدد أي الطلاب يحتمل نجاحهم، وتستخدم بعض الجامعات تسعير ديناميكي للرسوم الدراسية، وتعرض أسعاراً مختلفة للطلاب بناءً على احتمالية القبول والقدرة على الدفع.

وفي داخل المنزل تجمع الأجهزة الذكية البيانات، فالثلاجة الذكية تعرف ماذا تأكل، ومكبرات الصوت الذكية تسمع محادثاتك. هذه البيانات لا تبقى في المنزل، إنها تُرسل إلى الشركات، وتُحلل، وتُستخدم لتحديث ملفك الرقمي.

في التسعينيات تنبأ الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بالانتقال من المجتمعات التأديبية التي وصفها ميشيل فوكو في كتابه "المراقبة والمعاقبة"، إلى ما أسماه "مجتمعات السيطرة". في المجتمع التأديبي، كنت مُراقباً في مواقع محددة مثل المدرسة والعمل، لكن لديك مساحات حرة، بينما في مجتمع السيطرة لا تنتهي المراقبة أبداً، إنها مُضمنة في البنية التحتية للحياة اليومية.

ويمثل المجتمع التراتبي تحقيقاً ملموساً لرؤية دولوز، فالسيطرة لا تعمل من خلال الإكراه المباشر، بل من خلال الضرورة الاجتماعية، أو الإغراء، أو التصنيف المستمر. أنت حر في الاختيار، لكن اختياراتك محدودة بدرجاتك وتصنيفاتك.

أحد أكثر جوانب الكتاب إثارة للاهتمام هو كيفية تعامله مع الجاذبية الحقيقية لهذا المجتمع الرقمي، والمؤلفان لا يقدمان نقداً أحادي الجانب يُشيطن التكنولوجيا، بل يعترفان بأن الخدمات المُخصصة، والتوصيات الذكية، والمطابقة الخوارزمية توفر قيمة حقيقية للمستخدمين. المشكلة ليست أن هذه الفوائد وهمية، بل أن ثمنها هو فقدان الخصوصية والاستقلالية، وغالباً ما يكون ذلك غير قابل للتفاوض. الأسوأ من ذلك أن الأخطاء في الخوارزميات أو البيانات غالباً ما يكون من المستحيل تصحيحها.

ومن المفارقات أن أحد أعمق التأثيرات هو تآكل التجربة المشتركة التي كانت أساساً للمجتمع المدني. في الماضي، كان الناس يشاهدون نفس البرامج التلفزيونية، ويقرؤون نفس الأخبار، ويدفعون نفس الأسعار في المتاجر. هذه التجارب المشتركة خلقت أرضية مشتركة للحوار وللتضامن، بينما بات كل شخص يعيش حالياً في "فقاعة" مُخصصة له من المحتوى، والأسعار، والفرص، وخوارزميات وسائل التواصل تُظهر لك ما تعتقد هي أنك "تريد" رؤيته، وتجار التجزئة يعرضون عليك المنتجات والأسعار بناءً على قدرتك على الدفع، حتى الأخبار والمعلومات يتم تخصيصها، ويجعل هذا من الصعب بناء تضامن سياسي أو اجتماعي.

يعترف فوركاد وهيلي أن "الكتاب لا يقدم حلولاً. ليس الأمر أنه ليس لدينا أفكار. لكننا لا نشعر أن هذا هو المكان الذي نريد وضعها فيه". كما أن خاتمة الكتاب متشائمة، وترى أن الحياة في المجتمع الترتيبي "لا تُحتمل".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

هلال رمضان... في الحاجة إلى مرصد إسلامي موحَّد





العربي الجديد

20 فبراير 2026

بدأ المسلمون في فلسطين ولبنان صيام أول أيام شهر رمضان أول من أمس الأربعاء، بينما كان جيرانهم في مصر والأردن وسورية مفطرين، فقد بدأ رمضان عندهم في اليوم التالي (الخميس). على المنوال نفسه، صام المسلمون في شبه الجزيرة العربية الأربعاء، باستثناء مسلمي عُمان الذين بدأ صيامهم الخميس. ويسهل فهم بدء مسلمي ماليزيا وإندونيسيا بالصيام الخميس، فالفارق الزمني المعتمد على خطوط الطول بيننا وبينهم كبير، ويتراوح بين خمس ساعات وسبع، بينما لا يمكن في حال الدول العربية المتجاورة التعلّل بخطوط الطول، فمعظم الدول التي تباين فيها موعد أول أيام رمضان تشترك في خطّ الطول نفسه.

ويتندر كثيرون بأن أهالي رفح في قطاع غزّة صاموا الأربعاء، بينما أهالي رفح المصرية في الجانب الآخر من الحدود صاموا الخميس، لكن هناك نادرة أكثر مفارقةً، فهناك قرية اسمها النحوة، التابعة إدارياً لإمارة الشارقة في الإمارات، وتحيط بها ولاية مدحاء العُمانية؛ صام أهل النحوة الأربعاء، بينما صام أهل مدحاء الخميس.

تظلّ خطوط الطول الدولية العامل الحاسم في تحديد توقيت غروب الشمس والقمر، ما يعني بداية اليوم ونهايته، وهي بالتالي تحدّد إمكانية رؤية الهلال، ليس فقط هلال رمضان، بل أهلّة الشهور القمرية كلّها. ويستخدم البشر خطوط الطول لتحديد الوقت منذ عقود، ويختلف كل خطّ طول عن الآخر زمنياً بأربع دقائق، وبذلك يعادل كلّ 15 خطاً طولياً ساعة كاملة، وهي بالأساس خطوط وهمية نصف دائرية تمتدّ طولياً من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، وعددها 360 خطاً، ويبدأ العدّ من خطّ غرينتش الرئيس، الذي اعتمد في عام 1884 بوصفه خطّ الطول صِفْر، لتقع في جانبيه 180 خطاً شرقاً و180 غرباً.

تعتمد الدول العربية جميعاً مبدأ ثبوت الرؤية في القُطر الواحد

عربياً، تمتدّ المساحة من أقصى شرق سلطنة عُمان إلى أقصى غرب المملكة المغربية على 73 خطّ طول، ويُترجَم هذا الفارق في خطوط الطول زمنياً إلى فرق توقيت يصل إلى أربع ساعات، فبينما تكون الشمس في كبد السماء في مسقط تكون الرباط في ساعات الصباح الباكر.

في الماضي، كان الفقهاء يربطون اختلاف المطالع بمسافة قصر الصلاة، وهي نحو 85 كيلومتراً، فإذا زادت المسافة بين مدينتَين عن ذلك، لم تلزم أهل المدينة رؤية الهلال في المدينة الأخرى، لكنّ الفقهاء المعاصرين يرون أن العبرة ليست بالمسافة، بل بمدى اتفاق أو اختلاف الأفق؛ فإذا كان البلدان يقعان على خطوط عرض متقاربة، فغالباً ما يتّحد مطلعهما، وإذا تباعدت خطوط الطول بشكل كبير، مثل الفرق بين إندونيسيا والمغرب، فإن المطلع يختلف حتماً. للمفارقة، بدأ رمضان في المغرب وإندونيسيا يوم الخميس.

في الوقت الحالي، تعتمد الدول العربية جميعاً مبدأ ثبوت الرؤية في القُطر الواحد؛ فالدولة الواحدة مهما اتسعت، كالجزائر أو السعودية، تعتبر مطلعاً واحداً، بينما في الدول المجاورة قد يختلف القرار حسب قرار الجهات الشرعية فيها. شرعياً، يميل معظم الفقهاء إلى اتحاد المطالع، ومنهم الحنفية والحنابلة ومعظم المالكية؛ أي أن رؤية الهلال في أيّ بلد إسلامي مُلزمة لجميع المسلمين، بغض النظر عن المسافة، طالما ثبتت الرؤية شرعاً، بينما يميل آخرون، مثل الشافعية وبعض المالكية، إلى اختلاف المطالع؛ أي أنّ لكلّ بلد رؤيته الخاصّة. وعلمياً، تغرب الشمس في المناطق على خطوط الطول الشرقية، مثل منطقة الخليج العربي، قبل المناطق الواقعة في الغرب، مثل بلدان المغرب العربي، ويتيح هذا لدول الغرب فرصةً زمنيةً أطول لرؤية الهلال نتيجة زاوية استطالته عن الشمس.

إنشاء مرصد إسلامي موحَّد سينهي أزمة الخلاف الفقهي القديم بشأن رؤية الهلال

وفي أحيانٍ كثيرة، تتعذّر الرؤية في دول الخليج العربي بسبب صغر عمر الهلال عند الغروب، بينما يتمكّن الراصدون في موريتانيا أو المغرب من رؤيته بسبب تأخّر غروب الشمس لديهم بضع ساعات، فكلّما اتجهنا غرباً على خطوط الطول، زادت احتمالية رؤية الهلال في ليلة التحرّي بسبب زيادة زمن مكوثه بعد غروب الشمس.

ويظلّ مبدأ الرؤية بالعين المجرّدة إشكالياً، فبعضهم يصرّون عليه باعتباره من السنن النبوية، متجاهلين أن تلك كانت الوسيلة الوحيدة في زمن النبوة، بينما الأمر مختلف كلّياً حالياً، إذ باتت هناك التلسكوبات المتقدّمة، والأقمار الاصطناعية أيضاً، وهي وسائل يمكن أن تكون بديلاً دقيقاً للرؤية بالعين.

ويمكن اللجوء إلى صيغ متعدّدة لإنهاء هذا الخلاف السنوي في رؤية هلال رمضان، منها الاتفاق على اعتماد الرؤية الفلكية، أو على اعتماد نموذج الدمج بين الرؤية بالعين والاستعانة بالفلك. ويظلّ الحلُّ الأنسب إنشاء مرصد إسلامي موحَّد لاستطلاع الأهلّة، على أن تكون له فروع في مختلف الدول الإسلامية، ويمكن أن تشرف عليه منظّمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة. وفي حال إنشائه، سينهي هذا المرصد الأزمة السنوية القائمة على الخلاف الفقهي القديم حول رؤية الهلال، فإشكالية الرؤية لا تقتصر على موعد بدء شهر رمضان وتحديد موعد العيدَين، الفطر والأضحى، بل تمتدّ إلى فروض إسلامية أخرى غير الصيام، منها مواقيت الحج والزكاة، ما يجعلها ضرورةً تطاول حياة مئات الملايين من المسلمين حول العالم.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كيف استعادت الدولة العميقة حكم مصر؟

متظاهرون يحتفلون بعد تنحي حسني مبارك في القاهرة، 11 فبراير 2011 (فرانس برس)
العربي الجديد
26 يناير 2026

أبرزت الثورة المصرية مدى أهمية إنهاء سيطرة العسكريين على السلطة السياسية، أو على الأقل تقليص تدخلهم فيها، وهو ما ناقشته مجموعة مؤلفات مهمة ناقشت إشكالية حكم الجنرالات بوصفها رأس قائمة النقاشات في مصر بعد أن كانت لعقود من بين الموضوعات المسكوت عنها، أو التي يخشى الباحثون التطرق إليها.

يُعدّ كتاب "ثورة 25 يناير والصراع حول السلطة" للباحث والقاضي المصري طارق البشري (دار البشير للثقافة والعلوم، 2014) أحد النماذج المهمة لتحليل المشهد السياسي المصري المعقد في أعقاب إسقاط نظام حسني مبارك الذي حكم البلاد لثلاثين عاماً متصلة، وكتبه البشري في خضم تحولات سياسية كبيرة، وناقش الكتاب ما جرى خلال أيام الثورة الثمانية عشر، من 25 يناير/كانون الثاني حتى تنحي مبارك في 11 فبراير/شباط 2011، وهل يمكن تصنيفه ثورة بالمعنى الكامل، أم مجرد انتفاضة شعبية.

ويخلص إلى أن ما جرى كان "ثورة" اعتماداً على الحشد الجماهيري الواسع، والتنوع الاجتماعي والسياسي للمشاركين، وسلمية الحراك في معظمه، ومطلب التغيير الشامل، لكنه يرى أن تلك الثورة التي حملت طابعاً شعبياً عفوياً في بدايتها، سرعان ما تحولت إلى ساحة للصراع بين قوى سياسية واجتماعية متباينة، حاول كل منها أن يملأ الفراغ الذي خلفه سقوط النظام.

وضع المجلس العسكري خريطة طريق تقوم على التنافس الانتخابي

وتناول البشري إشكالية العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، وحلل الدور الذي لعبه المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة المرحلة الانتقالية، والتوترات التي نشأت بينه وبين القوى السياسية المدنية. ويثير الكتاب عدة تساؤلات جوهرية، من بينها: كيف يمكن لمجتمع أن ينتقل من نظام استبدادي راسخ إلى نظام ديمقراطي من دون أن ينزلق إلى الفوضى أو الصراع العنيف؟ وكيف يمكن التوفيق بين مطالب التغيير الجذري وضرورة الاستقرار؟

ويظل من أهم إسهامات الكتاب تحليله لدور ما يُعرف بـ "الدولة العميقة"، وهي المؤسسات التي ظلت قائمة بعد سقوط رأس النظام، ويكشف أن البيروقراطية الإدارية، والأجهزة الأمنية، والقضاء، والمؤسسة العسكرية، كلها ظلت تمارس تأثيراً واضحاً على المسار الثوري، وأنها بحكم تجذرها واستمراريتها، شكلت عوامل بارزة في إعاقة التغيير المنشود.

في ذات السياق، يقدم كتاب "عثرات في الميدان: كيف أخفقت ثورة يناير في مصر" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020) للأكاديمي المصري عبد الفتاح ماضي دراسة حالة لكيفية إجهاض التحول الديمقراطي في مصر، ويؤكد أن ثورة يناير لم تكن حدثاً منفصلاً، بل حلقة في سلسلة من النضال الممتد من أجل التغيير والحرية، وهو نضال تكرر إجهاضه.

وبينما لا يتجاهل الكتاب دور القوى الإقليمية والدولية في التأثير على مسار الثورة، لكنه يركز على كون النخبة العسكرية المصرية لم تكن راغبة أصلاً في التخلي عن السلطة، ويقول إن الجيش المصري استخدم خطاب "الحفاظ على الدولة" لتبرير التدخل، كما أدار الصراع بين القوى السياسية لإضعافها، ضمن مخطط لإجهاض التجربة الديمقراطية منذ البداية.

القوى التي فجرت الثورة كانت ضعيفة تنظيمياً وفقيرة مالياً

يحدد ماضي في الكتاب تحولين مهمين، الأول هو التحول من "ثورة ديمقراطية" إلى "ثورة انتخابية"، فبدلاً من بناء توافق وطني حول قواعد اللعبة الديمقراطية، ووضع دستور دائم يضمن الحقوق والحريات، انزلقت مصر إلى سباق انتخابي سريع، إذ وضع المجلس العسكري خريطة طريق تقوم على التنافس الانتخابي، ما أدى إلى تغليب المنافسة على التوافق، والاستقطاب على الحوار.

ويتمثل التحول الثاني في قيادة الجنرالات "ثورة مضادة" أطاحت بالمكاسب القليلة التي حققتها ثورة يناير، ويعتبر الكتاب أن "انقلاب 2013" كان نقطة تحول حاسمة، إذ أُطيح بأول رئيس منتخب ديمقراطياً، وبدأت موجة من القمع الشامل، وغابت كل مؤشرات الديمقراطية. لا يُحمّل الكاتب المؤسسة العسكرية وحدها مسؤولية فشل ثورة يناير، ويقول: "اختيارات النخب كانت تُعبّر، في واقع الأمر، إمّا عن قناعات وأفهام مغلوطة، وإمّا عن مقدمات أيديولوجية متحجرة، أو مصالح ضيقة، أو نصائح غير مدروسة قُدّمت من أطراف مختلفة، أو عن خليط من هذا وذاك."

في كتابه "الثورة التائهة- صراع الخوذة واللحية في الميدان" (مركز المحروسة للنشر، 2012)، يقول رئيس التحرير الأسبق لصحيفة الأهرام، عبد العظيم حماد، إن "ثورة يناير لم تقم فقط من أجل تعديل دستور، ولا من أجل طريقة انتخاب رئيس وتحديد فترة رئاسته. بل قامت من أجل تجديد مصر مجتمعاً ودولة تجديداً كاملا وشاملاً". ويؤكد أن "أسباب النجاح توفرت للثورة في بداياتها، لكنها أصبحت تائهة لاحقاً". ويرجع حماد هذا التيه الذي جعله عنواناً لكتابه، إلى أن القوى التي فجرت الثورة كانت ضعيفة تنظيمياً، وفقيرة مالياً، ويرى أنه كان على المجلس العسكري الذي حكم بعد تنحي مبارك، أن يمارس مهمة بناء دولة حديثة طالما أنه تصدى للحكم، لكنه يؤكد أن الخبرة السياسية المحدودة لأعضاء المجلس العسكري، وفارق العمر بينهم وبين شباب الثورة هو ما منعهم من ذلك.



يصف الكتاب شخصية وزير الدفاع السابق، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، محمد حسين طنطاوي، بأنه شخص لا يحب مواجهة الجماهير، ويؤمن بأنه فوق المساءلة "إلا أمام حسني مبارك"، وأنه "كان مضطراً لابتلاع تجاوزات جمال وعلاء مبارك" قبل الثورة، لكنه رغم ذلك، يسجل لطنطاوي الحفاظ على وحدة القوات المسلحة، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، رغم كل ما شابها من عوار. ويؤكد حماد أن المجلس العسكري كان ضد محاكمة مبارك، رغم أنها أحد مطالب الثورة الرئيسية، ويروي في كتابه تفاصيل عشاء جمعه مع آخرين، بثلاثة من أعضاء المجلس العسكري، وخلاله تساءل أحد العسكريين: ألم يقدم مبارك شيئاً جيداً لمصر طوال 30 عاماً؟ هل كانت هذه المدة كلها أخطاء؟، مشدداً على أن المجلس العسكري ظل لفترة طويلة يبحث عن فرصة لتجنب تقديم مبارك للمحاكمة، ويقول: "أصبح ثبوت التباطؤ والتواطؤ في مسألة محاكمة مبارك أساساً للشك في كل قرار يتخذه الجنرالات".

يؤكد كتاب آخر صدر بعنوان "الأيام الأخيرة لنظام مبارك" (الدار المصرية اللبنانية، 2012)، عدم رغبة الجنرالات في التخلي عن السلطة، ويورد مؤلفه الصحافي عبد اللطيف المناوي نموذجين من تصرفات قائدين عسكريين في اليوم السابق لتنحي مبارك، كان الأول مدير الاستخبارات العامة عمر سليمان، والذي نقل الكتاب حواراً مباشراً له مع مبارك حين كان في الطائرة التي نقلته إلى مدينة شرم الشيخ. وفي الحوار، سأله سليمان: "هل أنت بحاجة إلى أية ضمانات؟ هل أنت بحاجة للذهاب إلى الخارج؟"، فأجاب مبارك: لا، وأضاف: "لم أرتكب أي خطأ. أريد أن أعيش في بلدي، وسوف أعيش فيه حتى نهاية حياتي. لقد تركت كل شيء، السياسة والسلطة. أريد فقط أن أعيش هنا". فقال سليمان: "لديك بعض الوقت للتفكير إذا ما كنت تريد أن نفعل أي شيء آخر".

والحوار الثاني كان نص اتصال هاتفي بين وزير الدفاع حسين طنطاوي ومبارك، فور وصول الأخير إلى شرم الشيخ، وقال مبارك خلاله: "قررت أن أفوض المسؤولية كاملة لك وللجيش. أنت صاحب السلطة الآن"، فأجاب طنطاوي: "لا يا سيادة الرئيس، سنجد وسيلة أخرى. ليس هذا ما نريده". فرد مبارك: "هذا قراري. تحدّث مع عمر سليمان ورتبا كيفية إعلان النبأ". كان المناوي وقت اندلاع الثورة رئيساً لقطاع الأخبار في التلفزيون المصري، ويمكن القول إن اختيار هذين الحوارين، كان مقصوداً منه إظهار أن طنطاوي، الحاكم الفعلي لمصر حين صدور الكتاب، لم يكن طامعاً في السلطة، وربما بالتبعية المؤسسة العسكرية، وكان هذا أمراً مهماً للغاية في تلك المرحلة، إذ كان الشارع الثوري يصدح بهتاف "يسقط حكم العسكر".

لكن هذين النموذجين تحديداً، يظهران أيضاً مدى احترام طنطاوي وسليمان لمبارك حتى اللحظة الأخيرة، وإن كان في هذا رسالة طمأنة للجنرالات الغاضبين من إسقاط مبارك، إلا أنه أغضب من ثاروا على الرئيس المخلوع، كما أنهما يؤشران إلى أن مبارك كانت لديه تطمينات بأنه لن يسجن، أو حتى يعامل بأسلوب غير لائق، وهذا ما حدث بالفعل، إذ كانت محاكمة مبارك هزلية تماماً، على عكس المتوقع من محاكمة رئيس ثار عليه شعبه وأسقطه.

تروي أستاذة العلوم السياسية زينب أبو المجد، في كتاب "عسكرة الأمة: الجيش والأعمال التجارية والثورة في مصر" (منشورات جامعة كولومبيا، 2017)، كيف استطاع الجيش احتواء ثورة يناير سريعاً، وكيف استرد قائد الجيش الجديد عبد الفتاح السيسي منصب الرئاسة بعد أقل من عامين على اندلاع ثورة شعبية كان من بين أهدافها إنهاء الهيمنة العسكرية على السلطة. ويؤكد الكتاب أن النظام الجمهوري المصري الذي تعاقب على رئاسته عدة جنرالات، يعتمد بالأساس على مبدأ كون المؤسسة العسكرية حامية الدولة، وهي بالتالي لا ترى في سبيل ذلك غضاضة في "عسكرة المجتمع" عبر تعيين عشرات الضباط المتقاعدين في مختلف الوظائف المدنية للإبقاء على هيمنتها السياسية والاقتصادية، ومنح هؤلاء العسكريين حصانة أثناء عملهم المدني، فضلاً عن استخدام وسائل الإعلام الحكومية في ترويج أن العسكريين أقدر من غيرهم على الإدارة.

وترصد أبو المجد ظاهرة تعظيم منافع الجنرالات في ظل منظومة سياسية وقانونية تمنح حصانة كاملة للصناعات العسكرية، ولا سيما ما يتصل باستغلال المجندين كعمال بأجور زهيدة، وإعفاء تلك الأنشطة من الضرائب والجمارك، وعدم إدراج الشركات التابعة للجيش في البورصة. ومن أهم ما أورده الكتاب تحليله لموائمات المجلس العسكري المصلحية خلال إدارة المرحلة الانتقالية، ومن ذلك التحول عن موقفه الداعم للإطاحة بمبارك إلى حمايته من الإدانة القضائية، ثم تحالفه مع جماعة الإخوان، فالتحالف مع التيار الليبرالي ضدهم، وهو ما تعتبره المؤلفة مسار تغيير تحالفات انتهجته المؤسسة العسكرية بهدف الحفاظ على امتيازاتها، والإبقاء على هيمنتها على السلطة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

"الجنون الرقمي".. لماذا تتدهور صحتنا كلما انغمسنا افتراضياً؟




20 ابريل 2026

يشرح الطبيب النفسي الأميركي نيكولاس كارداراس، كيف تحولت شبكة الإنترنت إلى عالم مواز يعيش فيه البشر، وكيف أنها تجعل البعض يكذبون ما تراه أعينهم على أرض الواقع لمجرد أن هناك في "الفضاء الرقمي" تأكيدات تخالف ذلك، ويؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي تقود البشر نحو أزمة صحة عقلية ونفسية متفاقمة. لا يكتفي كارداراس بتشريح المشكلة، إنما يطرح بصفته متخصصاً في علاج الإدمان الرقمي كيفية استعادة عقولنا التي تكاد مواقع التواصل تتحكّم فيها. وهو يبني على ما أورده في كتابه السابق "أبناء الشاشات المتوهجة" (2019)، والذي ركّز فيه على التوعية بمخاطر "إدمان الشاشات" على الأطفال، واشتهر منه مصطلح "الهيروين الرقمي".

وبينما كرس كتاب "أبناء الشاشات" أن الهواتف والألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل ليست وسائل ترفيه بريئة، بل بيئة قادرة على إعادة تشكيل العادات والعلاقات، والتأثير في الانتباه، وفي جودة النوم، وصولاً إلى ما يشبه الإدمان لدى الأطفال. يتناول كتاب "الجنون الرقمي: كيف تتسبب وسائط التواصل الاجتماعي في تدهور صحتنا العقلية وكيف نستعيد سلامتنا العقلية" (الطبعة العربية دار مكتبة جرير، 2023) المجتمع بأسره، محذراً من أزمة صحة نفسية وعقلية كبيرة ناتجة عن تزايد الانغماس الرقمي.

ينطلق الكتاب من قول الفيلسوف الهندي كريشنامورتي (1895- 1986): "تكيُّفك مع مجتمع مريض ليس معياراً للصحة السليمة"، ويؤكد كارداراس أن الكسل والانعزال والتشتت وغياب الأهداف والانغماس الرقمي كلها أمور ضد طبيعة البشر البيولوجية. يكتب: "لا تزال احتياجاتنا النفسية والاجتماعية والعاطفية المتوارثة في إطارها القديم. نحن بحاجة إلى مجتمع بشري، وتواصل إنساني، ونشاط بدني، وهدف، وطبيعة، وأمل. كل ذلك تم تقليصه أو تدميره بواسطة التكنولوجيا".

شركات احتكارية تغلّب مصلحتها على حساب صحتنا العقلية

يروي كارداراس في الكتاب واقعة عاشها شخصياً في أواخر عام 2019، قبيل جائحة كورونا، حين كان يزور والده المهاجر اليوناني المصاب بمرض السرطان، يكتب: "لم يفهم والدي ذاك العالم الغارق في التكنولوجيا، ذلك العالم الذي لا ينظر فيه الناس إلى أعين بعضهم البعض، بل يظلون منكّسين رؤوسهم أمام الشاشات لساعات طوال، شاعرين بالضياع والفراغ. كره والدي هوسنا بالتكنولوجيا. كان بستانيّاً مُخلصاً طوال حياته، يحبّ طهي الطعام للجميع تعبيراً عن محبته، وكان يوبخني لأنني أستمر في تفقد هاتفي لمطالعة رسائل العمل أثناء زياراتي له. كان يقول لي توقف عن النظر إلى هذا الشيء الغبي واحضر معنا ما دمت قدمت إلينا". وهو يختم القصة بحكمة والده العجوز الذي عاش سنوات الحرب العالمية الثانية، وهاجر بحثاً عن الأمان، وشهد ظهور التلفزيون، ثم الإنترنت، والذي قال له: "أنا سعيد لأنني لن أعيش طويلاً في هذا العالم الجديد".

ينطلق كارداراس من قصة والده إلى السؤال المحوري لكتابه: لماذا تتدهور صحتنا العقلية كلما تقدّم مجتمعنا تكنولوجياً؟ ولماذا تزداد أمراضنا النفسية مع ازدياد انغماسنا الافتراضي؟ وفي هذا الإطار يرى أننا "قد تحوّلنا يقيناً إلى مجتمع مريض جداً. فقدنا أنفسنا أثناء إضاعة الوقت أمام الشاشة، لمشاهدة صور إنستغرام وفيديوهات القطط على يوتيوب. صرنا نموت بمعدلات قياسية".

يتناول كارداراس تلك الأزمة النفسية بوصفها واقعاً، لا نظرية جدلية، ويستشهد بالأرقام الرسمية، إذ سجلت في الولايات المتحدة وحدها أكثر من مئتي ألف وفاة في عام 2019 بدوافع نفسية شملت الانتحار والجرعات المميتة من المخدرات وإدمان الكحول، ومعظمهم من الشباب، ثم جاءت جائحة كورونا لتضاعف هذه الأرقام حين تحوّل "التباعد الاجتماعي" إلى ضرورة صحية، ما فاقم الانغماس في الوسائل الرقمية للتواصل، والدراسة، والعمل، والترفيه. ويُفصّل الكتاب كيف تعمل مواقع التواصل الاجتماعي كآلات إدمان مُهندسة بدقة، مشيراً إلى أن المحور العصبي هو الدوبامين، تلك المادة الناقلة العصبية التي تُفرز في المخ، مُنتجةً الشعور بالمتعة. تستغل شركات التكنولوجيا الكبرى الدوبامين عبر توظيف مخططين من علماء السلوك مُهمّتهم الوحيدة تصميم عناصر تبقيك متصلاً بالتطبيق أو اللعبة أو الموقع الإلكتروني لأطول فترة ممكنة.

يشخّص عوارض الانغماس الرقمي بالكسل وغياب الأهداف

ويلفت إلى وثائق داخلية خاصة بمنصة فيسبوك عرضتها عالمة البيانات الأميركية فرانسيس هوغن أمام مجلس الشيوخ، أكدت أن شركة ميتا علمت يقيناً بأن خوارزمياتها تُضر بصحة المراهقين، وقد تزيد من معدلات الانتحار وكراهية الذات لدى المراهقات، لكنها قررت الإبقاء على تلك الخوارزميات المُضرة لأنها تزيد المشاركات، وتحقق أرباحاً.

حين صدر الكتاب في عام 2022، لم يكن الذكاء الاصطناعي التوليدي وروبوتات الدردشة قد دخلت حياتنا اليومية بهذا الشكل المتشعّب. ما يجعلنا اليوم أمام جنون رقمي مضاعف. يمكنك تخيل كيف تؤثر بالشخص تجربة الحضور العاطفي المُصطنع مع روبوت محادثة، وتأثيرها الكبير على إفراز الدوبامين. وينتقد الكتاب فكرة "التفكير الثنائي"، وهو نمط إدراكي يحول كل التفاعلات إلى ثنائيات حادة، إما حبّ أو كراهية، إما جيد مطلق أو شرير مطلق، إذ باتت الخوارزميات تدفع المزيد من المتفاعلين إلى أن يكونوا أقل مرونة وتفاعلاً، وأكثر عرضة للهشاشة والاندفاع.

ويرى كارداراس أننا "نعيش جميعاً في عالم فقد عقله، يدفعه نحو الجنون سباق رقمي يخوضه أشخاص مُستنزَفون، مستيقظون دائماً، ومحبوسون في غرفهم، ويعانون أحمالاً زائدة على الطاقة العصبية، ويشعرون بالوحدة المستمرة". وهو يُطلق على شركات التكنولوجيا الكبرى وصف "التكنوقراطية الجديدة"، معتبراً أنهم "بارونات العصر الحديث الذين يُحرّكهم الطمع والغطرسة". ويخصص الكتاب جزءاً مهماً لظاهرة "المؤثرين" على وسائل التواصل الاجتماعي، مُحللاً كيف تحوّلت الشهرة من أمر ينشأ عن موهبة حقيقية إلى سلعة تصنعها الخوارزميات.



ويطرح كارداراس مفهوماً جديداً يُسمّيه "العدوى الاجتماعية الرقمية"، مفاده أن الاضطرابات النفسية يمكن أن تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي كما الأمراض المعدية، ويستدل على ذلك باضطراب انتشر خلال وباء كورونا، حين راحت آلاف المراهقات يُظهرن أعراض حركات لا-إرادية بعد مشاهدة مقاطع على "تيك توك"، ما بدا في بادئ الأمر إفراطاً في التعاطف أو تمثيلاً، قبل أن يتبين للأطباء أنه اضطراب وظيفي عصبي نشأ عن عدوى رقمية.

ويُخصّص الكتاب فصلاً للتفاعل بين انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتفشي السمات النرجسية في المجتمع، ويقول إن منصات مثل إنستغرام وسناب شات مبنية على تصوير الذات وتصميمها وتسويقها، ليصبح المستخدم مُنتِجاً ومُستهلِكاً في آنٍ لسردية ذاتية مُثلى تخالف الحياة الفعلية. والمشكلة ليست في زيف الصورة المُقدَّمة فقط، بل فيما تولّده من توقعات، وقلق، وإحساس مستمر بالنقص حين تُقارن حياتك الفوضوية بالصور المُعدَّلة التي يبثّها الآخرون.

في الثلث الأخير يتحوّل الكتاب إلى بحث في مخرج من الأزمة، إذ يرى كارداراس أن ما نفتقده في العصر الرقمي هو ما تحدثت عنه الفلسفة الإغريقية منذ آلاف السنين، حيث الغاية، والمعنى، والفضيلة ممارسة، لا مجرد قناعة، وهو يستدعي فكر أرسطو الذي عرف السعادة الحقيقية بأنها ممارسة التميّز الإنساني، وليس الرضا الآني الذي تصنعه المنصات. ويقول: "علينا أن نكون ممتنين للأدوات كأدوات، لا أن نكون عبيداً لها. ناموا وأيقنوا أن الوقت الذي تبقّى لكم لا يُقاس بما ستنجزونه في الإنترنت". ويؤكد كارداراس أن البشر بنوا على مدى آلاف السنين، تقاليد فكرية وروحية متينة لمواجهة اضطراب الوجود وضياع المعنى، بينما الحضارة الرقمية تتيح تجاهل هذا التراث الإنساني المتراكم، واستبداله برسائل قصيرة، أو غرف إلكترونية لا يتوقف فيها صدى الصوت من دون تفاعل حقيقي.

لا يخلو الكتاب أيضاً من انتقادات، فهو يتجاهل أن الواقع أكثر تعقيداً من طرحه الأكاديمي، وواقع أن شركات التكنولوجيا ليست جيّدة بالمطلق، لكنها أيضاً ليست شريرة بالمطلق، كما يغيب عن الكتاب نقاش دور أنظمة التعليم، والتدخلات الحكومية والمجتمعية، وكأنّ المنصات الرقمية هي المدان الوحيد، بينما نماذج العمل الرأسمالية، وغياب التشريعات، أو قصورها، وضعف الوعي القانوني، كلها أمور تستدعي استجابات جماعية لا فردية.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

مهاب نصر.. مصر التي اختُزلت بـ"قاهرة" نجيب محفوظ




11 مايو 2026

كشف كتاب "الجغرافيا المقلوبة: عن الحداثة المصرية ومآزقها" (بيت الحكمة للثقافة، القاهرة، 2025) لمهاب نصر، عن مواضع الخلل التي منعت اكتمال المشروع الحداثي في مصر، مركزاً على مشكلات من بينها مركزية كل من المدينة واللغة والثقافة في المأزق، فضلاً عن التدخل السياسي الفج في كل المجالات، كما يرصد المفارقات القائمة بين الجغرافيا والتاريخ، وشيوع المفاهيم المقلوبة التي باتت أشبه بحقائق راسخة تمنع تصحيح المسار.

يضمّ الكتاب مجموعة مقالات نقدية مطولة كتبها الشاعر والناقد المصري مهاب نصر (1962-2023)، بين عامي 2013 و2021، يستعرضها في خمسة أبواب منفصلة، لكنها تظل متشابكة إلى حد بعيد، ويحاول الكاتب من خلالها تشريح المبادئ المتخيلة للحداثة في المجتمع المصري، والتي يراها بعيدة تماماً عن كونها مشروعاً مكتملاً. ويقول: "يصبح الوطن شخصاً اعتبارياً يقف على خشبة مسرح، أو هو خشبة المسرح ذاتها التي يتناوب عليها الأبطال التراجيديون".

يناقش الكاتب في الفصل الأول المركزية الجغرافية القومية في روايات أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ (1911- 2006)، ويقدم نقداً حاداً لفكره وسرده، موجهاً إليه، عبر تحليل شخصيات رواياته، اتهامات بتعمد اختيار موضوعات لا تعبر عن غالبية المصريين، كما لا تصطدم بخطوط السلطة الحمراء، بينما لا تلتزم عادة بالسياق المحافظ الرائج مجتمعياً.

يبدأ الكتاب الانتقادات بالقول إن محفوظ لم يكتف باعتبار نفسه كاتب القاهرة، لا مصر كلها، بل قرر أن يكون كاتب الجزء الشرقي من المدينة فقط، "تلك البقعة المسنودة على هضبة المقطم، مدينة الفتوات والتجار والجوامع والتكايا"، مضيفاً أن "معظم أعماله تدور في هذا الجزء المحتشد بالتاريخ، والملوث بالرمال"، وأن اختيار اسم الجبلاوي في روايته الشهيرة "أولاد حارتنا" هو مثال على التأثر المباشر بالجبل (المقطم) الذي يحتضن المدينة.

ويحيلنا الكاتب على مصطلح "النسب الصحراوي للقاهرة"، والذي صكه صاحب "شخصية مصر" جمال حمدان (1928- 1993)، ليحدد ما يشبه قطيعة عمرانية للنمط الفرعوني لمكان العاصمة، والتي بدأت مع الفتح العربي ببناء العاصمة على الجانب الشرقي من نهر النيل، بداية من "العسكر"، مروراً بـ "القطائع"، وصولاً إلى قاهرة المعز لدين الله الفاطمي. وكتب حمدان: "على هضبة الأهرام والجيزة بقايا العصر الفرعوني، وإن كانت معلقة كالحفريات، بينما على سفوح المقطم وعند أقدامه ترقد المدينة الحديثة".

ويرى مهاب نصر أن طبيعة الجغرافيا التي خلقها محفوظ خلال السرد الروائي تمثل الحدود ذاتها التي تعتمدها النخبة الثقافية والفكرية المصرية حتى الوقت الحاضر في تعريفها للوطن، وحدود العلاقات الإنسانية فيه، وأنه اختار عن وعي بيئة شرق القاهرة التي تمتد من أحياء الحسين والسكاكيني والمقطم والحسينية والجمالية وباب الشعرية والوايلي إلى حدود العاصمة قديماً عند حلوان جنوباً والعباسية غرباً.

يرصد شيوع مفاهيم مقلوبة باتت حقائق راسخة تمنع تصحيح المسار

ويؤكد أن تلك الفكرة كانت مركزية في جيل محفوظ كله، وهو جيل مرحلة "مصر للمصريين" التي صاغها أحمد لطفي السيد (1872-1963)، وترى الاستقلال مرهوناً بالولاء الوطني. ويقول الكاتب إن "فكرة الواقعية في أدب محفوظ تعود إلى طبيعة عقيدته الأدبية التي كانت في جانب أساسي منها ترجمة لأيديولوجيا التمصير، والتي تحدد معناها مسبقاً بقرار نخبوي جماعي مفاده إنجاز أدب مصري بمسحة محلية"، وتلك المسحة قائمة أساساً على مدينة القاهرة، ولا مكان فيها للأطراف.

ويرصد الكتاب أن القاهرة بوصفها مدينة محاصرة بالصحراء لا تتفاعل مع أبطال روايات محفوظ، ولا تشكل لهم مرجعاً، بل إطاراً قهرياً من العزلة، ولذلك يهيم بعضهم فيها كالأشباح. وحين تنتقل بيئة السرد إلى الصحراء، أو إلى الجهة الغربية من النهر، حيث الأحياء الجديدة، يكون ذلك إما للتعبير عن علاقات غير شرعية، كما في "بداية ونهاية"، وإما خارجة عن السياق الاجتماعي كما في "قلب الليل"، أو معبرة عن الانعزال كما في "الحرافيش".

ويقول إن "واقعية محفوظ ترصد المكان (القاهرة) على هيئة فخ أو مصيدة، والخروج منه هو الموت المحقق، والسقوط هو حليف كل محاولة للإفلات منه". ويستشهد بشخصية "أحمد عاكف" بطل رواية "خان الخليلي"، والذي سبَّب تغيير مكان إقامته تغييرَ مصيره.

حين يخرج أبطال محفوظ من القاهرة، تكون الإسكندرية؛ مدينة مهاب نصر، ملاذهم، ورغم أهميتها كونها ثاني أكبر مدن مصر، تظل مهمشة أيضاً، فهي إما مشفى للخارجين من معترك السلطة، وإما استراحة للساقطين من مسرح السياسة، كما في "ميرامار" و"السمان والخريف".

ويلحظ الكتاب أن محفوظ تجاهل الريف بالكلية، رغم أنه يحتل غالبية المساحة المأهولة في مصر، ولم يتعرض للشخصية الريفية سوى في إطار التحولات الجذرية التي تطرأ عليها حين تنتقل إلى المدينة، وتعد شخصية محجوب عبد الدايم في "القاهرة الجديدة" نموذجاً لفكرة الفرار من رجعية التقاليد الريفية إلى انفتاح المدينة.

ويستطرد نصر: "هناك أيضاً فكرة العمل الغائبة دائماً عن روايات محفوظ، رغم أهميته كممارسة تجمع البشر تعيد صياغة أولوياتهم، وتنشئ العلاقات بينهم، إذ لا يمتلك سرد محفوظ الروائي أية تفاصيل دقيقة عن أي صنعة أو مهنة، وبالتالي لن تظهر كثيراً كلمة المصنع، وكأنك تعيش في دولة موظفين وتجار وأصحاب دكاكين".

يلفت "الجغرافيا المقلوبة" كذلك إلى حرص جيل محفوظ من المثقفين المتصلين بالسلطة الحاكمة على اعتماد اللغة العربية، والكاتب لا يرى في ذلك مجرد حرص على الأصل الثقافي، وإنما يعتبره محض دعم للغة الدولة الرسمية. ويستدرك أن ذلك "لا يعني أن كتاب النخبة المصرية بصفة عامة كانوا يسعون للالتحاق بمؤسسات السلطة، وإنما كانوا ينظرون إلى الدولة باعتبارها مشروعاً عقلانياً مجرداً ينبغي دعمه، حتى يتمكن من صون المجتمع".

ويحيلنا الكتاب على مقطع معبر لشاعر النيل حافظ إبراهيم (1872- 1932) من كتاب "ليالي سطيح"، يقول فيه إن "للناس في مصر لسانين، وقد تناكرا حتى اختصوا الأول بالكلام، وجعلوا الثاني من نصيب الأقلام"، في وصف صريح لحالة الازدواجية السائدة في المجتمع المصري، حيث يُنتقد الظلم في الخفاء، ويُمدح الظالم في العلن، ما يجسد الخوف من السلطة، ويسلط الضوء على نفاق اجتماعي وسياسي رائج.

ويضيف مهاب نصر: "أخبار العالم يقولها الأبطال، بينما لا نرى أبداً هذا العالم، كما أن مصائر الشخصيات مرتهنة بمسار الدولة، وأسئلتهم الوجودية هي صدى مباشر للسؤال السياسي العام". يقول محفوظ على لسان البطل في رواية "حضرة المحترم"، إن "الدولة هي معبد الله في الأرض، وبقدر اجتهادنا فيها تتقرر مكانتنا في الدنيا والآخرة".

ينتقل صاحب "الجغرافيا المقلوبة" لاحقاً إلى مرحلة أوسع من نقد نجيب محفوظ، فيقرر أن "الشائعة القائلة بتسجيل محفوظ القاهرة التاريخية بتفصيل حاراتها وأزقتها وعادات أهلها تحتاج إلى إعادة نظر. إذ تبدو مخالفة لواقع الحال، فسرد محفوظ فقير في تفاصيله"، وهو يستشهد بـ "ميرامار" و"ثرثرة فوق النيل"، حيث تعيش الشخصيات في بيئة مكانية معزولة، غالباً شقة مفروشة، أو عوّامة، أو بنسيون "فندق شعبي صغير".

ويحيلنا مجدداً على دراسة الناقدة المصرية سيزا قاسم (1935-2024)، بعنوان "بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ " (1978)، وتقول فيها إنه "إضافة إلى كون العناصر التي يختارها محفوظ لوصف المكان ليست معبرة، فإن هناك تكراراً لنفس العناصر، فالبيوت والحجرات تظهر في نفس الشكل وعلى نفس الطراز، والسمات مشتركة بين الأماكن المختلفة، وليست سمات مميزة".

ويستدرك نصر: "حتى لا يكون نجيب محفوظ ضحية، يدفع الجميع الثمن، بمن فيهم محفوظ نفسه، فرغم كل التكريس الإعلامي والعالمي، لم يقرأ أعماله سوى الآلاف من أبناء بلاده، وهم نخبة محاصرة مثله تماماً". ويفسر: "صنع لنا التاريخ نجيب محفوظ، لكن محفوظ لم يكتب تاريخاً، لم يكتب حتى ثغرات التاريخ الرسمي، لأن ما هو شخصي وما هو عام عنده مجرد نماذج في رواياته، فلا هذا هو المواطن، ولا هذا هو الوطن".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"صُنع في أميركا"... ترامب نتيجة حتمية لتاريخ أميركي مظلم





25 مايو 2026

في كتابه "صُنع في أميركا: التاريخ المظلم الذي قاد إلى دونالد ترامب" (بنغوين راندوم هاوس، نيويورك، 2026) يقدّم الإعلامي البريطاني إدوارد ستورتون إسهاماً مهماً في فهم صعود الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة، كما يحاول دحض أسطورة "الشذوذ" التي تتمسك بها نخب ليبرالية أميركية لتفسير فوز ترامب بالرئاسة. ويمثل الكتاب رحلة استقصائية في جذور سياسات الهوية، والإمبريالية، والتعصب الديني، والشمولية الأمنيّة التي يرى الكاتب أنها شكلت هوية الولايات المتحدة، ويقدّم فكرة مفادها أن ترامب ليس انحرافاً عن المبادئ الأميركية الرائجة، بل هو "التجسيد الأكثر صدقاً لجوهرها المظلم"، مضيفاً: "ترامب ليس ظاهرة، بل مرآة لدولة استعمرت، وطهّرت عرقياً، وشوهت دستورها طوال تاريخها".

ويرى ستورتون (1957) أن ترامب رئيس يعيد إنتاج وقائع تاريخية سابقة، وأن قراراته المثيرة للجدل لم تكن مجرد قرارات رئاسية عابرة، ولا هلوسات شعبوية، كما يحلو للبعض وصفها، بل هي "صدى مباشر" لأنماط حاكمة في السياسة الأميركية تمتد إلى ثلاثة قرون مضت. عمل ستورتون في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني لأكثر من 40 عاماً، واشتهر بكونه أحد المقدمين الرئيسيين لبرنامج "اليوم" على راديو "بي بي سي 4"، ويعتمد كتابه "صُنع في أميركا" على رصد ستّ سمات رئيسية تميز السياسة الترامبية، وهو يتتبع كلّ سمة منها عبر ربطها بسابقة تاريخية أو أكثر.

أولى سمات ترامب التي لها سوابق تاريخية هي الإرث التوسعي الإمبريالي، فترامب الذي تحدث علناً عن جعل كندا "الولاية 51"، وأعاد إحياء فكرة شراء جزيرة غرينلاند، لم يبتدع ذلك، إذ إن الولايات المتحدة التي نعرفها اليوم بُنيت على صفقات توسعية متعددة تجاهلت تماماً حقوق السكان الأصليين، وصبغت توسعها بمفهوم "القدر الجلي" الذي جعلها "أمة إمبريالية" بامتياز، بينما قدمت نفسها لاحقاً قوة مناهضة للإمبريالية. ويستعرض الكتاب مثال "صفقة لويزيانا" في عام 1803 مثالاً، حين اشترى الرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون إقليم لويزيانا من فرنسا، بينما لم تكن تلك الأراضي الشاسعة ملكاً للإمبراطورية النابليونية كي تبيعها، بل كانت مأهولة بعشرات القبائل من السكان الأصليين، ثم "الحرب المكسيكية" (1846-1848) التي أجبرت سلطات المكسيك على التنازل عن نحو نصف أراضيها، بما فيها كاليفورنيا وتكساس، مقابل 15 مليون دولار.

يرى أن الترامبية ذات جذور تاريخية لا مجرد هلوسات

السمة المشتركة الثانية التي رصدها الكتاب هي التعصب الديني، ويربط الكاتب بين مقولة حاكم مستعمرة خليج ماساتشوستس، المحامي البيوريتاني جون وينثروب، في عام 1630: "يجب أن نعتبر أنفسنا مدينة على تلّة. أعين العالم كلها علينا"، وبين مصطلح "أميركا أولاً" الذي يعتمده ترامب وحركة "ماغا" حالياً. يسأل ستورتون: "كيف يمكن للإنجيليين المحافظين، وهم من أشد المؤمنين بالأخلاق المسيحية، أن يدعموا رجلاً اتُهم بالاعتداء الجنسي والكذب والفساد؟"، ثم يجيب: "مدينة وينثروب أيضاً لم تكن نموذجاً للتسامح، بل لمشروع تطهير ديني في مستعمرة خليج ماساتشوستس، حيث كان المخالفون يتعرضون للجلد أو النفي أو الإعدام". ويضيف: "النزعة الاستعلائية التي يتبناها الإنجيليون اليوم، واستعدادهم لتبرئة ترامب في سبيل الأجندة المحافظة، هي نفس النزعة التي جعلت وينثروب يطرد المخالفين (الكويكرز) خارج مستعمرته".

والسمة المشتركة الثالثة في الكتاب هي الشوفينية والاعتقالات الجماعية، فسياسات ترامب تجاه المهاجرين، ولا سيما بناء جدار الفصل على الحدود المكسيكية، والفصل العائلي للمهاجرين ليست اختراعاً، بحسب ستورتون، لكنها إحياء لـ"قوانين الأجانب" التي أصدرها الرئيس الأميركي الثاني جون آدامز في عام 1798، والتي أعطته صلاحية اعتقال وترحيل أي أجنبي يعتبره "خطراً على السلام والأمن"، وسجن الصحافيين المعارضين بتهمة "التحريض"، وهذه القوانين جرى إسقاطها في وقت لاحق باعتبارها تمثّل انتهاكاً صارخاً للتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يحمي حرية التعبير والصحافة.

أما السمة الرابعة فتناول من خلالها ستورتون تجاهل ترامب المؤسسات القضائية، وتعمده توسيع صلاحيات الرئيس، سواء عبر تجاهل الأحكام، أو مهاجمة القضاة الذين يصدرون أحكاماً لا تعجبه، معتبراً أن ترامب لم يخترع فكرة تجاهل أحكام القضاء. بل أحيا ما فعله الرئيس السابع أندرو جاكسون، والذي تجاهل ما قضت به المحكمة العليا في قضية وورستر ضد جورجيا في 1832، وهو الحكم الذي أكد حقوق قبيلة شيروكي من السكان الأصليين في التحكم بأراضيها، وليس ولاية جورجيا. وحينها قال جاكسون ساخراً: "القاضي جون مارشال أصدر حكمه، فليقم بتنفيذه بنفسه"، ثم أمر بترحيل 60 ألفاً من السكان الأصليين قسراً عبر ما يعرف في التاريخ الأميركي بـ"درب الدموع والآلام"، وخلال هذا الترحيل الدامي قضى نحو ربع المُرحّلين نحبهم.

رحلة استقصائية في جذور سياسات الهوية والإمبريالية والتعصب الديني

ويتناول الكتاب في السمة المشتركة الخامسة أزمة التعرفات الجمركية الحمائية التي فرضها ترامب على الصلب والواردات الصينية، ثم على دول عدة، واصفاً نفسه بـ"رجل التعرفات"، ويشير ستورتون إلى أن ذلك مجرد تكرار فج لما فعله في عام 1890، الرئيس الخامس والعشرون ويليام ماكينلي، الملقب أيضاً بـ"نابليون التعرفات"، حين رفع الرسوم الجمركية إلى أعلى مستوياتها في تاريخ الولايات المتحدة. ويؤكد الكاتب أن "حمائية" ماكينلي لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل كانت خطاباً شعبوياً هدفه المعلن "حماية العامل الأبيض من المنافسة الأجنبية"، وهو الخطاب ذاته الذي يستخدمه ترامب حالياً.

وترصد السمة المشتركة السادسة في الكتاب ظاهرة "معاداة الإعلام"، ويقول ستورتون إن ترامب الذي يوصف بأنه "رئيس التغريدات"، يكرر الهجوم على وسائل الإعلام غير الموالية، ويواصل تشويه سمعة الإعلام المستقل بزعم "حماية الأمن القومي". ثم يحيلنا في الكتاب إلى السيناتور جوزيف مكارثي، الذي استغل منصته في "اللجنة الفرعية للتحقيق" (1950-1954)، لتلفيق التهم وإرهاب الخصوم، معتمداً على الصحف والإذاعة في نشر الخوف.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

محمّد البرادعي ونواف سلام.. مواقف ومآلات




07 يونيو 2026

إذا ما وضعت صورة محمّد البرادعي (78 سنة) إلى جانب صورة نوّاف سلام (72 سنة)، لظننتَ لوهلة أنك أمام شقيقين. والتشابه بينهما لا يقتصر على الشكل وحده، بل يمتدّ إلى دراستهما الحقوق، والالتحاق بالعمل في الأمم المتحدة، وصولاً إلى اعتمادهما أسلوب "المواطن الكوني"، أو "البيروقراطي الدولي".

تولّى البرادعي منصب نائب رئيس الجمهورية في مصر (2013) في لحظة فارقة. فتنة سياسية عميقة، وانقسام مجتمعي حاد، وشوارع تغلي. كان الرجل قادماً من منصب مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث اعتاد التعامل مع الملفات بمنطق الجداول الزمنية والتقارير الفنية. فماذا فعل حين وجد نفسه في قلب أزمة القاهرة؟... تكلّم بلغةٍ لا يفهمها سوى مترجمي الأمم المتحدة، وكرّر على المصريين مصطلحات "الحوار الوطني الشامل" و"آليات الانتقال الديمقراطي" و"الحوكمة الرشيدة"، بينما الشارع يطلب أموراً أبسط، رغيف خبز وعدالة اجتماعية وكرامة. كان الرجل يتحدّث وكأنه يُلقي محاضرة في مجلس الأمن. ينظر إلى المصريين بنظرة "الخبير الدولي" الذي يزور بلداً نامياً 48 ساعة، كي يُعدّ تقريراً عن "الأوضاع" بعد أن يغادر إلى مستقرّه الأوروبي.

فشل البرادعي فشلاً ذريعاً. لم يستطع أن يشعر بغضب سائق تاكسي في الإسكندرية، أو هموم فلاح في دلتا النيل، أو خيبة شاب عاطل في القاهرة. كان يعتقد أن القيم العالمية التي يُردّدها في المؤتمرات التي يحضرها في لندن ونيويورك كافية لحل أزمة وطنية عميقة. وحين احتدم الصراع غادر البلاد تاركاً خلفه ذكرى رجلٍ كان يُجيد الإنكليزية أكثر من العربية، وبضعة مقابلات مع قنوات محلية تحولت إلى مصدر سخرية لاذعة منه بين المصريين.

ما يجمع البرادعي وسلام ليس مجرّد الخلفية الأممية، بل عقلية المواطن الكوني التي تُبعد صاحبها عن أرضه وشعبه

أما نواف سلام، فقد تولّى رئاسة الحكومة اللبنانية (2025) في لحظةٍ ليست أقلّ فداحة. دولة منهارة اقتصادياً، وشعبٌ يعيش غالبيته تحت خط الفقر، ونظامٌ طائفي متآكل، وكيان مجرم يهدّد البلد كله بالاحتلال. كان الرجل قادماً من منصب رئيس محكمة العدل الدولية، حيث اعتاد التعامل مع مصطلحات "القانون الدولي" و"العدالة التحكيمية".

يخاطب نواف سلام اللبنانيين بلغةٍ لا تقلّ تعقيداً عن لغة البرادعي. يحدثهم عن "الإصلاحات الهيكلية" و"الحوكمة الشفافة" و"الشراكة مع المجتمع الدولي"، بينما اللبناني يبحث عن كهرباء، ودواء، ومدّخرات مهدرة. يتحدث كأنه لا يزال يُلقي رأياً استشارياً في مقر المحكمة بلاهاي، وينظر إلى مواطنيه بنظرة "القاضي الكوني" الذي يفصل في نزاعٍ بين دولتين، لا كمسؤول في بلد يعيش أزمة وجودية.

لم يستطع سلام منذ توليه رئاسة الحكومة أن ينهي أي مشكلة، ويبدو أنه لا يدرك أن البلد الذي يرأس حكومته معرّض لحرب أهلية في حال الإصرار على الإجهاز على المقاومة، ولا يصدّق أن العدو المتربّص لا يضمر الشر لحزب الله وحده، بل للبلد كله. ربما يعتقد أن القيم الغربية التي يلوك مصطلحاتها في المحافل الدولية في مؤتمرات ومنتديات باريس وبروكسل كافية لحل أزمة وطنية مزمنة. لكن الواقع يخالف هذا تماماً، فمنطق القوة وحده يحكم، ولبنان ليس قوياً.

المرجح أن نواف سلام سيغادر إلى مستقر أوروبي قريباً، كما فعل محمّد البرادعي سابقاً، تاركاً خلفه ذكرى رجل لم يفهم طبيعة بلد تولى فيه مسؤولية كبيرة فيه، وأزمات سيكون له نصيب في استفحالها، وربما انعدام إمكانية تجاوز تداعياتها.

إذا التقى البرادعي وسلام يوماً في مطارٍ أوروبي لن يتحدّثا عن مصر أو لبنان

ما يجمع البرادعي وسلام ليس مجرّد الخلفية الأممية، بل عقلية المواطن الكوني التي تُبعد صاحبها عن أرضه وشعبه، فكلاهما يؤمنان بالقيم الغربية أكثر من المبادئ الشرقية، وبديمقراطية نموذجية غير قائمة، وبسيادة القانون على الطريقة الأوروبية، وبحقوق الإنسان بالصيغة التي أنتجها نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. تلك المفاهيم التي تبدو مناسبة لصالونات جنيف، تتهاوى حين تصطدم بالواقع العربي الكارثي في أزمنة الانهيار السياسي، والانحدار الديمقراطي، والصراعات الأهلية، والاحتلال. ففي مصر، كما في لبنان، تظل "الحوكمة" و"الشفافية" و"الحوار البنّاء" و"الشراكة الدولية" محض مصطلحات فارغة من معناها، بينما المطلوب استعادة الكرامة المهدرة، والعدالة المفقودة، وخطط للمستقبل.

يمثل البرادعي وسلام نموذجاً بيروقراطياً دولياً يُنتج قادةً بلا جذور، وسياسيين بلا ظهير شعبي، ومنقذين محتملين بلا قدرات إنقاذ فعلية. فمن يقضي عقوداً في مكاتب الأمم المتحدة المكيفة يفقد القدرة على سماع نبض الشارع، أو صوت المقهورين، ولا يملك حتى القدرة على الحديث بلغةٍ يفهمها المواطن العادي، فالأصل أن الأوطان لا تدار بمنطق الوكالة الدولية، والشارع لا يهدأ بقرار من محكمة العدل الدولية.

إذا التقى البرادعي وسلام يوماً في مطارٍ أوروبي لن يتحدّثا عن مصر أو لبنان. غالباً سيتبادلان التحية بلغة غير العربية، ثم يتشاركان الشكوى من صعوبات العمل مع الجماهير "الغوغائية"، قبل أن يتجه كلٌ منهما إلى غرفة الانتظار الدولية، في طريقه إلى مستقره الهادئ بعيداً عن صخب السياسة التي لم يكونا يوماً مؤهلين للعمل بها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

عبد العزيز مخيون... محطّات في الدراما والسينما




11 يونيو 2026


ارتبط وجدان الجمهور المصري والعربي بالفنان الراحل عبد العزيز مخيون (1946- 2026) عبر شخصيتين قدمهما مبكراً في مساره الفني الذي امتد لأكثر من نصف قرن، الأولى شخصية طه السماحي في المسلسل الملحمي "ليالي الحلمية" (1987)، للكاتب أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ، إذ كانت الشخصية نموذجاً لنضال الحارة الشعبية المصرية، ولحالة الوعي بهموم البلاد من خلال مقاومة الاحتلال الإنكليزي.

والشخصية الثانية هي ضابط الشرطة سالم زيدان في الفيلم الأيقوني "الهروب" (1991)، من تأليف مصطفى محرم وإخراج عاطف الطيب. في "الهروب"، يمزق سالم زيدان الصراعُ بين الواجب والعدالة، ويعبر بوضوح عن مأزق المثقف داخل المؤسسة الأمنية. يتطور الصراع بين الرائد سالم الذي يمثّل السلطة والقانون، ومنتصر (أحمد زكي)، الذي يمثل التقاليد والدم الصعيدي الحامي.

في عالم الدراما، ثمة لحظة فارقة يتجاوز فيها الممثل حدود الأداء ليدخل منطقة التلبس، وقد يبدو هذا نجاحاً، لكنه غالباً ما يتحول إلى أزمة تلاحق الفنان. وبينما استكان بعضهم للشخصية التي أحبها الجمهور، رفض عبد العزيز مخيون الذي تخرج من معهد الفنون المسرحية في القاهرة، الاستسلام لسطوة هاتين الشخصيتين الناجحتين، أو حصر نفسه في قالب نمطي، واستعان بثقافته الواسعة وموهبته لتجاوز هذا التحدي.

في عام 1987، تزامناً مع عرض الجزء الأول من "ليالي الحلمية"، قدم شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلي أبو داود في فيلم "بئر الخيانة" (إخراج علي عبد الخالق)، وهو دور شديد التعقيد يتطلب ممثلاً قادراً على تجسيد الشر المطلق، كما يعارض تماماً شخصية المناضل طه السماحي.

في عام 1991، تزامناً مع عرض "الهروب"، شارك عبد العزيز مخيون في فيلم "شحاتين ونبلاء" من إخراج أسماء البكري، وقدم فيه شخصية المحقق نور الدين، الذي يتتبع خيوط جريمة قتل اعترف بارتكابها البطل رغبةً منه في تدمير ذاته من فرط اليأس، لتشهد الأحداث مواجهة فلسفية بينهما حول مفهوم العدالة.

ربما ساعد مخيون أيضاً تعامله مع العديد من كبار الكتاب والمخرجين؛ ففي بداياته الأولى، عمل مع علي بدرخان في "الكرنك" (1975)، ومع يوسف شاهين في "إسكندرية ليه؟" (1978)، و"حدوتة مصرية" (1982).

وقبل "ليالي الحلمية"، عمل مع أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبد الحافظ في المسلسل الشهير "الشهد والدموع" (1985)، إذ أدّى دور شخصية وحيد: المثقف الحالم الذي يحاول إنهاء العداوة بين أفراد العائلة عبر قصة حب تربط أفراد الجيل الثاني.

في 1986، قدم شخصية جابر الجبالي في فيلم "الجوع" (إخراج علي بدرخان عن رواية نجيب محفوظ)، مبرزاً قدراته على تجسيد معاناة الطبقات الفقيرة. كما قدم عدداً من الأدوار التاريخية، من بينها شخصية عزيز مصر في مسلسل "محمد رسول الله" (1982) تأليف عبد الحميد جودة السحار وإخراج أحمد توفيق، وشخصية أبو طالب بن عبد المطلب في مسلسل "عمر" (2012) من تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي.

تميز مخيون بالقدرة على إضفاء طبقات أداء متعددة على الشخصيات التي يجسدها، حتى لو كانت تبدو متشابهة. ومن بين الجوانب التي لا يعرفها كثيرون، أنه درس الموسيقى وأجاد العزف على آلة الكمان، وربما ساعدته معرفته الموسيقية في تجسيد شخصية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في أربعة أعمال درامية هي "أمير الشعراء" (1982) من إخراج إبراهيم الصحن، ثم في مسلسل "أم كلثوم" (1999) تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج إنعام محمد علي، ومسلسل "السندريلا" (2006) عن حياة سعاد حسني، من إخراج سمير سيف، ومسلسل "أبو ضحكة جنان" (2009) عن حياة إسماعيل ياسين، من إخراج محمد عبد العزيز.

كان مخيون أيضاً شغوفاً بشخصية الصحافي، وقدمها عدة مرات، بداية من مسلسل "أنا وإنت وبابا في المشمش" (1989) من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج محمد فاضل، ثم في فيلم "امرأة آيلة للسقوط" (1992)، إخراج مدحت السباعي.

ولعلاقته بالصحافة قصة لا تروى كثيراً، إذ عمل بها في بدايات حياته، وكان ينشر في مجلات من بينها "روز اليوسف"، وله مقابلات مهمة مع شخصيات مثل لويس عوض والمعماري حسن فتحي، والشاعر نجيب سرور.

وكتب كثيراً من المقالات في النقد المسرحي. كما كانت له علاقة طويلة بالصحافي المصري مجدي أحمد حسين، رئيس تحرير صحيفة الشعب التي كانت تصدر عن حزب العمل المعارض.

في عام 2004، تأسست الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية"، وكان عبد العزيز مخيون أحد أبرز مؤسسيها. كانت "كفاية" تطالب الرئيس، حينها، حسني مبارك بترك السلطة، وترفض ترشحه لفترة رئاسية خامسة، وعارضت تولي ابنه جمال الرئاسة من بعده.

كان الانضمام إلى حركة "كفاية" تعبيراً عن مواقف مخيون السياسية الصريحة، وكان يمكن أن تؤدي إلى توقف مساره الفني، لكنه لم يهتم كثيراً بذلك، كما انضم لاحقاً إلى الفنانين المشاركين في ثورة 25 يناير، وكان حاضراً في ميدان التحرير، وفي الحراك السياسي الذي أعقب سقوط النظام.

في هذه الفترة أيضاً، عرف كثيرون أن رئيس حزب النور السلفي يونس مخيون، هو خال عبد العزيز مخيون، لكنه لم يكن قريباً من هذا الحزب، بل كان يعارض توجهاته، رغم محاولات بعضهم الربط بينه وبين التيار الإسلامي خلال الفترة من 2011 حتى منتصف 2013.

في سنواته الأخيرة، قدم مخيون أدواراً مهمة أيضاً، من أبرزها تجسيد شخصية حسن الهضيبي، المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في الجزء الثاني من مسلسل "الجماعة" (2016)، من تأليف وحيد حامد وإخراج شريف البنداري، وشخصية "الشيخ مدين"، المتصوف في مسلسل "جزيرة غمام" (2022) إخراج حسين المنباوي.

تبرز أعمال عبد العزيز مخيون المتنوعة، التي تجاوزت الـ200 فيلم ومسلسل، التزامه العميق بالفن الجاد الذي يترك أثراً، كما تعكس مشاركته السياسية الفاعلة وعياً نادراً بين أبناء جيله، وتؤكد امتزاج حضوره الفني بالوعي السياسي والثقافي.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية