الأحد، 4 أكتوبر 2026

والد إيلون ماسك متهم بالاعتداء جنسياً على خمسة من أطفاله



24 سبتمبر 2025

كشف تحقيق صحافي نشرته "نيويورك تايمز"، أمس الثلاثاء، أن والد الملياردير إيلون ماسك، إيرول ماسك (79 سنة)، متهم بالاعتداء الجنسي على ما لا يقل عن خمسة من أطفاله على مدار العقود الثلاثة الماضية. وفي التحقيق، استعرضت الصحيفة الأميركية تقارير متعددة للشرطة، وتحدثت مع أخصائيين اجتماعيين، وأفراد من العائلة لكشف تفاصيل الادعاءات ضد ماسك الأب.

وتعود أقدم الاتهامات الموثقة إلى عام 1993، عندما أخبرت ابنة زوجة ماسك السابقة، والتي كانت تبلغ من العمر أربع سنوات، أقاربها بأنه لمسها بشكل غير لائق، وبعد عقد من الزمن، قالت الفتاة نفسها، إنها ضبطت إيرول ماسك يشم ملابسها الداخلية المتسخة. ولاحقاً، قالت الفتاة إنها أنجبت طفلاً منه في العشرينات من عمرها، وشكلت هذه الحادثة جزءا من سلسلة أوسع من الادعاءات التي قال أفراد العائلة إنها مزقت عائلة ماسك لسنوات.

ولجأ بعض أفراد العائلة إلى إيلون ماسك، وهو الابن الأكبر، لطلب المساعدة. وفي عام 2010، توسلت رسالة إلى مؤسس "تسلا" و"سبيس إكس" التدخل، لكن لا يُعرف إن كان تدخل أم لا.

وتزايدت ادعاءات الإساءة الجنسية خلال الأشهر الأخيرة، ففي يونيو/حزيران الماضي، تحدثت إلمي سميت، وهي أخت هايدي-ماري بيزويدنهوت، الزوجة الثالثة لإيرول ماسك، إلى المدون الصوتي جوشوا روبين، والذي سبق أن أجرى مقابلة مع رجل الأعمال الجنوب أفريقي. ووفقاً لروبين، فإن العلاقة مع ابنة زوجته كانت محاطة منذ فترة طويلة بـ"الصمت، والانزعاج، والتكهنات".

وقالت سميت: "عندما أصبح الأمر واضحاً بعد فترة وجيزة من زواج هايدي وإيرول في عام 1993، شعرت هايدي بأن هناك شيئاً خاطئاً يحدث مع ابنتها. في سن الرابعة كانت تتصرف كالمراهقات، تركل وتصرخ وتبكي، وأخبرت الطفلة أحد الأقارب أن إيرول تحرش بها". وأضافت: "لم أصدق كيف يمكن لطفلة صغيرة أن تحكي هذا، كان قلبها مكسوراً. وقالت إنها كانت تشاهد رسوماً متحركة، فدخل هو إلى غرفة الجلوس، وحملها إلى الخارج، حيث كانت تُخزن صناديق القمامة، وتحرش بها، لكنها طلبت حينها ممن حكت له أن لا يخبر أمها".

وتحدثت الطفلة إلى الشرطة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1993، في نفس اليوم الذي واجهت فيه والدتها إيرول ماسك. وقالت سميت: "انفجر إيرول بالبكاء، واعترف بأنه فعل ذلك، ثم قال إنه مر بصدمة تسببت في ذلك".

وقالت "نيويورك تايمز" إنها حصلت على رقم تسجيل للحادثة، أكدته شرطة جنوب أفريقيا، وإن التهم سُحبت لاحقًا في جزء من تسوية طلاق. وقال إيرول ماسك إنه حصل على حضانة الطفلة بعد الطلاق، وهو ادعاء لم يتسن التحقق منه. بعد عامين، قالت إلمي سميت، إن الفتاة حاولت "رمي نفسها من السطح"، قائلة إنها تعرضت للإساءة مرة أخرى.

وتزوجت بيزويدنهوت من ماسك مرة أخرى في عام 1999، وأنجب الزوجان ابنة في عام 2001. وفي عام 2002، دخلت ابنة الزوجة، التي كانت تبلغ من العمر 14 سنة آنذاك، إلى غرفة نومها في منزل العائلة في ماليبو، لتجد زوج أمها يشم ملابسها الداخلية المتسخة، وقالت العائلة إنه تم إبلاغ الشرطة وخدمات حماية الأطفال، وإيلون ماسك أيضاً. وقد نفى إيرول ماسك هذا الاتهام.

واتُهم إيرول ماسك أيضاً بإساءة معاملة ابنتيه وزوج ابنته، في أمر حماية مؤقت قدمته ابنة زوجته السابقة في عام 2009. وكتبت الفتاة في الأمر، الذي وافق عليه قاضٍ جنوب أفريقي: "لا أريد أن يُسمح له بالاقتراب مني". وقد ذُكرت نفس الادعاءات في رسالة أرسلتها بيزويدنهوت إلى إيلون ماسك في عام 2007.

وقالت ابنة الزوجة السابقة، البالغة حالياً 37 سنة، لصحيفة "نيويورك تايمز"، إنها تتلقى دعماً مالياً من إيلون ماسك، ولا تعيش مع إيرول ماسك. وقد عاود الاثنان الاتصال، وأقاما علاقة قبل عدة سنوات، وأنجبا طفلاً.

وفي عام 2022، نقل أفراد من العائلة عن ابن إيرول ماسك البالغ حينها خمس سنوات، أن والده تحسس جسده. وأكدت شرطة جنوب أفريقيا أنه كان هناك تحقيق في الاعتداء الجنسي على الأطفال، لكنها لم تذكر أسماء المتورطين. وقد أُسقطت القضية بسبب عدم كفاية الأدلة.

لم يرد إيلون ماسك ومحاموه على طلبات التعليق، وفي رسالة بريد إلكتروني إلى صحيفة "ذا تايمز"، وصف إيرول ماسك تلك الادعاءات بأنها "كاذبة، وسخيفة للغاية". وقال إن ادعاءات الإساءة اختلقها أفراد العائلة "بتشجيع الأطفال على قول أشياء كاذبة" في محاولة للحصول على المال من ابنه الأكبر.

وتزوج إيرول ماسك من زوجته الأولى، ماي هالديمان، في عام 1970، وأنجب من هذا الزواج أبناءه الثلاثة الأكبر، إيلون وكيمبال وتوسكا، وانفصل إيرول وماي في 1979، وقدمت ماي لاحقاً عدة ادعاءات بالعنف المنزلي، وقالت في إحدى المقابلات إن إيلون ماسك "نشأ في منزل عنيف جداً"، كما أخبرت هيئة الإذاعة البريطانية في عام 2022، أنها رفضت في البداية عرض زواج من إيرول ماسك، والذي اتصل بعد ذلك بعائلتها ليقول إنها وافقت. وأضافت: "لاحقاً، تلقيت برقية من والدي تقول: تهانينا، تمت ترتيبات الزفاف، والدعوات أُرسلت، وسيأتي 800 شخص".

وتزوج إيرول لفترة وجيزة من امرأة تدعى سو، قبل زواجه من هايدي ماري بيزويدنهوت، وإلى جانب ثلاثة أبناء زوجة، أنجب في هذه العلاقة ابنتين. وفي علاقته مع ابنة زوجته السابقة، ادعى ماسك الأب أن كلا طفليها هما طفلاه، بينما قالت هي إن واحداً فقط منهما هو طفله.
وكانت العلاقة بين إيلون ماسك ووالده موضوع الكثير من العداء المتبادل على مدار العقد الماضي، فكلا الرجلين لديهما خلفية هندسية، وكلاهما لديه العديد من الأطفال، وكلاهما تزوج عدة مرات. وبعد طلاق والديه عندما كان في الثامنة من عمره، بقي إيلون ماسك مع والده في جنوب أفريقيا، وذهب أشقاؤه الأصغر، كيمبال وتوسكا، مع والدتهما.

وأخبر رئيس تسلا وسبايس إكس، كاتب سيرة ذاتية في عام 2017، أنه شعر بالأسف على والده. وقال: "بدا حزيناً ووحيداً، لكنني لم أفهم حقاً في ذلك الوقت أي نوع من الأشخاص كان".

وجاءت ثروة عائلة ماسك نتيجة أعمال البناء وتجارة الزمرد، وأخبر الأب وسائل الإعلام بأن لديهم "الكثير من المال لدرجة أننا لم نتمكن حتى من إغلاق خزنتنا". وبينما وصف إيلون ماسك والده بأنه "عبقري"، فقد وصفه أيضًا بأنه "شرير"، وقال في مقابلة عام 2017: "كان إنساناً فظيعاً"، وأضاف: "والدي سيكون لديه خطة شريرة مدروسة بعناية. سيخطط للشر. تقريبًا كل جريمة يمكن أن تفكر فيها، فقد فعلها. تقريباً كل شيء شرير يمكن أن تفكر فيه، قد فعله"، وقال إنه حاول "كل شيء" لتغيير والده بعد نقل العائلة إلى ماليبو، لكن "في تجربتي، لا يوجد شيء يمكنك فعله".

وبعد عودته إلى جنوب أفريقيا، أرسل إيرول ماسك رسالة بريد إلكتروني إلى أبنائه يطلب فيها المال، قائلاً إنه "يعتمد كلياً" عليهم. وأظهرت الرسائل الشخصية ورسائل البريد الإلكتروني والمقابلات التي أرسلها أفراد العائلة، أنهم طلبوا مراراً من إيلون ماسك التدخل لتعديل سلوك والده.

وفي عدة مناسبات، رد مساعدو ماسك نيابة عنه، وفي مناسبات أخرى، قالت العائلة، إنه قدم دعماً مالياً. وفي تعليق نادر حول والده في مايو/أيار 2023، قال إيلون ماسك إنه لم يعش طفولة سعيدة، وإنه وشقيقه اتفقا على دعم والده بشرط ألا ينخرط في "سلوك سيئ". لكنه "لسوء الحظ، فعل ذلك على الرغم من ذلك".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

ميشيل فوكو: الانضباط الطوعي هو الوجه الأخطر للسلطة الحديثة




العربي الجديد

06 يناير 2026


يدرس كتاب "المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن"، للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي تمر مئة سنة على ميلاده مصطلح البانوبتيكون "المراقبة الكلية"، وهو نموذج سجن دائري قام بتصميمه الفيلسوف الإنكليزي جيريمي بنثام في عام 1785، والهدف منه هو تمكين السلطة من مراقبة جميع السجناء من دون أن يكونوا قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أو لا. Panopticon أكثر من مجرد تصميم معماري لسجن؛ إنه نموذج مثالي لجوهر السلطة الانضباطية، حيث البنية الدائرية، والبرج المركزي، والرؤية الكاملة للمراقَب، كلها عناصر تشكل آلية سلطوية بالغة الكفاءة. يكتب فوكو: "من يخضع لحقل الرؤية، ويعرف ذلك، يتحمل مسؤولية قيود السلطة؛ فهو يجعلها تعمل تلقائياً على نفسه". هنا تكمن العبقرية الشيطانية للبانوبتيكون، فالسلطة تصبح آلية ذاتية التشغيل، والاحتمال الدائم للمراقبة يكفي لإنتاج الانضباط.

وتكتسب تلك الأطروحة أهمية متجددة ومقلقة في عصر التكنولوجيا الرقمية، فالبانوبتيكون كان محدوداً بقدرات المراقبة البشرية؛ أما اليوم، فالمراقبة آلية ومستمرة ولانهائية تقريباً. إذ هناك كاميرات المراقبة بالذكاء الاصطناعي، وتقنيات التعرف إلى الوجوه، وتتبع الهواتف المحمولة، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وكلها تقنيات تحقق المراقبة الشاملة التي كان البانوبتيكون مجرد نموذج نظري لها.


من العنف المباشر إلى الانضباط الذاتي

يطرح فوكو إشكالية فلسفية محورية مفادها كيف تحوّلت السلطة من نموذج العنف المباشر إلى نموذج الانضباط الذاتي، وهو يتبنى المنهج الجينالوجي المستمد من فكر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، الذي يقوم على تفكيك الحاضر من خلال كشف التحولات. يسمح هذا المنهج لفوكو بتجاوز السرديات السائدة التي ترى في ظهور السجن الحديث نوعاً من التقدم الأخلاقي، بينما يكشف الكتاب الذي نُشر عام 1975، وصدرت نسخته العربية عام 1990 عن دار الإنماء القومي بترجمة علي مقلد، عن منطق سلطوي جديد أكثر تعقيداً يتخفى تحت قناع الإنسانية. وتبرز تلك الفلسفة عند تطبيقها على وقائع العصر الرقمي المعاش، حيث باتت السلطوية تمس جوهر فهمنا للحرية.

يكشف عن منطق سلطوي أكثر تعقيداً يتخفى تحت قناع الإنسانية

في النظام القديم، كانت السلطة تعمل وفق نموذج سيادي، فالملك يمتلك حق حياة رعاياه وموتهم، وكتب فوكو: "في العقوبات القديمة، كان الجسد هو الهدف الرئيسي للعقاب". لكن هذا النموذج كان يحمل تناقضاته الداخلية، فالمشهد العقابي كان يمكن أن يتحول إلى مساحة للمقاومة والتضامن الشعبي، والمُعاقَب قد يصبح بطلاً شعبياً، وقد تتمرد الجماهير على القسوة المفرطة.

في القرن التاسع عشر، ظهر نموذج سلطوي جديد، نموذج لامركزي يعمل من خلال المؤسسات الانضباطية، والأمر لا يقتصر على السجن، بل يشمل المدرسة، والمستشفى، والمصنع، وغيرها. هذا النموذج لا يستهدف الجسد بوصفه موقعاً للألم، بل موقعاً للإنتاجية، وبات الهدف الجديد ليس تدمير الجسد، بل تطويعه، وليس قمع الفرد، بل تطبيعه.

ويصوغ فوكو في كتابه واحدة من أطروحاته المركزية، وهي أن السلطة الحديثة لم تعد تعمل بالمنع والقمع فقط، بل بالإنتاج والخلق أيضاً. تنتج السلطة أنواعاً معينة من الذوات، وأشكالاً محددة من المعرفة، ومعايير للصلاح. وهذا ما يجعلها أكثر فعالية، ويجعل مقاومتها أصعب.


مبدأ تنظيمي للمجتمع الحديث قائم على الرقابة الذاتية

تظل الأطروحة الأكثر راديكالية في الكتاب أن البانوبتيكون ليس نموذجاً سجنياً فقط، بل مبدأ تنظيمي للمجتمع الحديث. يقول فوكو: "البانوبتيكون هو الرسم التخطيطي لآلية سلطة مختزلة إلى شكلها المثالي". ومن ذلك أن المدرسة الحديثة تنظم التلاميذ في صفوف مرئية للمعلم، والمستشفى يرتب الأسرة لتسهيل المراقبة الطبية، والمصنع يصمم خطوط الإنتاج لضمان مراقبة العمال. كل هذه المؤسسات تتبنى منطق الانضباط الذاتي، ما يحول المجتمع بأكمله إلى شبكة من المؤسسات المترابطة التي تنتج وتعيد إنتاج الذوات المنضبطة. ويقدم فوكو مفهوم "الجسد المطيع" باعتباره منتجاً نهائياً للسلطة الانضباطية، والذي يقلب الفهم التقليدي للسلطة، فهي لا تقف ضد الحياة والإنتاجية، بل تستثمر فيهما، والرأسمالية الصناعية لم تكن لتنجح من دون هذه التقنيات الانضباطية التي حولت الأجساد إلى قوى عاملة.

تبدو تحذيرات فوكو أكثر إلحاحاً في عصر الرقمنة الشاملة

لكن تظل واحدة من أكثر إسهامات الكتاب راديكالية هي أطروحة "السلطة- المعرفة". إذ يرفض التمييز التقليدي بين المعرفة الموضوعية والمحايدة من جهة، والسلطة المنحازة والقمعية من جهة أخرى. هذا التمييز بالنسبة لفوكو هو وهم أيديولوجي. يكتب: "السلطة تنتج المعرفة؛ السلطة والمعرفة يتضمن كل منهما الآخر مباشرة؛ لا توجد علاقة سلطة من دون تشكل متصل لحقل معرفة، ولا توجد معرفة لا تفترض وتشكل في الوقت نفسه علاقات سلطة".

ويطبّق فوكو هذه الأطروحة على العلوم الإنسانية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، مثل علم النفس، والطب النفسي، وعلم الإجرام، وعلم الاجتماع، والتي يعتبرها أدوات إنتاج لأنواع جديدة من الذوات والتصنيفات، وهي بالتالي ممارسات سلطوية تنتج فئات اجتماعية، وتُسوّغ التدخلات المؤسساتية. والتحوّل الأساسي الذي تحدثه هذه العلوم هو تحويل الإنسان إلى موضوع قابل للدراسة والقياس والتصنيف، ليصبح كل فرد مجرد "حالة".

يسمي فوكو هذا الوضع "التفريد التوثيقي"، ويعتبره أحد أشكال الإخضاع، فالفرد يُعرَف ويُحدَّد من قبل المؤسسة، وهويته ليست شيئاً يمتلكه، بل شيء يُمنح له من قبل آليات السلطة.


حيث توجد سلطة، توجد مقاومة

أحد الانتقادات الرئيسية التي وُجهت للكتاب كانت أن تحليله للسلطة كونها شبكة لامركزية يترك مساحة ضئيلة للمقاومة، فإذا كانت السلطة في كل مكان وتشكل الذوات نفسها، فكيف يمكن مقاومتها؟ ومن أين تأتي القدرة على التمرد؟

وكان فوكو واعياً بهذه المشكلة، ويصر على أنه "حيث توجد سلطة، توجد مقاومة". لكن طبيعة هذه المقاومة تظل غامضة نسبياً في "المراقبة والمعاقبة"، ما دفعه في أعمال لاحقة إلى تطوير مفاهيم مثل "تقنيات الذات" و"ممارسات الحرية".

يظل الأكثر إثارة للقلق هو ما يمكن تسميته "البانوبتيكون الطوعي"، ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يراقب الناس أنفسهم طوعاً، ويوثقون حياتهم ويشاركون بياناتهم طوعاً. المراقبة إذاً لم تعد أداة قمع، بل أصبحت شرطاً للوجود الاجتماعي، والشركات التقنية الكبرى، مثل غوغل أو فيسبوك، تمتلك اليوم قوة رقابية تفوق أي دولة، وهي لا تعمل عبر القمع المباشر، بل عبر آليات دقيقة للتأثير والتوجيه، تماماً كما وصف فوكو "السلطة الانضباطية".

لم تعد المراقبة مجرد عين تراقب من برج مركزي؛ إنها البنية التي تنظم وجودنا الاجتماعي، وفهم هذه البنية هو الخطوة الأولى نحو إمكانية تفكيكها ومقاومتها. وقد قدمت جائحة كورونا مثالاً واضحاً، فتطبيقات المراقبة الصحية، والحجر الصحي الإلزامي، وجوازات اللقاح، كلها تقنيات استثنائية كشفت عن إمكانيات هائلة للمراقبة والتحكم باسم "الصحة العامة"، بينما هي في الحقيقة تعبير عن منطق "الحكم الحيوي"، حيث الحياة نفسها تصبح موضوعاً للسلطة السياسية، والهدف ليس فقط حماية الأفراد، بل إدارة السكان بما هم كتلة حيوية قابلة للتحكم.

وتبدو تحذيرات فوكو أكثر إلحاحاً في عصر الرقمنة الشاملة، فالبانوبتيكون لم يعد مجرد استعارة، بل وصف دقيق لواقعنا اليومي، إذ يمكن تسجيل كل تحرك، وكل تفاعل، وكل فكرة تقريباً، كما يمكن تحليلها، واستخدامها ضدنا، أو على الأقل لتوجيهنا. نحن جميعاً سجناء بانوبتيكون عملاق لا يحتاج إلى أسوار. نحمل سجننا معنا في هواتفنا، ونبنيه بأيدينا في كل مرة نقبل فيها "شروط الاستخدام"، ونشارك في إنتاجه في كل مرة نراقب فيها أنفسنا ونقيّم ذواتنا وفق معايير المؤسسات.

السؤال الأهم في الكتاب هو: هل ما زال ممكناً أن نكون غير مقروئين، وغير مُفهرسين، وغير قابلين للتصنيف؟ يظهر الواقع أن هناك أشكالاً جديدة من المقاومة، من بينها استخدام التشفير، وأدوات حماية الخصوصية، ودعم البرمجيات مفتوحة المصدر، والمطالبة بتشريعات حماية البيانات. ربما تكمن في هذه الأدوات آخر فرصنا لمقاومة التسلط الرقمي.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

نهاية عصر "السلام الأميركي"... من الهيمنة إلى التعدّدية القطبية



العربي الجديد
27 ديسمبر 2025


لم تكن تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرز، في خطابه يوم 13 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، في ميونخ، مفاجئةً لكثيرين، وإن كانت صراحته في إقرار واقع يتهرّب قادة العالم من الحديث عنه هي المفاجأة الحقيقية. قال من دون مواربة إن "عقود السلام الأميركي قد انتهت بالنسبة إلى أوروبا"، ووصف ما يحدث في العالم بأنه "تحول" كبير في الاقتصاد والسياسة، موضّحاً أن الأميركيين "يدافعون عن مصالحهم الخاصّة، ما يفرض على الأوروبيين الدفاع عن مصالحهم بأنفسهم". لم يكن هذا مجرّد تقييم سياسي عابر، بل اعترافاً رسمياً بنهاية حقبة استمرّت أكثر من ثمانية عقود، شكّلت خلالها الولايات المتحدة العمود الفقري للنظام العالمي. واستند المستشار الألماني في حديثه إلى مسار أميركي واضح منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدت حدّته مع بدء تطبيق استراتيجية "أميركا أولاً"، وانتقاداته الحادّة للتوجّهات السياسية والثقافية للاتحاد الأوروبي.

ليست الأزمة في تراجع الثقة بأميركا فقط، بل في تراجع فكرة التعدّدية التي كانت جزءاً من شرعية الهيمنة 

انسحب ترامب في فترة رئاسته الأولى من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وأعاد التفاوض على اتفاقية التجارة الحرّة لأميركا الشمالية (نافتا)، وشكّك علناً في قيمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ثم انسحب منفرداً من الاتفاق النووي مع إيران، ومن اتفاقية باريس للمناخ، كما أوقف تمويل منظّمة الصحّة العالمية. وهو يكرّر في فترته الرئاسية الحالية الدعوة إلى إنهاء توسّع الحلف.
وترسل كل هذه التصرّفات إشارات واضحة إلى العالم، وفي مقدمته أوروبا، بأن الولايات المتحدة لم تعد ملتزمةً بالقيادة العالمية، أو ما يعرف اصطلاحاً بـ"السلام الأميركي" (Pax Americana)، ما يمثّل انقلاباً كاملاً على سياسات "شرطي العالم" الأميركية الممتدّة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. نشأت فكرة "Pax Americana" في 1941، قبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية رسمياً، وهي تعبّر عن النظام العالمي الذي تقوده السياسة الأميركية في فترة ما بعد الحرب. والمصطلح مستوحى من مبدأ "السلام الروماني" (Pax Romana) الذي ارتبط باسم الإمبراطورية الرومانية، التي كانت تحكم العالم وفقه، وقد استمدّت منه بريطانيا العظمى في أوج مجدها نموذج "السلام البريطاني" (Pax Britannica)، وهذا النموذج هو الذي ورثته واشنطن لملء الفراغ الذي تركته الإمبراطورية البريطانية المتهاوية. خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية في وضع استثنائي، إذ كانت تنتج نصف الناتج الإجمالي العالمي في 1945، وتمتلك غالبية احتياطات الذهب العالمية، وكانت القوة النووية الوحيدة، وبينما دُمّرت غالبية البنية التحتية لكثير من القوى الأوروبية والآسيوية، بقيت البنية الأميركية سليمة.
يشير المؤرّخون إلى 1947 باعتبارها سنة تحوّل حاسمة، فحينها انهارت الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وظهر "مبدأ ترومان" الذي وضع الأساس للاحتواء السوفيتي، والالتزام الأميركي بالأمن الأوروبي، لتكون هذه بداية حقبة القيادة الأميركية للعالم. وبنت الولايات المتحدة نظامها العالمي على أربعة أعمدة رئيسية، أولها الهيمنة العسكرية من خلال شبكة تضمّ نحو 750 قاعدة عسكرية في نحو 80 دولة، ما يتيح لها الوجود والانتشار السريع، كما تشكّل حلف الناتو في 1949، وامتدّت المظلّة النووية الأميركية لتحمي الحلفاء في أوروبا وآسيا. والعمود الثاني هو القيادة الاقتصادية، ففي مؤتمر بريتون وودز عام 1944، قادت الولايات المتحدة تصميم نظام نقدي عالمي، وإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ثم ثُبِّت الدولار الأميركي عملةً احتياطيةً عالمية، ما منح واشنطن نفوذاً مالياً استثنائياً. وكان عمود الهيمنة الأميركية الثالث هو خطّة مارشال، التي خصّصت حينها 13.3 مليار دولار لإعادة بناء أوروبا، وربطت الاقتصادات الأوروبية بالنظام الأميركي، ما خلق تبعيةً اقتصاديةً طويلة الأمد، وضمن ولاء أوروبا الغربية في مواجهة التوسّع السوفييتي، وفي المقابل، تحملت الولايات المتحدة كلفة الدفاع عن حلفائها، ما سمح لليابان وألمانيا الغربية (أمثلةً) بالتركيز في إعادة البناء الاقتصادي. أمّا العمود الرابع، فكان "القوة الناعمة"، التي تعتمد على السينما والإعلام في نشر القيم والثقافة الأميركية، وعلى جعل النموذج الأميركي جذّاباً عالمياً.

تُروَّج "ثنائية عالمية" تتقاسم فيها الولايات المتحدة والصين مناطق النفوذ

خلال فترة الحرب الباردة (1947-1991)، كان السلام الأميركي نظاماً جزئياً، يُطبَّق فقط على العالم الغربي، بينما تقاسمت القوتان العظميان (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) السيطرة، لكن الولايات المتحدة نجحت في منع نشوب صراع مسلّح مباشر. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، دخل "السلام الأميركي" مرحلته الذهبية، إذ أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة، ووصفت هذه المرحلة بـ"اللحظة الأحادية القطب"، ويقال إن حرب الخليج في حينه كانت بمثابة تعبير عن عصر "السلام الأميركي" الحقيقي. في هذه المرحلة، توسّعت الهيمنة الأميركية لتشمل تدخّلات عسكرية في العراق وأفغانستان والبلقان، وتوسّع حلف "ناتو" شرقاً ليضمّ دول أوروبا الشرقية، مع تكرار فرض العقوبات الاقتصادية على الدول المُعارِضة، و"تسليح" الدولار أداةً للضغط السياسي. كانت هذه فترة هيمنة شبه مطلقة للقوة الأميركية.
لكن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 كانت بداية التصدّع، وشكّلت نقطةَ تحوّلٍ حاسمة، إذ كشفت أن الولايات المتحدة عاجزة عن الوفاء بمسؤوليتها مديراً للاقتصاد الدولي، فالقوة الاقتصادية المهيمنة يُفترض أن تحلّ الأزمات العالمية، لا أن تتسبّب بها، في حين تحوّلت الولايات المتحدة من "المُقرِض الأخير" إلى "المُقترض الأول"، وأصبحت أكبر مدين في العالم.
خلال هذه الفترة، ظهرت علاماتٌ واضحةٌ على تآكل النظام الأميركي العالمي، من بينها صعود الصين قوةً اقتصاديةً عملاقةً، ودخول حروب مكلفة استنزفت الموارد والمصداقية، من بينها حروب في الشرق الأوسط، وتزايد الاستقطاب السياسي في الداخل الأميركي. عندها بدأ العالم التشكيك في قدرة أميركا على الاستمرار قائداً عالميّاً موثوقاً. في الوقت ذاته، انخفضت حصّة الدولار من الاحتياطيات الأجنبية العالمية بشكل ملحوظ، وباتت العديد من الدول تسعى إلى تنويع احتياطاتها بعيداً من الدولار، خاصّةً بعد استخدام واشنطن العقوبات المالية سلاحاً سياسيّاً.
يمكن أيضاً اعتبار مبادرة الحزام والطريق أحد معاول تصدّع النظام الأميركي، إذ باتت الصين تستثمر مليارات الدولارات في مختلف دول العالم، وتربط العديد من الدول النامية باقتصادها، ما يمثّل بديلاً حقيقياً لخطّة مارشال، ويعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية العالمية بطرائق تقلّص النفوذ الأميركي، خصوصاً مع توسّع العجز التجاري بين البلدَيْن رغم الحروب التجارية والتعريفات الجمركية التي فرضها ترامب. لا يمكن أيضاً تجاهل الانحيازات غير العادلة، إذ كانت الشرعية الأميركية متجذّرةً في التزامها بالتعدّدية والمؤسّسات الدولية، لكن هذا الالتزام تبدّل تماماً، وباتت العقوبات تُطبَّق انتقائياً، مع تجاهل المؤسّسات الدولية، وحتى الهجوم عليها عندما لا تخدم المصالح الأميركية، ما قوّض ما تبقّى من مصداقية.
في الوقت الحالي، ينتقد ترامب القادة الأوروبيين زاعماً عدم رغبتهم في حماية هُويَّاتهم الوطنية، ويتّهم حكومات أوروبا بأنّها ضعيفةٌ أو غيرُ فعّالة، وأنها تدفع القارّة نحو "محو حضاري"، يرجعه زوراً إلى الهجرة الجماعية. هذه اللغة العدائية تجاه الحلفاء الأوروبيين غير مسبوقة أميركياً. كما أن الدبلوماسية الأميركية المتقلّبة، خصوصاً في ملفّ الحرب الروسية على أوكرانيا، فرضت إعادة حسابات الثقة التي كانت حجر الأساس للهيمنة الأميركية.

نهاية "السلام الأميركي" لا تعني بداية السلام، بل بداية مرحلة انتقالية تُدار بالردع أكثر ممّا تُدار بالقواعد

وعلى عكس اليقين المؤسّسي لنظام بريتون وودز، يُحكَم النظام العالمي اليوم بعدّة أشباح، من بينها تداعيات التحوّل المناخي، ومخاطر الانتشار النووي، والاضطرابات التي تخلّفها حروب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وكذلك الأزمات القائمة التي تهدّد بنشوب حرب عالمية ثالثة. في هذا النظام الجديد، لا تضع قوة واحدة القواعد، بل يتشكّل "السلام"، أو بالأحرى عدم التورّط في حروب، من خلال الردع العسكري. ويدفع المنطق الترامبي رؤية واشنطن الحالية للعالم، والقائمة على أن الصين هي النظير الوحيد الذي ينبغي التعامل معه، ما يؤشّر إلى أنه تُروَّج "ثنائية عالمية"، تتقاسم فيها الولايات المتحدة والصين مناطق النفوذ. بينما لا يزال بعضهم يحلم بنظام متعدّد الأقطاب، تلعب فيه قوى إقليمية مثل الهند، والبرازيل، وإندونيسيا، وجنوب أفريقيا أدواراً.
ليست نهاية حقبة "السلام الأميركي" احتمالاً إذن، بل واقعٌ، ومن نتائجه أن يدخل العالم مرحلةً انتقاليةً قد تكون مضطربةً، والتاريخ يعلّمنا أن الانتقالات نادراً ما تكون سلسة. ومن بين الأسئلة التي تواجه قادة العالم اليوم: كيف ستُدار هذه المرحلة الانتقالية؟ وما هو شكل النظام العالمي الذي سينبثق من رماد الهيمنة الأميركية الأحادية؟


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"الأخ الأكبر"... حين يشكل رجال الأعمال الوعي الجمعي


شعار نتفلكس أعلى مبنى في هوليود، لوس أنجليس 5/12/2025 (Getty)


العربي الجديد

19 ديسمبر 2025 

لم يعد التلفزيون التقليدي ملك الشاشات، ولا الصحف حارسة الحقيقة الوحيدة، إذ برزت في العقدين الأخيرين وسائط جديدة أعادت تشكيل وعي مليارات البشر. إنّها منصّات الدراما الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، تلك الأدوات التي تخترق جدران البيوت، وحواجز اللغات والثقافات، لتصبح المصدر الأوّل للترفيه والمعلومات، وتحدّد للبشر المسموح والممنوع، حتى لو كان يخالف القيم المُتوارثة.

وبينما يشاهد الشخص العادي ويتفاعل ويعلّق ويشارك، تجري في الخلفية عمليات استحواذ هائلة، تضع مفاتيح هذا الوعي الجمعي في أيدي قلّة من رجال الأعمال، لديهم في العادة مخطّطات تتجاوز الربح إلى السيطرة، والتحكّم، والهيمنة.

ليس الأمر مجرّد منافسة تجارية، أو صراع على حصص سوقية، فنحن أمام تحوّل جذري في طبيعة السلطة، تحوّل ينذر بتحقّق رؤية الراحل جورج أورويل في روايته الأيقونية "1984"، لكن مع فارق جوهري واحد، فالأخ الأكبر لن يكون طاغية يحكم من قصر حكومي كما صوّره أورويل، بل سيكون رجل أعمال يُدير إمبراطورية مالية رقمية من مكتب أنيق، ربما في وادي السيليكون.

في رواية "1984" التي نُشرت في عام 1949، قدّم جورج أورويل رؤية كابوسية لمجتمع شمولي يحكمه حزب واحد بقيادة شخصية غامضة تُدعى "الأخ الأكبر". في هذا المجتمع، تراقب الحكومة كلّ شيء عبر شاشات التلفزيون ثنائية الاتجاه، وتسيطر على المعلومات، وعلى التاريخ، وحتى على اللغة نفسها. هذا الحزب الحاكم لا يكتفي بالسيطرة على أفعال الناس، بل يسعى للسيطرة على أفكارهم ومشاعرهم.

مسلسل واحد يمكنه أن يغيّر نظرة ملايين المشاهدين تجاه قضية ما أكثر من مئات المقالات الصحافية أو التقارير الإخبارية

ظلت الرواية لعقود تحذيراً صارخاً من خطر الأنظمة الشمولية، لكن ما لم يتوقّعه كثيرون أنّ الرقابة والسيطرة على المعلومات لن تصبح مقصورة على الحكومات، بل ستكون في أيدي شركات تجارية خاصة. الفارق الأساسي بين تحذير أورويل وواقعنا الحالي، هو أنّ "الأخ الأكبر" لا يرتدي زي الجنرالات، ولا يعمل من قصر رئاسي، إنه يرتدي سترة كاجوال، ويعمل من مقرّ شركة متعدّدة الجنسيات، أو بالأحرى متعدية للجنسيات.

لا يحتاج الأخ الأكبر الجديد جيشاً أو شرطة أو أجهزة استخبارات، فلديه خوارزميات رقمية تعرف عنك الكثير، ربما أكثر مما تعرف أنت عن نفسك، ولديه منصّات تحدّد ما يمكن أن تراه وما لا يُمكنك رؤيته، سواء وفق رغباته وأهواءه، أو بما لديه من بيانات مفصّلة عن تفضيلاتك وعاداتك، ومخاوفك ورغباتك، والأهم من كلّ ذلك، أنّ لديه القدرة على التأثير في ذلك كله بطرق خفية، ربما لن تلاحظها حتى.

عندما نتحدّث عن الدراما، لا نتحدّث عن مجرّد ترفيه، أو وسيلة لتمضية الوقت، فالمسلسلات والأفلام والوثائقيات باتت أداة تشكيل وعي بامتياز، وهي تقدّم نماذج السلوك، وتعرّف الخير والشر، وترسم صورة العدو والصديق، وتحدّد المقبول والمرفوض اجتماعياً.

وأظهرت دراسات عديدة أنّ المسلسلات التلفزيونية تؤثّر على آراء المشاهدين حول قضايا معقّدة، مثل الهجرة، والعدالة الجنائية، والعلاقات بين الأعراق والأديان. مسلسل واحد يمكنه أن يغيّر نظرة ملايين المشاهدين تجاه قضية ما أكثر من مئات المقالات الصحافية أو التقارير الإخبارية. والسبب بسيط: الدراما تخاطب العواطف قبل العقل، وتغلّف رسائلها بقصص إنسانية يسهل التعاطف معها والتأثّر بها.

وتعمل خوارزميات منصّات الدراما الرقمية بطريقة أكثر نعومة وأشدّ فعالية، فهي لا تمنعك من مشاهدة محتوى معيّن، بل ببساطة لا تقترحه عليك. إنها لا تحذف آراء معيّنة، بل تضعها في أسفل القائمة حيث لن يراها أحد، على عكس ما كانت تفعل الرقابة التقليدية، والتي تمنع المحتوى بشكل صريح.

 تغيير ثقافي تقوده الشركات، لا الشعوب ومؤسّساتها المنتخبة ديمقراطياً

هذه الخوارزميات تُصمّم وتُحسّن بواسطة فرق صغيرة من المهندسين والمديرين الذين يعملون وفق رؤية وأولويات الشركة، وقراراتهم التقنية هي في الحقيقة قرارات سياسية واجتماعية وثقافية، لكنها تُتخذ من دون أيّ مُساءلة حقيقية.

بحلول عام 2024، كانت "نتفليكس" تضم أكثر من 260 مليون مشترك حول العالم، يشاهدون محتواها بعشرات اللغات. لم تعد المنصّة مجرّد خدمة أميركية، بل أصبحت مؤسّسة عالمية تنتج محتوى محلياً في كوريا الجنوبية، وفي الهند وإسبانيا والبرازيل، وفي مصر والأردن وغيرها. ويعني هذا الانتشار الهائل أنّ لدى "نتفليكس" قدرة على التأثير في وعي أجيال كاملة من المشاهدين، فالمراهق في القاهرة، والشاب في ساو باولو، والأم في مدريد، جميعهم يستهلكون محتوى تقرّره خوارزميات نتفليكس، وتنتجه استديوهاتها، وتوزّعه منصّتها، ومع إتمام صفقة استحواذها على "وارنر براذرز"، فإنّ مجرّد طرح فكرة هذا الاستحواذ تكشف عن اتجاه مُقلق في صناعة الترفيه والإعلام، هو التركيز المُتصاعد للسلطة.

ليست "وارنر براذرز" مجرّد استديو سينمائي، إنها واحدة من أعرق شركات الإنتاج وأكبرها في تاريخ هوليوود، وتمتلك مكتبة ضخمة من الأفلام الكلاسيكية والحديثة، ما يعني أنّ الاستحواذ يجعل "نتفليكس" لا تتحكّم فقط في منصّة التوزيع، بل أيضاً في قدر هائل من المحتوى الذي شكّل وعي أجيال من المشاهدين حول العالم.

لدينا أمثلة سابقة توضّح الخطر، ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2022، استحوذ إيلون ماسك، مالك سبيس إكس وتسلا، على منصّة "تويتر" مقابل 44 مليار دولار، في واحدة من أكثر عمليات الاستحواذ إثارة للجدل في تاريخ وسائل التواصل الاجتماعي. ما حدث بعد ذلك كان درساً في كيف يمكن لرجل أعمال واحدٍ أن يغيّر قواعد اللعبة في منصّةٍ يستخدمها مئات الملايين من الأشخاص.

عندما يسيطر رجال الأعمال على المنصّات، وبالتالي المحتوى، تصبح إمكانية التلاعب السياسي واقعية

قرّر ماسك تغيير سياسات المحتوى، وأعاد حسابات محظورة، وعدّل الخوارزميات، وأدخل تغييرات جذرية على آليات التحقّق والمصداقية، حتى أنه غير اسم المنصّة نفسها إلى "إكس". بغضّ النظر عن موقفك من هذه التغييرات، فإنّ الرسالة كانت واضحة: عندما يمتلك شخص واحد منصّة تواصل عملاقة، تصبح لديه قدرة هائلة على التأثير في طبيعة الحوار العام، وما يُرى وما يُخفى، وما يُعزّز وما يُقمع. وفي الوقت الحالي، يُظهر لاري إليسون، مؤسّس أوراكل وأحد أغنى أغنياء العالم، اهتماماً بالمشاركة في الاستحواذ على منصة "تيك توك"، المنصّة الصينية التي اكتسحت العالم خلال العقد الأخير، وأصبحت الأكثر شعبية بين الشباب والمراهقين. و"تيك توك" ليست مجرّد تطبيق لنشر مقاطع الفيديو القصيرة، إنها أداة تشكيل لثقافة جيل كامل، تحدّد ما هو رائج وما هو مهمّش، وتؤثّر في كلّ شيء، من الموسيقى إلى الموضة إلى الآراء السياسية. ويعكس السعي للسيطرة على المنصّة فهماً عميقاً لأهميتها في تشكيل المستقبل، فمن يسيطر على منصّة يقضي عليها ملايين المراهقين ساعات يومياً، يمكنه أن يسيطر على تشكيل وعي الجيل القادم.

لا يمكن الحديث عن صفقات الاستحواذ من دون التطرّق إلى أحد أخطر تأثيرات سيطرة عدد قليل من الشركات على تدفّق المعلومات والمحتوى، وهو "فقاعة المعلومات"، فالخوارزميات مُصمّمة لتعظيم التفاعل والوقت المُستهلَك على المنصّة، وهي تفعل ذلك عبر تقديم محتوى يتوافق مع تفضيلاتك وآرائك، ومع تدخّل مدروس من الخوارزميات، يمكن أن يعيش كلّ مستخدم في واقع معلوماتي مختلف، ويستهلك محتوى درامياً وإخبارياً مختلفاً، ما يجعله يطوّر رؤية مختلفة للعالم. هذا التشظي يجعل الحوار العام أصعب، والتوافق الاجتماعي نادر، كما يعمّق الاستقطاب.

تكمن القوّة الحقيقية للسيطرة على المحتوى الدرامي والإعلامي، إذن، في القدرة على تغيير المعايير الاجتماعية بشكل تدريجي. عندما تعرض مسلسلات نتفليكس باستمرار أنماط حياة معينة، وقيم وسلوكيات معينة، فإنّها تطبّعها تدريجياً. بعد فترة، يصبح ما كان مرفوضاً أو غريباً قبل سنوات قليلة عادياً ومقبولاً بعد مئات الساعات من التعرّض له في السياقات الدرامية. ويحدث هذا التطبيع من دون وعي كامل من المشاهدين، ومن دون قرار واعٍ بتغيير قيمهم أو معاييرهم. إنه تغيير ثقافي تقوده الشركات، لا الشعوب ومؤسّساتها المُنتخبة ديمقراطياً.

الشركات الكبرى بدورها تفضّل المحتوى الآمن تجارياً، والذي يحقّق أعلى نسب مشاهدة وأقل قدر من الجدل. يعني هذا أقلّ مُجازفة في القصص المروية، وأقلّ تمثيل للأصوات الهامشية، وأقلّ تحد للأفكار السائدة. وكلما زاد تركيز الملكية في صناعة الترفيه والإعلام، كلما قلّ التنوّع في المحتوى المُتاح. عالم تسيطر فيه ثلاث أو أربع شركات على 80% من المحتوى الذي يشاهده مليارات البشر هو عالم أفقر فكرياً وثقافياً، حتى لو كان أكثر تنظيماً وكفاءة تجارية.

تبدأ المقاومة العملية بتنويع مصادرنا، وعدم الاعتماد على منصّة واحدة أو مصدر واحد، بل البحث عن محتوى من مُنتجين مستقلين، ومنصّات أصغر، وثقافات مختلفة

وعندما يسيطر رجال الأعمال على المنصّات، وبالتالي المحتوى، تصبح إمكانية التلاعب السياسي واقعية. قد لا يكون التلاعب صريحاً أو مباشراً، بل خفياً عبر تعزيز روايات معينة، وتهميش أصوات معينة، وتأطير قضايا بطرق معينة.

علمنا التاريخ أن تركيز السلطة الإعلامية في أيدي قلّة دائماً ما يُستغل سياسياً، وما يجعل الأوضاع الحالية أخطر أنّ هذه القوّة الإعلامية أصبحت عابرة للحدود، وأكثر تأثيراً من أيّ سلطة على مدار التاريخ.

وبالنسبة للدول والمجتمعات الأصغر، تعني سيطرة شركات أجنبية على المحتوى الذي يستهلكه مواطنوها فقداناً تدريجياً للسيادة الثقافية، فعندما تتشكّل قيم الشباب وتطلّعاتهم بناءً على محتوى تنتجه وتوزّعه شركات لا تخضع لأيّ مساءلة محلية، فإنّ الهوية الثقافية نفسها تصبح في خطر.

لا يعني هذا العداء للمحتوى الأجنبي، أو الانغلاق الثقافي، بل يعني ضرورة الحفاظ على توازن يسمح للثقافات المحلية بالازدهار والوصول إلى جمهورها، من دون أن تُسحق تحت وطأة الإنتاجات الأجنبية العملاقة. وأوّل خطوة في مواجهة هذا التحدي الخطير هي الوعي، وإدراك أنّ ما نشاهده ونقرأه ونتفاعل معه ليس مُحايداً، بل هو نتيجة قرارات وخوارزميات وأولويات تجارية. هذا الوعي يجعلنا قادرين على التساؤل: لماذا يقترحون هذا المحتوى؟ ما هي الروايات التي لا أراها؟ من الذي يستفيد من تشكيل رأيي بهذه الطريقة؟

تبدأ المقاومة العملية إذن بتنويع مصادرنا، وعدم الاعتماد على منصّة واحدة أو مصدر واحد، بل البحث عن محتوى من مُنتجين مستقلين، ومنصّات أصغر، وثقافات مختلفة، إذ إن تنويع الاستهلاك الإعلامي هو درع مهم ضدّ التلاعب والتضليل.

علينا أيضاً دعم المنتجين المستقلين، وهذه طريقة لضمان استمرار وجود بدائل خارج سيطرة الشركات العملاقة، فكلما كان هناك منتجون مستقلون، كانت هناك مساحة أكبر للأصوات المتنوّعة والتجريب الفني.

الأخ الأكبر الجديد قوي، لكنه ليس قدراً محتوماً

 

وقد بدأت حكومات ومشرّعون في العالم يدركون خطورة الاحتكار الدرامي والإعلامي، وأُقرّت قوانين لمكافحة الاحتكار، وتنظيم الخوارزميات، وفرض الشفافية على سياسات المحتوى، وهذه كلّها أدوات يمكن استخدامها لضمان ألا تتحوّل هذه الشركات إلى "أخ أكبر" بلا رقيب. ويتمثّل التحدي القائم في أنّ هذه الشركات عابرة للحدود، وأقوى من كثير من الحكومات، ما يتطلّب تعاوناً دولياً، وإرادة سياسية قوية، كما أنّ هناك حاجة لتطوير نماذج بديلة للمنصّات الرقمية، نماذج لا تكون مدفوعة بالربح فقط، بل بالمصلحة العامة، أو مملوكة للمستخدمين، وربما تعاونيات إعلامية، أو مؤسّسات عامة تقدّم بديلاً لما تقدّمه الشركة الربحية العملاقة.

إنها معركة المستقبل، فللمرّة الأولى تمتلك قلّة قليلة من الأفراد القدرة على التأثير في وعي مليارات البشر بطرق لم تكن ممكنة من قبل. هذه القدرة لا تأتي من خلال السلطة السياسية أو العسكرية، بل من السيطرة على البنية التحتية الرقمية والإعلامية التي باتت تشكّل حياتنا اليومية.

والتحذير الذي أطلقه جورج أورويل قبل أكثر من 70 سنة لم يفقد راهنيته، بل ربّما أصبح أكثر صلة بواقعنا من أيّ وقت مضى. لكن الأخ الأكبر اليوم لا يأتي بالشكل الذي توقّعه أورويل. إنه لا يقدّم نفسه ديكتاتوراً أو طاغية، بل مبتكراً ورجل أعمال ومقدّم خدمات. لكن النتيجة قد تكون واحدة: مجتمع يفقد تدريجياً قدرته على التفكير المستقل، والحوار الحر، والتنوّع الثقافي.

والمعركة من أجل مستقبل حر ومتنوّع ليست تقنية فقط، بل هي معركة ديمقراطية وثقافية وإنسانية. إنّها معركة كلّ فرد يقرّر أن يكون واعياً بما يستهلكه، وكلّ مبدع يختار الاستقلال على الاستسلام، وكلّ مجتمع يقرّر حماية ثقافته وهُويّته. الأخ الأكبر الجديد قوي، لكنه ليس قدراً محتوماً، فالخيارات ما زالت في أيدينا. السؤال هو: هل سنختار الوعي والمقاومة، أم سنستسلم لما تقدمه لنا الشاشات؟


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"مصر للمصريين"... الهوية الوطنية في فكر أحمد لطفي السيد

تماثيل مصرية عملاقة على الدرج الكبير في المتحف المصري الكبير، 2024 (Getty)


العربي الجديد
14 ديسمبر 2025

يعود مصطلح "القومية الوطنية المصرية" إلى واجهة النقاش العام مع كل حدث وطني له علاقة بمرحلة تاريخية، حتى لو كان مناسبة ثقافية مثل افتتاح "المتحف المصري الكبير"، وتبرز ضمن النقاش المحتدم الكثير من المفاهيم المتناقضة، والآراء المتباينة، التي تتحول أحياناً إلى صراع لإثبات وجهات النظر، وقد ينتهي باتهامات متبادلة بالرجعية من طرف، أو الافتتان بالغرب من الطرف الآخر.

يرى البعض أن لمصر هوية خاصة، رافضاً نسبة المصريين إلى أي ثقافة أو حضارة، سواء فرعونية "كيمتية"، أو قبطية، أو إسلامية، أو عربية، ويرى آخرون أن مصر لا يمكن بأيّ حال فصلها عن محيطها الجغرافي، وأنها بلد متعدّد الهويات؛ إسلامية عربية ومتوسطية أفريقية، في حين يؤكد فريق ثالث أن مصر بمثابة بوتقة كبيرة انصهر فيها مزيج كبير من الهويات والأعراق والأديان التي تشكل نسيجها الديموغرافي الحالي، والذي يعد تمايز أفراده أحد أبرز سمات تفرده.

ينسب كثيرون مفهوم الوطنية المصرية الحديث إلى المفكر والسياسي الراحل أحمد لطفي السيد (1872-1963)، الملقب "أستاذ الجيل"، الذي صاغ فكرة متكاملة في مطلع القرن العشرين، وتميزت رؤيته بالتركيز على وجود "هوية مصرية خاصة"، بعيداً عن واقع الارتباط العثماني، أو التاريخ العربي والإسلامي.

وصكّ المفكر المعروف بـ"أبو الليبرالية المصرية"، في صحيفته "الجريدة"، شعاره الأشهر: "مصر للمصريين"، الذي أصبح علامة فارقة في الفكر الوطني المصري. وطرح أحمد لطفي السيد هذا المبدأ بالتزامن مع زخم المقاومة المصرية للاحتلال البريطاني، معتبراً أنه يجب أن يرافق التحرّر السياسي تحرّر فكري وثقافي، رابطاً بين الوطنية والحرية الفردية، ومؤكداً أن الوطن الحقيقي هو الذي يكفل حريات أبنائه، وأن التعليم هو السبيل الأساسي لبناء الوطنية الحقيقية، وأن المواطن المتعلم هو أساس بناء الدولة الحديثة. 

اعتبر البعض أن الوطنية الإقليمية تتعارض مع القومية العربية

ودافع المفكر الليبرالي الراحل عن اللغة العربية الفصحى لغةً للعلم والثقافة الوطنية، معارضاً دعوات استبدالها بالعامية، أو التركية، أو الإنكليزية، إذ كان يرى أن الوحدة الثقافية واللغوية ركن أساسي من أركان بناء الأمة، وكتب: "اللغة العربية هي لغة القرآن، وهي لغة أهل مصر...".

لكنه دعا أيضاً إلى فصل الدين عن السياسة، من دون معاداة الدين، ومن أقواله الأشهر: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، مشيراً إلى أن الوطنية يجب أن تتجاوز الانقسامات الطائفية، ومن أقواله الشهيرة: "الوطن للجميع، وليس حكراً على دين أو طائفة".

وقوبلت أفكار لطفي السيد بتباين واضح من المفكرين المصريين، إذ يرى عدد منهم أنه أسّس لمدرسة فكرية مهمة، بينما يرى آخرون أنه انتهج علمانية متطرفة، وانحاز إلى النخبة على حساب العامة.

من بين أبرز التباينات، إشادة الكاتب لويس عوض بالجانب التنويري للفكرة، معتبراً أنها تمثّل تياراً عقلانياً ضرورياً في مواجهة التطرف والجمود، بينما انتقد منظّرو القومية العربية، مثل ساطع الحصري، تلك الوطنية الإقليمية الضيقة التي تتعارض مع المصلحة القومية الأوسع، مشيرين إلى أن فكرة "مصر للمصريين" تجزّئ الأمة العربية. في حين هاجم المفكر اليساري أنور عبد الملك البعد النخبوي، معتبراً أن وطنية لطفي السيد "كانت موجهة للطبقات المتعلمة من دون اهتمام كافٍ بالبعد الاجتماعي والطبقي".

واعتبر المفكر طارق البشري أن مشروع لطفي السيد كان محاولة جادة لصياغة هوية وطنية حديثة، لكنه أغفل البعد العربي والإسلامي، ما أدى إلى نوع من العزلة الثقافية، مشيراً إلى أنه أحدث "قطيعة في التكوين الثقافي القانوني للأمة"، وشرح في كتابه "الحركة السياسية في مصر"، كيف أن التيار الليبرالي استبدل "المرجعية الإسلامية" التي كانت الإطار الجامع للمصريين، حتى تحت الحكم العثماني، بمرجعية قومية علمانية على النمط الأوروبي.

وأوضح البشري أن هذا خلق ازدواجية وصراعاً في الهوية لا يزال مستمراً حتى اليوم بين "تيار الإسلاميين" و"تيار العلمانيين"، وأن الانغلاق داخل إطار "المصرية الضيقة"، والحديث بلغة النخبة الليبرالية حال دون بناء جبهة وطنية عريضة لمواجهة الاستعمار.

بدوره، اعتبر رفعت السعيد أن وطنية لطفي السيد تقدم دروساً مهمة عن التوازن بين الخصوصية والانفتاح، وأنها لم تكن انعزالية، بل كانت تسعى إلى بناء دولة حديثة قوية قادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها، وأكد جابر عصفور أن المشروع الليبرالي لأحمد لطفي السيد يمثل حداثة حقيقية، وكان يمكن أن يجنّب مصر الكثير من التقلبات الأيديولوجية لو استمر تطوره.

على جانب آخر، تبنى سلامة موسى شعار "مصر للمصريين" بحماسة أكبر، وأعطاه بعداً أكثر راديكالية من أحمد لطفي السيد، إذ كان يرى أن مصر يجب أن تقطع مع ماضيها العربي والإسلامي، وتعود إلى جذورها الفرعونية باعتبارها هويتها الأصيلة، قائلاً: "نحن فراعنة قبل أن نكون عرباً"، وأورد في كتابه "اليوم والغد": "مصر يجب أن تخرج من آسيا لتدخل أوروبا"، معتبراً أن الحضارة الأوروبية هي النموذج الوحيد للتقدم، وأن "الارتباط بالشرق يعني التخلف".

تتقاطع رؤى متعدّدة تشكّل اليوم خريطة الجدل عن معنى الوطنية

واتهم موسى فكر لطفي السيد بأنه يمثل مصالح كبار الملّاك والطبقة العليا، ويتجاهل مطالب الفلاحين والعمال، مهاجماً "الوطنية الشكلية" للطبقة الحاكمة، داعياً إلى "وطنية جديدة قائمة على العدالة الاجتماعية والتحرر من الاستعمار الاقتصادي قبل السياسي"، واعتبر الدين شأناً خاصاً يجب فصله عن الحياة العامة، كما ربط بين الوطنية والعدالة الاجتماعية، ودعا إلى تحرير الفلاح المصري من الإقطاع، معتبراً أن الوطنية الحقيقية تتطلب القضاء على الفوارق الطبقية.

في المقابل، كانت انتقادات المفكرين الإسلاميين أقسى، إذ اعتبر محمد عمارة أن تجاهل البعد الإسلامي في الهوية المصرية يفقرها، ويقطعها عن جذورها الحضارية. ووقف الشيخ محمد الغزالي موقفاً معارضاً بالكلية لفكرة "مصر للمصريين"، معتبراً إياها تجزئة للأمة الإسلامية، وانحرافاً عن الهوية الحقيقية لمصر.

ورفض الغزالي بشدة الدعوات الفرعونية، معتبراً أنها محاولة لإحياء جاهلية قديمة، وكتب: "لماذا نفخر بحضارة وثنية، ونتنكر لحضارتنا الإسلامية؟"، مؤكداً أن الهوية الإسلامية لمصر أكثر عمقاً وأصالة من أي هوية أخرى.

ويجادل كثيرون بأن محدودية مبدأ "مصر للمصريين" ظهرت في عدم قدرته على الإجابة عن سؤال العلاقة بين الهوية المصرية والأبعاد العربية والإسلامية، ما يفسر جزئياً تراجع التيار الداعم له لصالح تيارات أخرى مزجت بين الوطنية والقومية والإسلام، في حين أن هوية مصر متعددة الطبقات، فهي فرعونية تاريخياً، عربية لغة وثقافة، إسلامية حضارة وعقيدة لغالبية السكان، ومتوسطية جغرافياً.

رغم تلك المواقف وتبايناتها، يبقى فكر أحمد لطفي السيد الوطني موضوع نقاش حي، إذ يمثل لحظة تأسيسية في الفكر المصري الحديث، والواقع أنه نجح في تأسيس خطاب وطني علماني ليبرالي، بينما يكشف النقد الموجه له عن تعقيدات الواقع المصري، حيث تتداخل الأبعاد الدينية والاجتماعية والقومية بشكل يصعب فصله.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"مكافحة الأوليغارشية" لبيرني ساندرز... صراع طبقي بنسخة أميركية معاصرة


بيرني ساندرز يستضيف ممداني في تجمّع "مكافحة الأوليغارشية" في نيويورك، 6 سبتمبر 2025 (Getty)

العربي الجديد

23 نوفمبر 2025 



يقدّم السيناتور الأميركي بيرني ساندرز في كتابه الجديد "مكافحة الأوليغارشية" (كراون، 2025) تشخيصاً مباشراً لأمراض نظام الحكم في الولايات المتحدة، والنُّظم المشابهة له حول العالم، ويطرح رؤية إصلاحية جذرية تعتمد على تفاصيل واضحة لكيفية التعامل مع حكم الأقلية، بعضها سبق أن نشره في مقالاته أو تحدّث عنه في خطبه.

يرتكز الكتاب على فكرة محورية مفادها أنّ الولايات المتحدة تحوّلت إلى أوليغارشية يحكمها قلة من الأثرياء وأصحاب النفوذ على حساب الديمقراطية والعدالة، ويعتبر أنّ النظام الاقتصادي والسياسي الأميركي الحالي ليس معادياً للطبقة المتوسطة والفقيرة فحسب، بل إنه يهدّد أسس الديمقراطية ذاتها.

تشخيص الداء

يبدأ ساندرز كتابه، المكوّن من 160 صفحة، بتشخيص الداء، مؤكداً أنّ أكبر مشكلة اقتصادية في العصر الحالي هي التفاوت الهائل في الدخل والثروة، إذ يستحوذ عدد قليل من السكان على حصة ضخمة من الثروة، بينما تتآكل دخول الطبقة المتوسطة والفقيرة وممتلكاتها. ويربط تركّز الثروة بفساد النظام السياسي، مشيراً إلى أنّ التبرعات الانتخابية الهائلة من الشركات والأثرياء تعني أن السياسيين يخدمون مصالح مموليهم الأثرياء، وليس ناخبيهم.

يهاجم الكتاب النموذج الاقتصادي القائم على تفوق الشركات متعدّدة الجنسيات التي تتهرّب من الضرائب، وتقلّص الأجور، وتدمّر البيئة، وتتحكّم في السياسات العامة لخدمة مصالحها. ويصف تغيّر المناخ بأنه التهديد الأكبر للأمن القومي الأميركي، ويدعو إلى "صفقة خضراء" لتحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد صديق للبيئة يوفّر ملايين الوظائف.

وثيقة لفهم التيارات السياسية والاقتصادية التي تشكّل عالمنا اليوم

بعد تشخيص الحالة، يقدّم الكتاب رؤية شاملة لإعادة بناء الولايات المتحدة على أسس أكثر عدالة، تشمل نظام تأمين صحي حكومي يضمن الرعاية الصحية حقاً أساسياً لكل مواطن، بغضّ النظر عن قدرته المالية، ويقول: "في أغنى دولة في تاريخ العالم، يجب ألّا يموت أحد لأنه لا يستطيع دفع فاتورة المستشفى. يجب ألّا يُفلس أحد بسبب مرضه. الرعاية الصحية حق إنساني، وليست سلعة فاخرة".

ويشدّد الكتاب على ضرورة إصلاح النظام التعليمي عبر جعل التعليم العالي مجانياً، وتخفيف عبء الديون الطلابية التي خنقت أجيالاً عدّة، كما يدعو إلى رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولاراً في الساعة، ودعم النقابات العمالية، وفرض ضرائب تصاعدية على الأثرياء والشركات الكبرى، وكتب ساندرز: "لم يعد مقبولاً أن يعمل المواطنون بوظيفة أو اثنتَين، ويجدون أنفسهم عاجزين عن تغطية تكاليف السكن والرعاية الصحية والتعليم لأبنائهم، بينما يزداد الأغنياء غنى من دون أن يضطروا إلى بذل جهد أكبر. هذا نظام مُزوَّر لصالح الأقلية".

إصلاح النظام السياسي

يطالب الكاتب بإصلاح النظام السياسي عبر تعديل نظام تمويل الحملات الانتخابية، وحماية حقّ التصويت، وإنهاء هيمنة المال على السياسة، قائلاً: "ليست لدينا ديمقراطية حقيقية عندما يكون بوسع ملياردير واحد أن يضخ مئات الملايين في الحملات الانتخابية لشراء السياسة التي يريدها، بينما يُحرم المواطن العادي من أيّ تأثير حقيقي. هذه ليست ديمقراطية، هذه أوليغارشية".

يلتزم بالإصلاح الديمقراطي، ولا يدعو إلى إسقاط الرأسمالية

ويمكن اعتبار كتاب "مكافحة الأوليغارشية" بياناً أيديولوجياً يشتمل على دعوة للتحرك، إضافة إلى كونه وثيقة مهمة لفهم التيارات السياسية والاقتصادية التي تشكّل عالمنا اليوم، إذ يوجّه نقداً لاذعاً للوضع الراهن، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في كثير من بلدان العالم، وهو يطرح بديلاً طموحاً يقوم على العدالة الاجتماعية والاقتصادية، متجاهلاً اتهامه بأنه يحلم بنظام حكم مثالي، بينما ذلك أمر غير عملي، بل يهدّد الأسس الاقتصادية والسياسية الراسخة.



ولا تختلف الآراء الواردة في الكتاب عمّا أورده ساندرز في كتبه السابقة مثل "ثورتنا: مستقبل يستحق أن نؤمن به" الصادر في 2016، و"سنتان من المقاومة" الصادر في 2018، و"من حقك أن تغضب من الرأسمالية" الصادر في 2023، والتي ركزت أساسياً على التفاوت الاقتصادي الهائل، وجشع الشركات، والحاجة إلى ثورة سياسية لإنشاء مجتمع أكثر عدالة وديمقراطية. لكن ساندرز صعّد خطابه في كتابه الجديد، واصفاً النظام الحالي بأنه حكم الأقلية الثرية التي تسيطر على الاقتصاد والسياسة ووسائل الإعلام.

يمكن أيضاً ربط الكتاب بالعديد من النظريات الاقتصادية والسياسية الشهيرة، وضمه إلى تيار فكري ونقدي عمره نحو قرنين، اجتهد لرصد صراع القوة بين العمال وأصحاب رأس المال، وبين النخبة والجماهير، وانتقاد فساد السلطة.

مجتمع في معسكرين

يقسّم ساندرز في كتابه المجتمع إلى معسكرين: الأول طبقة الأوليغارشية (الـ 1%) التي تملك الثروة والسلطة، والثاني الأغلبية (الـ 99%) التي تعاني من تبعات استغلال الطبقة الأولى لها، وهو يؤكد أن النظام الاقتصادي الحالي مُصمّم لخدمة مصالح الأقلية على حساب الغالبية، ويستند هذا إلى نظرية "الصراع الطبقي" التي صاغها كارل ماركس، ومفادها بأن التاريخ سلسلة من الصراعات بين الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج "البرجوازية" والطبقة العاملة "البروليتاريا"، وأن مصالح الطبقتين متضاربة، ما يؤدي إلى صراع حتمي.

لكن بينما يدعو ماركس إلى ثورة بروليتارية لإسقاط النظام الرأسمالي واستبداله بالاشتراكية ثم الشيوعية، يلتزم ساندرز بالإصلاح الديمقراطي، ولا يدعو إلى إسقاط الرأسمالية، بل إلى ترويضها وجعلها أكثر إنسانية، ما يضعه في إطار الاشتراكية الديمقراطية، وليس الماركسية الثورية.

يمكننا أيضاً ربط تحذير ساندرز من أنّ تركّز الثروة والسلطة في أيدي قلة يؤدي حتماً إلى إفساد النظام السياسي بأطروحة السياسي البريطاني اللورد أكتون، التي مفادها بأن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة"، وكذلك نظرية "الفصل بين السلطات" التي أوردها الفيلسوف الفرنسي مونتيسكيو في كتابه "روح القوانين" المنشور عام 1748، والتي تدعو إلى منع تركّز السلطة لمنع إساءة استخدامها.

والاختلاف الجوهري هنا أن اللورد أكتون ومونتيسكيو كانا يتحدثان عن سلطة الدولة، بينما يطبّق بيرني ساندرز المبدأ ذاته على سلطة الأثرياء وشركات القطاع الخاص، معتبراً أنهم مركز قوة جديد يجب موازنته وفرض رقابة ديمقراطية عليه.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"العالِم والسياسي" لماكس فيبر والحد الفاصل بين الحقيقة والسلطة



العربي الجديد

24 مارس 2026

في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، كانت ألمانيا على حافة الانهيار بعد الحرب العالمية الأولى التي هشّمت الدولة، وجعلتها تنزلق نحو حرب أهلية. حينها، قدم عالم الاجتماع ماكس فيبر (1864- 1920) محاضرتين شديدتي الأهمية في جامعة ميونخ، هدفهما تفسير معنى أن تكون عالماً، ومعنى أن تكون سياسياً، وقد اعتبرتا بعد عقود من وفاته "نبوءة فكرية" تلامس التحديات المعاصرة في مجالي العلم والسياسة.

في عام 2019، تحولت المحاضرتان إلى كتاب حمل عنوان "العالِم والسياسي"، والذي لا يزال حتى يومنا هذا أحد أبرز الدعوات الأكاديمية للتفكير النقدي، إذ يضعنا أمام مرآة تعكس التحديات التي يفرضها العمل السياسي على البحث العلمي، وما يعنيه أن يكون المرء عالماً أو سياسياً في عالم يتسم بكل هذا التعقيد.

وتكمن أهمية كتاب "العِلم والسياسة بوصفهما حرفة"، حسب عنوان ترجمته العربية التي أنجزها أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية جورج كتورة (المنظمة العربية للترجمة - 2010)، في حقيقة كون العلم والسياسة وجهين لعملة واحدة، وهو يطرح أسئلة مهمة حول الحدود الفاصلة بين العقل والإرادة، وبين المعرفة والقوة، وبين الحقيقة والسلطة.

ولا تزال هذه الأسئلة مطروحة، وبلا إجابات نهائية حتى اليوم، ما يؤدي إلى خلط واسع في المفاهيم. كمثال توضيحي، يتولى العالم إنتاج الأسلحة، ومنها أسلحة الدمار الشامل، لكنه لا يستطيع أن يقرر زمان أو مكان استخدامها، فهذا دور السياسي.

بدأ فيبر المحاضرة الأولى "العلم كحرفة" بصك مفهوم "نزع القداسة"، والذي يعني أن الظواهر الطبيعية لا يصح تفسيرها عبر الأساطير، أو نسبتها إلى قوى خفية، وإنما بالاعتماد على قوانين الطبيعة والمعادلات الحسابية لمعرفة أسبابها. وهو يرى أن العلم الحديث لم يعد مجالاً للتأمل الفلسفي، بل أصبح يتطلب تخصصاً دقيقاً، فالعالم الحقيقي هو من يكرس حياته لمجال واحد يتقن أدواته ومنهجياته، بعيداً عن التشتت في مجالات أو علوم متعددة.

والعلم، في رأيه، منح البشر بعض القدرة على السيطرة على الطبيعة، إلا أنه في الوقت ذاته ترك فراغاً روحياً ومعنوياً، إذ لم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة الوجودية، ومن بينها: كيف يجب أن نعيش؟ وماذا يجب أن نفعل؟ 

ويميّز فيبر بين وظيفة العالم ووظيفة رجل الدين؛ فالعلم يحلل ويفسّر، والدين يمنح المعنى والالتزام، والعلم يمكنه، من حيث المبدأ، تفسير كلّ ما له تفسير عقلاني، وهذه "العقلنة" تحرّر الإنسان من الكثير من الأوهام، لكنها تتركه أيضاً وحيداً أمام فراغ المعنى، وعلى العالِم إدراك أن عمله حلقة في سلسلة، وأن كل نتيجة قابلة للمراجعة والنقد.

العالِم الحقيقي يُحلل الظاهرة من دون أن يحكم عليها قيمياً

من بين المفاهيم المهمة التي يثيرها الكتاب أيضاً، مفهوم "الحياد القيمي"، وهو تمييز صارم لا يزال يثير نقاشاً أكاديمياً محتدماً رغم مرور أكثر من قرن على حديث ماكس فيبر عنه. وهو يرى أن الأكاديمي لا يحق له أن يستغل وظيفته لترويج آرائه السياسية أو العقائدية، وأن قاعات الدراسة فضاء للمعرفة لا للدعاية، كما أن العالِم الحقيقي يُفصّل الظاهرة ويحللها من دون أن يحكم عليها قيمياً، إذ حين يختلط العلم بالدعاية يفقد الاثنان معاً صدقيتهما.

في المحاضرة الثانية بعنوان "السياسة كحرفة"، قدم فيبر عدداً من أكثر تعريفاته تأثيراً في تاريخ الفكر السياسي الحديث، أبرزها تعريفه الدولة بأنها "الكيان الذي يحتكر حق استخدام القوة"، وهو تعريف لا يزال مرجعاً أساسياً في كل أطروحات العلوم السياسية، وهو يبرز أن السياسة محض صراع على السلطة والنفوذ.

ويصنف فيبر مصادر شرعية السلطة إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي السلطة "التقليدية" المستندة إلى الأعراف والتقاليد، والسلطة "الكاريزمية" المستندة إلى جاذبية الزعيم وصفاته الاستثنائية، والسلطة "القانونية" المستندة إلى القوانين والأنظمة، وهو تصنيف يساعد على فهم كيفية تشكّل السلطة وتغيرها في المجتمعات المختلفة.

السياسة إذن هي السعي إلى السلطة، وقد تكون السلطة وسيلة لخدمة أهداف مثالية أو مصالح اجتماعية؛ وقد تصبح غاية في حد ذاتها لمن يبحث عن المجد الشخصي أو لذّة النفوذ. من هنا يأتي تمييزه بين من "يعيش من السياسة"، ومن "يعيش لأجل السياسة"، فالأول يتخذها مصدر رزق، والثاني يتخذها رسالة، مع أن المعنيين قد يلتقيان في شخص واحد.

ويطرح الكتاب مبدأ "الأخلاق السياسية"، والذي يقسمه إلى نوعين، "أخلاق الاقتناع"، و"أخلاق المسؤولية"، وفي الأول، يتصرف السياسي انطلاقاً من مبادئه وقناعاته بصرف النظر عن تبعات أفعاله على أرض الواقع، ويلتزم بأخلاقه، ويتمسك بمبادئه بغض النظر عن النتائج، حتى لو كان ذلك يعني الفشل في تحقيق أهدافه.

بينما في النوع الثاني يتحمل السياسي عواقب قراراته، وبالتالي يدرس مسبقاً الأثمان والمكاسب، ويُدرك أن النية الطيبة وحدها لا يمكن أن تُجنّبه الكوارث، وقد يضطر لاستخدام وسائل سيئة لتحقيق غايات نبيلة، مدركاً أن السياسة غالباً ما تكون لعبة "الأيدي القذرة".

ويقول فيبر: "من يريد ممارسة السياسة، وخاصة من يريد جعلها حرفة له، يجب أن يكون واعياً بهذه التناقضات الأخلاقية. إنه يتعامل مع قوى شيطانية تتربص بكل استخدام للعنف". والسياسي الناضج هو من يحتفظ بحرارة الاقتناع الداخلي بقضيته، لكنه في لحظة القرار يلتزم بحساب النتائج. ويرى أنه "من دون اقتناع يتحول السياسي إلى تكنوقراطي بلا روح، ومن دون مسؤولية يتحول إلى مغامر أعمى".

ولا تقتصر أهمية الكتاب على قيمته الأكاديمية؛ إذ يقدّم أدوات نقدية لقراءة الواقع، حيث الأنظمة الحاكمة تتنازعها البيروقراطيات والأجهزة الأمنية، وخطاب النخب السياسية يتأرجح بين المثاليات والمبادئ، وبين ممارسات لا تعترف بالمسؤولية عن النتائج، إلى جانب جامعات يشتبك فيها البحث العلمي بالمصالح والأيديولوجيا.

ويحذر فيبر من أن تبتلع البيروقراطية القرار السياسي، كما يحذر من السياسيين الهواة الذين لا يدركون تعقيدات إدارة الدولة، مؤكداً أن "السياسة كي تبقى مهنة مسؤولة تحتاج إلى توازن دقيق بين قيادة سياسية ذات رؤية، وجهاز إداري محترف يخضع للمساءلة ولا يتحوّل إلى دولة داخل الدولة".

وبينما يفصل بين العالِم والسياسي على مستوى الدور، إلا أنه يجمعهما على مستوى التأثير، فكلاهما يحتاج إلى ما يُسميه "النداء الداخلي"، فمهنة كليهما تظل بلا قيمة إن لم تنبع من اعتقاد صاحبها أنه يستجيب لدعوة وجودية أعمق من مجرد الوظيفة أو الراتب، ليتجاوز ماكس فيبر السوسيولوجيا إلى الفلسفة، ويطرح السؤال المهم: هل تعمل (كعالم أو كسياسي) لأنك مضطر للعمل، أم لأن لديك هدفاً؟

يميّز بين من "يعيش من السياسة"، ومن "يعيش لأجل السياسة"

لم يمر الكتاب من دون انتقادات بالطبع، وتركز النقد حول موقف ماكس فيبر من "الحياد القيمي". ويرى ليو شتراوس (1899- 1973) أن فيبر كان في حقيقته شكّاكاً في القيم، ويعتقد أنه لا يمكن أن تكون ثمة معرفة حقيقية، وأن التعددية القيمية التي يصفها هي أحد آثار هذا التشكك.

أما يورغن هابرماس (1929- 2026) فيعتبر أن نظرية "الحياد القيمي" تجعل القيم منفصلة عن المعرفة، وبالتالي تكون خارج نطاق التبرير العقلاني، ويرى أن زعم فيبر بأن العلم "خالٍ من القيم" هو في حد ذاته موقف قيمي، وأن هذا تناقض في الطرح، كما أن فيبر افترض أن طبيعة التنظيم في المجتمعات الحديثة ستكون هرمية، من أعلى إلى أسفل، ما قاده إلى تلك الخلاصات التشاؤمية.

واتهم هربرت ماركوزه (1898- 1979) العقلانية الأداتية عند ماكس فيبر بأنها ليست محايدة، بل عقلانية تخدم منطق الرأسمالية والبيروقراطية، مشيراً إلى أن الفصل بين الغايات والوسائل يجعل العلم أداة في يد السلطة من دون أدنى مساءلة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية