الأحد، 4 أكتوبر 2026

يسري أبو شادي: إيران يمكنها صنع قنبلة نووية والتسرب الإشعاعي كارثي




العربي الجديد

23 يونيو 2025 


يرى كبير مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق يسري أبو شادي أنّ الضربة الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية قد تكون عاملاً في حسم مصير الصراع الإسرائيلي الإيراني، ويقول في مقابلة مع "العربي الجديد" في الدوحة، إنه لا يعتقد أن تلك الضربة ستقضي على المشروع النووي الإيراني، وإنه يخشى أن تؤدي إلى صنع إيران قنبلة نووية، ما يخلف مخاطر أكبر، من بينها الخطر الإشعاعي.

كيف تقيّم الضربة الأميركية التي طاولت المنشآت النووية الإيرانية فجر الأحد؟

ليست لدينا معلومات وافية بعد، لكنّني أعتقد أن الهالة الإعلامية لهذه الضربة أكبر من قيمتها الفعلية، وأنها جزء من "البروباغندا"، وأرجّح أنّ منشأة فوردو لم تُدمَّر كما يُقال. المواقع النووية الثلاثة التي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تدميرها، هي منشآت تعرضت لضربات إسرائيلية سابقة، وبالتالي فما قيمة الضربات الجديدة، كان كثيرون يتوقعون ضرب فوردو، التي لم تكن إسرائيل تمتلك قدرات لتدميرها، بينما استهداف نطنز هدفه زيادة حجم التدمير القائم بالفعل، وربما الغرض كان الوصول إلى ما تحت الأرض، وفي تقديري أن تلك الضربات الجديدة أيضاً لم تصل إليه، لأن الأعماق كبيرة. المهم الآن، هل استطاعت إيران تأمين المواد المخصّبة التي تمتلكها، وحجمها يقدر بنحو 500 كيلوغرام أم لا؟ في رأيي أن ما يتردّد حول نقل مواد من فوردو يومَي 19 و20 يونيو/حزيران غير صحيح، ولا يمكن تخيّله، فهذه المنشأة تحت المراقبة الأميركية والإسرائيلية، ولو حدث ذلك لقاموا بقصف الشاحنات التي خرجت منها، وتصوّري أن نقل المواد المخصّبة، إن جرى، فقد كان قبل الضربة الإسرائيلية الأولى.

أعلن رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، عقد اجتماع لمجلس محافظي الوكالة، الاثنين، وهناك أيضاً اجتماع لمجلس الأمن الدولي، ما المنتظر أن يصدر عنهما؟

لا أتوقع شيئاً من الوكالة، فإسرائيل كرّرت ضرب المنشآت الإيرانية، وآخرها مفاعل آراك، ولم يصدر عن الوكالة أي إدانة، فكيف نتوقع منها إدانة الولايات المتحدة؟ مجلس محافظي الوكالة يضم 19 صوتاً من الدول الغربية، ما يعني سيطرة شبه كاملة، وبالتالي لن يصدر أي موقف. لا أتخيل أيضاً أن يتخذ مجلس الأمن موقفاً ضد الولايات المتحدة، فهي عضو دائم، وتملك حق النقض. نعيش في عالم تسيطر عليه قوة عالمية واحدة، هي الولايات المتحدة، وانتهى زمن توازن القوى مع اختفاء حلف وارسو وزوال الاتحاد السوفييتي، والصين رغم أنها قوة ضخمة، لكنها تركز على الاقتصاد، أما روسيا فهي منشغلة في أوكرانيا، ولا أزال أعتقد أن حرب أوكرانيا أخطر كثيراً، وأنها يمكن أن تطلق شرارة حرب عالمية ثالثة.

ما المتوقع من إيران إزاء الوكالة، وهل يمكن أن تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي؟

تقرير الوكالة الأخير كان مُسيّساً، وتضمن أخطاء مهنية، واستُخدم لتوفير مبرّر للاعتداء الإسرائيلي، إذ قال إنّ إيران سحبت رخصة التفتيش من ثمانية مفتّشين، بينما إيران تسمح لـ130 مفتشاً بالعمل. بعدها قالت الوكالة إنّ المفتشين الثمانية خبراء كبار، بينما الحقائق تؤكّد أن الوكالة لديها 24 من الخبراء الكبار، ما يعني أن هناك 16 آخرين، وإيران قالت إنها أوقفت المفتشين الثمانية لأن علاقاتها متوترة مع بلديهم؛ ألمانيا وفرنسا، والبلدان كانا ضمن الاتفاق النووي في عام 2015. وقف تراخيص المفتشين موجود في بنود معاهدة حظر الأسلحة النووية، وليس مخالفة.

منذ اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل، يعيش الشرق الأوسط على صفيح ساخن، فما حجم المخاطر؟

الأوضاع خطرة للغاية، والتصعيد الأميركي يزيد من خطورتها. قبل بضعة أيام، قال مسؤول إسرائيلي إنه لو استمر القصف الإيراني فإن الأمن القومي الإسرائيلي سيكون مهدّداً، وإن إسرائيل قد تستعمل السلاح النووي إذا تعرض أمنها لخطر حقيقي. خلال اليومين الأول والثاني من الصراع، كانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة تتخيلان أن إيران هزمت، لكن تبين لاحقاً أن إيران قوية، وظهر زيف ادّعاء أن أقل من 10% من صواريخها تصل إلى العمق الإسرائيلي، والواقع أنّ نسبةً تفوق 20% من صواريخ إيران تصيب أهدافها، وتصل إلى مدن إسرائيلية عدّة في وقت واحد، وأعتقد أنه لا يزال في جعبتها الكثير، ويمكنها المقاومة طويلاً، بينما لا تستطيع إسرائيل، مجتمعياً واقتصادياً، تحمّل الأمر طويلاً.

رداً على هذه التصعيد، هل تتوقع أن يكون لدى إيران قنبلة نووية، أو كونها قادرة على تجهيز قنبلة نووية سريعاً؟

أستبعد أن يكون لدى إيران قنبلة نووية، لأنها خاضعة لتفتيش دقيق من الوكالة الذرية، لكن الإمكانات التي لديها تمكّنها من صنع قنبلة نووية، ربما خلال أسابيع، فلديها 500 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، والوكالة تعتبر أن أي نسبة تفوق 20% يمكن أن تؤدي إلى صنع قنبلة، مع ضرورة توفر الأجزاء الأخرى للقنبلة بالطبع، والإيرانيون متقدمون عسكرياً. تظل القنبلة النووية المعيارية بحاجة إلى يورانيوم مخصّب بنسبة 90%، ومن هنا، هناك خياران مفترضان، الأول أن لدى إيران منشأة فيها وحدات طرد مركزي، ويمكنها استخدامها في زيادة نسبة التخصيب إلى 90%، وهذا قد يستغرق 3 إلى 4 أسابيع للوصول إلى قنبلة نووية، ولديها بالفعل صواريخ قادرة على حملها. والثاني أن تقرّر إيران استخدام اليورانيوم المتاح (60%) في إنتاج قنبلة نووية، ستكون أضعف، لكنّها تظل نووية، وسيكون وزنها أكبر، ربما يصل إلى 1500 كيلوغرام، علماً أنّ لديها صواريخ قادرة على حمل ما يصل إلى 1800 كيلوغرام.

خسرت إيران أخيراً العديد من العلماء النوويين، فهل لهذا تأثير على مشروعها النووي؟

بدأت إيران المشروع النووي مبكراً، ولديها مئات العلماء المتخصّصين، وآلاف من الفنيين، وبالتالي لن تتأثر كثيراً، والعلماء الذين جرى استهدافهم، بعضهم متقاعد، بينما العلماء العاملون يمكن استبدالهم بالصف الثاني والثالث. في رأيي أن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن أن يتأثر بهذه الاغتيالات، لأنّه برنامج كبير.

لا يزال مسؤولون إيرانيون يتحدّثون عن الفتوى التي تحرّم امتلاك أسلحة نووية، فهل يمكن أن يؤدي التدخل الأميركي إلى تغيير العقيدة النووية الإيرانية؟

ناقشت هذا الأمر مرات عدّة مع مسؤولين إيرانيين، وقبل أسبوعين فقط تحدثت فيه مع وزير الخارجية عباس عراقجي خلال زيارته إلى القاهرة. الفتوى قائمة، وعراقجي قال بوضوح إنّه ليس لدى الحكومة نيّة لمخالفتها، لكنه أكد أنه في حال تهديد الأمن القومي، وفي حال طلب الشعب أو البرلمان هذا، فإنهم قد يستجيبون. قبل يومين كانت هناك مناقشات في البرلمان الإيراني تتناول هذا الأمر، بدأت بطرح الانسحاب من معاهدة حظر الأسلحة النووية، التي وقعت عليها إيران ولم توقع عليها إسرائيل. عموماً قرار الانسحاب من المعاهدة يتطلّب البقاء تحت رقابة الوكالة الذرية لمدة ثلاثة أشهر. إذا حدث هذا، فسنكون أمام تكرار نموذج كوريا الشمالية من جديد، وربما حينها تصدر فتوى جديدة تتيح امتلاك سلاح نووي للدفاع عن الدولة، أو لامتلاك وسيلة ردع.

في حال تحقّق سيناريو القنبلة النووية الإيرانية، كيف سيكون وضع الدول العربية، سواءً دول جوار إيران، أو دول جوار إسرائيل؟

إن استخدمت إسرائيل قنبلة نووية ضد إيران، ستكون هناك آثار كارثية على كل دول الخليج العربي، وإن امتلكت إيران قنبلة نووية، عندها ستصبح قادرة على توجيه ضربات مدمّرة، وسيكون لهذا تأثير على سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى الأردن ومصر وسورية ولبنان. في الحقيقة، تتحمل الوكالة الذرية المسؤولية، فتقريرها الأخير أدان إيران، وبعد التقرير بنحو 12 ساعة فقط، وقع الهجوم الإسرائيلي الأول. هل كانت لدى إيران خطط لضمان تأمين اليورانيوم المخصّب الذي تملكه (500 كيلوغرام)؟ سنعرف الجواب لاحقاً. هذه الكمية كان أغلبها في منشأة نطنز، وكمية أقل في فوردو.

كيف ترى مواقف الدول العربية، خصوصاً المعرّضة للخطر؟

عشنا لسنوات في ظل أزمات بين إيران ودول عربية عدّة، وكان مبعثها الاعتراض على دعم إيران بعض المنظمات والكيانات، لكن هذا الوضع انتهى تقريباً، خصوصاً بعد إسقاط نظام بشار الأسد في سورية، وما جرى لحزب الله في لبنان، ربما لا يزال هناك دعم لجماعة الحوثي في اليمن، لكن علاقات إيران جيّدة حالياً مع معظم الدول العربية، وعلى رأسها مصر والسعودية، وقد شاهدنا تنديداً عربياً واسعاً بالهجوم على إيران، وأعتقد أن هذا لم يكن متوقعاً من إسرائيل وحلفائها، وربما حدث ذلك لأنّ العرب يستشعرون الخطر الإسرائيلي الكبير على المنطقة كلّها.

يخشى كثيرون من المخاطر الإشعاعية، فكيف تقيّم الأمور باعتبارك خبيراً؟

هناك مخاطر نووية، ومخاطر كيميائية، والخطر الكيميائي محدود التبعات، فهي مواد سامة وخطرة بالطبع، لكن يمكن التعامل معها بسهولة، وتأثيراتها لا تستمر طويلاً، على عكس الخطر النووي، سواء الانفجارات النووية أو القنابل الانشطارية. لنأخذ مثلاً مفاعل بوشهر، وهو في رأيي الأخطر، رغم أن الجميع يتحدثون عن فوردو باعتباره الأهم. في حال حدوث انفجار في بوشهر، أو تعرضه لقصف، سنكون أمام كارثة كبيرة، فالتلوث الإشعاعي لن يكون في الهواء، وإنما سيطاول الماء أيضاً.

الحديث محدود عن مفاعل بوشهر، والتركيز دائماً على فوردو، وبنسبة أقل على نطنز... لماذا؟

قبل أيام قال متحدث عسكري إسرائيلي إنهم يركزون على نطنز وفوردو وأصفهان، وعلى بوشهر أيضاً، وقد تعجّبت من هذا. بعد وقت قصير، صدر بيان توضيحي، يؤكد أن مفاعل بوشهر ليس من بين المنشآت المستهدفة، وكنت أتوقع هذا، فضرب بوشهر غير متوقع لأسباب عدّة، الأول أن هناك خبراء روسيين فيه، وهم يعملون على بناء مفاعلَين آخرَين في الموقع نفسه، لأنهم من بنوا أصلاً المفاعل الحالي الذي يعمل منذ 13 سنة، وقد صدرت تحذيرات من روسيا بهذا الخصوص. ثانياً، هذا المفاعل استراتيجي، وتدميره يؤدي إلى أزمة في الكهرباء، وهو بالفعل ينتج طاقة كهربائية كبيرة، لكن بالنسبة لدولة عندها مصادر أخرى، ومنتج كبير للنفط، لن يؤدي إلى انقطاع الكهرباء في إيران كلّها. السبب الثالث، أنّ المفاعل يضم كميات كبيرة من البلوتونيوم، ربما ثلاثة أطنان، وبالتالي فإنّ الخطر على منطقة الجوار سيكون كارثياً.

هل لهذا التّراجع الإسرائيلي علاقة بالقواعد الأميركية الموجودة في منطقة الخليج؟

هذا سبب إضافي، وبالتأكيد لن تسمح الولايات المتحدة بتضرّر قواعدها وجنودها، وهم الآن معرضون للخطر أكثر من أي وقت مضى في حال قرّرت إيران استهداف القواعد الأميركية. خلال لقائي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في القاهرة، قال لي بوضوح إنهم مستعدون لضرب أي قاعدة عسكرية أميركية تشارك في الاعتداء عليهم. هناك تقريباً 29 قاعدة عسكرية أميركية في 11 دولة إقليمية مجاورة أو قريبة من إيران. في اللقاء نفسه، استنكر مسؤول خليجي تهديد عراقجي بضرب القواعد الأميركية في بلدان الخليج، وكان رده، أنهم سيضربون القاعدة الأميركية وليس الدولة التي توجد فيها.

 كيف سيكون ردّ فعل الوكالة ومجلس الأمن إنْ قَصفت إيران مفاعل ديمونا الإسرائيلي في رأيك؟

لا أعتقد أن إيران ستقرّر ضرب مفاعل ديمونا، رغم قدرة صواريخها على الوصول إليه، فهي تدرك أن الضربة لن تكون لها فاعلية، ربما تكون لها قيمة معنوية بالطبع؛ أولاً ديمونا يتمتّع بحماية قوية ضد الاستهداف، ثانياً من ناحيّة فنّية هو مفاعل قديم للغاية، فعمره يتجاوز ستين سنة. لا شكّ أن المفاعل أنتج كميات ضخمة من البلوتونيوم، لكن من السذاجة أن أتخيّل أن هذا المفاعل لا يزال فاعلاً حتّى الآن كما كان عند إنشائه. إسرائيل لديها، قطعاً، وسائل أخرى للتخصيب، أهمها التخصيب بالليزر، وهي رائدة في هذا المجال، وبالتالي فإنّ ديمونا ليس الأهم، كما أنّ لديها مفاعلات غيره. العالم العربي لا يعرف سوى اسم ديمونا، لأنّ له تاريخاً طويلاً معنا، وأيّ مشكلة فيه ستؤدي إلى مخاطر كبيرة، خصوصاً على الأردن كونها الأقرب، وعلى مصر أيضاً.

إن نجحت إيران في إنتاج سلاح نووي، فهل هذا جيّد أم سيّئ بالنسبة لجيرانها العرب؟ وهل يمكن أن يشجع دولاً عربية على قرار مماثل؟

البرلمان الإيراني بدأ يميل إلى قرار الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ربما لأن الوكالة لا تقوم بدورها، ولأن قراراتها مُسيّسة. إيران بدأت في أواخر التسعينيات، بينما لم تدخل أي دولة عربية في هذا المجال. الإمارات عندها أربعة مفاعلات نووية، لكن ليس لديها قدرات تخصيب، ومصر تبني أربعة مفاعلات بخبرات روسية، لكن أيضاً لا تضم إمكانيات تخصيب. امتلاك إيران لسلاح نووي ربما يؤدي إلى شيء من توازن القوى في المنطقة، وهي في النهاية دولة إسلامية، ومواقفها جيّدة بالنسبة للقضية الفلسطينية، ربما كان لها تدخلات مرفوضة في سورية وفي العراق، وإن سألت الشارع العربي تجد الغالبية داعمة لإيران ضدّ إسرائيل، خصوصاً أنّ الأجواء مشحونة بسبب ما يحصل في غزة. 

هل هناك أي موقف يمكن أن تتخذه الدول العربية لحماية نفسها من النووي الإسرائيلي؟
الدول العربية يمكنها أن تهدّد بتعليق توقيعها على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية جماعياً، لا تنسحب، لكن أن تهدّد بالتعليق، وفي حال استمرت إسرائيل على موقفها تقرّر تعليق توقيعها على المعاهدة فعلياً، وإذا استمر الأمر، يمكن أن تنسحب الدول العربية من المعاهدة جماعياً. وعندها يكون من حق كل دولة أن تفعل ما تشاء في الملف النووي. على أرض الواقع، لا تملك أي دولة عربية منشآت نووية، ولا يبدو أن أي دولة تفكر في الأمر فعلياً.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

زهران ممداني... عن "المسلم الصالح والمسلم الطالح"




27 يونيو 2025


بات النضال من أجل حقوق الإنسان يمثّل تحدّياً لافتراضاتٍ بنيت عليها الحركة العالمية لحقوق الإنسان، إذ كان الافتراض الأساسي أن انتهاك الحقوق سوف يجيء من البلدان حديثة الاستقلال، بلدان العالم الثالث، وأن فرض الحقوق سوف يكون مسؤولية القوة الكبرى، الولايات المتحدة. وجرى دعم هذا الافتراض بواسطة الاعتمادات المالية التي خصّصتها القوة الكبرى. لكن احتلال العراق قلب تلك الافتراضات رأساً على عقب، إذ ماذا علينا أن نفعل عندما تصبح القوة العظمى الوحيدة المصدر الأساسي لانتهاك حقوق الإنسان؟ ... هذا رأي الأكاديمي الأوغندي من أصل هندي، محمود ممداني، في كتابه "المسلم الصالح. المسلم الطالح... أميركا وصناعة الحرب الباردة وجذور الإرهاب"، الصادر في سنة 2004 (نقله إلى العربية فخري لبيب، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009)، ردّاً على تداعيات تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، في 11سبتمبر (2001). وقد تذكّرت الكتاب المهم بعد إعلان تصدّر نجل كاتبه، زهران ممداني (34 سنة)، انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك، والتي أصابت قواعد اليمين الأميركي الأبيض بصدمة، إذ بات ممكناً أن يتولى مسلمٌ من أصول جنوب آسيوية المنصب الهام.

وُلد زهران في 1991 في العاصمة الأوغندية كمبالا، وانتقل إلى نيويورك مع أسرته في السابعة من عمره، ورغم أنه حصل على الجنسية الأميركية في 2018، إلا أنه تمكّن من التقدّم على 11 مرشّحاً، منهم حاكم الولاية السابق أندرو كومو. ويقيني أنه متأثر بمسيرة والده الطويلة الداعمة حركات التحرّر في العالم، وبانتقاداته النزعة الاستعمارية الغربية، والهيمنة الرأسمالية على المجتمعات. ما يجعل صدمة اليمين الأبيض مبرّرة نوعاً ما. ليس ذلك فقط، فالمرشّح الشاب مناهض علناً سياسات الرئيس دونالد ترامب الرأسمالية، وداعم للتحرّر الفلسطيني، وأسّس، في أثناء دراسته الجامعية، جمعية "الطلاب الداعمين للعدالة بفلسطين"، وهو ينادي بتطبيق سياسات مثل جعل المواصلات العامة مجانية، وتجميد زيادات الإيجارات، وتحصيل مزيد من الضرائب من ذوي الدخل المرتفع، ما عرضه لحملة تشويه كبيرة جعلت من انتقاده لإسرائيل معاداة للسامية، في حين تضم نيويورك أكبر عدد من اليهود خارج الشرق الأوسط، كما جلبت عليه غضب رجال الأعمال والمليارديرات الذين يعيشون في ذات المدينة. ولا يمكن أيضاً تجاهل التركيبة العرقية والاجتماعية والثقافية لزهران ممداني، فوالده أوغندي الجنسية صاحب الأصول الهندية أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا العريقة، ووالدته المخرجة السينمائية الهندية ميرا ناير، وقد تزوّح أخيراً من الفنانة السورية راما دوجي، ويدعمه بالأساس الشباب والملونون واللاتين، ومعهم السناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكسندريا أوكازيو كورتيز. ولكن كل هذا التمايز يستخدم ضده أيضاً، فاليمين الأبيض يعتبره مرشّحاً من خارج السياق الاعتيادي، وهناك من يستخدمون، بفجاجة، ميراث العنصرية المتجذّر، والذي يعتبر أي ملوّن، وأي مسلم، شخصاً طالحاً.

المرشّح الشاب زهران ممداني مناهض علناً سياسات الرئيس دونالد ترامب الرأسمالية، وداعم للتحرّر الفلسطيني

يعيدنا هذا إلى كتاب محمود ممداني، وهو مهم للغاية في السياق الشرق أوسطي الملتهب، والذي يكتوي بنار العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركيا وغربياً على غزّة، وتداعياته التي تشمل ما جرى مع حزب الله في لبنان، وما جرى أخيراً من عدوان على إيران، وكلها مدعومة غربياً، سياسيا وعسكرياً. يقول ممداني في كتابه إن أحد الأمور الأساسية التي جعلته يقرّر إنجازه "إشارة قيلت من دون انتباه" حسب وصفه، حول "الحرب الصليبية"، في إشارة إلى ما قاله الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، عقب غزو العراق، حين فرق بين "مسلمين صالحين" و"مسلمين طالحين"، وأن المسلم الطالح هو المسؤول عن الإرهاب، بينما يشتاق المسلم الصالح إلى تبرئة اسمه من هذه الجريمة الرهيبة، وأن المسلمين الصالحين سوف يدعمون أميركا من دون شك في الحرب. ويرى الكاتب أن هذا التصريح "كان عجزاً عن إخفاء الرسالة الأساسية لهذا الخطاب الذي يفترض أن كل مسلم طالح، ما لم يثبت أنه صالح، وأن كل المسلمين قد أصبحوا ملزمين أن يثبتوا أنهم صالحون بالالتحاق بالحرب ضد المسلمين الطالحين". ويكتب: "أحكام الصالح والطالح تشير إلى الهوية السياسية للمسلم، لا إلى هويته الثقافية أو الدينية. هؤلاء الذين فكروا في الهوية الثقافية، والآن في الهوية الدينية، باعتبارها متميزة عن الهوية السياسية، لا ينسون المأزق الذي واجهه المجندون إجبارياً لحساب القوة الغربية. ألم يكن اليهودي العلماني في أوروبا وأميركا، ثم في ألمانيا النازية، مجبراً على الإقرار بأن الحداثة الغربية قد حوّلته من مجرد هوية ثقافية ودينية إلى هوية سياسية؟ ألم تكن الصهيونية التاريخية هي رد اليهود العلمانيين الذين أقنعوا بأن اختياراتهم السياسية مقصورة على هذه الهوية السياسية التي فرضت عليهم؟".

وفي مقدمته المكتوبة خصيصاً للنشر في الترجمة العربية من الكتاب، كتب محمود ممداني: "ليس هناك مسلمون صالحون متاحون في الحال، وقد انشقّوا عن المسلمين الطالحين، الأمر الذي يسمح بعناق الأولين، ونبذ الآخرين. تماماً، كما أنه ليس هناك مسيحيون أو يهود صالحون انشقّوا عن الطالحين منهم. افتراض وجود مثل هذه الأنساق يخفي رفض مخاطبة فشلنا الخاص في تقديم تحليل سياسي لأزماتنا".

ينتقد محمود ممداني الحديث عن الأصولية الدينية بوصفها نسقاً سياسيّاً، أو ربطها بـ"الإرهاب السياسي"

في موضع آخر من الكتاب، يشرح ممداني مصطلح الأصولية: إنه "تعبير ابتدع في العشرينات داخل الدوائر البروتستانتية في الولايات المتحدة، وهي مثل مذهب المحافظين، ظهرت في المشهد في فترة متأخّرة، وكما كانت المحافظة مجرّد رد فعل سياسي على الثورة الفرنسية، وليست ردّة إلى أزمان ما قبل الحداثة، كذلك كانت الأصولية أيضاً، رد فعل في إطار الدين للأوضاع السياسية المتغيرة. هناك فرق بين الأصولية المسيحية التي ظهرت في العشرينات في أميركا، والمسيحية السياسية التي هي ظاهرة نشأت في أميركا أيضاً بعد الحرب العالمية الثانية". ويضيف: عندما نتحدّث عن الأصولية الإسلامية، فالأمر يكون مضلّلاً، على الأقل، فيما يتعلق بالاتجاه السائد للإسلام السني، حيث إنه لم يضع ترتيباً هرمياً دينياً موازياً للترتيب الهرمي للدولة العلمانية، كما فعلت المسيحية التاريخية؛ لذا افتقد هذا الاتجاه مشكلة العلمانية. يمكن تطبيق الأصولية على أنماط الإسلام الشيعي، والتي طورت بالفعل تراتباً هرمياً إسلامياً.

ينتقد ممداني الحديث عن الأصولية الدينية بوصفها نسقاً سياسيّاً، أو ربطها بـ"الإرهاب السياسي"، ويقول: يجب تمييز الأصولية بما هي ظاهرة دينية عن تلك التطورات السياسية التي وصفت وصفاً جيداً، كالمسيحية السياسية، والإسلام السياسي. الأصولية الدينية تشبه حركة مضادة للثقافة، وليست حركة سياسية، ومشكلة استخدام تعبير الأصولية لوصف تلك الحركات، أنها تميل إلى مساواة الحركات التي تشكلت في سياقات تاريخية وسياسية مختلفة جذرياً، وطمس فروقها العقائدية، بما في ذلك موقع العنف في عقيدتها الدينية.

يرفض الكاتب أيضاً افتراض أن كل حركة سياسية تتحدّث لغة الدين حركة إرهابية محتملة. ويرى أن "الدليل إلى طبيعة الحركة السياسية لا يكمن في لغتها، لكنه يكمن في أجندتها، وكما أنتجت بداية المسيحية السياسية بعد الحرب العالمية الثانية في أميركا حركات متنوّعة، مثل حركة الحقوق المدنية وحركات الحقّ المسيحي، كذلك فعلت بداية الإسلام السياسي في أثناء الحرب الباردة، إذ أدّت إلى نشوء حركاتٍ ذات أجندات سياسية متباينة، بل وحتى متناقضة. الحركات المعتدلة تنظم وتثير مستهدفة الإصلاح الاجتماعي في إطار السياق القائم، أما الحركات الراديكالية فتهدف إلى كسب سلطة الدولة، إذ وصلت إلى نتيجة مؤدّاها أن الوضع السياسي القائم هو العقبة الرئيسية أمام الإصلاح الاجتماعي".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

آلاء النجّار... فلسطينية من "شعب الجبّارين"




27 مايو 2025 


في سنوات مراهقتي، كنت مفتوناً بشخصية الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (1929- 2004)، فالرجل كان مفوّهاً، يمتلك كاريزما افتقرَ إليها كثيرون من حكّام العرب آنذاك، وما يزالون. ربما كنت معجباً أيضاً بإصراره على ارتداء الزي العسكري مع الكوفية الفلسطينية غطاءَ رأسٍ تقليدياً. كان هذا قبل نحو ثلاثة عقود، لكنّني لا أزال أتذكّر تكراره وصف الفلسطينيين في خُطَبه بـ"شعب الجبّارين"، وكان عادة ما يتبعها بمقولة "يا جبل ما يهزّك ريح". وبصفتي أزهريّ النشأة والتعليم، كنت أفهم مصدر صفة "الجبّارين"، المأخوذة من القرآن الكريم (سورة المائدة: 22): "وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ". اقتبسها "أبو عمّار"، واعتمدها في خطبه لأنها معبّرة للغاية عن موقفه مقاوماً فلسطينياً يدرك أن شعبه سينتصر حتماً على "بني إسرائيل"، ويبشّر مواطنيه بتحقق ذلك يوماً ما.

فقْدُ أمّ تسعة أطفال في لحظات ليس خبراً عاديّاً، وإنما خبر يستحقّ التوقّف عنده طويلاً

مع مرور السنوات، ومع التعمّق في المسألة الفلسطينية، تغيّرت تقييماتي لبعض مواقف "أبو عمّار". رغم ذلك، لا يمكن بحال مقارنة مواقفه النضالية بما يفعله رأس السلطة الفلسطينية الحالي، الرئيس محمود عبّاس. ذكّرتني بـ"شعب الجبّارين" قصةُ الطبيبة الفلسطينية آلاء النجّار، الأم الثكلى، التي فقدت تسعةً من أطفالها في قصف إسرائيلي دمّر منزلهم في خانيونس. ولأنني أب لشابَّين، لا يمكنني تخيّل كيف يمكن لإنسان طبيعي أن يتحمّل فقد هذا العدد من أبنائه دفعة واحدة. هذا حملٌ تنوء به الجبال، فما بالك بامرأة في منتصف العقد الثالث من عمرها. تذكّرت عندها مقولة "أبو عمار"، وزاد يقيني بأن نساء فلسطين لسْنَ مثل بقيّة نساء العالم، إذ ينتمين إلى "شعب الجبّارين"، وفي مقدّمتهنّ نساء قطاع غزّة.
درست آلاء النجّار الطبّ، وتخرجت طبيبةَ أطفال، وكانت حين وقعت الفاجعة في عملها في مجمع ناصر الطبي، تزاول مهنتها المقدّسة، التي تتطلّب في غزّة قدراً كبيراً من الشجاعة. وهي، في الوقت نفسه، زوجة طبيب، وتدير معه عيادة طبية خاصّة خارج أوقات دوامها الرسمي. رغم تلك المهام كلّها، التي يعتبرها كثيرون معوّقات، أنجبت السيّدة الفلسطينية عشرة أطفال، خلال 12 سنة فقط. وللعلم، كانوا 11 طفلاً، لكنّها فقدت أحدهم قبل أن يتجاوز عمره الشهرَين، قبل أربعة أشهر.
يحاجج كثيرون بأن كثرةَ الإنجاب ثقافةٌ رائجة في المجتمع الفلسطيني، ويربطها بعضُهم بأبعاد ديموغرافية، ولا يمكن إنكار ذلك، لكن يظلّ إنجاب هذا العدد الكبير من الأطفال في سنواتٍ قليلةٍ أمراً صعباً. تقريباً، أنجبت النجّار طفلاً كلّ سنة. هل هذه برأيكم مواصفات امرأة عادية؟... بالطبع لا. إنها امرأة فلسطينية، واستثنائية، ومن غزّة، ومن "الجبّارين".
يحاول بعضهم تشبيه مأساة آلاء النجّار بما عاشته الصحابية والشاعرة تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية، الملقّبة بـ"الخنساء"، وهي شخصية يَضرب بها العرب المثل في الصبر على الفقد. لكن هذا التشبيه لا يستقيم في رأيي، فالخنساء فقدت أولادها الأربعة، وآلاء فقدت تسعة، وأولاد الخنساء كانوا شبّاناً، بينما أبناء آلاء كانوا أطفالاً، أكبرهم يحيى لم يتجاوز عمره 12 سنة، وأصغرهم الطفلة سيدرا، التي لم يتجاوز عمرها ستّة أشهر. وأبناء الخنساء استشهدوا في حروب القادسية ضدّ الفرس، بينما أطفال آلاء استشهدوا تحت ركام قصف إسرائيلي غادر. أيتهما إذاً تستحقّ أن تكون مضرباً للمثل؟ الخنساء أم آلاء؟ تربح آلاء الرهان.

الطبيبة آلاء النجّار امرأة فلسطينية، واستثنائية، ومن غزّة، ومن "شعب الجبّارين"

خلال ساعات، تحوّلت قصة فقد آلاء النجّار أطفالها إلى أيقونة إعلامية، وتداولتها مختلف وسائل الإعلام الكُبرى، ففقْدُ أمّ تسعة أطفال في لحظات ليس خبراً عاديّاً، وإنما خبر يستحقّ التوقّف عنده طويلاً، حتى لو كان الشأن الفلسطيني ليس من بين ما تركّز فيه وسائل الإعلام العالمية، والمنحازة في غالبيتها إلى إسرائيل، وعادة ما تعتمد الرواية الصهيونية، رغم ثبوت أنها كاذبة ومضلّلة مئات المرّات، لكنّه الهوى الغربي الصهيوني.
الأكثر أهميةً أن تكون دماء أطفال النجار الشهداء، ولوعة قلبها المحترق، سببَين في إشعال الغضب العالمي المتزايد ضدّ الجنون الصهيوني، وأن تسهم في تزايد المطالبات بوقف المذبحة الجارية في غزّة، وألّا يتجاهل الرأي العام العالمي القصّة الدامية سريعاً، بعد أن أثبت على مدار نحو 600 يوم أنه لا يهتم كثيراً بمصير أطفال غزّة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

إسرائيل في الدراما العربية: الموقف الرسمي يُهيمن على المسلسلات

من مسلسل أم هارون (MBC)



22 مارس 2025


يكرّر صنّاع الدراما العربية على جمهورهم أن أعمالهم بمثابة صدى للقضايا الراهنة، وإن كان ذلك مثارَ انتقادات واسعة وخلافات وإشكالات تتجدد، لكن على مدار عقود طويلة سابقة، ظلت القضية الفلسطينية موضوعاً لا يختلف فيه أو عليه صنّاع الدراما العرب، وبقيت حاضرة بقوة، في السينما أولاً، ثم في الدراما التلفزيونية مع فورة انتشارها بحلول نهاية تسعينيات القرن الماضي، حين تحول شهر رمضان إلى موسم العرض الأهم سنوياً. وللمفارقة، لم يؤثر في ذلك مسار التطبيع المصري ثم الأردني، إذ ظلت الأعمال الدرامية عصية على التطبيع مع إسرائيل، وأُنتجت أعمالٌ تلفزيونية عدة لا يزال الجمهور العربي يتذكرها، بل ويستعيدها، من بينها كأمثلة مسلسل "دموع في عيون وقحة" (1980) للمؤلف صالح مرسي والمخرج يحيى العلمي، ومسلسل "رأفت الهجان" بأجزائه الثلاثة لنفس المؤلف والمخرج الذي بدأ عرضه في 1988، والمسلسلان أنتجهما التلفزيون المصري، ومسلسل "عز الدين القسام" (1981) عن قصة أحمد دحبور وإخراج هيثم حقي، ومسلسل "التغريبة الفلسطينية" (2004) تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي، ومسلسل "الاجتياح" (2007) تأليف رياض سيف وإخراج شوقي الماجري، ومسلسلات تاريخية تناولت شخصية محرر القدس صلاح الدين الأيوبي وغيرها.

لكن العقد الأخير شهد تحولاً كبيراً في التعامل الدرامي مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفاً عروبياً، ويمكن إرجاع ذلك إلى أسباب متباينة، من بينها انحسار، أو بالأحرى، هزيمة الربيع العربي، ثم موجة التطبيع الجديدة التي أطلق عليها "اتفاقات أبراهام"، وقبل هذا وذاك، وإن بتأثير أقل، اعتماد كثير من الأنظمة العربية خطاب جعل إيران العدو الأخطر، لا إسرائيل، ويقف خلف هذا ضغوط وتهديدات أميركية، بعضها مبطنة وأكثرها صريحة.

وخلال السنتين الماضيتين، وكذا في رمضان 2025، لم تنتج مراكز صنع الدراما العربية الكبرى للعرض في شهر رمضان، أعمالاً درامية تتناول القضية الفلسطينية، على الرغم من إعادة "طوفان الأقصى" القضية إلى واجهة الأحداث الإقليمية، وحضورها العالمي الطاغي بعد اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. يصعب اعتبار ذلك موقفاً اتخذه صنّاع الدراما بمفردهم من دون تدخل فوقي سلطوي، فالسياق الطبيعي للصناعة، وكذا منطق الربح والجماهيرية، يفرضان عليهم استغلال حالة التضامن الواسعة مع الشعب الفلسطيني لإنتاج أعمال تدعم نضاله، أو تذكر بالعدو الحقيقي، وخطره المحدق بالإقليم كله. لكن أياً منهم لم يفعل ذلك، ربما جهلاً بدورهم في التنوير ودعم قضايا شعوبهم المحقة، وربما، وهذا غالب الظن، خشية من غضب الحكام، خصوصاً المطبعون منهم.

لتوضيح هذا السياق، هناك بعض الوقائع اللازمة لفهم الحالة. في رمضان 2015، أحدث موضوع المسلسل المصري "حارة اليهود" للمخرج محمد العدل جدلاً واسعاً، واعتبر نتيجة مباشرة للتقارب بين السلطات المصرية والكيان الصهيوني، وأكد كثيرون أنه لم يكن لصانع دراما مصري أن يقدم مسلسلاً يتبنى وجهة نظر مماثلة إلا لثقته برضا السلطات الحاكمة عن ذلك، مذكّرين بتاريخ طويل من الأعمال السابقة التي كانت تتبنى وجهة نظر مغايرة، وتقدم اليهودي عموماً، ويهود مصر خصوصاً، باعتبارهم شخصيات سيئة بالمطلق، وتسبغ عليهم صفات قميئة مثل الطمع أو البخل أو الكذب، وصولاً إلى اتهامهم صراحة بالخيانة أو التآمر، وذلك على غرار شخصية "شايلوك" في رائعة ويليام شكسبير (تاجر البندقية).

وفي 2020، وهو عام توقيع "اتفاقات أبراهام"، كان النزوع إلى التطبيع الدرامي أكثر وضوحاً، وبرزت مسلسلات رمضانية تناولت العلاقة مع إسرائيل، أو تاريخ اليهود في المنطقة العربية، مثل مسلسل "أم هارون" للمخرج محمد العدل، وهو نفسه مخرج مسلسل "حارة اليهود"، وبطولة حياة الفهد التي قدمت دور طبيبة يهودية كانت تعيش في الكويت في أربعينيات القرن الماضي، وصور المسلسل في الإمارات لصالح شبكة إم بي سي السعودية (MBC)، وكذلك المسلسل السعودي "مخرج 7" للمخرج أوس الشرقي، الذي استعرضت إحدى حلقاته موقف الأب الأربعيني (ناصر القصبي) من طفله الذي ينخرط في ألعاب إلكترونية مع طفل إسرائيلي. في رمضان 2020 نفسه، عرض المسلسل المصري "النهاية" للمخرج ياسر سامي وبطولة يوسف الشريف، الذي كتبه عمر سمير عاطف مؤلف فيلم "أولاد العم" (2009)، واعتمد صيغة "الخيال العلمي"، ربما هرباً من الرفض الرسمي لإنتاجه، إذ تنبأت الحلقة الأولى منه بـ"زوال إسرائيل" بعد تفكك الولايات المتحدة، من خلال مشهد يتحدث فيه مدرس لتلاميذه عن "تحرير القدس" عبر حرب عربية خاطفة انتهت بهروب اليهود إلى بلدانهم الأصلية في أوروبا.

للمقارنة، خلال العقود السابقة، كان حضور القضية الفلسطينية، والعداء العربي للكيان الصهيوني أشد وضوحاً مقارنة مع ما نشاهده خلال العقد الأخير، وكان صناع الدراما يتحسبون من غضب الجهور، وفي حال شذ أحدهم عن السياق، كان يواجه بهجوم جماهيري ونقدي واسع. يمكننا في هذا السياق تذكر الهجوم على فيلم "ريح السد" (1986) للمخرج التونسي نوري بوزيد فيلمه لمجرد أنه قدم شخصية يهودية طيبة، بينما اعتاد الجمهور العربي على تقديم اليهودي سيئاً، أو السخرية منه، وكذلك الهجوم على فيلم "سجل اختفاء" (1996) للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، الذي كان مشهده الختامي يظهر علم إسرائيل مرفرفاً، وقبل ذلك فيلم "إسكندرية ليه" (1979) للمخرج يوسف شاهين الذي قدم شخصيات يهود مصريين إيجابية في استعراضه للمجتمع متعدد الثقافات والأصول في مدينة الإسكندرية خلال أربعينيات القرن الماضي.

يظل استعراض قضايا الشعوب وهمومها أحد أدوار الدراما الأساسية إلى جانب الترفيه، لكنّ أحداً لا يمكنه إنكار أن صناعة الدراما حول العالم لها علاقة وثيقة بالسياسات والاقتصاديات، ما يعني أنها تخضع لسطوة الحكومات والممولين. وحتى في الدول التي يزعم سكانها التمتع بقدر أكبر من الحرية في إبداء الرأي والتعبير عن المواقف، لا يملك صنّاع الدراما إلا هامشاً صغيراً من الحرية، وهم ينساقون إلى توجهات السلطات، وسطوة المنتجين، باستثناء نماذج نادرة. ويندرج ضمن ذلك ما أنتجته هوليوود من أعمال حول حرب فيتنام، والأفلام التي تتناول الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان، وما تنتجه بوليوود من أعمال تمجد الجيش الهندي وتتهجم على الجارة باكستان، إلى غير ذلك من النماذج العالمية المعروفة.

عربياً، يظل الحال أكثر بؤساً، إذ إن صناع الدراما، من المحيط إلى الخليج، يخضعون بالكلية للمواقف الرسمية، وفي أحيان كثيرة تعد أعمالهم صدى لما تردده السلطات عبر الإعلام الرسمي، وللسخرية قد تتغير موضوعاتها بصورة فجّة فور تغيّر السلطات، ومن ذلك بدء تصوير مسلسل في دمشق أخيراً بعنوان "قيصر"، يروي بعضاً من سيرة مسرّب صور الفظائع التي كانت تحدث في سجون نظام الأسد، وذلك قبل أن يمضي شهران على سقوطه وتحرر سورية من قبضته.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

زهران ممداني... العدالة الاجتماعية موروثاً فكرياً



العربي الجديد

09 نوفمبر 2025 


في الصفحات الأولى من كتابه المهم "لا مستوطن ولا مواطن: صنع أقليات دائمة وتفكيكها" (نقله إلى العربية عبيدة غضبان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2023)، كتب الأكاديمي والمفكّر محمود ممداني إهداءً إلى ابنه: "إلى زهران، لقد علمتنا كيف نشتبك بالعالم في أوقات عصيبة. لعلك تلهم بالكثير وتنير المسير"... والأربعاء الماضي، فاز زهران ممداني (34 سنة)، المهاجر المسلم الحاصل على الجنسية الأميركية قبل سبع سنوات فقط، بمنصب عمدة نيويورك، أهم مدن الولايات المتحدة، وإحدى أهم مدن العالم، ما مثّل حدثاً كبيراً في السياسة الأميركية، قارنه بعضهم بفوز باراك أوباما بالرئاسة ليكون أول رئيس أميركي ملوَّن. لا أحد يعلم على وجه اليقين، ما إذا كان ممداني سيلهم بالكثير وينير المسير، كما توقّع والده في كتابه (صدر بالإنكليزية في 2020).
يبدي زهران دعماً واضحاً للأقليات والمهاجرين، ويتحدّى اليمين المتطرّف وجماعات الضغط الرأسمالية، وقد وعد الناخبين بسياسات اجتماعية. ويعتقد كثيرون أن العمدة الشاب الذي سيتسلم مهام منصبه بداية العام المقبل سيكمل طريقه في المسار الذي خطّه لنفسه، بينما يخشى بعضهم أن يبدّل قناعاته، ويخالف تلك المبادئ، تحت ضغوط الواقع السياسي، أو نتيجةً لسطوة الشخصيات الرأسمالية، وفي مقدمتها الرئيس دونالد ترامب، أو حتى طمعاً بالبقاء في السلطة. ولأفكار محمود ممداني تأثير كبير في طريقة تفكير ابنه، عمدة نيويورك الجديد، وخصوصاً أن مُنتَجه الفكري يركّز عموماً على تفكيك الخطاب الاستعماري، ومناقشة نظريات القوميين واليمين المتطرّف، والدعوة إلى إرساء المواطنة الكاملة، والحقوق المتساوية للبشر كافّة.

كتاب محمود ممداني استقصاء عن الحداثة السياسية بشكليها الاستعماري وما بعد الاستعماري

وتشكّل أطروحات ممداني الأب، وخصوصاً في "لا مستوطن ولا مواطن"، الأساس الفكري لمقاربة زهران للعدالة الاجتماعية، إذ تؤثّر رؤية الأب، حول محدودية الليبرالية في معالجة إرث الدولة الاستعمارية، في الابن، فيدفع زهران باليسار إلى ما هو أبعد من مجرّد "سياسة التمثيل"، وصولاً إلى الاهتمامات المادّية الملموسة، مثل تجميد الإيجارات. ويشترك زهران مع والده في التزام قضايا ما بعد الاستعمار والعدالة العالمية، ويتجلّى ذلك في مواقفه المؤيِّدة للقضية الفلسطينية، ووصفه إسرائيل بدولة فصل عنصري، وهو موقفٌ يتوازى مع تحليلات والده في "لا مستوطن ولا مواطن"، الذي يركّز على النموذج الإسرائيلي حالةً مستمرّةً للاستعمار الاستيطاني.
يصف محمود ممداني كتابه بأنه "استقصاء عن الحداثة السياسية بشكليها الاستعماري وما بعد الاستعماري، وبحث في جذور العنف المفرط الذي ابتُليت به المجتمعات ما بعد الاستعمارية". وهو يدحض افتراض أن القومية سابقةٌ على الاستعمار، مؤكّداً أن الاستعمار والقومية وجهان لعملة واحدة، وأن الدولة القومية تؤدّي، بالضرورة، إلى تشكّل أقليات محكومة ببنية قائمة على سلب الحقوق والحرمان من المواطنة الكاملة. ويقدّم الكتاب قراءةً مغايرةً للتاريخ الاستعماري عبر ربطه بالحداثة السياسية، كذلك يمثّل إطاراً نظرياً لفهم العنف السياسي في المجتمعات المعاصرة استناداً إلى تجارب تاريخية، ويمكن أيضاً اعتباره دعوةً إلى التفكير النقدي في مفاهيم الدولة والوطنية والمواطنة، إذ يطرح أسئلةً جوهريةً بشأن طبيعة العدالة والتاريخ والذاكرة في عالم ما بعد الاستعمار، ويقدّم مساهمةً مهمة في فهم ديناميكيات القوة والهُويَّة في عالمنا المعاصر.
وبينما يشهد العصر الحالي صعوداً للقوميات المتطرّفة، واستمراراً للصراعات الاستعمارية، وتبعاتها، مثل اللجوء، يقدّم الكتاب إطاراً نظرياً وتاريخياً لفهم هذه الظواهر، وللتفكير في بدائل أكثر عدالة وإنسانية تقوم على مواطنة شاملة تتجاوز الهُويَّات العرقية والدينية، في ديمقراطية تشاركية حقيقية.
في الكتاب أيضاً، يرفض محمود ممداني السردية التقليدية التي تحدّد بداية الدولة الحديثة بتوقيع "معاهدة وستفاليا" في عام 1648، التي يُقال إنها أنهت الحروب الدينية في أوروبا، وأرست مبدأي التسامح الديني داخلياً وضمان السيادة المتبادلة خارجياً. بينما يُرجع الكاتب اللحظة المُؤسِّسة للدولة الحديثة إلى 1492، العام الذي شهد ولادة الدولة الأمّة في شبه الجزيرة الأيبيرية، بالتزامن مع بداية عمليات التطهير العرقي للمسلمين واليهود، وشهد كذلك غزو الأميركيَّتَين وبداية عصر الاستعمار الأوروبي. ويؤكّد ممداني (الأب) أن الدولتَين، القومية والاستعمارية، خلق بعضهما بعضاً، وأنهما وجهان لعملة واحدة، وليستا متعاقبتَين تاريخياً كما يفترض بعضهم عادةً، وأنهما بُنيتا بشكل متبادل عبر التاريخ من خلال تسييس أغلبية دينية أو عرقية على حساب أقلية مصنوعة.
كذلك يقدم الكتاب مفهوماً جديداً لوصف الاستراتيجية الاستعمارية الحديثة، "عرّف تسد"، بدلاً من الصيغة الرومانية القديمة "فرّق تسد". فالإمبراطورية البريطانية دفعت الاستراتيجية خطوة إلى الأمام من خلال التصنيف الاستعماري المُنتِج للعنف، فتعرّف الهُويَّات بشكل جامد، ومن ثمّ استخدامها أدواتٍ للسيطرة. ويشدّد ممداني على أن "الدولة القومية ليست حلّاً للتنوع، بل هي المشكلة، إذ تنتج أغلبيات وأقليات دائمة". ويؤكّد أن ثنائية المستوطن/ المواطن الأصلي، فئتَين متصارعتَين، بناء سياسي وليست حقيقة طبيعية، وأنها صُنِعتْ لتبرير السيطرة. بينما فكرة الدولة التي تمثّل أمّةً واحدةً متجانسةً عرقياً أو دينياً فكرةٌ خيالية.
ويناقش الكتاب، في فصله الخامس، إسرائيل نموذجاً للعنف الاستعماري الاستيطاني المستمرّ، فبينما ينظر الصهاينة إلى أنفسهم سكّاناً أصليين عائدين، يشكّل اليهود العرب تحدّياً للصهيونية، التي تفترض أن الهُويَّة العربية واليهودية متعارضتان. وينتقد الكتاب "حلّ الدولتَين" لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن "الحكم الاستعماري غير المباشر" هو أصل فكرة "حلّ الدولتَين"، قائلاً: "المشروع الصهيوني استلهم النموذج الأميركي في التعامل مع السكّان الأصليين، فإمّا الإزالة المادّية وإما الإزالة القانونية من خلال إنكار الحقوق السياسية". وهو يطرح مفهوم "البقاء" بديلاً من تصنيف "المستوطن/ الأصليين"، وهو مفهوم استوحاه من تجربة جنوب أفريقيا.
فيما ترى الباحثة مريم الهاجري أن هناك إشكالاً صريحاً في محاولة ممداني إعادة إنتاج الحلّ في جنوب أفريقيا ضمن السياق الفلسطيني، المنطلق من تجاوز عنف الدولة القومية عبر المساواة بين الجاني والضحية، من دون أيّ محاسبة أو معاقبة. وكتبت الهاجري في تحليلها ("عمران"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، العدد الـ38، نوفمبر/ تشرين الثاني 2021): "رغم فكرة أن القومية التي ولدت، ظاهرةً ومفهوماً، في سياق أوروبي، تقوم في الأساس على العنف، فإن النتائج التي يخلص إليها المؤلّف انطلاقاً من هذه الحجّة إشكالية، خصوصاً أننا نستعملها في سياق دولة استيطانية استعمارية، إذ تشير، عن قصد أو من غير قصد، إلى أن المجتمعات المُستعمَرة لم تكن لديها سلطة أو رأي في تطوير هُويَّتها، وعلاوة على ذلك، فإنه لم يتطرّق إلى أن الجماعات المُستعمَرة استخدمت القومية التي فرضتها عليها الحداثة، وسيلةً للتحرّر والمطالبة بتقرير المصير والسيادة في عالم ينتظم على نحو متزايد حول الدولة القومية".

يذهب الكتاب إلى أن الدولة القومية ليست حلّاً للتنوع، بل هي المشكلة، إذ تنتج أغلبيات وأقليات دائمة

يناقش ممداني أيضاً فكرة خلق "أقلّيات دائمة"، وأنها ليست مجرّد مجموعاتٍ صغيرة عددياً، بل مجموعات مُنحت هُويَّةً سياسيةً تجعلها دائماً في وضعية الضعف والتهديد، ومُستبعَدة من مفهوم "الأمّة"، ومن أمثلة هذه الأقليات يهود أوروبا، والسود والهنود الحمر في الولايات المتحدة، والمسلمون والهندوس في شبه القارّة الهندية، والعرب في فلسطين مثالاً معاصراً صارخاً على تحوّل الفلسطينيين "أصليين" محرومين من الحقوق، وتحوّل اليهود "مستوطنين" يحظون بالحقوق كلّها.
ويشرح كيف أن الدولة القومية الحديثة تعمل، في أحيانٍ كثيرة، "دولة مستوطنين" بالنسبة إلى بعض سكّانها، و"دولةً أمّةً" بالنسبة إلى الآخرين الذين تحرمهم من الحقوق. ويشدّد على أن هذا التناقض مصدر العنف المستمرّ. ويضرب مثالاً الحالة السودانية، وكيف أن سياسات الحكم غير المباشر البريطانية عمّقت الفجوة بين العرب في الشمال، والأفارقة في الجنوب، ما أدّى إلى حروبٍ أهلية طويلة، ثمّ انفصال جنوب السودان. ويرى أن المواطنة المتساوية هي البديل لتحويل الجميع مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات تحت مظلّة دولة مدنية واحدة. ويقول: "المشكلة ليست في وجود أناس من خلفيات مختلفة في أرض واحدة، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى أساس للتمييز السياسي والحرمان من الحقوق".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

ترهيب الجامعات الأميركية... نورث ويسترن فرع قطر نموذجاً



من اعتصام طلاب جامعة نورث ويسترن، إلينوي، 25 إبريل 2024 (جاسك بوكزارسكي/الأناضول)


العربي الجديد

10 سبتمبر 2025 

أعلن رئيس جامعة "نورث ويسترن" الأميركية، مايكل شيل، الخميس الماضي (4 سبتمبر/ أيلول)، استقالته على خلفية ضغوطٍ من إدارة الرئيس دونالد ترامب، شملت إلغاء التمويل الفيدرالي للجامعة، وضغوط متكرّرة من الكونغرس، جديدها مقابلة استجواب أجرتها معه لجنة التعليم والقوى العاملة بمجلس النواب في 5 أغسطس/ آب الماضي، ونشر محضرها في 26 الشهر نفسه.

وقال شيل، في بيان استقالته، إن "الوقت مناسب لقيادة جديدة لتوجيه نورث ويسترن نحو المستقبل. أدرك أن المشكلات لا تزال قائمة، خصوصاً على المستوى الفيدرالي. ولكن من الضروري أن نستمرّ في حماية البحث العلمي مع الحفاظ على الحرّية الأكاديمية والنزاهة والاستقلالية".
وشهدت مقابلة الاستجواب اتهام إدارة الجامعة بالتمييز ضد الطلاب اليهود خلال الاحتجاجات المرتبطة بالعدوان على قطاع غزّة، أكبرها اعتصام نظم داخل حرم الجامعة في إيفانستون بولاية إلينوي، في إبريل/ نيسان 2024، لدعم القضية الفلسطينية ورفض الحرب الإسرائيلية على غزّة، فضلاً عن انتقاداتٍ تطاول فرع الجامعة في قطر.

عاش مايكل شيل أشهراً صعبة تخلّلها تجميد 790 مليون دولار من تمويل الأبحاث الفيدرالي، ما اضطرّ الجامعة إلى تسريح مئات من الموظفين

وخضع شيل للاستجواب بطلب من عضو الكونغرس الجمهوري تيم والبرغ، والذي أثار ضجّة واسعة في نهاية مارس/ آذار 2024، عندما سئل عن إرسال بلاده مساعداتٍ إلى غزّة، فقال: "لا أعتقد أنه ينبغي لنا ذلك. لا ينبغي لنا أن ننفق سنتاً واحداً على المساعدات الإنسانية". مضيفاً "يجب أن تكون غزّة، مثل ناغازاكي وهيروشيما. اقضوا عليها بسرعة"، في إشارة إلى إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على المدينتين اليابانيتين في 1945، والذي كان سبباً في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكشفت صحيفة نيويورك تايمز أن مايكل شيل عاش أشهراً صعبة تخلّلها تجميد 790 مليون دولار من تمويل الأبحاث الفيدرالي، ما اضطرّ الجامعة إلى تسريح مئات من الموظفين، والخضوع لاستجواب بعد أقل من 75 يوماً على خضوعه لجلسة استماع علنية في الكونغرس، في 23 مايو/ أيار الماضي.
وباستقالته، ينضم شيل إلى رؤساء جامعات أميركية آخرين قدّموا استقالاتهم على خلفية احتجاجات الطلاب، رغم أن جامعاتهم لم تتسامح مع التظاهرات، جديدهم أخيراً رئيس جامعة فيرجينيا الأميركية العامة، جيم رايان، والذي استقال في 27 يونيو/ حزيران الماضي، ورئيسة جامعة كولومبيا، نعمت شفيق، التي استقالت في 14 أغسطس/ آب 2024، ورئيسة جامعة بنسلفانيا، ليز ماغيل، والتي استقالت في 9 ديسمبر/ كانون الأول 2023، فضلاً عما تعرضت له جامعات مرموقة، من بينها هارفرد وكولومبيا، من ضغوط وقيود وتجميد تمويل.
ويبرز محضر الاستجواب الذي خضع له رئيس الجامعة المستقيل، واطلعت عليه "العربي الجديد"، كيف أن تهمة "معاداة السامية" باتت وسيلةً لمعاقبة من لا يخضع لتوجّهات إدارة ترامب، وأيضاً، كيف يوجّه اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط اليهودية، مثل رابطة مكافحة التشهير، السياسات العامة في الولايات المتحدة، متجاوزةً كل الخطوط الحمراء الخاصة باستقلالية البحث العلمي وحرّية التعبير.

وسألت اللجنة شيل عن اعتصام طلاب الجامعة الداعم للقضية الفلسطينية، في إبريل/ نيسان 2024، بما في ذلك مزاعم متعلقة بحوادث معادية للسامية وقعت خلاله، منها تعرّض طالب يهودي للمضايقة أو الاعتداء، فأجاب بأنه ليس لديه معرفة محدّدة ببعض الحوادث، وأن بعضها لم يتم إثباتها بشكل كامل.
وحول الإجراءات التأديبية المتخذة بحقّ الطلاب المعتصمين، انتقدت اللجنة عدم فصل الجامعة أي طالب رغم مرور أكثر من عام على الاعتصام، أكد أنه لم يتم تعليق أو فصل أي طالب بسبب السلوك خلال الاعتصام، وأن عدم فصل أحدٍ "لا يعني أن الطلاب لم يتلقّوا عقوبات تأديبة. بل تم تطبيق التأديب على طلابٍ عديدين".

كشف شيل أن الجامعة حدّثت سياساتها الداخلية لتتوافق مع تعريفات وزارة التعليم للتمييز والمضايقة، بما في ذلك دمج تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية، فضلاً عن فرض تدريب إلزامي لمكافحة معاداة السامية على الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين، مع زيادة عدد موظفي الأمن في الحرم الجامعي، وإبرام اتفاقيات مع وكالات إنفاذ القانون المحلية والفيدرالية، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وأوضح أن عدد الحالات التي تنطوي على مزاعم معاداة السامية انخفض، بشكل كبير، خلال العامين الأخيرين، بينما زادت نسبة الحالات التي أسفرت عن إجراءاتٍ تأديبية، وأن الجامعة أنشأت مجلساً استشارياً لمواصلة مراقبة الوضع وتحسينه. وكرّر خلال المقابلة الحديث عن علاقةٍ قديمةٍ بين جامعة نورث ويسترن وجامعات إسرائيل، من بينها علاقة وثيقة مع جامعة تل أبيب، موضحاً أن هذه العلاقة "تعزّزت" بعد اعتصام الطلاب في إبريل/ نيسان 2024، وأن هناك 50 إسرائيلياً، ما بين طلاب وأعضاء هيئة تدريس في الجامعة، كما أكد على دعمه الشخصي إسرائيل، وعن حقّها في الدفاع عن وجودها.

وكان لافتاً تركيز الاستجواب على فرع جامعة نورث ويسترن في قطر (UN-Q) والإجراءات التي اتخذتها الجامعة لمكافحة "معاداة السامية" داخله، وقال مايكل شيل إن الجامعة اتفقت مع "مؤسّسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع" على افتتاح الفرع في الدوحة خلال عام 2007، وإنه بدأ العمل في 2008، وذلك ضمن توجهات الإدارة الأميركية لنشر التعليم الغربي في الشرق الأوسط، وضمن خطط قامت بها جامعات أميركية عدّة لفتح فروع لها حول العالم. مضيفاً أن التعاقد مع المؤسّسة سينتهي بعد العام الجامعي (2027-2028)، وأن الجامعة تجري حالياً تقييماً معمّقاً لفرعها في الدوحة، وسيتم البتّ في تجديده من عدمه وفق هذا التقييم.

لا يتجاوز عدد الطلاب المسجلين في "نورث ويسترن قطر" 500 طالب سنوياً، وفي العام الدراسي (2022 - 2023) كان العدد 473 طالباً وطالبة

وأوضح شيل أنه مطلع على مزاعم عديدة رائجة في وسائل الإعلام التي تتهم قطر بمحاولة التأثير في سياسات الجامعات عبر التمويل، لكنه شدّد على أنه، خلال فترة رئاسته الجامعة، لم يُطلب منه، سواء عبر "مؤسّسة قطر"، أو إدارة فرع الجامعة في الدوحة، تغيير أي قرار، أو اتخاذ أي إجراء، أو إقرار أي منهجٍ دراسيٍّ بعينه، وأن ذلك يعني بوضوح أن وجود فرع للجامعة في قطر لم يكن له أدنى تأثير على قراراته. لكن أسئلة اللجنة امتدّت إلى مدى معرفته بعلاقات قطر بحركة حماس، وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، ليجيب بأنه ليس متخصّصا في هذا الشأن (متخصص في الاقتصاد والعقارات)، وأن معلوماته الشخصية عن هذه الأمور لا تتجاوز ما يقرأه في الصحف وما يشاهده في التلفزيون.
ركزت اللجنة أيضاً على مواقف عدد من الأسماء، من بينهم رئيسة "مؤسسة قطر" الشيخة موزا بنت ناصر، وحين سأل عنها مايكل شيل، قال إنه لم يقابلها يوماً، لكنه يعرفها لكونها ترأس المؤسّسة التي يعمل فرع الجامعة في الدوحة تحت مظلتها، وحين سُئل إن كان يعلم أنها نعت قائد حركة حماس الراحل يحيى السنوار، قال إنه يعلم بذلك، لكنه لا يمكنه إنهاء تعاقد أبرم قبل 18 سنة بناء على ذلك.

وناقشت اللجنة مع مايكل شيل تغريدات لعضو هيئة التدريس في نورث ويسترن قطر، سامي هرمز، يقول في إحداها "اليهود الصهاينة كاذبون مقرفون"، ويقول في تغريدةٍ أخرى إن "الصهيونيين يسيطرون على السياسة والسلطة في أوروبا". وحين سُئل عما إذا كانت هذه التصريحات معادية للسامية، أجاب بـ "نعم". وسُئل إذا كانت تنتهك سياسات الجامعة، فأعرب عن اشمئزازه الشخصي منها. وعند سؤاله إذا كانت الجامعة ستحقق مع هرمز، أجاب محاميه بأن شيل لا يمكنه بدء تحقيق من موقعه الحالي، ولكن أي شكاوى سيتم التحقيق فيها. وتطرّقت الأسئلة إلى تغريدات لعضو المجلس الاستشاري لفرع الجامعة في قطر، رامي خوري، يهاجم فيها دعم البيت الأبيض والكونغرس إسرائيل، وكذا إلى تدريس الأكاديمي خالد الحروب مقرّراً عن فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، وتطرّق النقاش أيضاً إلى وجود فرع لمنظمة "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" في نورث ويسترن قطر. وتناسى أعضاء اللجنة، في معرض إشاراتهم هذه، أن الجامعة في الولايات المتحدة تقرر برنامجاً تدريبياً للطلاب الموظفين، من أجل أن يتفادوا أن يكونوا "معادين للسامية"، يرد فيه أن أرض إسرائيل القديمة تشمل سورية الحديثة ولبنان الحديث ومصر الحديثة، والأردن الحديث.

شدّد شيل على أنه، خلال فترة رئاسته الجامعة، لم يُطلب منه، سواء عبر "مؤسّسة قطر"، أو إدارة فرع الجامعة في الدوحة، تغيير أي قرار، أو اتخاذ أي إجراء، أو إقرار أي منهجٍ دراسيٍّ بعينه

وحين سُئل عن منشور لطلاب نورث ويسترن قطر بعد "7 أكتوبر" (2024)، تضمّن رسوماً لمقاتلي حركة حماس، مع عبارة "فلسطين حرّة". أعرب عن عدم تأكّده من طبيعة المنشور في البداية، ثم رفض التعليق عليه بشكل مباشر، مشيراً إلى أنه قد يكون مخيفاً لبعضهم.
وتمحور الجزء الأهم في المناقشة حول فرع قطر على تجديد الاتفاقية، وذكر شيل عدّة عوامل رئيسية للتجديد، منها ما إذا كانت الحكومة الأميركية لا تزال ترغب في وجود الجامعة هناك، وما إذا كان وجودها يتعارض مع سياسة واشنطن الخارجية، وما إذا كان تأثير فرع قطر يتوافق مع أهداف الجامعة في نشر التعليم على النمط الغربي.
ولا يتجاوز عدد الطلاب المسجلين في "نورث ويسترن قطر" 500 طالب سنوياً، وفي العام الدراسي (2022 - 2023) كان العدد 473 طالباً وطالبة، نحو نصفهم مواطنون قطريون ومقيمون في قطر، مع طلاب آخرين من نحو 60 جنسية، وتوفر الجامعة درجتي بكالوريوس في الاتصالات والصحافة، وستة تخصصات فرعية هي الاتصالات الاستراتيجية، ودراسات الشرق الأوسط، والسينما والتصميم، والإعلام والسياسة، والذكاء الاصطناعي والإعلام، والدراسات الأفريقية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أنهت نورث ويسترن قطر تعاونها مع شبكة الجزيرة، والذي أبرم في 2013، بعد اتهامات إعلامية للشبكة الإخبارية القطرية بتمجيد حركة حماس، حسبما أوردت منظّمة "كامبس ريفورم"، وهي هيئة رقابية أميركية تهتم بأخبار الحرم الجامعي.

يبرز محضر الاستجواب الذي خضع له رئيس الجامعة المستقيل، واطلعت عليه "العربي الجديد"، كيف أن تهمة "معاداة السامية" باتت وسيلةً لمعاقبة من لا يخضع لتوجّهات إدارة ترامب

ولا يمكن فصل الأمر عن سياق أوسع يشمل التدقيق في إدارة الجامعات الأميركية الست العاملة تحت مظلة المدينة التعليمية في قطر، وهي إلى جانب "نورث ويسترن"، كلية الفنون بجامعة فرجينيا كومنولث، وجامعة جورج تاون، وكلية طب وايل كورنيل، وجامعة كارنيجي ميلون، وجامعة تكساس إيه آند إم. والأخيرة قرّر مجلس أمنائها في فبراير/ شباط الماضي، إغلاق حرمها الجامعي في الدوحة بعد العام الجامعي (2027-2028)، بحجّة "عدم الاستقرار المتزايد في الشرق الأوسط" بناء على تقييم في أواخر عام 2023.
وأثار الإغلاق انتقادات عدة، ودفع السفير الأميركي في قطر، حينها، تيمي ديفيس، إلى إصدار بيان أعرب فيه عن "خيبة أمله" إزاء القرار المفاجئ. في حين قالت "مؤسّسة قطر"، في بيان، إن الجامعة بدأت العمل في الدوحة في 2003، وإن قرارها "كان متأثراً بحملة تضليلٍ تهدف إلى الإضرار بمصالحها"، وأن مجلس إدارة الجامعة "لم يحاول البحث عن الحقيقة قبل اتخاذ هذا القرار".

وتواصل السلطات الأميركية فرض القيود على الجامعات التي شهدت احتجاجات ضد الحرب على غزّة. وفي مارس/ آذار الماضي، أرسلت  إدارة ترامب خطابات إلى 60 جامعة، منها نورث ويسترن ووايل كورنيل، تؤكّد أنها قد تتخذ إجراءات صارمة إذا خلصت مراجعة تقوم بها إلى أن الجامعات فشلت في كبح "معاداة السامية". وفي إبريل الماضي، جمّدت الإدارة تمويلاً بأكثر من مليار دولار لجامعة كورنيل، و790 مليون دولار لجامعة نورث ويسترن، بزعم انتهاك الحقوق المدنية من خلال السماح باحتجاجات مناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة.
وتكرر تقارير إعلامية أميركية اتهام قطر بدعم الاحتجاجات في الجامعات. وفي وقت سابق، نفى سفير قطر لدى واشنطن، مشعل بن حمد آل ثاني، هذه الاتهامات بشدّة. ولفت بيان للسفارة القطرية في واشنطن، إلى تصريحات مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية السابقة، آفريل هاينز، أمام مجلس الشيوخ في 2 مايو/ أيار 2024، وتأكيدها أن قطر لم تلعب أي دور في دعم الاحتجاجات في أي حرم جامعي.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

طوفان الأقصى... خسائر إسرائيل الديمغرافية والأكاديمية والنفسية

من تظاهرة في تل أبيب، 10 ديسمبر 2024 (أمير ليفي/Getty)



07 أكتوبر 2025 

فاجأت عملية "طوفان الأقصى" الجميع حول العالم، لكن المفاجأة كانت مدوية في إسرائيل، إذ مثّل الحدث ضربة كبيرة لكل تصورات الأمن والقوة، ولعوامل الجذب الديمغرافي التي عملت حكومات الاحتلال المتعاقبة على تضخيمها طوال عقود، خاصة مع سقوط أعداد كبيرة من القتلى، وأسر عشرات آخرين، لا يزال بعضهم تحت الأسر.
وأصدرت مؤسسات رسمية إسرائيلية بيانات عدة حول أرقام القتلى والإصابات، في حين قدمت منظمات حقوقية ومراقبون مستقلون تقديرات وتحليلات تختلف عن الأرقام الرسمية، مشيرين إلى تحديات كبيرة في جمع البيانات نتيجة الرقابة المشددة المفروضة من قبل سلطات الاحتلال.

تشرف مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية على تعويض ضحايا "الأعمال العدائية"، وكشفت، أمس الاثنين، أنها تعالج "أكثر من 80 ألف متضرر" من السابع من أكتوبر، كما وثقت مقتل 978 شخصاً، قالت إنهم مدنيون، من بينهم 84 أجنبياً، مشيرة إلى أنه "تمّ تحديد 33 ألفاً و983 إصابة على أنها إعاقة، ومن بين هؤلاء تمّ تحديد 30 ألفاً و462 كإعاقة نفسية، و1592 كإعاقة جسدية، و1929 جسدية ونفسية معاً". وسجلت المؤسسة أكثر من 30 ألف شخص أصيبوا باضطرابات نفسية، مضيفة أنه في يوم 7 أكتوبر وحده "تم تسجيل أكثر من 70 ألف مصاب، من بينهم 771 أجنبياً، وخلال الحرب أُضيف أكثر من 7200 مصاب آخرين، من بينهم 44 أجنبياً"، كما سجلت خلال الحرب مع إيران، والتي بدأت في 13 يونيو/ حزيران الماضي، واستمرت 12 يوماً، 1176 إصابة، من بينهم 10 أجانب. 
وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية، في بيان، الاثنين، مقتل 1152 عسكرياً منذ 7 أكتوبر 2023، وأن 1035 من هؤلاء كانوا جنوداً، ومن بينهم 466 قتلوا في المعارك البرية بقطاع غزة. لكن مراقبين كثر يؤكدون أن الخسائر أكبر من ذلك بكثير، ويشيرون إلى الرقابة الصارمة التي تفرضها سلطات تل أبيب على نشر الأرقام حول خسائرها البشرية والمادية.
وبينما تركز التقارير غالباً على الخسائر الجسدية المباشرة، فإن الآثار النفسية طويلة المدى غالباً ما تكون أعمق، وأكثر انتشاراً، وتستمر لسنوات، بل لعقود، إذ تخلف مجموعة واسعة من الاضطرابات النفسية التي قد تتطور بمرور الوقت، وتشمل هذه الاضطرابات على سبيل المثال، اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق، واضطرابات النوم، وتعاطي المخدرات، والأفكار الانتحارية، وهذه الآثار لا تقتصر على الجنود فحسب، بل تمتد لتشمل المدنيين، بمن فيهم الأطفال.
ولا تتوقف تداعيات "طوفان الأقصى" داخل إسرائيل على الأضرار الجسدية والنفسية، بل تشمل التحولات الديموغرافية والاجتماعية الواضحة، وتُشير العديد من التقارير إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد من غادروا إسرائيل، أو من يفكرون في المغادرة، ما يرسم صورة واضحة لتزايد القلق وعدم اليقين. 

وكانت "الهجرة العكسية" التي تعني تزايد أعداد الإسرائيليين الذين يغادرون، ظاهرة موجودة بدرجات متفاوتة في السابق، لكنها اكتسبت زخماً أعمق في أعقاب السابع من أكتوبر. وبحسب الأرقام المتاحة، فقد غادر 82,700 إسرائيلي للعيش في أماكن أخرى من العالم خلال عام 2024، بينما الأرقام المعلنة لأعداد الوافدين الجدد سنوياً تقدر بنحو 50 ألف شخص، وأشار استطلاع رأي نشرته "هآرتس" في مايو/أيار الماضي، إلى أن 40% من الإسرائيليين يفكرون في المغادرة، وأن 81% من الذين غادروا كانوا من الشباب.
وتُشكل ظاهرة الهجرة العكسية تحدياً وجودياً لإسرائيل، خاصة أنها تعتمد على الهجرة للحفاظ على تركيبتها الديموغرافية، ويمكن أن تكون لها تداعيات خطرة على المدى الطويل إذا استمرت أعداد المغادرين في التزايد، كما أن بين المغادرين عاملون في قطاعات حيوية، مثل التكنولوجيا الفائقة، ما يؤثر سلباً على الاقتصاد والابتكار.
وتشير تقارير عبرية إلى انهيار الثقة بالمستقبل بعد عامين من 7 أكتوبر، وأبرزت مؤسسة "ذي فوروارد" اليهودية، في 3 أكتوبر الماضي، ما وصفته بـ"تزايد الشعور باليأس"، والذي يؤدي إلى تراجع المشاركة المدنية، وزيادة الانقسامات الداخلية، وتآكل التماسك الاجتماعي، إذ إن مغادرة الأصدقاء والأقارب والجيران يؤثر سلباً على الأشخاص، ويزيد الشعور بالعزلة، كما تواجه الخدمات الاجتماعية، مثل التعليم والرعاية الصحية، تحديات كبيرة في التكيف مع التغيرات الديموغرافية، خاصة في المناطق التي تشهد معدلات هجرة عالية.

لا يمكن أيضا تجاهل المقاطعة الأكاديمية الواسعة التي تعرضت لها الجامعات والأكاديميين الإسرائيليين خلال السنتين الماضيتين، وبعضها تأثر باحتجاجات الطلاب داخل الجامعات حول العالم، خاصة في الولايات المتحدة، وكشف تقرير لـ"لجنة رؤساء الجامعات الإسرائيلية"، في يوليو/تموز الماضي، أنها سجلت أكثر من 750 حالة مقاطعة أكاديمية منذ بداية الحرب على غزة، مشيرة إلى خسائر معنوية واقتصادية هائلة نتيجة هذه المقاطعة، بحسب ما ذكرت صحيفة "هآرتس". وفي الشهر ذاته، عقدت المفوضية الأوروبية جلسة لمناقشة توصية تعليق جزئي لوصول إسرائيل إلى برنامج تمويل الأبحاث العلمية "هورايزون 2020".
رغم كل ذلك، لا يمكن مقارنة هذه التداعيات الإسرائيلية بما يعيشه الفلسطينيون، خاصة في قطاع غزة، حيث تتخد الحياة طابعاً كارثياً، فبينما يعاني الإسرائيليون من تداعيات اقتصادية واجتماعية ونفسية، فإنها لا تصل إلى مستوى الانهيار الكامل الذي يشهده الفلسطينيون، وفي حين يواجه الإسرائيليون تحديات مثل الهجرة وتراجع النمو الاقتصادي، يواجه الفلسطينيون في غزة خطر الإبادة الجماعية والمجاعة والنزوح القسري، وبينما يعاني الإسرائيليون من اضطرابات نفسية نتيجة للصدمة والخوف، فإن الفلسطينيين في غزة يعيشون صدمات مستمرة، وهي تتجدد مع استمرار فقدان الأحباء والمنازل والأمان.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

تكريم الفائزين بجائزة مركز الحسين للسرطان... عقول عربية مبدعة




15 نوفمبر 2025

شهدت العاصمة الأردنية عمان، مساء أمس الجمعة، حفل إعلان جوائز مؤسسة الحسين لأبحاث السرطان في نسختها الخامسة، وكرم الأمير طلال بن محمد، والأميرة غيداء طلال الفائزين الذين اختارتهم لجنة علمية متخصصة من بين 205 باحثين من 26 دولة.

وقالت رئيسة هيئة أمناء المؤسسة، الأميرة غيداء طلال، في كلمتها خلال الحفل: "عندما أطلقنا جائزة الملك الحسين لأبحاث السرطان قبل خمس سنوات، تجرّأنا على الحلم بعالم عربي له أثر راسخ في الأبحاث العلمية العالمية، وقد تحوّل هذا الحلم إلى حقيقية بفضل العديد من العقول العربية المبدعة. حلمنا بعالم عربي منخرط بشكل كامل في أبحاث السرطان العالمية، وقد أصبح هذا الآن حركة تقودها عقول لامعة تعمل على تشكيل مستقبل العلم".

وفاز بجائزة "إنجاز العُمر- المسار الدولي"، البروفيسور محمد خرفان دباجة من "مايو كلينيك- فلوريدا" في الولايات المتحدة، وبجائزة "إنجاز العُمر- المسار الإقليمي"، البروفيسور محمد أبو هلال من الجامعة الأردنية، وقيمة الجائزة 30 ألف دولار. وجرى تكريم البروفيسور هاغوب كانتارجيان من مركز "إم دي أندرسون" للسرطان التابع لجامعة تكساس، بمنحه جائزة "التميّز الخاص في البحث العلمي" تقديراً لإسهاماته البارزة في فهم مرض اللوكيميا وعلاجه. كما حاز البرنامج الإقليمي للتدريب وبناء القدرات في أورام الأطفال التابع لمركز الحسين للسرطان "جائزة برنامج التطوير المهني للتميّز في رعاية مرضى السرطان".

ومُنحت جائزة "منحة الباحث الواعد"، وقيمتها 100 ألف دولار، للطبيبة تيميدايو أومولاوي من جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية التابعة لهيئة دبي الصحية، والطبيب اللبناني لاري بودجي من الجامعة الأميركية في بيروت. في حين منحت جائزة "الباحث الناشئ- المسار الدولي"، للطبيب المصري مينا سدراك من مركز جونسون الصحي للسرطان التابع لجامعة كاليفورنيا. وجائزة "الباحث الناشئ- المسار الإقليمي" للطبيب محمد جماعة من جامعة تونس المنار، والطبيب ولهان الشاعر من الجامعة الأردنية، وقيمة الجائزة 20 ألف دولار.

وأطلق المركز جائزة الحسين لأبحاث السرطان في عام 2020، لتُعزز جهود الأبحاث المتعلقة بالسرطان في العالم العربي، وهي تكرِّم الباحثين العرب المتميزين من ذوي الخبرات الطويلة، والباحثين الواعدين، وتهدف الجائزة إلى رفع مستوى الأبحاث العربيّة وتطويرها من أجل فهم خصائص السرطان في المنطقة، ودراسة الجينات العربية للتمكن من مواجهة السّرطان والتغلّب عليه بطرق علميّة.

وخلال السنوات الخمس الماضية، أكّدت الجائزة التزامها بأن تكون أبحاث السرطان في مقدمة الأولويات على جداول الأعمال الإقليمية، إذ جمعت ما يقارب 900 باحث وعالم من مختلف أنحاء العالم، وموّلت ثمانية مشاريع بحثية مبتكرة للباحثين الواعدين.

وخلال جولة داخل مركز الحسين للسرطان، الجمعة، أكدت رئيس دائرة كسب التأييد والعلاقات الحكومية، رنا غفري، أن المركز يوفر لجميع مرضاه رعاية شمولية، ما يعني توفير نفقات الإقامة والتنقل للمحتاجين، وبرامج التوعية للأهل، فضلاً عن اتفاق مع وزارة التعليم يتم بموجبه استكمال المرضى من الطلاب دراستهم، حتى إن المركز يوفر قاعة امتحانات داخله بالتعاون مع الوزارة.

كشفت غفري عن تولي المركز علاج نحو 167 مريض سرطان من قطاع غزة في الوقت الحالي، غالبيتهم من الأطفال، مشيرة إلى أن المركز جاهز لاستقبال المزيد من مرضى غزة، وينتظر إتمام إجراءات مغادرتهم القطاع للعلاج في الخارج لاستقبالهم وتوفير الرعاية الكاملة لهم.

أطلقت جائزة الحسين لأبحاث السرطان في عام 2020 لتشجيع الباحثين، وجمعت الجائزة نحو 900 باحث وعالم وموّلت ثمانية مشاريع بحثية

وتتكفل الحكومة الأردنية بعلاج جميع مرضى السرطان في مستشفيات القطاع العام مع إمكانية تحويل الحالات التي لا يتوفر علاجها في هذه المستشفيات إلى مركز الحسين للسرطان، وفي يونيو/حزيران الماضي، أقرت الحكومة اتفاقية تأمين صحي لمن هم بعمر 60 سنة فما فوق للعلاج في مركز الحسين للسرطان، كونهم الفئة الأكثر عُرضة للإصابة، وشملت الاتفاقية تأمين علاج جميع الأطفال الأردنيين الأقل من 19 سنة، إضافة إلى تأمين جميع منتفعي صندوق المعونة الوطنية بغض النظر عن الفئة العمرية.

وتبلغ كلفة علاج السرطان التي قامت الحكومة الأردنية بتغطيتها بموجب الاتفاقية مع مركز الحسين للسرطان قُرابة نصف مليار دينار (700 مليون دولار)، وأكدت الأميرة غيداء طلال، عقب توقيع الاتفاقية، أنها "تشكل حلاً جذرياً شاملاً ومستداماً لمرضى السرطان في الأردن".

ويعد مركز الحسين للسرطان مؤسسة أردنية مستقلة غير حكومية وغير ربحية، وتأسست في عام 2001، وترأس الأميرة غيداء طلال المؤسسة مع هيئة أمناء تضمّ نخبة من الخبراء في المجالات الصحية والاقتصادية والمالية، وتتركّز المهام على مكافحة مرض السرطان من خلال برامج الوقاية والكشف المبكّر، وتوفير رعاية شمولية لمرضى السرطان، إضافة إلى مهام البحث والابتكار. والمركز مكون من أربعة مبان بمساحة إجمالية 108,700 متر، وقد افتتحت مبانيه الجديدة في 13 سبتمبر/أيلول 2017.

ومع افتتاح المباني الجديدة للمؤسسة باتت سعة المركز 352 سريراً، مع 13 غرفة عمليات، في حين تزايد عدد الكادر الطبّي إلى أكثر من 400 طبيب واستشاري أورام مع أكثر من 1000 ممرّض وممرّضة، ونحو 1500 إداري وفنّي واختصاصي رعاية طبية، وأكثر من 100 صيدلي مؤهّل في مجال الأورام.

وافتتح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في 27 فبراير/شباط 2025، مبنى مركز الحسين للسرطان في مدينة العقبة (جنوب)، والذي يتكون من أربعة طوابق بمساحة تقارب 6740 متراً مربعاً، كما يجري حالياً العمل على إنشاء مستشفى متخصص في علاج الأطفال المصابين بالسرطان في العاصمة عمان، بسعة 108 أسرّة.

ومركز الحسين للسرطان هو الأول في الشرق الأوسط والسادس عالمياً المعتمد دولياً مركزاً شمولياً مختصاً في علاج البالغين والأطفال، وقد تلقى العلاج فيه منذ افتتاحه أكثر من 70 ألف مريض من الأردن ومختلف الدول العربية، وهو يستقبل نحو 6 آلاف مريض جديد سنوياً، ويوفر العلاج لـ 60% من مرضى السرطان في الأردن، ويضم حالياً نحو 25 ألف مريض سرطان قيد العلاج، وجميعهم يحظون بمختلف احتياجات المريض، الصحية والنفسية والاجتماعية، بما في ذلك برامج العلاج باللّعب والموسيقى، والدعم الأكاديمي.

وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عقد مركز الحسين للسرطان الدورة الثالثة من مؤتمره السّنوي لأبحاث السرطان، والذي شهد عرض 205 أوراق بحث علمي تناولت مواضيع متخصصة في مجال علاج الأورام، من بينها أبحاث حول العلاج بالخلايا التائية، والكشف المبكر، وأورام الثدي، وزراعة نخاع العظم، والتطبيقات الجينومية، والسرطانات الوراثية، وأورام الرئة، وأورام الدماغ.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية