الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

"صمود"... طبيبة أميركية تكتشف فلسطين تحت الاحتلال


العربي الجديد

يشتبك المسلسل التركي "صمود"، المعروض حالياً، مع العديد من الانتهاكات اليومية للفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال الإسرائيلي، مع التركيز على مدينة القدس والضفة الغربية. اختار صنّاع المسلسل تقديم الأحداث من منظور طبيبة أميركية شابة تزور الأراضي المحتلة للمرة الأولى. تعمّد المسلسل منذ البداية أن يظهر مدى جهلها بحقائق القضية الفلسطينية.

في المشاهد الأولى، تقنع الطبيبة ميليسا صديقها اليهودي العائد من نيويورك إلى دولة الاحتلال لتأدية الخدمة العسكرية، بالسفر معه بصفة سائحة، بينما لديها هدف مختلف، هو البحث عن الطبيب الفلسطيني الذي أبلغتها والدتها أنه والدها. منذ لحظة وصولها، تصبح ميليسا طرفاً في الصراع؛ ففي طريقها من المطار إلى منزل صديقها، يوقف جنود حافلة فلسطينية ويعتدون على ركابها من النساء والأطفال، فتتدخل للدفاع عنهم.

يبدو اختيار صناع المسلسل، الذي تنتجه هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، جنسية البطلة مقصوداً، إذ تظهر الأحداث أن أي متعاطف مع الفلسطينيين معرّض للخطر، حتى لو كان أميركياً. لكنه بطبيعة الحال، ونتيجة للجمهور الأساسي المستهدف، تبرز شخصية الناشط الحقوقي الذي يعمل لدى الأمم المتحدة، أوغوز أكين، وهو مواطن تركي، كما يقدم الفلسطيني أحمد موسى، باعتبار أنه درس الطب في إسطنبول، حيث تعرّف إلى والدة البطلة، بينما بقية الشخصيات إما فلسطينية أو إسرائيلية.

بدأ عرض المسلسل في منتصف يونيو/حزيران الماضي، وهو من إخراج دوغان أوميت قاراجا، وسيناريو كلٍّ من عبد السلام دورماز، وعيسى يلدز، وعهد تيكين، وعلي تشاقماق، ويشارك في البطولة شيفا نور غول، وإمره كيفيلجيم، وبوراك حقي، ويلدز كولتور.تدور غالبية الأحداث في القدس والضفة الغربية، وتتناول قضايا متعددة على رأسها توسع الاستيطان الإسرائيلي، ويقدم المسلسل شخصية ميريام مديرة المنظمة الاستيطانية التي تكره الفلسطينيين، وتؤمن بأحقية اليهود في كل أراضيهم وممتلكاتهم. تستعرض الأحداث بعض الوسائل الإجرامية التي يستخدمها المستوطنون للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، خصوصاً في مسافر يطا والأغوار.

نجح المخرج في جعل الصورة المقدمة شبه واقعية، رغم أن المسلسل يصوَّر في مديات بولاية ماردين جنوب شرقي تركيا. وكان اختيار مديات موفقاً، فعمارتها وأزقتها تشبه إلى حد كبير القدس القديمة، وأحراجها لا تختلف كثيراً عن أحراج الأغوار الفلسطينية. لكنه يكرر استخدام لقطات أرشيفية للمواقع الشهيرة، ويستخدم تقنيات الغرافيكس في ربط الأبطال بالمعالم الرئيسية، وعلى رأسها المسجد الأقصى.

يظهر جدار الفصل العنصري باعتباره فاعلاً أساسياً في الأحداث، إذ يسلب الفلسطينيين أرضهم الزراعية، ويحرمهم من حرية التنقل. كما تبرز سياسة الأبارتهايد الإسرائيلية عبر التركيز على الحقوق الأساسية المسلوبة من الفلسطينيين، وعلى رأسها حق التملك، وحق البناء، وحق اللجوء إلى الشرطة والقضاء.

صُوّرت القدس في مديات التركية التي تشبه أزقتها المدينة القديمة

خلال تجول البطلة في شوارع القدس القديمة، تشاهد جموع مشاركة في تشييع أحد الشهداء، وتمنعهم قوة إسرائيلية من الوصول إلى المقابر، ثم تتعرض لاعتداء جسدي خلال محاولتها الدفاع عن طفل. في المستشفى الفلسطيني الذي نُقلت إليه للعلاج، تقابل والدها لأول مرة، فهو مدير المستشفى الحكومي، لكن قوة إسرائيلية تقتحم المستشفى وتنقلها إلى مستشفى إسرائيلي بحجة حمايتها، فتواجه الجميع بأن من اعتدى عليها هو جندي إسرائيلي.

بينما تقرر ميليسا العودة إلى نيويورك، يقتحم جنود الاحتلال منزل الجدة المسنة ويعتدون عليها، وحين تُنقل المرأة إلى المستشفى تتولى هي علاجها، لتبدأ بعدها التفكير في عدم المغادرة، والتطوع لمساعدة المرضى الفلسطينيين.

يكرر المسلسل أيضاً استخدام تقنية العودة بالزمن (فلاش باك) لتجسيد العديد من الأحداث التاريخية، فتظهر في الحلقات مشاهد تمثيلية تعبر عن النكبة، والتهجير، ووقائع مثل استشهاد الطفل محمد الدرة وغيرها.

يتناول المسلسل من دون تفاصيل موسعة قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وما يتعرضون له من انتهاكات، إذ تكتشف البطلة أن والدها تعرض للاعتقال فور وصوله إلى فلسطين، وقبع لمدة أربع سنوات في الأسر كاد أن يخسر خلالها حياته.

بينما تدور أحداث المسلسل بالأساس في مدينة القدس، تتنقل الكاميرا في مناطق فلسطينية مختلفة، على رأسها مدينة الخليل. وتبرز هنا شخصية سمير، الفلسطيني الذي تعرضت قريته للمحو الاستيطاني، والذي يكرس نفسه لجمع الأدلة على الجريمة المرتكبة في القرية.

ورغم التركيز على القدس والضفة، لا يتجاهل المسلسل قطاع غزة، سواء من خلال رموزه البارزة مثل صورة الشهيد الشيخ أحمد ياسين الملصقة على الحوائط، أو بتكرار الحديث عما يحصل في القطاع المحاصر من فظائع.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق