الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

وائل غنيم.. فتى ثورة يناير الغامض




نشر في العربي الجديد
24 يناير 2015

يوم السادس من يونيو/حزيران 2010 انتشر خبر وفاة الشاب المصري خالد سعيد على أيدي عناصر شرطة في مدينته الساحلية الإسكندرية، وتحول مقتل الشاب والطريقة الوحشية التي قُتل بها، ثم تناول الإعلام الرسمي ووزارة الداخلية المتهم الرئيسي في قتله، إلى أهم مادة إعلامية وشعبية يتداولها المصريون.

في اليوم التالي مباشرة ظهرت على موقع "فيسبوك"، الذي بات وقتها ظاهرة في البلاد، صفحة باسم "كلنا خالد سعيد"، تهتم بمتابعة القضية وتفاصيلها ورصد ردود الأفعال عليها، وكذا متابعة القضايا المماثلة. لم يكن أحد وقتها يدري مَن وراء الصفحة، أو "الأدمن" الذي يقوم على تحديثها.

في بداياتها لم تكن الصفحة بالأهمية الكافية، لكنها سريعاً باتت منتشرة وتزايد عدد متابعيها وزادت مصداقيتها وتأثيرها.

في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام، فاجأني زميلي خالد البرماوي بما اعتبرته "قنبلة"، قال لي إنه أجرى حواراً مع "أدمن" صفحة "كلنا خالد سعيد"، تم تجهيز الحوار للنشر في موقع "مصراوي" المملوك لرجل الأعمال نجيب ساويرس، والذي كان البرماوي رئيس تحريره وقتها.

بعد النشر تحدثت مع خالد مطولاً عن الحوار والشخصية. كانت معلوماته عمن حاوره لا تزيد كثيراً عن معلوماتي. أجري الحوار "أونلاين" بالأساس، ولم نكن وقتها نعرف اسم الأدمن الحقيقي أو تفاصيل عنه، المهم أن الحوار كان انفراداً صحافياً هاماً، وحقق مشاهدة واسعة، وهذا بالنسبة للصحافي الأهم.

في هذا الوقت كانت الصفحة "الفيسبوكية" إحدى أبرز صفحات حقوق الإنسان في العالم، والصفحة الأكثر نشاطاً في مصر والوطن العربي بعدد متابعين تجاوز 333 ألف مشترك، وعدد زيارات يزيد عن 2.5 مليون زيارة يومياً. لم تكن فورة صفحات "فيسبوك" في هذا الوقت تُقارن بما باتت عليه بعد الثورة، وليست بالتأكيد مثلما هي عليه الآن، مرت أكثر من أربع سنوات.

نشر الحوار قبل أقل من شهرين فقط من تفجر ثورة مصر في الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2011، خلال الشهرين التاليين للنشر، لم تكن الغالبية العظمى من المصريين تعرف شيئاً عن الأدمن الغامض، كان الشائع أنه مصري يقيم في الخارج، لكن أجهزة الأمن استطاعت التوصل إلى شخصيته، خاصة وأنه عاد إلى مصر للمشاركة في النشاط بنفسه، تاركاً عمله المهم في واحدة من أهم مؤسسات العالم.

يوم 24 يناير/ كانون الثاني 2011 نشرت صفحة "كلنا خالد سعيد" وغيرها من الصفحات المناوئة لنظام حكم الرئيس السابق حسني مبارك، بيانا يدعو الشعب المصري للتظاهر في الشوارع في اليوم التالي، الذي كان يوافق "عيد الشرطة"، وكانت الدعوة مقصودة، لأن الجهاز الأمني كان سلاح مبارك الأساسي للسيطرة على البلاد ومقدراتها وقمع المعارضين وإسكات كل الأصوات المطالبة بالتغيير أو الرافضة للفساد المتفشي.

انتشرت الدعوة بالفعل واستجابت لها أعداد قليلة من المصريين يوم الثلاثاء 25 يناير، مساء الخميس التالي مباشرة (27 يناير) اعتقل الشاب وائل غنيم الذي لم يكن يعرف اسمه إلا نفر قليل من المصريين، وقيل وقتها على نطاق واسع إنه "أدمن" صفحة "كلنا خالد سعيد"، التي بات عدد روادها ومتابعيها يقترب من النصف مليون شخص.

جرت في الأيام اللاحقة أحداث كثيرة، أبرزها "جمعة الغضب"، ثم "موقعة الجمل"، وبات التظاهر ضد مبارك يطلق عليه "الثورة"، وبات المطلب المعلن "ارحل".

في هذه الأثناء بدأت شركة "جوجل" البحث عن موظفها المختفي، كان وائل يشغل منصب المدير الإقليمي لتسويق منتجات جوجل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومشرفاً على تعريب وتطوير منتجات الشركة. بات اسم الشاب يتردد في أنحاء مصر، وبدأ كثيرون يصفونه بمؤسس الصفحة الثورية الأشهر في البلاد في تلك الأيام.

لم تعترف الشرطة المصرية أبداً باعتقال وائل غنيم، لكن الضغوط التي مورست على النظام الحاكم الذي كان يتزلزل وقتها داخلياً وخارجياً، جعلت رئيس الوزراء الجديد أحمد شفيق يقرر الإفراج عن عدد من المعتقلين المشاهير لإثبات حسن نيته واتجاهه للتغيير، كان بين هؤلاء وائل غنيم الذي أفرج عنه يوم الاثنين 7 فبراير/ شباط بعد 12 يوماً قضاها معتقلاً لا يعرف شيئاً عما يجري خارج الأسوار التي تحتجزه.

كنت في قلب ميدان التحرير عندما وصلني خبر الإفراج عن وائل غنيم، اتصلت هاتفياً بشقيقه حازم لتأكيد الخبر قبل نشره، لم يمنحني حازم الكثير من المعلومات، لم تكن لديه بالفعل إلا أنباء مثلما وصلتنا جميعاً. نشرت ما يتردد من أنباء عبر حسابي على "فيسبوك" و"تويتر"، كما اتصلت بمقر عملي (وكالة الأنباء الألمانية) لأبلغهم بما لدي من تفاصيل، نشر الخبر باعتباره أنباءً غير مؤكدة.



لاحقا ظهر وائل بصحبة الرئيس الجديد المعين للحزب الوطني حسام بدراوي، والذي قرر اصطحاب وائل بسيارته الشخصية إلى منزله، في مشهد تم ترتيبه إعلامياً، وأظهرته الكثير من وسائل الإعلام كدليل على نية النظام على التغيير استجابة لشباب الميدان.

بات اسم وائل غنيم يتردد صداه بين الثوار بعد حملات الدعوة لإطلاق سراحه، ثم الإفراج عنه، وبات معروفاً أنه مؤسس صفحة "كلنا خالد سعيد". لابد هنا من لفت النظر إلى الدور الهام الذي قام به الناشط عبد الرحمن منصور في إطلاق الصفحة وتطويرها، لكن يبقى وائل غنيم مصدر شهرتها الأساسي.

في تلك الأثناء، كان نظام مبارك يراوغ بكل جهده للبقاء، وكان صوت الرافضين يعلو أكثر للمطالبة برحيله، في ليلة الإفراج عنه ظهر وائل غنيم مع الإعلامية منى الشاذلي في برنامجها الشهير "العاشرة مساء" على قناة "دريم" الفضائية، كان الإعلام المصري الخاص وقتها مرتبكاً للغاية، لا يدري إلى أي جهة ينحاز، خاصة وأن ملّاك القنوات الفضائية جميعاً من رجال الأعمال الذين تخضع مصالحهم للنظام بالأساس، كانت الفضائيات تخشى النظام الذي لازال يحكم قبضته على كل شيء في البلاد، وتستشعر في الوقت ذاته أن تغييراً على الأبواب، وبالتالي حاول الجميع "إمساك العصا من المنتصف".

قال وائل في البرنامج واسع المشاهدة "إن أجندتنا الوحيدة هي حب مصر"، وعندما ذكرت مقدمة البرنامج سيرة الشهداء الذين سقطوا خلال الأيام الأولى من الثورة، انهار وائل غنيم وأجهش بالبكاء، وقال: "أريد أن أقول لكل أم ولكل أب فقد ابنه. أنا آسف لكن دي مش غلطتنا. والله العظيم مش غلطتنا. دي غلطة كل واحد متمسك بالسلطة ومش عايز يسيبها"، ثم فاجأ مقدمة البرنامج وجمهورها قائلاً: "عايز أمشي"، ولم يمهلها للرد وإنما قام من فوره مغادراً.




كانت تلك اللقطات القصيرة مفصلية مجدداً مثلما كانت صفحة "كلنا خالد سعيد"، وحققت دموع وائل غنيم تعاطفاً واسعاً في الشارع، الذي نكأ صدق الشاب المصري جراحاً كثيرة لديه وذكره بسنوات طويلة من القمع والفساد والفشل على كل المستويات.

في اليوم التالي، كان وائل غنيم نجم ميدان التحرير بلا منازع، استقبل الشاب استقبالاً مشهوداً، وتداول الآلاف صورة له مع والدة خالد سعيد، الذي بات يعرف باسم "الشهيد".




لم تمر إلا ثلاثة أيام، وتنحى مبارك وفوض صلاحياته للمجلس العسكري بقيادة وزير دفاعه المشير حسين طنطاوي، وبدأ طنطاوي ورجاله اللقاءات المتكررة مع من بات يطلق عليهم لاحقا وصف "شباب الثورة"، وبينهم وائل غنيم، وأحد اللقاءات الشهيرة التي لازالت صورة لها متداولة، ضمت الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي كان وقتها مدير المخابرات الحربية، وعنها كتب وائل غنيم "تدوينة" طويلة.

لكن تفاصيل لقاء أهم جرى قبل تنحي مبارك، وحضره وائل غنيم وآخرون، بينهم أحمد ماهر مؤسس حركة شباب 6 أبريل، في مكتب رئيس الوزراء وقتها أحمد شفيق، ربما فيها الكثير من الملامح عما كان يتم التحضير له.

عرفت بتفاصيل اللقاء في مكتب شفيق في مصر الجديدة، من خلال روايات متفرقة لعدد ممن حضروه، في الخلاصة: كان شفيق يتعامل مع الشباب باعتبار أن الأمر استقر له، وكان متعالياً متباهياً كعادته، ووزع عليهم "بونبوني" (نوع من الحلويات)، كان عليه شعار شركة "مصر للطيران" التي كانت تخضع لإدارته سابقاً كوزير للطيران المدني.

خرج الشباب من لقاء شفيق وكلهم ثقة بضرورة مواصلة الحراك حتى إزاحة مبارك تماماً عن السلطة، وكلهم يدرك أن النظام يحاول استعادة قوته ليفتك بهم، خرجوا من اللقاء إلى الميدان، وتسربت تلك الأفكار بين المتظاهرين فزادت إصرارهم على مطلبهم. وتنحى مبارك.

طوال فترة حكم المجلس العسكري كانت صفحة "كلنا خالد سعيد" تنحاز للطرف الثوري وتنتقد الحكام العسكريين وتفضح جرائمهم، باتت الصفحة في هذا الوقت مصدراً موثوقاً للأخبار في أنحاء العالم، حتى أن المجلس العسكري نفسه قرر تقليدها ودشن صفحة رسمية لنشر بياناته وتصريحاته على "فيسبوك".

وكان للصفحة دور هام خلال أحداث هامة جرت في تلك الفترة، بينها واقعة ضباط 8 أبريل، وأحداث محمد محمود الأولى والثانية، وأحداث مجلس الوزراء، ومجزرة ستاد بورسعيد وغيرها.



في تلك الفترة كنت متواصلاً مع وائل بشكل دوري، غالباً عبر "تويتر"، وتصادف أن كنت مع صديق مقرب في أحد مقاهي حي المهندسين بالعاصمة، نشارك في نقاش عن مساعي إطلاق شبكة اجتماعية جديدة يقوم عليها عدد من الشباب، بعد انتهاء اجتماعنا وعند مغادرتنا، شاهدنا وائل غنيم جالساً في أحد الأركان.

جمعتنا به جلسة امتدت لما يزيد عن الساعة، بات لدينا ما يشبه الثقة المتبادلة، كنت وصديقي صحافيين، لكنه كان يحدثنا باعتبارنا أصدقاء، لكن لا يمل من تكرار عبارة "مش للنشر"، تحدثنا في الكثير من الأمور، كان مثلنا جميعاً، لا يدري ما القادم، ولا إلى أي مسار ستتحول الأمور في بلادنا، وحدثنا أيضاً عن الكتاب الذي يعتزم إصداره عن فترة الثورة التي عايشها.

لاحقاً كتبت أنا أول تقرير باللغة العربية عن الكتاب في وكالة الأنباء الألمانية، حيث كنت أعمل. في فترة الانتخابات الرئاسية كان وائل غنيم من مؤيدي المرشح عبد المنعم أبو الفتوح وأحد الفاعلين في حملته الانتخابية، وفي المرحلة الثانية عندما انحصر السباق بين محمد مرسي وأحمد شفيق، انحاز إلى مرسي، وظهر ضمن شخصيات عدة في مؤتمر لدعمه، عرف بمؤتمر "فيرمونت".



لكن في فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي انحازت الصفحة ووائل غنيم لمعارضيه، وتولت فضح الكثير من الأخطاء التي وقعت في عهده. وقبل 30 يونيو بيوم واحد نشر وائل غنيم فيديو يطالب فيه مرسي بالإستقالة، عندها هاجمته علناً وانتقدت دعوته، محذراً من انقلاب عسكري وشيك، وكانت آخر مرة تحدثنا فيها مباشرة.

لكن اليوم الأخير للصفحة التي تجاوز عدد متابعيها 4 ملايين شخص، كان الثالث من يوليو/ تموز 2013، لم يكتب في الصفحة بعدها أي شيء، وإن بقي أرشيفها متاحاً لمن يريد.

لاحقاً لم يظهر وائل غنيم علناً إلا مرتين، الأولى عبر مواقع التواصل بعد نشر ما قيل إنه تسريبات صوتية يظهر اسمه فيها في الاسبوع الأول من يناير/كانون الثاني 2014، والثانية قبل أشهر قليلة في ندوة خارج مصر، ونالته الكثير من الاتهامات بالخيانة للثورة والشهداء، بل وموالاة الحكام العسكريين الجدد في مصر، والسكوت عن جرائمهم المتلاحقة، لكنه لم يرد أبداً.

يبقى أن ألفت النظر إلى مشروع وائل غنيم الذي يعمل عليه منذ نحو العامين، وهو "أكاديمية التحرير"، وهي أكاديمية للتعليم عن بعد وعبر الإنترنت، يستغل فيها طاقات الشباب لإنتاج وترويج مواد تعليمية مفيدة حول العالم وتقديم خبرات ومهارات لمن يرغب في ارتياد عالم الأعمال، خاصة في مجال التكنولوجيا.

 لم يكن وائل غنيم أبداً سعيداً بوصفه بالمناضل أو الثوري، أو مفجر الثورة، هو يرى نفسه شاباً مصرياً ضمن مئات الآلاف من الشباب المصريين التواقين إلى الحرية وتطور بلدهم، والذين شاركوا في ثورة شعارها "عيش. حرية. عدالة اجتماعية. كرامة إنسانية".

ختاما، لا أحد غير وائل غنيم نفسه يمكنه التهكن بأسباب انزوائه المفاجئ، أو بالأحرى قراره عدم الظهور والامتناع عن الحديث في السياسة على مدار الأشهر الماضية، شخصيا أجد أن من حق كل إنسان أن يقرر ما يشاء في ما يخصه وفق ما يناسبه، لكن يبقى من حقنا جميعا معرفة سبب توقف صفحة "كلنا خالد سعيد" عن العمل، كونها لا تخص وائل ولا أيا من القائمين عليها وحدهم، وإنما بات اسمها مرتبطا بالثورة المصرية التي بات الملايين شركاء فيها، ويبقى السؤال قائما في انتظار الإجابة: لماذا تقرر إيقاف الصفحة عن العمل؟ ومن صاحب هذا القرار؟



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 9 سبتمبر 2019

تفسيرات الأطباء للموت




 ليس عدد أصدقائي من الأطباء كبيراً لأسباب تتعلق بطبيعة مهنتهم التي تمنعهم من قضاء الأوقات مع الآخرين، أو تشغلهم عن متابعة الأمور التي تشغلني، وأحياناً ما يفاجئني طبيبي بأسئلة تكشف عدم اهتمامه بما أعتقد أنه الحياة. في الأصل، لست أحب التردد على الأطباء، أغلب البشر مثلي في هذا الشأن. أستسلم لفكرة الخضوع للعلاج حين تفشل محاولاتي في الهرب من المرض، أو التحايل على الألم. لكني أحب مجالسة الأطباء الذين يمتلكون رؤية ما حول طبيعة الحياة، وعادة ما تعجبني تفسيراتهم المتأثرة بمهنتهم، كما أن عدداً من أبرز الكتاب والروائيين الذين أحب القراءة لهم في الأصل أطباء. قبل أيام، جمعني نقاش مع أحد هؤلاء حول الوفاة المفاجئة للعشريني المصري عبد الله محمد مرسي، وكنت أنتظر رداً علمياً يفسّر موت شاب لا يعاني من أية أمراض بتلك البساطة. لكنه قال إن الأطباء أنفسهم لا يملكون تفسيرات واضحة لكثير من الأمراض التي تصيب البشر، وإن وفاة شخص أكثر تعقيداً من قدرة الطبيب على التفسير، وعادة يكون لها عشرات التفسيرات، حتى إن ما يدونه الطبيب الشرعي في تقرير الوفاة غالباً ما يكون رأيه المعتمد على السبب الظاهر، وليس سبب الوفاة الحقيقي. كنت مستغرقاً في التفكير في كلامه، ثم طالبته بمزيد من التوضيح، فقال إن أزمة قلبية قد تنهي حياة الإنسان، لكنها لن تكون سبب وفاته، ويظل ما أدى إلى حصول الأزمة القلبية هو السبب الحقيقي للوفاة. زادت حيرتي، فأضاف أن المتفق عليه بين العلماء والأطباء أن تعرض جسد الإنسان للمؤثرات الخارجية تنتج عنه استجابات معقدة لم يتم تحديد طبيعتها حتى الآن، وأن الأثر النفسي عادة ما يكون له تداعيات عضوية خطرة، وبعضها قاتل، إذ يمكن لوضع نفسي أن يتسبب في توقف القلب أو الدماغ عن العمل، وربما كان هذا ما جرى مع عبد الله مرسي الذي كان يعيش أزمة نفسية عميقة. تذكرت عندها مقولة للروائي أحمد خالد توفيق، وهو أيضاً طبيب: "الإنسان لا يموت دفعةً واحدة، بل كلما مات له قريب أو صديق مات الجزء الذي يحتله هذا الصديق أو القريب في نفسه، ومع الأيام وتتابع سلسلة الأموات، تكثر الأجزاء التي تموت بداخله، وتكبر المساحة التي يحتلها الموت". هناك نص مشابه كتبه جبران خليل جبران. ويظل ما كتبه المفكر والطبيب مصطفى محمود في "لغز الموت" معبراً: "الموت في حقيقته حياة. الموت يحدث داخلنا في كل لحظة. كل نقطة لعاب، وكل دمعة، وكل قطرة عرق فيها خلايا ميتة نشيعها إلى الخارج. ملايين الكرات الحمر تولد وتعيش وتموت، ومثلها الكرات البيض، وخلايا اللحم والدهن والكبد والأمعاء".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 30 أغسطس 2019

نساء "يوم تلات"


 انشغل كثيرون مؤخراً بأغنية المطرب المصري عمرو دياب الجديدة "يوم تلات"، وتباينت الآراء حولها، فقابلها البعض بتنويعات من السخرية من المطرب، والفكرة، والكلمات، وصولاً إلى اختيار يوم الثلاثاء، في حين عبّر آخرون عن إعجابهم بها. لست هنا مهتماً بمستوى الكلمات أو تكرار اللحن، وإنما يعنيني بالأساس الأثر الأخلاقي لعمل فني رائج، وهو أمر مسكوت عنه عادةً بحجة رفض التعرض إلى حرية الإبداع، وهذه الفزاعة ينبغي تجاوزها لمناقشة ما يقدمه الفنانون في إطار مبادئ أخلاقية، وضمن سياق حرية الرأي، وحرية التعبير. تكرّر الأغنية، كمثال فني، تكريس الوضع التمييزي للمرأة، وتتجاهل كلماتها أفكاراً عملت مئات النساء والرجال طيلة عقود على تثبيتها في وعي وثقافة المجتمع، مثل التعامل مع الأنثى ككيان مكافئ للذكر، وليس كائناً ناقصاً، أو إنساناً من الدرجة الثانية. تعيد "يوم تلات" ما تداولته أعمال فنية كثيرة سابقة من عدم استهجان فئات من المجتمع، وأحياناً إعجابها، بتصرفات للذكور ما زالت محظورة على الإناث، والمثير أن كثيرات من النساء لا تلفت نظرهن تلك الفكرة كثيراً، كما لا تبدي غالبيتهن اعتراضاً على هذا النوع من التمييز. والمستغرب أن ناشطات حقوق المرأة يخفت صوتهن كثيراً في مواجهة ما تقدمه كثير من الأعمال الفنية من إهانات للنساء، سواء على مستوى تصوير المرأة ككائن أضعف، أو أقل جدارة، أو تكريس استخدام جسدها كوسيلة للمتعة، أو تبرير هيمنة الرجال، وبعض تلك الأعمال الفنية المتهمة تقدمها نساء للأسف. يفترض بالنساء جميعاً، وليس فقط الناشطات، استغلال كل المناسبات المتاحة للتذكير بضرورة توقف الفن ووسائل الإعلام عن التعاطي مع موضوعات الحقوق والحريات جندرياً، أو تنميط المرأة، أو منح الرجال حقوقاً أو صلاحيات أو امتيازات تحرم منها النساء. لا أنكر أنني طالعت أصواتاً نسائية عبرت عن غضبها سابقاً من خطورة رسائل الفن والإعلام، لكنها تظل أصواتاً محدودة، وخافتة، وبالتالي لا تلقى تفاعلاً كافياً. من بين التساؤلات التي طالعتها تعليقاً على "يوم تلات": ماذا لو أن مطربة تغنت بكلمات مشابهة؟ وأين دعاة حماية أخلاق المجتمع من تكرار تعبير الرجال عن رغباتهم الجنسية؟ ولماذا لا يرفض الجمهور المشاهير عندما يتضح أنهم بلا أخلاق؟ في رأيي أن تلك التساؤلات المتناثرة يتم طرحها على استحياء، أو بطرق ملتوية خشية من تداعياتها، كما تلجأ بعضهن إلى قصر الأزمة على كون المجتمع ذكورياً، وهو كذلك بالطبع، لكن الواقع يؤكد أن المجتمع لن يتغير طالما استمر الخوف من مواجهته بمشكلاته، وحثه على ضرورة معالجتها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 29 يوليو 2019

الخروج من الأزمة


 يأمل عدد كبير من المصريين، والعرب، أن يؤدي خروج مصر من أزماتها الراهنة إلى إنهاء كثير من الأزمات بمنطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أن مكانة مصر وقدراتها في مجالات عدة كانت قادرة في أوقات سابقة على تحقيق ذلك. لكن هذا المنطق، في رأيي، يناقض الواقع، ومن يردده إما جاهل أو ساذج، وربما منخدع بما يروّجه حكام مصر كذباً من أنها استعادت مكانتها اللائقة، وهي مكانة تتراجع منذ عقود لأسباب متباينة، على رأسها سوء تصرف حكام البلاد أنفسهم، والأوضاع الإقليمية والدولية. في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كانت الدولة المصرية تتدخل في شؤون كل دول الجوار بأشكال مختلفة، بينها القوة العسكرية. حدث هذا في اليمن كمثال صارخ، وكان التحالف مع سورية وتكوين الجمهورية العربية المتحدة جزءاً من رغبة مصرية في التوسع أو السيطرة، لكن تلك الرغبة ذاتها كانت سبباً مباشراً في عدم صمود تلك الوحدة طويلاً، وكان عبد الناصر لا يتورع عن تهديد دول وحكام. لا شك أن مصر وقتها كانت تمتلك أيضاً قوة ناعمة مؤثرة تتمثل في الإعلام والثقافة والسينما، والمدرسين والأطباء والمهندسين، لكن هزيمة الجيش المصري في اليمن، ثم هزيمة 1967 أضرت كثيراً بهذه القوة. في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، خسرت مصر المزيد من قوتها على جميع المستويات، حتى أن غالبية الدول العربية قاطعتها بعد اتفاقية كامب ديفيد مع العدو الإسرائيلي، كما تدهورت قوتها الناعمة أيضاً خلال مهاترات الانفتاح الساداتي. في عهد الرئيس السابق حسني مبارك زاد اعتماد مصر على الدعم الخارجي، العربي والدولي، ما جعل قرارها محكوماً بتوجهات المانحين، ومرتهناً بمواقفهم. ظل نظام مبارك بمناوراته وألاعيبه قادراً على البقاء، لكن هذا لم يمكّن البلاد من أي مكانة أو قوة. بمرور السنوات، فقدت مصر الثقل الكبير السابق في محيطها العربي، وتراجعت قوتها الناعمة في مقابل قوى أخرى؛ ربما ما زالت الذاكرة العربية تعتبرها حاضرة مهمة، لكن الواقع أن دولاً أخرى باتت تحتل المكانة الأهم، سياسياً واقتصادياً، وإعلامياً وفنياً. ولا شك أن استعادة مصر لمكانتها السابقة ليس بالأمر السهل، ربما لأن الخسارة فادحة، أو لأنها خسارة على مستويات متعددة، فضلاً عن أن العرب بعد فورة النفط، والتحالفات المتشعبة، انسلخوا تماماً من شعارات القومية الناصرية إلى الهموم المحلية، ناهيك عن تداعيات التبعية، أميركية كانت أم روسية. الوضع المصري مزر جداً، وتوقع تغييره خلال فترة وجيزة ضرب من الخيال، ومثله تماماً الواقع العربي. علينا دائماً الاعتراف بحقيقة الواقع، وبعدها التمسك بالأمل كضرورة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 14 يوليو 2019

تربية المراهقين



 قبل فترة طالعت إعلاناً في وسائل الإعلام عن دورة متخصصة في "تربية المراهقين"، ولما كنت أحد الآباء الذين يعايشون تجربة طفلين على أعتاب المراهقة، قررت أن أتبين التفاصيل، فاكتشفت أن المدرب لا يمتلك شهادة علمية في التربية، أو علم النفس، وإنما واحد من هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم حالياً لقب "مدرب تنمية بشرية" بغرض التربح. قناعتي الراسخة أن كل شخص يتخذ قراراته ويبني اختياراته وفقاً للطبيعة الأيديولوجية والثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه، ثم مواقف عائلته من مجموعة المبادئ الأساسية، وأبرزها الحقوق والحريات، فضلاً عن التجارب التي يخوضها شخصياً، والأخطاء التي يقع فيها. يفترض أن الإنسان كائن يتعلم من خلال تجاربه، ويستفيد من أخطائه، وكلما كثرت تجارب الشخص زادت خبرته، وكلما قلت أخطاؤه بات أقرب إلى النجاح. لا أدعي أنني والد مثالي، فأحياناً يدفعنا خوفنا الغريزي على أطفالنا إلى ارتكاب أخطاء لا ندرك خطرها إلا بعد فوات الأوان، لكني رغم ذلك حريص على أن أظل والداً متفهماً، سواء لطبيعة المرحلة العمرية التي يمران بها، أو للتباين بين تفاصيل مراهقتهما وما كانت عليه مراهقتي، كما أحاول جاهداً عدم تكرار أخطائي تجاههما فور اكتشافها. أبرز مشكلات التعامل مع المراهقين تتمثل في عدم إيمان الأهل بأهمية النقاش، ومن مظاهر تلك المشكلة أن لا يتمكن الأب أو الأم من إدارة حوار جدي مع الابن أو الابنة، أو أن ينتهي الحوار سريعاً بقرار من الأهل دون الانتباه إلى وجهة نظر الأبناء، أو إلى أسباب اعتراضهم على القرار. يخطئ كثير من الآباء حين يسلبون أبناءهم حق الاختيار ظناً منهم أنهم أكثر وعياً من أطفالهم، أو أن الأبناء غير مؤهلين نظراً لحداثة سنهم، أو قلة خبراتهم، لكن الواقع أن هذا الفعل عادة ما يظهر فشل الأهل في إقناع الأبناء بصحة قراراتهم، أو عدم قدرتهم على مواجهة حجج الأبناء القوية. لا أنكر أيضاً أنني أتعلم الكثير من تعاطيهما مع مواقف مختلفة، فمثلما نؤثر نحن في قناعات واختيارات ومستقبل أطفالنا، فإن لهم تأثيراً كبيراً على قراراتنا وخياراتنا ومستقبلنا، وتلك العلاقة التكاملية ضرورية، ويجب البناء عليها. شخصياً، أحاول منح طفليّ القدرة على التعامل مع مستقبل يبدو أسوأ من الواقع السيئ الذي نعيشه حالياً، وأوضاع عالمية ينتظر أن تفتقد إلى كثير من مبادئ العدالة، وتتراجع فيها حريات الأشخاص وقدرتهم على الاختيار بفعل تدخل الحكومات والمؤسسات. ويتطلب التعاطي مع هذا المستقبل في رأيي الكثير من التمسك بالمبادئ والثقة بالنفس، وليس الكثير من التحصيل العلمي.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 23 يونيو 2019

صفات الطاغية




 لا ينتبه كثير من العرب إلى الدراسة الفلسفية المحكمة المنشورة في كتاب جدير بالقراءة بعنوان "الطاغية" لأستاذ الفلسفة المصري الذي رحل عن الدنيا قبل أيام، إمام عبد الفتاح إمام، الذي صدر سنة 1994، ربما لأن المؤلف لم يكن مهموماً بالإعلام والدعاية، وربما لأن الطغاة ما زالوا يحكمون سيطرتهم على بلاد العرب، ما يجعل محتوى الكتاب محفوفاً بالخطر. يعرّف الكتاب الطاغية تعريفاً وافياً، فهو "رجل يصل إلى الحكم بطريق غير مشروع، فيمكن أن يكون قد اغتصب الحكم بالمؤامرات، أو الاغتيالات، أو القهر، أو الغلبة. باختصار هو شخص لم يكن من حقه أن يحكم لو سارت الأمور سيراً طبيعياً لكنه قفز إلى الحكم عن غير طريق شرعي، وهو لهذا يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم أنه غاصب ومعتد فيضع كعب رجله في أفواه ملايين الناس لسدها عن النطق بالحق، أو التداعي للمطالبة به". ووفق تأريخ موسع، يضيف الكاتب عن الطاغية أنه "لا يعترف بقانون أو دستور في البلاد، بل تصبح إرادته هي القانون الذي يحكم، وما يقوله هو أمر واجب التنفيذ، وما على المواطنين سوى السمع والطاعة، ويسخّر كل موارد البلاد لإشباع رغباته أو ملذاته أو متعه التي قد تكون في الأعم الأغلب حسية، أو قد تكون متعته في طموحاته إلى توسيع ملكه، أو إقامة إمبراطورية".. وحسب التعريف المطول للطاغية فإنه "ينفرد بخاصية أساسية في جميع العصور، وهي أنه لا يخضع للمساءلة ولا المحاسبة ولا للرقابة، والطغيان في كل عصر صفة للحكومة المطلقة العنان التي تتصرف في شؤون الرعية بلا خشية حساب ولا عقاب"، وهو يؤكد أن "الحساب بالغ الأهمية لأنه يفرق بين عائلة الطغيان أياً كان أفرادها، وبين الأنظمة الديمقراطية التي يحاسب فيها رئيس الدولة كأي فرد آخر". ويتسبّب الطغيان الطويل في تدمير قدرة الناس على إدراك أن الطاغية بشر مثلهم. "عوام الناس يختلط في أذهانهم الإله المعبود والمستبدون من الحكام، ولهذا يخلعون على الطاغية صفات الله، كولي النعم، والعظيم الشأن، وما من طاغية إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك فيها الله أو تربطه برباط مع الله، ويتخذ بطانة من أهل الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله، وبذلك يصبح: الحاكم القاهر الواهب المانع، والجبار المنتقم المقتدر المهيمن. إلى آخر الأسماء الحسنى التي تسمى بها طغاة الشرق في تاريخنا المعاصر دون حرج ولا غضاضة". عرف العالم آلاف الطغاة شرقاً وغرباً، إلا أن أرسطو يستنكر على الشعوب الشرقية أن أفرادها "يحملون طبيعة العبيد، ولهذا لا يتذمرون كثيراً من حكم الطاغية".

اقرأ الكتاب


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 7 يونيو 2019

من ميدان التحرير



 جمع الستيني المصري حوله عدداً كبيراً من الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، في قلب ميدان التحرير بوسط القاهرة، في أحد الأيام الأخيرة من شهر يناير/كانون الثاني 2011، ليروي لهم ما يمكن اعتباره خلاصة تاريخ مصر المعاصر الذي يختلف كثيراً عما قرأوه في كتب التاريخ المدرسية. قال الرجل للمتجمعين المنتبهين، إن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر استخدم جماعة الإخوان للوصول إلى الحكم والتخلص من الرئيس وقتها، محمد نجيب، ثم الهيمنة على الحكم، ثم لم يلبث أن بدأ عملية ممنهجة للتنكيل بالإخوان، وبغيرهم ممن قرروا معارضته، حتى بعض أعضاء المجلس العسكري. وأضاف: أخرج الرئيس الراحل أنور السادات المعارضين الذين اعتقلهم عبد الناصر، وخصوصاً الإخوان، من السجون، ودعم وجودهم في المجتمع، ليس لأنه ديمقراطي أو يرفض الممارسات الديكتاتورية، ولكن ليستفيد من قدراتهم على الحشد في مرحلة التجهيز لحرب استعادة شبه جزيرة سيناء المحتلة، وليوقف بهم تغول التيار الشيوعي الذي حوله عبد الناصر في حربه على هيمنة التيار الديني إلى معارض جديد بات يهدد السلطة الحاكمة بشعارات إنهاء الرأسمالية ومنح المواطنين حقوقهم الاجتماعية، خاصة العمال والفقراء؛ بينما كان السادات على أبواب مرحلة من الانفتاح المالي الكامل التي لا يمكنها الاستجابة للدعوات التي يتبناها اليسار والشيوعيون. أكمل الرجل بينما الشباب يتابعون باهتمام: الرئيس حسني مبارك لعب في بداية حكمه على كل الحبال قبل أن يعادي الجميع بغباء منقطع النظير، فلا هو قرب اليمين ولا اليسار، ربما بسبب فشل النظامين السابقين عليه في التعامل مع كليهما، وربما كان ذلك سبباً في حكمه نحو ثلاثين سنة متصلة اعتمد في النصف الأخير منها على تقوية جهاز الأمن لاستخدامه في القمع، واستثمار التدهور المجتمعي والثقافي الذي بدأ نهاية السبعينات مع التحول من دولة تستثمر في التعليم والثقافة والصحة إلى دولة تستثمر في الفساد. واستطرد: لم تكن الصورة بهذه القتامة، فالأجيال اللاحقة سمحت لها الظروف والتطور التكنولوجي وفورة وسائل الاتصال بثقافة وتطور نوعي مكّنها من إدراك الكثير مما حاولت أنظمة سابقة تزويره أو تدميره أو إخفاءه، فتحولت إلى وقود الغضب ضد مبارك. لا شك عندي أن حوارات مماثلة جرت خلال الشهور الأخيرة في ميادين الثورة في السودان، وفي الجزائر، فتاريخ كل الدول العربية الحديث مليء بالأكاذيب، والملايين في تلك الدول لا يدركون أنه تم خداعهم لسنين طوال بشعارات كاذبة روّجتها السلطات الحاكمة، بينها أن العسكريين أكثر وطنية من بقية الشعب.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأربعاء، 5 يونيو 2019

رؤوف مسعد: حرب 67 والمأزق التاريخي لليسار المصري






مثلما كان عبد الناصر "يظن" أن في بلده جيشًا يقوده صديقه الصدوق، كان اليسار المصري يظن أيضًا أن كل ما يقوله ناصر إنما هي حقائق لا تقبل الجدل، وبالتالي آمن اليسار المصري بصواريخ مصر وطائراتها وجندها وأسطولها، وتناسى الفرق بين الدعاية والإعلام الحربي وبين الحقائق.

حينما اندلعت حرب الأيام الستة عام 67 بنتائجها الوخيمة على مصر دولة وشعبًا؛ كان اليسار المصري بتنظيماته "المنحلة" قد خرج من السجون الناصرية (عام 1964) متمسكًا بعدم وجود عمل تنظيمي ماركسي حزبي كما تعهد قبل ذلك (لأجهزة حكم عبد الناصر) .

وكنت أنا واحدًا ممن وقعوا على وثيقة - مثل مئات آخرين - تعلن انتهاء العمل السياسي المنظم للحزب "الشيوعي - حدتو" في الأيام الأخيرة، قبيل إغلاق معتقل الواحات الخارجة، حيث كنت أقضي مدة العقوبة بعد محاكمة عسكرية.

ومع ذلك بقيت بعض التنظيمات الصغيرة والانشقاقات التنظيمية تحاول أن تلملم أعضاءها وتُضَمِّد جروح السجن السياسية والتنظيمية. وبالطبع البحث عن عمل.

عينت الدولة الناصرية ضابطًا مخابراتيًا لكي يفرز طلبات التقدم للعمل والحصول على القوت من الشيوعيين السابقين. أفلح البعض في اقتناص وظائف إدارية وثقافية واقتصادية وتنظيمية كبيرة حتى وصل الأمر إلى تعيينهم كوزراء (الاقتصادي إسماعيل صبري عبد الله، وفؤاد مرسي الذي كان في وقت ما "زعيم " الحزب " المصري").

وفشل البعض في الحصول على أية وظائف لأسباب مجهولة.

كان البحث عن القوت والعمل يشغل معظم أعضاء اليسار المصري بعد الخروج من السجون والإفراج عنهم.

ينبغي أن يكون هناك تعاملان وفهمان لليسار المصري؛ ما قبل السجون وما بعدها. ثم متابعة تطور فكر اليسار المصري في السجون سلبًا وإيجابًا، وذلك بالنسبة للقضية الأساسية وهي الموقف من دولة ونظام عبد الناصر السياسي.

خَلَق هيكل، عبر لطفي الخولي، مجلة "الطليعة" وكانت بالفعل إنجازًا يساريًا صحافيًا، ناقشت المجلة وعرضت أفكار تسعى لتأصيل "المجموعة الاشتراكية" كتنظيم يساري سري يحيط بناصر، ويتخذ قرارات مثل تأميم البنوك.. إلخ، وهي قرارات اعتبرها اليسار في السجون اشتراكية.

كما أسس حسن فؤاد مجلة "صباح الخير" باعتبارها عملًا غير مسبوق في الصحافة المصرية والعربية، كما قام سعد كامل (حركة السلام المصرية) بإرساء قواعد وأسس الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافة، متخذًا من النمط السوفيتي نموذجًا يحتذى به.

لكن من الخطأ التعامل مع اليسار كحزمة واحدة. وكذلك من الخطأ التعامل معه بنفس التعامل معه وقت ما قبل حملات الأمن المصري (الناصري) للقضاء على اليسار المصري التي بدأت في ديسمبر/كانون الثاني عام 1958، وتوالت حتى ديسمبر عام 1960.

أي أنه ينبغي أن يكون هناك تعاملان وفهمان لليسار المصري؛ ما قبل السجون وما بعدها. ثم متابعة تطور فكر اليسار المصري في السجون سلبًا وإيجابًا، وذلك بالنسبة للقضية الأساسية وهي الموقف من دولة ونظام عبد الناصر السياسي، (و"حدتو" تعاملت مع ناصر شخصيًا ومع بعض الضباط الأحرار مثل خالد محيي الدين قبيل 23 يوليو)، وكذلك متابعة تطور علاقة اليسار المصري باليسار العربي واليسار العالمي، ثم علاقته بالاتحاد السوفيتي.

بدون فهم هذه العلاقات المعقدة لا يمكن استيعاب دور اليسار المصري السلبي في زلزال هزيمة 67، وما تلاها من زلازل هزت وحركت وفجرت أسس العلاقة بين المواطن المصري من جهة، وبين النظام السياسي/ العسكري الذي يحكمه من جهة أخرى.

كنت أنا مجرد متابع في حركة اليسار المصري، وعضو فيها منذ العام 1955، ثم وَقَّعَت على حل "الحزب" أي التنظيم الأكبر أيامها لحدتو، وكان ذلك قبيل أسابيع من "إفراج" عبد الناصر عن المسجونين والمعتقلين الشيوعيين الذين تمركز معظمهم في معتقل الواحات الخارجة. ثم رجعت مرة أخرى في الإسكندرية بعد الحل، وانضممت إلى "خلايا متمردة" سرعان ما فكت نفسها، لأنضم بعد ذلك إلى التنظيم الجديد في العراق عام 1975، ثم أتركه بلا عودة – حتى الآن - في بيروت عام 1981. أستطيع أن أقول بقدر كبير من الثقة أن أزمة اليسار المصري جاءت من داخله بالأساس.

وبدون الدخول في تفاصيل سياسية/تاريخية وأيدولوجية لا أملك توثيقًا لها، خاصة بعد أن تقلبت بين تنظيمين ماركسيين الأول هو "طليعة العمال" المغالي في اليسارية، لأتركه في السجن بالقناطر الخيرية وانضم إلى حدتو "البرجماتية" التي اتخذت لنفسها لقب "الحزب الشيوعي المصري"، يمكنني هنا أن أقول ملاحظاتي التي أحاول جهدي أن اجعلها موضوعية ولا شخصية.

لاحظت خلال تواجدي في السجون والمعتقلات التي جمعت قادة اليسار المصري والشيوعي أن معظم القادة لا يقرأون سوى بالعربية، عدا قلة منهم، وبالتالي فمستواهم النظري في القضايا الأيدولوجية يعتمد على الترجمة "الشامية" أيامها.

هذه المقدمة السريعة ضرورية لتقييم يسار مصر في فترة من أدق فترات وجوده، أي المنطقة الزمنية لحرب 1967، ما بعد الحرب وما قبلها، أي في وقت ازدهاره بعد زيارة ناصر لباندونج ثم هزيمة ما أطلقت عليه أجهزة ناصر الإعلامية "العدوان الثلاثي" للجيش المصري. واحتلال مدن القناة خاصة بورسعيد أكبرها.

فمثلما كان عبد الناصر "يظن" أن في بلده جيشًا يقوده صديقه الصدوق، الذي سمى ناصر واحدًا من أبنائه على اسمه "عبد الحكيم"، كان اليسار المصري يظن أيضًا أن كل ما يقوله ناصر إنما هي حقائق لا تقبل الجدل، وبالتالي آمن اليسار المصري بصواريخ مصر وطائراتها وجندها وأسطولها، وتناسى الفرق بين الدعاية والإعلام الحربي وبين الحقائق.

لكن الأخطر من جميع هذا هو مأزق اليسار الأيدولوجي.

فقد لاحظت خلال تواجدي في السجون والمعتقلات التي جمعت قادة اليسار المصري والشيوعي أن معظم القادة لا يقرأون سوى بالعربية، عدا قلة منهم، وبالتالي فمستواهم النظري في القضايا الأيدولوجية يعتمد على الترجمة "الشامية" أيامها، وما تبعث به موسكو عبر معهد الاستشراف السوفيتي من ترجمات غير دقيقة للأصول النظرية الماركسية واللينينية (والستالينية بعد أن أضاف ستالين نفسه إلى منظري الماركسية – اللينينية).

كانت تلك ترجمات شائهة ومعقدة وصعبة الفهم بلغتها العربية المقعرة، وبالتالي فالمستوى النظري لمعظم مفكري اليسار المصري و"حدتو" التي كانت أكبر التنظيمات؛ كان يعتمد في الأساس على التجربة الحدتاوية في العمل الجماهيري والنقابي والاستفادة من فعل الخطأ والصواب.

أقول هذا لأن "الإجراءات التنظيمية" التي قام بها ناصر من تأميمات وصفتها حدتو بأنها "اشتراكية" أثارت دهشة كبيرة في أرجاء العالم، وهو ما جعل خروشوف يقول لأحد مبعوثي ناصر إليه "كيف تقيمون اشتراكية بدون وجود طليعة اشتراكية والشيوعيون في السجون؟"

ثم جاء التقرير الفاجع للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عن جرائم "الرفيق ستالين "، وكذا عن إمكانية الانتقال السلمي للاشتراكية في بلدان العالم الثالث التي تكافح الإمبريالية العالمية.

هذه الاشتراكية (الناصرية) التي وصفتها بعض التنظيمات الصغيرة بأنها "رأسمالية دولة" قادت اليسار سوقًا إلى "حل" التنظيمات (مع أسباب أخرى لوجستية مثل إيمان الشيوعيين المصريين بإمكانية تغيير مسار فكر ناصر والإسراع بناصر لتبني اشتراكية حقيقية). بدأت "حدتو" الحل، وسبقتها بقية الأحزاب، وخاصة "المصري" بقيادة الرفيق خالد (فؤاد مرسي).

لذلك كانت صدمة اليسار المصري مضاعفة عند الهزيمة، فلم يستطع اليسار المصري، الذي خرج من المعتقلات والسجون مهلهلًا أن يقود أو يبلور أية حركة فكرية انتقادية لموقف اليسار من ناصر، ولموقف اليسار من حل التنظيمات، ولموقف اليسار من الهزيمة. فهو كان يسارًا "منزوع الدسم"، بلا طعم ولا لون ولا رائحة؛ جثة ميتة لكنها ما زالت لم تمت إكلينيكيًا.

ولعل الهزيمة في 67 أطلقت رصاصة الرحمة على الجثة مثلما أطلقت رصاصة الرحمة على الناصرية، التي انتهت بموت ناصر بعد سنوات ثلاث من الهزيمة وسبقها موت عامر (أو انتحاره)، وتبوأ السادات الحكم ليقضي على "الفكرة " الناصرية بسرعة غريبة بدون مقاومة اللهم من أفراد ومجموعات صغيرة.

كانت هزيمة 67 كابوسًا أقوي من كابوس الحياة اليومية في مرحلة "السِلم القلق" بين حربين (56 و67)، وهكذا أزاح الكابوس الأكبر الكابوس الأصغر، خاصة بعد نتائج حرب 67 من هزيمة عسكرية واحتلال الضفة الشرقية من القناة، وتهجير أهالي مدن القناة، وانطلاق ما يسمى بحرب الاستنزاف.. إلخ.

ولأن اليسار اعتبر أن "إجراءات ناصر" الاقتصادية تطبيقات اشتراكية، بل ونظّر لوجود "مجموعة" اشتراكية تحيط بناصر يقودها ويترأسها على صبري الذي اعتبره اليسار المصري يسار السلطة، بالتالي استكان اليساريون والشيوعيون إلى الطمأنينة الناصرية التي وعده بها ناصر "بأن لا يعتقل اليسار مرة أخرى". هكذا فقد اليسار المصري عدة مفاصل أساسية لكي يكون يسارًا حقيقيًا، ومن أسباب ذلك:

أولًا: فترات غياب طويلة في السجون والمعتقلات لقيادات اليسار، فتخلفت عن متابعة اليومي للشعب المصري وقراءتها في "النظرية" والتطبيق لأحزاب يسار عربية وأوربية وافريقية.

ثانيًا: فقدان الاتصال بأزمة حكم ناصر التي تتزايد وتستحكم لكن في الخفاء وفجرّتها الهزيمة.

وبالتالي كانت الهزيمة مفاجأة كاملة لليسار المصري كما للشعب كله، كما لعبد ناصر نفسه والحلقة الضيقة المحيطة به، كان يوجد في مصر يساران؛ أحدهما يسار قبل الهزيمة وكان في "جبهة ما" مع السلطة غير معلنة "ينظّر في المعهد الاشتراكي" لتأصيل نظرية "المجموعة الاشتراكية" ثم بعدها التنظيم الطليعي. ثم يسار ما بعد الهزيمة الذي بدا يعي دوره الجديد المفروض عليه، والذي كان دورًا غير مسبوق لليسار المصري، أي كيف يتعامل مع "أسباب الهزيمة ومسببيها؟".

أما الإعلام المصري فكان يسيطر عليه الرقباء العسكريون بحجة "الحرب"، وكان اختيار ناصر للأهرام وهيكل واضحًا فيه ثقة ناصر بالشخص وبالمؤسسة العريقة، واخترع هيكل اصطلاح "النكسة" بدلًا من الهزيمة، و"لم نخسر الحرب لكننا خسرنا معركة"، أو وضع للهزيمة ردائها الخاص كقميص عثمان، وهو حق يراد به باطل.

مع أن اليسار أيامها كان يسيطر على بعض أجهزة الإعلام إلا أن إنجازات هذا "اليسار" في مجالات عملهم كانت هزيلة بتحكم سيطرة الرقباء من الضباط من جيش وشرطة على مقدرات العمل اليساري المصري الجماهيري.

لنتأمل ظهور السيدة العذراء على قمة كنيسة الزيتون الأرثوذكسية في القاهرة لتخفف عن شعب مصر مسلميه ومسيحييه عبء عار الهزيمة وتجعله يصبر ؛ فالعذراء – كما أعلنت التفسيرات الدينية والإعلامية - اختارت مصر من القِدَم لتلتجئ إليها مع الطفل يسوع ومن هنا جاءت الآية النبوءة "مبارك شعبي مصر". (مصر معطوفة بياء الملكية كما جاء في النص المترجم إلى العربية من التوراة).

وعَزَف اليسار بشكل ما وراء هيكل في مقطوعة "النكسة"، وتم السماح لبعض اليسار "الشارد" أن يظهر في الإعلام، الذي كان رسميًا، لكن تحت عين الرقيب الساهرة.

أخبرني الراحل مصطفى درويش في حوار بيننا أن "مجلس الشعب المصري آنذاك لم يستطع تقبل فكرة وجود أفلام غربية مثل (انفجار) و(لا دولشي فيتا) في دور العرض المصرية خوفًا من إلهاء المصريين عن واجباتهم الوطنية"، وأن ثروت عكاشة أطاح به كرقيب للسينما أكثر من مرة ثم أعاده مرة أخرى للرقابة من اجل أن (يبحبحها) بعض الشيء من التزمت الرقابي الأخلاقي/ السياسي.

ومع أن اليسار أيامها كان يسيطر على بعض أجهزة الإعلام مثل السينما (محمود توفيق صهر الضابط يوسف الصديق) وفي المسرح (يوسف إدريس) وفي الثقافة الجماهيرية (سعد الدين وهبة وخالد محيي الدين)، و عبد العظيم أنيس في صحيفة المساء، وغيرها من صحف ومجلات أُعطيت لليساريين (مؤقتًا) مثل دار أخبار اليوم لمحمود أمين العالم وقبلها الهيئة المصرية للكتاب، وحمروش في المسرح، وغيرهم من اليساريين (بدون تنظيم اللهم إلا التنظيم الطليعي)، إلا أن إنجازات هذا "اليسار" في مجالات عملهم كانت هزيلة بتحكم سيطرة الرقباء من الضباط من جيش وشرطة على مقدرات العمل اليساري المصري الجماهيري، إضافة إلى تخوف وقلق القادة والعاملين بهذه المؤسسات من القيام بأية مبادرات خلاقة.

ثلاث سنوات فقط ما بين الهزيمة ورحيل عبد الناصر، لكن خلال هذه السنوات أيضا تصارع اليساريون مع بعضهم البعض في المؤسسات التي تسلموها ليعملوا فيها، تطبيقًا لمرض اليسار المصري المتأصل في الصراع غير المبدئي، والذي يتخذ في كثير من الأحيان شكلًا سياسيًا كما حدث في الصراع بين جماعة على صبري من ناحية وجماعة شعراوي جمعة من ناحية أخرى داخل التنظيم الطليعي والاتحاد الاشتراكي والمعهد الاشتراكي.

ولم يستطع اليسار أن يلملم شمله في عهد السادات، الذي انقض هو أيضًا على بقايا اليسار ومن بقي منهم في مصر، ولم يهاجر إلى ليبيا أو العراق إبان حُكم "الجبهة".

جاءت كامب ديفيد كنهاية أصيلة لهزيمة سبعة وستين، مع أنها جاءت نتيجة حرب ثلاثة والسبعين التي حرم السادات الشعب المصري من انتصاراتها القليلة، ونَكَّل بقاداتها مثلما فعل مع الفريق سعد الدين الشاذلي.

خرج اليسار من سجون ومعتقلات ناصر محبطًا وخائبًا وبدون ثقافة ماركسية حقيقية مطلعة على المتغيرات في رؤية ومواقف أحزاب الغرب الشيوعية.

اعتقد أن اليسار العربي بأشكاله المختلفة وخاصة المصري، باعتبار أن مصر "أكبر" دولة تعدادًا، هو صورة مصغرة للدولة في روتينها وفوضويتها واستحالة الوصول إلى "نتيجة سياسية أو تنظيمية" منطقية أيًا كانت.

فمثلما تعمل أجهزة الدولة المصرية ببطء مقصود وعدم حرفية وفوضوية أصيلة متعمقة في المزاج المصري، كان اليسار – ولعله ما يزال – يمثل الدولة فالناس صورة مصغرة من حكامهم.

أنجز اليسار المصري بعض الإنجازات الوطنية مثل اشتراكه وقيادته في مقاومة بورسعيد أثناء العدوان الثلاثي في 56، لكنه وقف عاجزًا محبطًا مذهولًا أمام حجم انفضاح الكذبة الكبيرة لحكم ناصر، ولانهزام جيش مصري كبير مخلص، لكن قادته كانوا في واد أخر غير ذي زرع.

حجم الهزيمة جاء بحجم انكشاف العري الذي كان مستورًا عند النقيضين "الناصرية" واليسار. وأؤكد هنا على التناقض الفكري والاجتماعي بين الناصرية التي تعتمد أساسًا على القومية وعلى نظرية المستبد العادل ( صوت العرب – أحمد سعيد) واليسار الذي يدافع وينادي "بالوطنية" والديموقراطية: أي مصر أساسًا؛ بدون الإيمان بقومية عربية (موقف خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعي السوري أيامها من "الوحدة بين مصر وسوريا") يراها قريبة من الفاشية والنازية عبر تاريخها ووقفاتها في الحرب العالمية الثانية مع خصوم التحالف الغربي مثل النازية ولفاشية.

أخيرًا كان اليسار المصري قد خرج من سجون ومعتقلات ناصر محبطًا وخائبًا وبدون ثقافة ماركسية حقيقية مطلعة على المتغيرات في رؤية ومواقف أحزاب الغرب الشيوعية، وخاصة الفرنسي والايطالي، بل واختلف مع الحزب الشيوعي السوداني الذي رفض "الانصياع " لموسكو بتحليلها عن النميري بأنه أيضًا يقود الدولة إلى الاشتراكية.

وكان موقف الحزب السوداني صحيحًا إلى درجة قتل عبد الخالق محجوب على يد النميري بعد انقلاب فاشل قام به بعض الضباط الشيوعيين والقوميين السودانيين.

لكن ثورة خمسة وعشرين يناير أتاحت فرصة العمر الأخيرة لليسار المصري أن يخرج من الملفات والانقسامات وينطلق مع الشعب في الشوارع، لكنه لم يستطع أيضًا أن يقوم بدور قيادي في الثورة إلا عبر شباب يساري ثوري فوضوي، لا علاقة له باليسار المصري القديم في عهد عبد الناصر.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 24 مايو 2019

وسط البلد



 لم تدهشني كثيرا الضجة التي أثارها وسم #وسط_البلد الذي تصدر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأسبوع الأخير، فللمنطقة أهمية في الوعي الجمعي المصري، واكتسبت خلال السنوات العشر الأخيرة مكانة مميزة لدى المصريين، وبينهم آلاف المؤثرين على مواقع التواصل، سواء كانوا موالين للنظام، أو معارضين، أو مهادنين. يطلق وصف "وسط البلد" اصطلاحاً على المنطقة التجارية في وسط القاهرة، ويفضل البعض تسميتها "القاهرة الخديوية" لأنه تم إنشاء كثير من مبانيها في عهد الخديوي إسماعيل الذي جعلها تنافس العواصم الأوروبية آنذاك. شهدت المنطقة غالبية التظاهرات والاحتجاجات التي مهدت لقيام "ثورة يناير"، كما كانت مركزاً لتلك الثورة وما تلاها من أحداث، وهي تضم مئات المقاهي وفضاءات التجمع، كما تضم مقار العديد من الصحف ودور النشر والنقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، جنباً إلى جنب مع المقار الحكومية مثل البرلمان ومجلس الوزراء وعدد من الوزارات الهامة. يتردد على منطقة وسط البلد يومياً عشرات آلاف المصريين، فضلاً عن سكانها والعاملين فيها، ما يجعلها نموذجاً مصغراً لمجتمع المدينة المصري بكل طبقاته ومشكلاته، إذ لا يمكنك تجاهل وجود عدد من الأثرياء وبعض فاحشي الثراء، وعلى مقربة منهم أعداد من الفقراء وكثير من المهمشين، لكن الطبقة المتوسطة تظل الغالبة على تركيبة السكان، كما ينتمي إليها أغلب زوار المنطقة. في ظل هذا التباين الكبير، يصبح الحديث عن تصنيف واحد يجمع المقيمين والمترددين على وسط البلد محض محاولة بائسة لتزييف الحقائق، فهذا العدد الكبير من الأشخاص تؤثر في اختياراتهم ومواقفهم قناعات وخلفيات وصراعات، بغض النظر عن وجودهم في وسط البلد من عدمه. الواقع أن الإنسان هو الكائن الوحيد على هذا الكوكب الذين لا يمكن تصنيفه ضمن إطار قيمي واحد، إذ إنه قادر على تغيير رأيه ومواقفه بشكل مستمر، بل إن بعضهم تتبدل مواقفهم يومياً، وربما عدة مرات في اليوم الواحد. لا يعني هذا انكار أن للمحيط تأثير على الأشخاص، لكن التباين يظهر عادة في طريقة التفاعل مع الحدث أو الموقف، والأشخاص في "وسط البلد"، كما في بقية مناطق مصر، ليسوا ملائكة، ولا هم شياطين، وإنما بشر يصيبون ويخطئون، وفيهم الصالح والطالح، والواعي والتافه، والمناضل والمتربح، والمحافظ والمتحرر. ومحاولة تحميل هؤلاء مسؤولية مشكلات مصر الحالية والسابقة يمكن اعتباره خلل عقلي متفش، أو ربما هو أحد محاولات نظام الحكم المتكررة لشيطنة الشباب، وخصوصاً شباب وسط القاهرة الذين يعدهم خصماً.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 5 مايو 2019

بيئة العمل تقتلنا



تؤكد دراسات وأبحاث عدة مدى خطورة العمل لفترات طويلة وعدم الحصول على أوقات راحة كافية على حياة البشر، اجتماعيا ونفسيا وصحيا، كما بات التوتر والقلق الناتج عن طبيعة العمل بين الأسباب الرائجة للوفاة المبكرة حول العالم. في إندونيسيا، لقي 316 شخصا حتفهم بسبب الإرهاق الشديد الذي تعرضوا له خلال عملهم في مراكز الاقتراع والفرز الخاصة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت منتصف الشهر الماضي، والتي تم إجراءها في يوم واحد توفيرا للنفقات، كما تم فرز أوراق الاقتراع فيها يدويا رغم أن عدد المصوتين بلغ نحو 150 مليونا. وكشف باحثون في "جامعة برلين" نهاية أبريل/نيسان الماضي،، أن الإجهاد الوظيفى وارتفاع ضغط الدم وقلة النوم تجعل الأشخاص أكثر عرضةً للوفاة بأمراض القلب، وفق دراسة استمرت لمدة 18 عاما على عدد كبير من العاملين في مجالات مختلفة. في فبراير/شباط الماضي، قام باحثون بجامعة "أوكلاند للتكنولوجيا" في نيوزيلندا، بتجربة تخفيض أيام العمل من خمسة إلى أربعة أيام على أداء 250 موظفاً في 16 مكان عمل مختلف لمدة ستة أسابيع، فاكتشفوا ارتفاع الإنتاجية بنسبة 20 في المائة، وانخفاضاً بنسبة 7 في المائة في مستويات الإجهاد. واكتشف باحثون في "جامعة أوكسفورد" بعد تحليل للعادات والسجلات الصحية لما يزيد عن 600 ألف شخص في عام 2015، أن ثلث من يعملون لمدة 55 ساعة في الأسبوع يصبحون عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية، مقارنة بأولئك الذين يعملون أقل من 40 ساعة أسبوعيا. وفي كتابه "الموت من أجل الراتب" الذي صدر عام 2018، رصد البروفيسور جيفري فيفر، من "جامعة ستانفورد" الأميركية، أن سوء ظروف العمل والتوتر الناتج عن أساليب المديرين بين الأسباب الرئيسية لموت العاملين، ونصح العمال بعدم الاستسلام لتلك الظروف القاتلة، والحرص على حياتهم أكثر من حرصهم على عملهم. تحتفل الأمم المتحدة في 28 أبريل/ نيسان من كل عام، بـ"اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل" في محاولة لإنقاذ نحو 865 ألف شخص يواجهون احتمال الموت، أو التعرض لإصابات خطرة خلال أوقات العمل، فضلا عن تفشي أمراض منها السكري وارتفاع ضغط الدم والبدانة ومشكلات العمود الفقري بين العمال. وتكرس عدد من الأعمال أنواعا حديثة من الرق، ففي 1996، أقرت منظمة العمل الدولية استراتيجية القضاء على عمل الأطفال في ظروف أشبه بالعبودية بحلول عام 2016، لكنّ ذلك لم يتحقق وفقاً لتقارير المنظمة نفسها، إذ استمر استغلال الأطفال والنساء في ظروف عمل غير أدمية، وخصوصا في أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية