الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

ستيفاني روزا: الحداثة تؤيد استمرار النظام الاستعماري




العربي الجديد

14 يونيو 2026

يطرح كتاب "اليسار ضد التنوير؟" (المحروسة، القاهرة، ترجمة عصام الدين حسين، 2026) للأكاديمية الفرنسية المتخصصة في الفلسفة السياسية ستيفاني روزا، عدة أسئلة جوهرية حول مآلات التيارات اليسارية، والتحولات التي شهدتها خلال القرنين الأخيرين، من بينها: هل انقلب اليسار على أبيه الروحي كارل ماركس؟ وهل بات يهاجم إرث التنوير الذي كان لعقود مصدر استمراره؟

وينطلق الكتاب الصادر بداية عن دار "فايار" عام 2020، من كون الهجوم على أفكار مثل العقلانية والتقدم والكونية لم يعد مصدره اليمين المحافظ أو المؤسسات الدينية فحسب، بل امتد إلى التيار اليساري، كما أنه بات مرصوداً في بعض دراسات ما بعد الاستعمار، وفي شعارات الحركة النسوية التقاطعية، والعديد من الحركات الهوياتية. ويعدّ الكتاب خلاصة لدراسات ستيفاني روزا السابقة حول فلسفة التنوير والفكر الاشتراكي، وتقول الكاتبة فيه، إنه "منذ ظهور الحركات الاشتراكية والشيوعية والأناركية، كانت مهمة اليسار هي توسيع مكتسبات التنوير، لا هدمها. أما اليوم، فثمة تيار يساري يُحدث تحوّلاً جوهرياً في طبيعة هذه العلاقة".

يُفرد الكتاب الفصل الأول لتشخيص ما يسمّيه "اللاعقلانية الجديدة"، وكيف تتسلل إلى اليسار في أثواب متعددة، من بينها رفض الأُطر التنظيمية الجماعية، مثل النقابات العمالية، وتحدي مسارات اتخاذ القرار الديمقراطية، مع التركيز على ظاهرة التعلق بالعفوية والحدس على حساب التحليل المنهجي. وتُحدد الكاتبة بوضوح كيف تتقاطع اللاعقلانية مع العداء للعلم، وكيف تحول الفكر اليساري من أداة تحرر عقلاني إلى احتضان الغرائز ودعم أزمة الهويات. وهي ترصد في الكتاب ظاهرتين معاصرتين، أولاهما ازدهار ثقافة "الشهادة الشخصية" والتي باتت تُقدَّم بوصفها أهم من المعرفة النظرية، والثانية هي صعود "المعرفة الهوياتية"، والتي تربط صحة الادعاء المعرفي بانتماء صاحبه الهوياتي. تقول روزا: "اللجوء إلى أسلوب الرواية بضمير المتكلم، ورفض التعميم لصالح التجارب الفردية من بين نتائج هذه الروح المعادية للعقلانية".

ترى أن اليسار ليس تحررياً ما لم يحافظ على العقلانية  

في فصله الثاني، يعالج الكتاب هجوم تيارات يسارية على مفهوم التقدم، وتستحضر الكاتبة ما فعله الفيلسوف الفرنسي جورج سوريل (1847-1922)، صاحب كتاب "أوهام التقدم" الصادر في عام 1908، حين انتقد التقدم باعتبار أنه "أيديولوجيا برجوازية صُممت لترسيخ هيمنة الطبقات الحاكمة، وصرف انتباه الجماهير عن النضال الحقيقي"، وانتقد فكرة "الخط المستقيم" للتاريخ التي روّجها مفكرو عصر التنوير، معتبراً أنها "أسطورة ملفقة لإقناع الطبقات الكادحة بأن الحاضر هو بالضرورة أفضل من الماضي، والمستقبل سيكون أفضل للجميع، ما يبث السلبية والاستكانة".

يعدّ فصل الكتاب الثالث هو الأكثر توسعاً، والأكثر إثارة للجدل أيضاً، وفيه تحاول الكاتبة إثبات أن مفهوم الكونية يشمل الحقوق الإنسانية المشتركة، والمساواة بصرف النظر عن الانتماء، والعلمانية بوصفها فضاء محايداً، وترى أن تلك المبادئ الأساسية باتت تتعرض لحملات إقصاء أو إنهاء من بعض منظري التيار اليساري. وتكتب: "بالنسبة للهوياتيين العِرقيين المعاصرين، تخفي فكرة الكونية واقع الهيمنة البيضاء، فالكونية المُدّعاة ليست في رأيهم سوى قناع يبرر استمرار النظام الاستعماري".

وتستشهد بمثالين للدلالة على فكرتها: أولهما استناد هو تشي منه في إعلان استقلال فيتنام عام 1945 صراحةً إلى إعلان الاستقلال الأميركي وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي، مستعملاً الكونية التنويرية سلاحاً أيديولوجياً ضد الاستعمار، لا أداة لتسويغه. والمثال الثاني هو الخلاف بين جواهر لال نهرو والمهاتما غاندي حول رؤيتهما لمستقبل الهند، حين دافع نهرو بوصفه رجل دولة ذا توجه اشتراكي عن إرث العقلانية الغربية بوصفها أداة أساسية لتحديث المجتمع، في حين كان غاندي يدعو إلى اقتصاد ريفي لا مركزي يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي، والعودة إلى نمط الحياة التقليدي.

ويورد الكتاب نقداً لاذعاً لتيار النسوية التقاطعية، والذي يعتبر أن تجارب النساء تختلف بحسب العرق، والطبقة، والتوجه الجنسي، والموقع الجغرافي، وترى الكتابة في ذلك توجهاً طبقياً، وأن هذا التيار يُفرط في تقييم الجندرية والعرقية على حساب المساواة، كما يُفتت النضال العمالي ويُشتت طاقته في مسائل هوياتية. وتستشهد بالنقاش المحتدم حول دستور تونس في 2012، حين تبنّى المشروع الأول للدستور تعريف "المرأة مكملة للرجل لا مساوية له". وتقول روزا: "أين كانت الفيلسوفات الحقيقيات في تلك اللحظة؟ لماذا تصدت لهذا التعريف المعارضات التونسيات المدفوعات بكره الإسلام وحدهنّ؟".

ويمكن اعتبار محاولة رسم الخريطة الفكرية للتيارات اليسارية من بين أبرز ما يُقدمه كتاب "اليسار ضدّ التنوير؟"، إذ تتبعت ستيفاني روزا كيف انبثقت بذور اللاعقلانية اليسارية من رحم النقابية الثورية في مطلع القرن العشرين. وترصد هجوم جورج سوريل على الاشتراكية البرلمانية متهماً إياها بالتواطؤ مع الجمهورية البرجوازية، ثم ذهاب تلميذه عالم الاجتماع إدوار بيرت (1875-1939) أبعد من ذلك بالدعوة إلى التحالف مع أقصى اليمين، ما يعتبره الكتاب "إرهاصة أولى للفاشية". وتؤكد روزا أن تلك المواقف أظهرت بجلاء أن رفض أفكار التنوير يمكن أن يقود تيار اليسار إلى مواقف لا تختلف كثيراً عن كل ما يدعي محاربته. وكتبت: "ثمة تقاطع نظري بين دراسات ما بعد الاستعمار المعادية للكونية، وبين مواقف الإسلام السياسي، ويعتمد هذا التقاطع بالأساس على رفض الكونية التنويرية".

ويكرر الكتاب في أكثر من موضع السؤال عن حقيقية بعض تيارات اليسار، ويقرر أنه لا يمكن أن يكون اليسار يساراً من دون أن يحمل مشروعاً تحررياً كونياً يخاطب الإنسان، لا العرق أو الجنس أو الدين، كما يسأل: هل المصالحة بين النسبية الثقافية ومشروع التحرر الإنساني ممكنة أصلاً؟ وتُجيب روزا: "اليسار الذي يتخلى عن مبادئ العقلانية والتقدم والكونية لا يمكن اعتباره يسار تحرر، بل يتحول إلى يسار هويات يُعيد إنتاج منطق الشمولية، وإن بخطاب ثوري، وتكمن خطورته في أنه يُوهم أتباعه بأنه يدعو إلى التقدم، بينما يُغلق الأفق أمام أي مشترك للطبقة العاملة". وتضيف: "لقد تعلّم اليسار أن ينتقد بشجاعة دولة العمال حين تحوّلت إلى دولة استبداد، وعليه اليوم أن يتعلم نقد الهوياتية التي تُفرغه من مضمونه الإنساني".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

قواعد التفاوض بين عقلية التاجر ودبلوماسية البازار




19 يونيو 2026


يمثّل توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تتويجاً لمسار دبلوماسي مُعقّد، شاركت فيه وساطة باكستانية دعمتها وساطة قطرية في الأسابيع القليلة الماضية، ونتج عنه هدنة مؤقّتة في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ "حضارة كاملة ستفنى" إذا لم تُعد إيران فتح مضيق هرمز، وبعد أكثر من خمسة أسابيع على هجمات جوية وصاروخية مُتبادلة.

بدأ المسار التفاوضي في مسقط خلال عام 2025، وكانت آخر جولاته في 6 فبراير/ شباط الماضي، ثم في جنيف، لكنه لم يكتمل بسبب تصعيد عسكري بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران في 28 فبراير/ شباط، وأسفر عن مقتل المُرشد علي خامنئي وعديد من القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية، بمن فيهم وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري ورئيس أركان الجيش، إضافة إلى مئات الضحايا، ودمار واسع في أنحاء إيران، وأعقب هذا ردّ إيراني واسع طاول إسرائيل ودول الخليج العربي الست والأردن.

ويُعدّ المسار التفاوضي الطويل بين واشنطن وطهران نموذجاً للمقارنة بين أسلوب "التاجر" الأميركي وأسلوب "البازار" الإيراني، وليس في هذا استعارة ثقافية، بل واقع يعتمد على منطقين متصارعين جرى توثيقهما مُسبقاً في كتابين رائجين يمكن الإضاءة عليهما لفهم ما يجري: "فن الصفقة" الذي أصدره ترامب بالتعاون مع الصحافي توني شوارتز في 1987، وكشف فيه كيفية إدارته صفقاته التجارية والعقارية: و"قوّة التفاوض" الذي أصدره وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 2023 (ترجمة فاطمة محمدي سيجاني، الطبعة الثانية، دار هاشم للكتب والنشر، بيروت، 2026) ويُعبّر عن مبادئ الدبلوماسية الإيرانية الراسخة. لكن التناقض بين طرفي الاتفاق ليس مجرّد اختلاف في الأسلوب، بل يمكن اعتباره "صداماً حضاريّاً" بين نموذجين للسلطة والمصلحة بينهما انعدام كامل للثقة المتبادلة، فالأميركي يرى الاتفاق "صفقة" يجب أن تُبرم بسرعة وتُعلن بزهو إعلامي، بينما يراها الإيراني "مهمّة" يجب أن تُدار ببطء وتُبنى عبر التراكم. ويعكس هذا فلسفتين متعارضتين بالكلية، فالتاجر يريد أن تجمع الصفقة كلّ شيء في عقد، بينما صاحب البازار يُفضّل صفقة مُجزّأة كي يحافظ على بعض أوراق الضغط لاستخدامها في الجولات المقبلة.

يورد ترامب في "فن الصفقة" أنّ استخدام التأثير يتطلّب الخيال والبراعة لإقناع الطرف الآخر بأنّ من مصلحته إتمام الصفقة، وأنّه يستغل وسائل الإعلام دائماً لإثارة الاهتمام وتحقيق الأرباح، بينما أسوأ ما يمكن فعله في أيّ صفقة أن تظهر تلهفك لإتمامها. ويقول: "أدخل في أي صفقة متوقعاً الأسوأ. هناك أوقات يكون فيها الخيار الوحيد المواجهة، وموقفي طوال حياتي هو الردّ بقوة، وإلا فإن الموقف السيئ سيصبح أسوأ".

يريد التاجر أن تجمع الصفقة كلّ شيء في عقد، بينما صاحب البازار يُفضّل صفقة مُجزّأة كي يحافظ على بعض أوراق الضغط لاستخدامها في الجولات المقبلة

ويبرع ترامب في استخدام أسلوب "التناقض المُتعمّد"، فبينما تجرى المفاوضات، كان يكرّر عبر "تروث سوشال" تصريحات عدائية للغاية. وليس في هذا ارتباكاً، بل استراتيجية، فهو بوصفه تاجراً مُحترفاً لا يتوقّف عن الضغط حتى اللحظة الأخيرة، حتى يُبقي الطرف الآخر في حالة عدم يقين دائمة، ما يُضعف موقفه، ويُرغمه على تقديم مزيد من التنازلات.

بينما يؤكد عباس عراقجي في كتابه "قوة التفاوض" أنّ التفاوض ليس مجرّد عملية تقنية لإدارة الخلافات، بل هو ممارسة سيادية تعكس القوّة الوطنية، وتترجم مكانة الدولة وفاعليتها على الساحة الدولية، ما يجعله "فناً استراتيجياً يتطلّب ذكاء ثقافياً، وصبراً استنزافياً، وقدرة على تحويل عناصر القوة إلى خطاب تفاوضي يحافظ على الكرامة والاستقلال".

وفي كلمة ألقاها في معرض الكتاب في طهران في مايو/ أيار 2025، قال عراقجي إنّ "المساومة تكتيك تفاوضي شائع بين الإيرانيين"، وبحسبه، يتقن الدبلوماسيون الإيرانيون لعبة "المفاوضات من أجل المفاوضات" وسيلة لإرهاق الطرف الآخر. وبينما كانت المفاوضات جارية، كانت إيران تتحدّث عن إنتاج صواريخ باليستية بمديات أكبر، وعن خطط لبناء محطّات نووية جديدة. وليس هذا تناقضاً، بل استراتيجية أيضاً، فطهران ترفض العرض الأوّل بقوّة كي تتحسّن شروط العرض الثاني.

ليس الاتفاق سوى هدنة تجارية عسكرية تفتح مضيق هرمز وتُوقف الحرب، مع تأجيل بقية القضايا الخلافية

كانت إدارة ترامب تفاوض طهران في مسقط بعقلية "التاجر"، وعندما قرّرت أن التفاوض لن يفضي إلى النتيجة التي تريدها، أو بالأحرى لن تفضي إليها سريعاً، تحوّلت من أسلوب الضغط الأقصى إلى أسلوب الهجوم الأقصى، فبعد أن هدّد ترامب إيران بـ"قصف لم يسبق له مثيل"، نفّذ تهديده حرفياً. وكتب على "تروث سوشال" بعد مقتل المرشد علي خامنئى وقياداته: "لم يكن بمقدوره، أو القادة الآخرين الذين قُتلوا معه، فعل أي شيء"، وأضاف أن "القصف المكثف والدقيق سيستمر من دون انقطاع".

في هذه المرحلة، لم يعد التاجر ترامب يتفاوض على المكاسب، بل قرّر تحطيم الطرف الثاني مُعتقداً انهيار النظام الإيراني على وقع الضربات القوية، وأنّه سيتمكّن حينها من إعادة بناء أرضية التفاوض وفق ما يوافق أهواءه، وأهواء بنيامين نتنياهو بالطبع. لكن هناك فارقاً جوهريّاً بين الصفقة في عالم المال والأعمال والصفقة في عالم السياسة، فالأولى تتعامل مع أرقام، والثانية تتعامل مع أرواح ومصائر. لكن النظام الإيراني أظهر تماسكاً كبيراً، واستبدل القادة المقتولين بقادة آخرين سريعاً، ولم يتأخّر ردّه العسكري، فأطلق هجوماً صاروخياً واسعاً طاول مناطق عدّة داخل الأراضي الفلسطينية المُحتلة، وركّز غالباً على تل أبيب وحيفا، وهاجم القواعد الأميركية في دول الخليج العربي، مع مرافق نفطية وصناعية وخدمية مهمّة في تلك البلدان. وقد جسّد هذا الردّ العسكري ما كتبه عراقجي في كتابه أنّ "المقاومة القصوى هي الردّ الطبيعي على الضغط الأقصى". ليكون واضحاً للجميع أنّ الإيراني حين يُهاجم يُحوّل الصراع إلى معركة شاملة يكون فيها الجميع خاسرين.

مع استمرار الهجمات المتبادلة واستمرار إغلاق مضيق هرمز وفرض واشنطن حصاراً بحرياً على إيران، برزت باكستان وسيطاً جديداً، وفي 8 إبريل/ نيسان الماضي، نجح رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد جيشه عاصم منير في إقناع الطرفين بهدنة مؤقّتة، ثم تحوّلت إسلام أباد إلى مقرّ للمفاوضات، مع مشاركة من قطر. ولم يكن اختيار باكستان عبثياً، فهي دولة نووية مسلمة لها علاقات وثيقة مع واشنطن، وعلاقات تاريخية مع جارتها إيران، ما يجعلها وفق منطقي التاجر والبازار موثوقة، كونها تعرف الطرفين جيداً، ويمكنها أن تقدّم ضمانات لكليهما.

يعكس التحوّل الإسرائيلي من التهديد بالهجوم إلى عدم الاعتراض حقيقة أنّ إسرائيل، رغم مشاركتها في الهجوم على إيران، ليست من يُقرّر مصير المفاوضات

بحلول مايو/ أيار، اتفق الأميركيون والإيرانيون عبر الوسيط الباكستاني، وبمساعدة الوسيط القطري، على "مذكرة تفاهم" إطاراً أولياً لإنهاء الحرب، تشمل بنودها فتح مضيق هرمز، ووقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج المشروط عن بعض الأصول الإيرانية المُجمّدة، مع تأجيل قضايا البرنامج النووي إلى مفاوضات لاحقة تجرى خلال 60 يوماً.

وتُظهر بنود مذكّرة التفاهم تحوّلاً دراماتيكياً في مواقف الطرفين، فترامب الذي كان يُصرّ على التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، وعلى "صفر تخصيب"، بات يقبل بهدنة نووية مؤقّتة مقابل فتح المضيق ووقف الحرب، ما يمكن اعتباره تجارياً "دفعة أولى". كما أنّ طهران التي كانت تُهدّد بفرض رسوم على العبور من المضيق، وتطالب بتعويضات عن الدمار الذي أحدثه الهجوم الأميركي الإسرائيلي، باتت تقبل برفع الحصار البحري وبعض الأموال المُجمّدة، ما يمكن اعتباره نهاية للحرب تحفظ ماء الوجه.

وتُبرم الصفقة بين الطرفين مباشرة، ومن دون ضمانات مُلزمة، ما يعني أنّ انهيارها وارد في أيّ لحظة، ربما عبر تدخّل من أطراف أخرى. في 15 يونيو/ حزيران، قال بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحافي، إنّ "إسرائيل أنقذت نفسها من الدمار"، وإنّ الهجوم على إيران "أضعف قدراتها الدفاعية والنووية". وقد تجنّب انتقاد الاتفاق الأميركي الإيراني مُكتفياً بالقول إنّه وترامب لا يتفقان دائماً، وإنّ قواته لن تغادر جنوب لبنان.

ويعكس التحوّل الإسرائيلي من التهديد بالهجوم إلى عدم الاعتراض حقيقة أنّ إسرائيل، رغم مشاركتها في الهجوم على إيران، ليست من يُقرّر مصير المفاوضات، وأنّ القرار بيد ترامب وحده، بينما نتنياهو مُجبرٌ على الرضوخ في حال إتمام الصفقة، ولو لا تُلبّي كلّ مطالبه.

قد يُطيح المرشد الجديد مجتبى خامنئي الاتفاق إذا شعر أنّه لا يحقّق مصالح الجمهورية الإسلامية

أمّا دول الخليج العربي، فهي بالأساس خاسر أكبر من استمرار الحرب، وقد أصابت الصواريخ الإيرانية مطاراتها وموانئها ومنشآتها النفطية، وخلّفت لديها أضراراً كبيرة، وهذا يجعلها مُضطرّة للاختيار بين مطرقة الصفقة التي ستُعيد إيران إلى سوق النفط العالمي منافساً لها وسندان استمرار الحرب الذي يعني المزيد من الخسائر. والظاهر أنها قرّرت تجرّع الخيار الأوّل.

هناك إذاً اتفاق، لكنه ليس اتفاقاً شاملاً، بل يمكن وصفه بأنّه هدنة تجارية عسكرية تفتح مضيق هرمز وتُوقف الحرب، مع تأجيل بقية القضايا الخلافية، وهذا بحسب منطق التاجر الأميركي يعد "صفقة ذكية" يحصل عبرها على النفط والاستقرار معاً، من دون القبول ببرنامج نووي إيراني. وبحسب منطق البازار الإيراني، فإنّه تجسيد لفكرة "التفاوض من أجل التفاوض" وسيلة لشراء الوقت، أو امتصاص الضغوط، أو الحصول على المعلومات، أو تأكيد المكانة والاعتبار الدولي، وهذا يتطلّب استقراراً نسبياً يوفّره الاتفاق.

ومع توقيع مذكرة التفاهم، نكون أمام أربعة سيناريوهات مستقبلية: يعتمد الأوّل، وهو استمرار الصفقة، على أنّ الاتفاق ليس مبنياً على الثقة، بل على التراجع المُتبادل. يتراجع ترامب عن مواصلة الحرب لأنّه حقّق بعض أهدافه الخاصة بالقدرات النووية الإيرانية، وتتراجع إيران عن التخصيب لأنّها بحاجة ماسّة إلى الأموال المُجمّدة لإعادة بناء اقتصادها المُدمّر. والسيناريو الثاني هو الفشل، فالتوقيع ليس نهاية المطاف، كون العوائق المُحتملة كثيرة. فنتنياهو قد يُصعّد عسكرياً في لبنان ليُفشل الاتفاق، والكونغرس الأميركي قد يرفض أيّ اتفاق يسمح بالتخصيب، وفي إيران أيضاً، قد يُطيح المرشد الجديد مجتبى خامنئي الاتفاق إذا شعر أنّه لا يحقّق مصالح الجمهورية الإسلامية. والاستنزاف هو السيناريو الثالث، فقد يستمر وضع لا سلم لا حرب، وتراوح المفاوضات مكانها، وعندها يحصل ترامب على صفقة تفاوضية يستخدمها سياسياً، وتحصل إيران على هدوء هش يجعلها تحتفظ ببرنامجيها النووي والباليستي، ويواصل نتنياهو التهديدات والوجود في جنوب لبنان ذريعة لبقائه في السلطة. والسيناريو الرابع إبرام اتفاق موسّع خلال الـ60 يوماً، يُعيد رسم واقع المنطقة كلّها، لكن هذا السيناريو يواجه عقبات عدّة أيضاً، فدول الخليج لا تثق بطهران، ولا تريد الثقة بها، والإيرانيون يخشون أنّ دول الخليج تتحيّن الفرصة للمشاركة في حرب جديدة ضدّهم، بينما واشنطن ترغب في إبرام مزيد من الاتفاقات الإبراهيمية، ولا تريد أن تكون ضامنة لاتفاق إقليمي يشمل إيران، لأنها ستتحمل التبعات في حال فشله.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

عن السذاجة العربية في زمن الفجور الغربي





27 يونيو 2026

كشف الموقف الغربي من العدوان الإسرائيلي الإجرامي على قطاع غزّة أن غالبية العرب يتجاوزون الطيبة إلى مرحلة السذاجة، بينما هذا في عالم السياسة نقطة ضعف فتاكة، وربما السذاجة، إلى جانب الخضوع والتبعية، هي ما سمحت لإسرائيل بمواصلة تدمير غزّة على سنتين، واحتلال أكثر من نصف مساحتها، ومحاولة تكرار الأمر نفسه في جنوب لبنان، وفي جنوب سورية.

قارن ما فعله العرب بما فعلته إيران في غضون صراعها أخيراً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وكيف تواصل التحدّي رغم كل الخسائر، بينما قرّر العرب الاستسلام من دون حتى محاولة المواجهة. ... التعامل الغربي مع العرب امتداد طبيعي لميراث استعماري ما زالت كل الدول العربية تعاني من تداعياته، شمل تكرار التدخل العسكري، وحدود "سايكس بيكو"، وزرع بذور الفتن الطائفية والعرقية، حتى حين رحل الجنود، ترك المستعمرون وراءهم دولاً مُفكّكة، وحدوداً مأزومة، ونخباً توارثت التبعية، فضلاً عن عقود اقتصادية جائرة، وشركات نفط متعددة الجنسيات. ما زالت دول عربية تملك احتياطيات نفطية ضخمة، مثل الجزائر والعراق وليبيا، تُصنّف ضمن الدول الفقيرة نسبياً، بينما تتدفق ثرواتها نحو خزائن الغرب.

كان الأوروبيون لعقود يُبررون استعمارهم بـ "التمدين" و"التحديث"، وها هو الأميركي يُبرّر تدخلاته العسكرية بـ "نشر الديمقراطية"، وفي الحالتين يظل الهدف واحداً، وهو السيطرة على الثروات، وعلى الممرات الاستراتيجية، وتفكيك أي قوة عربية قد تُشكّل تهديداً للمصالح الغربية، أو تقاوم إجرام إسرائيل.

من بين مظاهر النفاق الغربي رفض استقبال المهاجرين العرب، رغم أن هؤلاء المهاجرين هم نتاج سياساتهم المدمّرة في بلادنا

ومن بين مظاهر النفاق الغربي رفض استقبال المهاجرين العرب، رغم أن هؤلاء المهاجرين هم نتاج سياساتهم المدمّرة في بلادنا، فالحروب التي شنّتها أميركا وحلفاؤها الأوروبيون على العراق والصومال وليبيا وسورية وغيرها، والعقوبات التي فرضتها على لبنان واليمن والسودان وغيرها، هي التي أنتجت موجات اللجوء. ويمتد الإجرام الغربي إلى دعم المستبدين بينما يتشدّقون بـ "حقوق الإنسان" و"الحريات"، وهم يدعمون الأنظمة الاستبدادية العربية، ويُزوّدونها بالسلاح والتقنيات لقمع الشعوب، فالديمقراطية الغربية ليست سوى غطاء للهيمنة، وهم يقبلون بالأنظمة المستبدة إذا كانت مطيعة، ويُسقطون الأنظمة المنتخبة إذا رفعت رأسها مطالبة بحقوق شعوبها.

يكرّر قادة ودبلوماسيون غربيون منذ سنوات حديثاً ممجوجاً عن الحوار بين الحضارات، واحترام القيم المشتركة، وحرية الرأي والتعبير، رغم أن أي نظرة موضوعية تؤكد أنهم لا يرون العرب إلا من خلال عين مصالحهم، وأنهم يؤطّرون العلاقة مع الحكام عبر حجم الاستفادة من الثروات والموقع الجيوسياسي، وليس عبر الشراكة الاستراتيجية. وبينما يصدق بعض العرب شعارات الحرية والديمقراطية الغربية، يؤكّد الواقع المعاش أنها ليست حقيقية، فحرية الرأي مرفوضة إن كانت تنتقد جرائم الغرب، وحقوق الإنسان ليست دائماً للجميع، بل تقتصر أحياناً على الغربي الأبيض، بينما القانون الدولي بلا قيمة حقيقية ما دامت لا تدفع نحو تطبيقه قوة عظمى.

تأسّست إسرائيل على الأراضي العربية وفق "وعد بلفور" البريطاني (1917)، ومنذ هذا التاريخ دعم الغرب كل جرائمها ضد العرب، وفي مقدّمتهم الفلسطينيون، وكانت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة بمثابة مختبر حقيقي للقيم الغربية، وقد ثبت خلالها زيفها، إذ تهاوت كل نظريات حقوق الإنسان، وتوارى القانون الدولي، ورأينا كيف تسابق القادة الغربيون على زيارة تل أبيب، وإعلان تضامنهم المطلق مع حكومة اليمين المتطرّف.

يكرّر قادة ودبلوماسيون غربيون حديثاً ممجوجاً عن الحوار بين الحضارات، واحترام القيم المشتركة، وحرية الرأي والتعبير، ونظرة موضوعية تؤكد أنهم لا يرون العرب إلا من عين مصالحهم

بعد تكشف الكثير من الفظائع، وباستثناء رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بات بعض قادة الغرب، بمن فيهم ماكرون وشولتز وستارمر، يطلقون عبارات إدانة مقتضبة لما تفعله إسرائيل، بينما يتدفق عتادهم العسكري عليها بلا توقّف، ويحمون حكومة نتنياهو في كل المحافل، وفي مجلس الأمن. ... وفي قمّة مجموعة السبع أخيراً في فرنسا، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: "بدون الولايات المتحدة، وبدوني شخصياً، لما كانت إسرائيل موجودة أو باقية اليوم"، تأكيداً إضافيّاً على واقع الحماية والرعاية، لا مجرد الدعم. وتشكل الصهيونية المسيحية تياراً سياسياً قوياً في الولايات المتحدة وأوروبا، وتعتبر دعم إسرائيل واجباً دينياً يمهد لـ "العودة الثانية" للمسيح، إلى جانب كراهية العرب والمسلمين.

في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبعد أيام من "طوفان الأقصى"، قال وزير الخارجية الأميركي السابق، أنتوني بلينكن، في مؤتمر صحافي في تل أبيب: "أقف أمامكم ليس فقط لكوني وزيراً لخارجية الولايات المتحدة، ولكن أيضاً بصفتي يهودياً". إنه خطاب اصطفاف قائم على الهوية الأيديولوجية يتجاوز الدبلوماسية إلى البُعد العقائدي الشخصي. ولم يجد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن حرجاً في المجاهرة بصهيونيته طوال مسيرته السياسية، وصولاً إلى تكراره خلال الحرب الأخيرة على غزة: "أنا صهيوني، وليس بالضرورة أن تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً".

ويفسّر انتقاد إسرائيل أحياناً بأسباب انتخابية، كما يفعل الديمقراطيون حالياً مع إدارة ترامب الجمهورية، فهذا النقد المُتأخر، لا يعكس تغيراً في المواقف، بل هو مجرد تكتيك سياسي لاسترضاء الرأي العام مؤقتاً.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كارل صباغ والطريق إلى السابع من أكتوبر




07 يوليو 2026 

مر أكثر من 1000 يوم على "السابع من أكتوبر"، ورغم كل ما جرى من جرائم إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزّة، وانتهاكات في الضفة الغربية والقدس، لا يزال داعمو إسرائيل يرون في "طوفان الأقصى" اعتداء فلسطينياً غير مبرر، في تجاهل صارخ للجذور التاريخية العميقة التي صنعت تلك اللحظة، ونحو قرن كامل من الجرائم والمجازر والاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي.

في كتابه "الطريق إلى السابع من أكتوبر: انتصار الصهيونية مأساة فلسطين" (ترجمة محمد عصفور، دار الفينيق للنشر والتوزيع، عمّان، 2026)، يلفت الكاتب والإعلامي البريطاني من أصل فلسطيني كارل صباغ إلى أن جرائم محو الوجود الفلسطيني كانت جزءاً أساسياً من عملية التأسيس الصهيوني، بينما ظلّت تُقدم مقاومة الفلسطينيين في الإعلام الغربي باعتبارها إرهاباً. هنا، لا يمكن اعتبار الكتاب مجرد سرد تاريخي للجرائم الصهيونية المدعومة غربياً منذ ما قبل نكبة 1948، إذ يسعى الكاتب من خلاله إلى تشريح الواقع على الأرض من منظور فلسطيني، تنتمي عائلته إلى مدينة صفد، لكنه ولد ونشأ في الغرب، بريطانيا تحديداً، ويقدم "رواية الغائب الذي حضر، والحاضر الذي غُيّب"، على حد تعبيره.

ويقول صباغ إن الكتاب يتتبع "الخطوات التي اتُّخذت منذ سنة 1917 لحرمان العرب الفلسطينيين من البلد الذي عاشوا فيه هم وأجدادهم طوال قرون، وكيف أن اليهود الصهاينة وضعـوا مشروعاً خبيثاً عنصرياً كاذباً بمعاونة حكومات بريطانية متتابعة، وبتأييد أتى في ما بعد من الولايات المتحدة، لنشر فكرة إنشاء دولة في فلسـطين تضم كل يهود العالم، بينما كان الكثير من اليهود غير الصهاينة لا تهمّهم فكرة كهـذه، وأظهروا ذلك عبر حقيقة أن هناك مـن اليهود خارج إسرائيل أكثر ممن هـم بداخلها".

يقدّم الكتاب "رواية الغائب الذي حضر، والحاضر الذي غُيّب"

تدور الأطروحة المركزية للكتاب حول حقيقة مفادها أن السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لم يكن انفجاراً عفوياً، ولا ردّة فعل غاضبة على حصار طويل، بل مقاومة حتمية لمشروع استعماري استيطاني يمتد لأكثر من قرن من الزمان، نجحت خلاله الحركة الصهيونية في تأسيس دولتها، بينما غرقت فلسطين في مأساة إنسانية مستمرة يحاول العالم تجاهلها، أو غض الطرف عنها.

وينطلق الكاتب في تفكيكه للرواية الصهيونية من تفنيد الفكرة الرائجة غربياً حول أن فلسطين كانت "أرضاً بلا شعب"، مستحضراً كتابات رحالة غربيين مثل الكاتب الأميركي مارك توين (1835 - 1910)، وكيف استُخدمت ملاحظات رحلته إلى فلسطين في عام 1867 لتقديم واقع مشوه، إذ وصفها توين بـ"الأرض القاحلة والمهجورة". بينما الواقع والتاريخ والوثائق والمباني والبنية التحتية، كلها تؤكد أن أرض فلسطين كانت تعيش فوقها أمة حقيقية ذات وجود ثقافي واجتماعي وسياسي متكامل ومتجذر.

ويتناول الكتاب نظرة قادة الحركة الصهيونية الدونية إلى العرب، وأنهم لم يعتبروهم عدواً بالمعنى التقليدي، بل أشبه بـ"عقبة بيولوجية" أو "شوائب ديموغرافية"، مشدداً على أن "الصهيونية لم تكن تعني الديمقراطية، بل تعني الديمقراطية لليهود. الدولة التي أقاموها ليست دولة ديمقراطية، بل دولة يهودية استعمارية".

صورت حرب 1948 غربياً باعتبارها "غزواً عربياً لإسرائيل الوليدة"

وينتقل صباغ من هذا التشريح إلى جوهر المأساة؛ وهو أن جريمة الفصل العنصري لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت شرطاً لنجاح المشروع الصهيوني، إذ أدرك قادة الصهيونية منذ صدور "وعد بلفور" أن تحقيق حلم "الوطن القومي اليهودي" يتطلب بالضرورة الإجهاز على العرب الفلسطينيين الذين يمثلون أكثر من 90% من السكان. وفي معرض إظهاره للجرائم الصهيونية، ينتقد كارل صباغ بجرأة ما روجته الحكومة البريطانية حول كونها وسيطاً نزيهاً حاول التوفيق بين "طرفين متنازعين"، ويكشف استناداً إلى وثائق ورسائل، من بينها مراسلات رئيس منظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لإسرائيل حاييم وايزمان، ورئيس الوزراء البريطاني آرثر بلفور، أن حكومة بريطانيا كانت تدرك تماماً أن الوطن القومي اليهودي لا يمكن أن يتحقق إلا على أنقاض الوجود العربي.

ويورد الكاتب ما قاله وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفين في مجلس العمـوم، في يناير/ كانـون الثـاني 1948: "يشعر العرب شعوراً عميقاً بأن الحق في المشكلة الفلسطينية إلى جانبهم، فهم يعتبرون أن طرد السكان من أراضيهم وبيوتهم بعد أن ظلوا يسكنون فيها لما يزيد عن عشرين قرناً، ليحل محلهم قوم غيرهم، هو ظلم فادح. ونحن نتفهم كيف يبدو ذلك للعرب، كل العرب، وليس لحكوماتهم فقط، وعلينا أن نفكر في ردة فعل البريطانيين لو أن طلباً مماثلاً طُلب منهم".

ويوضح كيف أن بريطانيا، وبعدما أدركت أن العرب لن يقبلوا بتسويتها المهينة التي حاولت فرضها عليهم، سلمت المشكلة إلى منظمة الأمم المتحدة، بينما هي تعلم علم اليقين أن النتيجة ستكون تطهيراً عرقياً صهيونياً للعرب، في محاولة لغسل يديها من الجريمة، وترك الفلسطينيين لمصيرهم.
يفضح الكتاب أيضاً أكذوبة أن الفلسطينيين غادروا أرضهم بأمر من قادتهم العرب، ويستدل على كذب هذه المزاعم بما يُعرف بـ"خطة دالت"، والتي وُضعت قبل أشهر من انتهاء الانتداب البريطاني. يقول: "لم تكن مجرد خطة عسكرية، بل مخطط تأسيسي للتطهير العرقي. كان الهدف الأساسي هو الاستيلاء على الأراضي، وتدمير القرى، وطرد السكان، والعمل على منع عودتهم".

ويستعرض الكتاب مجازر صهيونية متعددة، من بينها مجزرة دير ياسين (التاسع من إبريل/ نيسان 1948)، ومجزرة طنطورة (22 ـ 23 مايو/ أيار 1948)، ومجزرة الدوايمة (29 أكتوبر 1948)، مؤكداً أنها ليست وقائع شاذة ارتكبتها جماعات طائشة، بل أدوات ضمن مخطط إرهاب نفسي ممنهج هدفه زرع الرعب في قلوب الفلسطينيين لضمان تفريغ الأرض من أصحابها، قبل توطين اليهود الذين يتم جلبهم من أنحاء العالم فيها.

ويفند صباغ الرواية الإسرائيلية حول حرب 1948، والتي يعتبرها "الكذبة الكبرى"، ويخصص لها جزءاً كبيراً من الكتاب، مؤكداً أن حرب 1948 صورت غربياً باعتبارها "غزواً عربياً لإسرائيل الوليدة"، مع أسطورة مفادها أن إسرائيل كانت مجرد "دولة صغيرة محاصرة" تواجه جيوشاً عربية جرارة.
ويرى أن ترويج هذه الأكذوبة ساهم في تشكيل الوعي الغربي. يقول: "الصورة السائدة عن الحرب في الذهن الغربي هي صورة إسرائيل، الدولة الصغيرة ضعيفة التسليح، المهددة من عدة جيوش نظامية قادمة من الدول العربية المجاورة"، بينما في بدايات مايو/ أيار 1948، لم يكن هناك أصلاً دولة اسمها إسرائيل، وحتى بعد إعلان قيامها، لم يكن لها حدود واضحة حين اندلعت الحرب.

ويربط الكتاب بين عنف تأسيس إسرائيل الذي مارسته العصابات الصهيونية خلال فترة الأربعينيات، والسياسات الإسرائيلية خلال العقود التالية، وصولاً إلى السابع من أكتوبر، والجرائم والمجازر التي ارتكبت بعده، موضحاً أن المشروع الصهيوني لم يتوقف عند إنشاء دولة على حدود 1948، بل استمر في مخططه لإقصاء الفلسطينيين، ولاحقاً التوسع عربياً، وبناء مؤسسات وهياكل اجتماعية وتشريع قوانين ترسخ دونية أصحاب الأرض الأصليين، وتشرعن الاستيلاء على ممتلكاتهم.

ويقارن الكاتب بين التركيز العالمي الواسع على ما حدث في يوم السابع من أكتوبر، وبين التعتيم الطويل المتواصل الذي أحاط بمجازر الصهيونية منذ النكبة، معتبراً أنها دليل مباشر على ازدواجية معايير غربية ممنهجة، وكيف أن الذاكرة الانتقائية للغرب تركز على معاناة اليهود، وتتجاهل معاناة الفلسطينيين، إذ تجري إدانة أي واقعة يقوم بها عربي سريعاً، وبحدة، بينما يتم التغاضي عن عنف دولة ممنهج مارسته وما زالت تمارسه إسرائيل علناً على مدار عقود.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كرة القدم في قبضة الرأسمالية... أصحاب المليارات يتحكّمون باللعبة الشعبية



العربي الجديد

08 يوليو 2026

كي يلعب طفل أو مراهق عادي كرة القدم لا يحتاج إلى ملعب عشبيّ، أو معدّات باهظة، أو عضوية نادٍ خاص، كما هو الحال مع الغولف أو التنس؛ بل تكفيه مساحة محدودة من الأرض، وكرة مطّاطية عادية، وحذاء بسيط، ما يجعل أيّ فتى في أيّ حي شعبي من البرازيل، إلى مصر، إلى الفيليبين، قادراً على ممارسة اللعبة بالمجان، أو بكلفة مقبولة. ولكن اللعبة المجانية في أصلها الشعبي، التي ولدت من رحم الطبقة العاملة، تحوّلت إلى واحدة من أكثر الأنشطة ربحية على وجه الأرض، إذ تديرها آلة رأسمالية عملاقة، ومؤسّسات عابرة للقارّات، وتملك أنديتها الكبرى صناديق سيادية ورجال أعمال، وتُقاس نجاحاتها بعائدات البثّ التلفزيوني أكثر مما تُقاس بجماليات اللعب. وليس التباين بين الشعبوية والرأسمالية مفارقة عابرة، بل جوهر إشكالية تتفاقم، مصدرها أنّ كرة القدم تحتفظ بشعبيتها الجارفة وقابليّتها للممارسة المجانية، بينما تتحوّل بنيتها المؤسسية إلى نسخة معبّرة عن كلّ التناقضات الرأسمالية.

بدأت لعبة كرة القدم كما نعرفها حالياً في إنكلترا في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت اللعبة في بداياتها الأولى تُمارس داخل المدارس الخاصة للأرستقراطيين، لكنها سرعان ما انتقلت إلى أحياء العمال في مدن مثل مانشستر وليفربول وبرمنغهام باعتبارها نشاطاً جماعياً رخيصاً يُمارس بعد ساعات العمل الشاقّة في المصانع، وعندما تكوّنت الأندية لاحقاً، كانت في حقيقتها جمعيات تعاونية تأسّست بأموال جمعها العمال أنفسهم.

ويرى المؤرّخون الرياضيون أنّ التحوّل الطبقي هو ما منح كرة القدم طابعها الفريد طوال نحو قرن من انتشارها، فاللعبة التي اخترعتها النخبة، استولت عليها الجماهير، لتصبح الرياضة الشعبية الأشهر عالمياً، ولا تزال كذلك رغم مُتغيّرات رأسمالية كثيرة.

في عام 1863، تأسّس الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم في لندن، وحينها وُضع أول قانون موحّد للعبة، وفي 1888، تأسّس دوري كرة القدم الإنكليزي أوّل دوري في العالم، وكان احتراف اللعبة آنذاك يعني دفع مقابل رمزي للاعبين لتعويضهم عن خسارة أيام العمل نتيجة الانشغال بالمباريات. ومع التوسّع الاستعماري، وحركة البحّارة والتجّار، انتقلت كرة القدم إلى أوروبا القارّية وأميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، وتأسّست الأندية في الأرجنتين والبرازيل وإيطاليا وإسبانيا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

وجاء تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في 1904 في باريس، بمبادرة من سبعة اتحادات أوروبية، ليمنح اللعبة إطاراً حاكماً موحّداً، تُوّج لاحقاً بأوّل بطولة لكأس العالم في أوروغواي عام 1930. كانت اللعبة، طوال الثلثين الأوّل والثاني من القرن العشرين احترافية بالاسم فقط، فاللاعبون موظفون يتقاضون أجوراً معقولة، والأندية غالباً مؤسّسات مجتمعية أو مملوكة لتجار أو صناعيين محليين يبحثون عن المكانة الاجتماعية أكثر من بحثهم عن الربح، كما كانت تعبّر عن هُويّة المجتمع المحلي، وكان جمهورها امتداداً للفريق.

استمر هذا الوضع حتى 1973، حينها عقدت أول صفقة رعاية تجارية عبر القمصان، وكانت في الدوري الألماني (البوندسليغا)، عندما وقع نادي أينتراخت برونشفايغ عقد رعاية مع شركة المشروبات الكحولية ياغمايستر مقابل مائة ألف مارك ألماني. وقد رفضها الاتحاد الألماني، لكنه في العام التالي وافق على فكرة الرعاية التجارية. غير أن التحوّل التجاري الجذري حدث في 1992، حين أطلقت قنوات "سكاي" البريطانية الدوري الإنكليزي الممتاز (البريمييرليغ)، وكانت قيمة أوّل صفقة بثّ تلفزيوني تبلغ 191 مليون جنيه إسترليني لبث 60 مباراة سنوياً. لاحقاً، تضاعفت الأرقام بوتيرة جنونية، ففي العقد الأول من الألفية الثالثة، وصلت قيمة صفقات البثّ إلى 1.2 مليار إسترليني، ثم إلى 5.1 مليارات إسترليني في العقد التالي.

وكان هذا المال التلفزيوني بمثابة بداية لتحويل كرة القدم من "منتج اجتماعي" إلى "سلعة استهلاكية"، فالجمهور لم يعد بحاجة للذهاب إلى الملعب لمشاهدة المباريات، بل أصبح مُشاهداً منزوعاً عن السياقين، الجغرافي والاجتماعي، للعبة، ومع تزايد الإيرادات، تغيّرت طبيعة الأندية، فالأموال التي كانت تُجمع من جيب المشجّع المحلي أصبحت تُجلب من حقوق البثّ العالمية والرُعاة الدوليين.

بموازاة هذا، جاء "حكم بوسمان" الصادر عن محكمة العدل الأوروبية في عام 1995، ليحرّر اللاعبين من قيود الانتقال، لتتضاعف رواتبهم مع تزايد قدرتهم على التفاوض، ومنذ تلك اللحظة، دخلت كرة القدم مساراً لا رجعة عنه، فكلّما زادت عائدات البثّ والرعاية، زادت قدرة الأندية على شراء اللاعبين.

مع تزايد الأرباح، تحوّلت الأندية إلى مؤسّسات ضخمة، وتكشف قائمة فوربس لأغلى الأندية في العالم لعام 2026، أنّ قيمة نادي ريال مدريد الإسباني تبلغ 9.5 مليارات دولار، يليه برشلونة بـ 7.5 مليارات، ثم مانشستر يونايتد بـ 6.2 مليارات.

ولم تعد ملكية الأندية الكبرى شأناً محلياً كذلك، بل أصبح كثير منها مملوكاً، جزئياً أو كلياً، لصناديق استثمارية دولية، أو مستثمرين دوليين، ثم برزت الصناديق السيادية للدول مالكاً جديداً، فنادي باريس سان جيرمان يملكه الصندوق السيادي القطري، ونادي مانشستر سيتي مملوك لمجموعة أبو ظبي الرياضية التابعة لصندوق أبو ظبي السيادي، ونادي نيوكاسل انتقل إلى ملكية سعودية. لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فبورصة اللاعبين شهدت تدفّقات استثمارية سيادية أيضاً، واستقطبت دورياتٌ نجوماً عالميين في مراحل متأخّرة أو متوسّطة من مسيرتهم، مثل كريستيانو رونالدو الذي يلعب في الدوري السعودي. ويحمل هذا النمط من الرأسمالية السيادية الرياضية منطقاً مُختلفاً عن منطق صناديق الاستثمار التقليدية، فهو لا يبحث بالضرورة عن العائد المالي المباشر بقدر ما يبحث عن النفوذ الرمزي ويستغل أدوات الدبلوماسية الناعمة.

وبرزت أخيراً ظاهرة الملكية المُتعدّدة للأندية، إذ تدير مجموعة استثمارية شبكة من الأندية، وهناك أكثر من 120 مجموعة تشرف على قرابة 380 نادياً، أشهرها "مجموعة سيتي"، التي تملك حصصاً في 13 نادياً في خمس قارات، منها مانشستر سيتي الإنكليزي، ونيويورك سيتي الأميركي، وملبورن سيتي الأسترالي، ومونتيفيديو توركي الأوروغواني، ويوكوهاما إف مارينوس الياباني، ومومباي سيتي الهندي. ويتيح هذا النموذج تدوير المواهب ومشاركة الموارد التجارية بين الأندية التابعة، لكنه يُثير أسئلة جدية حول نزاهة المنافسة وتضارب المصالح، خصوصاً حين تتقابل أندية تابعة للمجموعة في بطولة واحدة.

ويعد الانعكاس الأوضح لهذا التسليع انفجار الأجور، إذ لم يعد راتب اللاعب النجم يُقاس بمعايير الأداء فحسب، بل أيضاً حسب قيمته التسويقية، ومن ذلك عدد متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وقدرته على بيع القمصان، وجاذبيّته للرعاة. في كأس العالم الحالية، يتصدّر إيرلنغ هالاند قائمة الأعلى أجراً بأكثر من 62 مليون دولار سنوياً، منها 20 مليوناً على الأقل من حصيلة الإعلانات، يليه فينيسيوس جونيور بـ 60 مليوناً، ثم محمد صلاح بـ 55 مليوناً، وساديو ماني بـ 54 مليوناً.

وقد برزت أيضاً ظاهرة قدرة النجم على جذب جماهير جديدة إلى دوري بعينه، ومن ذلك انتقال ليونيل ميسّي إلى نادي إنتر ميامي الأميركي، وانتقال رونالدو إلى نادي النصر السعودي، بعقود ضخمة تتجاوز المنطق الرياضي إلى منطق التسويق الجغرافي الذي تنتهجه الدوريات المحلية لفتح أسواق جماهيرية جديدة.

وتنسحب الظاهرة نفسها على المدرّبين الذين أصبحت عقودهم تُقاس بعشرات الملايين سنوياً، وليس هذا مقابل الخبرة التكتيكية وحدها، بل بوصفهم علامات تجارية وتسويقية أيضاً، وجزء من صراع الشهرة الإعلامي يوازي الصراع على اللاعبين. ويتصدر دييغو سيميوني قائمة أعلى المدرّبين أجراً بـ 25.9 مليون جنيه إسترليني سنوياً مع أتلتيكو مدريد، يليه سيموني إنزاغي بـ 21.8 مليوناً في الدوري السعودي، ثم بيب غوارديولا بـ 20.7 مليوناً مع مانشستر سيتي، وفي بطولة كأس العالم الحالية، يتقاضى كارلو أنشيلوتي (البرازيل) 8.28 ملايين جنيه، وتوماس توخيل (إنكلترا) 5.06 ملايين، وموريسيو بوكيتينو (الولايات المتحدة) 4.53 ملايين. ولهذا التضخم في الأجور كلفته أيضاً، إذ تراجعت الأرباح التشغيلية لأندية كبرى، وارتفعت مديونياتها بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل جزءاً من الثراء الظاهر للعبة مموّل بالديون أكثر مما هو مموّل بأرباح فعلية.

وحاول الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) فرض ضوابط عبر قواعد الاستدامة المالية التي تحدّ من إنفاق الأندية على الرواتب والانتقالات على أنها نسبة من إيراداتها، لكن الأندية المدعومة بثروات سيادية أو مليارية تظلّ قادرة على تجاوز هذه الضوابط، أو التكيّف معها، على عكس الأندية التقليدية. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا المسار تحوّل عدة أندية كبرى من كيانات رياضية إلى مؤسّسات تجارية تُدار بمنطق الشركات المساهمة، وأصبحت أصول بعض الأندية تُقدّر بمليارات الدولارات، وتُدرج في البورصات، ما يجعل قراراتها الرياضية تُدار بمنطق العائد الاستثماري، فبيع لاعب واعد ليس مجرّد قرار كروي، بل قرار مالي يخدم التوازن المحاسبي للنادي.

في حين أدخل النمط الاستثماري احترافية إدارية ومالية كانت اللعبة تفتقر إليها خلال العقود السابقة، والتي لم تكن خالية بدورها من فساد مالي وإداري، تطرح التحوّلات القائمة مشكلات عدّة، فتحوّل أندية الأحياء أو المدن إلى علامات تجارية يجعل جمهورها أشبه بالمستهلكين، لا المشجعين، كما أنّ نماذج الملكية الاستثمارية يفرغ الأندية من روحها المجتمعية، ويختزلها في مجرّد أصل ضمن محفظة تجارية.

ويُعدّ مونديال 2026 المقام بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا مثالا صارخا على منطق "التسليع الرياضي"، فالبطولة التي توسّعت لتضم 48 منتخباً هي الأضخم في تاريخ المونديال، وأعلن "الفيفا" توزيع جوائز مالية إجمالية بقيمة 871 مليون دولار على المنتخبات المشاركة فيها، ما يقارب ضعف قيمة جوائز النسخة السابقة في قطر 2022، وهي تستهدف إيرادات تتجاوز 13 مليار دولار، تشمل أربعة مليارات من حقوق البث، و2.5 مليار من حقوق الرعاية، وثلاثة مليارات من إيرادات الضيافة والتذاكر.

وتُباع التذاكر في المونديال الحالي (2026) بأسعار تقترب من عشرة أضعاف أسعار مونديال قطر (2022). ودافع رئيس "فيفا"، جياني إنفانتينو، عن الأمر قائلاً إنه "كان لا بد أن نطبق أسعار السوق"، وهي عبارة تختصر فلسفة "فيفا" التجارية، والتي تتجاهل أنّ المشجّع العادي أصبح شبه محروم من حضور أهم حدث كروي في الملعب. وبينما تعكس الأرقام بوضوح حجم الأموال التي باتت تدور في فلك البطولة، تدرس "فيفا" توسيع البطولة إلى 64 فريقاً في نسخة 2030، أو 2034، ما يعني 128 مباراة، ليتحوّل المونديال من رياضة إلى وسيلة ربح ضخمة. ويضاف إلى هذا الجدل السياسي والأمني، إذ برزت سياسات الهجرة الأميركية المُتشدّدة تجاه الجماهير والمُنتخبات القادمة من دول بعينها، ونشرت المكسيك آلافاً من عناصر الأمن لمواجهة مخاوف مرتبطة بعنف عصابات المخدّرات، بينما "فيفا" التي تتبنّى شعار "فصل الرياضة عن السياسة"، منحت الرئيس الأميركي دونالد ترامب جائزة بلا داع، ما اعتبره كثيرون دليلاً على أنّ الحياد المُعلن يُطبَّق انتقائيّاً.

ويظل السؤال الأخلاقي المُتعلّق بالعدالة الاجتماعية قائماً، إذ كيف يمكن تبرير دفع هذه المبالغ للاعب أو مدرّب واحد، بينما يعاني مليارات البشر من الفقر، ولا يملكون أبسط الوسائل للتغلّب على الجوع؟ ولا يمكن أن تخلو الإجابة عن هذا السؤال من اتهام كرة القدم بأنّها تعيش انفصاماً بنيوياً بين مستوى شعبي لا يزال، لحسن الحظ، يملك أطفاله ومراهقوه وشبابه القدرة على ممارسة اللعبة، ومستوى مؤسّسي يراكم المال العابر للحدود، وتتنافس فيه الصناديق السيادية ورجال الأعمال على أصول مالية ضخمة، بينما يتوسّط بينهما الاتحاد الدولي "فيفا"، الذي أثبت مراراً أنّه لا يرى تناقضاً بين الحديث عن روح اللعبة الشعبية، والتفاوض في الوقت نفسه على أعلى الأسعار المُمكنة لكلّ دقيقة بث، وكلّ تذكرة، وكلّ شاشة إعلانية.






يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كاتب الظل.. الحدود الفاصلة بين المهنة والجريمة




16 يوليو 2026

في القسم الأخير من مسرحية "جلفدان هانم" (1962) التي كتبها الأديب علي أحمد باكثير (1910- 1969) وأخرجها عبد المنعم مدبولي (1921- 2006)، يفاجئ المؤلف المغمور محمد عوض أفراد العائلة الثرية المجتمعة لقراءة وصية الجدة الراحلة، بلافتة وضعها على صدره، كتب عليها "أنا عاطف الأشموني مؤلف رواية الجنّة البائسة"، وحين يحاول بعضهم إزالة اللافتة التي تكشف أنه المؤلف الأصلي للرواية التي كتب عليها ابن العائلة الثرية اسمه، يكرّر بصوته الجهوري ما كتب على اللافتة، فلا يملك المتورطون سوى الإقرار بأنها الحقيقة.

تعد شخصية عاطف الأشموني معالجة درامية ذكية لواقع قائم، فكاتب الظل ليس اختراعاً حديثاً، وقد عرف التاريخ الأدبي أسماء أشخاص يكتبون نصوصاً، أو مقالات، أو قصائد، أو كتباً وروايات، بينما ينسبها أشخاص آخرون لأنفسهم، وبينما افتضحت عشرات الوقائع، ظلت آلاف الوقائع الأخرى قيد الكتمان.

ومع كل واقعة تشهدها الأوساط الثقافية تتجدد النقاشات حول ظاهرة كاتب الظل، ومخالفتها لمفهوم أصالة الإبداع الأدبي، وآخر مثال هو ما شهدته الساحة الثقافية المصرية أخيراً، بعد تفجر قضية نقل الأكاديمية والنائبة، حينها، جيهان زكي، مقاطع واسعة من كتاب "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" للكاتبة سهير عبد الحميد، والتي أنهتها محكمة النقض بحكم نهائي وباتّ بإدانة زكي، بينما هي وزيرة الثقافة، ما نتجت عنه استقالتها من منصبها.

تعتبر قوانين الملكية الفكرية كاتب الظل مهنة غير مشروعة

وبينما أنهت الاستقالة جدل بقاء شخص متهم بالتعدّي على الملكية الفكرية في منصب ثقافي مرموق، لكنها أعادت الحديث عن أزمة "كاتب الظل"، مع تداول كثيرين اسم صحافي، شريكاً في واقعة النقل التي أدانتها المحكمة، وقد نفى المعني هذا جملة وتفصيلاً، قبل أن يبرز جدال يحاول إخراج ظاهرة كاتب الظل من حقيقة كونها تجاوزاً قانونياً وأخلاقياً يمسّ جوهر الملكية الفكرية إلى اعتبارها مجرد مهنة قائمة، بل ومشروعة.

يعرف الوسط الثقافي، وكذا الأكاديمي، وظائف قانونية متعدّدة، من أشهرها وظيفة مُعد السيرة الذاتية أو كاتب المذكرات الشخصية، الذي يجمع المعلومات ويجري مقابلات مع صاحب السيرة، ثم يصوغها في كتاب يعكس حياة الشخصية وتجاربها. وهناك الباحث الذي يجمع البيانات والمعلومات، ويقتصر دوره على مهمة البحث، بينما يقوم المؤلف بالتحليل، والاختصار، والصياغة وغيرها. وهناك أيضاً المُراجع أو مدقّق المعلومات، ومهمّته تحريرية بحتة، ولا علاقة له بجوهر النص، ثم هناك مهنة المحرّر الأدبي، وهو يتولى مهام تحسين جودة النص، واقتراح تعديلات على الأسلوب أو الصياغة، لكنه لا يكتب العمل من الصفر، ولا يغيّر بالطبع جوهره الفكري.

افتضحت عشرات الوقائع، وظلت آلاف الوقائع الأخرى قيد الكتمان

كل ما سبق مهن قانونية، وأحياناً ضرورية، فهؤلاء يقدّمون دعماً فنياً أو بحثياً أو تحريرياً للكاتب الأصلي، بعضها يوفر الوقت أو الجهد، ويتقاضون عن ذلك أجراً معلوماً، ويكتفون بذكر أدوارهم في مقدمة العمل الأدبي أو هوامشه. بينما كاتب الظل على العكس، يؤلف العمل بالكامل، أو أجزاء كبيرة منه، ثم يتنازل عن حقه الأدبي لشخص آخر يضع اسمه منفرداً على هذا العمل، سواء في مقابل مال، أو مصلحة شخصية أو مهنية يتم الاتفاق عليها سراً.

وتفرّق قوانين الملكية الفكرية عالمياً، ومنها القانون المصري رقم 82 لسنة 2002، بين المهن المساعدة وكاتب الظل، الذي تعتبره مهنة غير مشروعة، فالأصل في الحق الأدبي أنه غير قابل للتصرّف، ولا يسقط بالتقادم، ولا يجوز التنازل عنه، ويشمل حق المؤلف في نسبة مصنّفه إليه، وحقه في الاعتراض على أي تعديل أو تحريف أو تشويه له. ويعد التنازل عن الحق الأدبي باطلاً قانوناً، على خلاف الحقوق المادية، مثل حقوق النشر والترجمة والتوزيع، وكلها قابلة للتنازل عنها بموجب عقود محدّدة المدة والشروط.

وفي حال التحقق من واقعة حصول شخص على مؤلف لكاتب الظل، ونشره باسمه، يصبح الشخصان معرّضين للمساءلة القانونية وفق قوانين الملكية الفكرية، فضلاً عن المساءلة الأخلاقية. وحين يقترن هذا الفعل بوقائع مادّية إضافية من قبيل المشاركة في مسابقة أدبية، أو الترشّح لمنصب بناءً على سجل أدبي غير حقيقي، فإنه يخرج من دائرة النزاع المدني حول الملكية الفكرية ليدخل في دائرة جرائم الاحتيال والتزوير.

ويُعد الروائي الفرنسي الشهير ألكسندر دوما (1802- 1870) أحد أبرز الأمثلة على الاستعانة بكتّاب الظل، وقد ارتبط اسمه بالكاتب أوغست ماكيه (1813- 1888)، الذي يُعتقد أنه ساهم بشكل كبير في كتابة العديد من روايات دوماس الشهيرة، مثل "الفرسان الثلاثة" و"كونت دي مونت كريستو".

عاشت الممثلة الأميركية غوينيث بالترو، في 2012، أزمة كبيرة، عندما كشف مقال استقصائي في صحيفة نيويورك تايمز أنها ليست مؤلفة كتاب الطبخ It’s All Good، وهو يركز على الوصفات الصحية الخالية من الغلوتين والألبان والسكر، وأن مؤلفته الحقيقية كاتبة الظل جوليا تيرشين. وبينما كرّرت نجمة السينما نفي الأمر من دون اتخاذ أية إجراءات قانونية، تحول الأمر لاحقاً إلى خلاف حول تعريف مهمّة كاتب الظل.

هناك أيضاً وقائع احتيال أدبي شهيرة، من أبرزها قضية السيرة المزيفة للثري هوارد هيوز التي جرت وقائعها في عام 1971، حين أقنع الروائي الأميركي كليفورد إرفينغ دار النشر ماكغرو- هيل بأنه أجرى مقابلات سرّية مع المليونير المنعزل لكتابة سيرته الذاتية، قبل أن يكذّب هيوز الأمر جملة وتفصيلاً في مؤتمر صحافي، ليدان إيرفينغ بتهمة الاحتيال، ويقضي 17 شهراً في السجن.

وفي 2006، ابتكرت الكاتبة الأميركية لورا ألبرت هوية أدبية وهمية باسم "جي. تي. ليروي"، ونشرت باسمه روايات لاقت رواجاً نقدياً واسعاً، قبل افتضاح الأمر لاحقاً، ما اعتبر احتيالاً أدبياً وقانونياً.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

هوليوود تخترع ضحاياها... سينما تزوير الوقائع




13 اغسطس 2026

ليست إنتاجات هوليوود مجرد وسيلة ترفيه، بل منظومة متكاملة لتشكيل الوعي الجمعي، وإعادة كتابة التاريخ عبر صناعة الأبطال والأشرار. وعلى الرغم من أن فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان لا يتناول شخصية معاصرة، أو من التاريخ القريب، إلا أنه يمكن اعتباره نموذجاً لكيفية تحويل المُعتدي إلى ضحية، وتحويل الجريمة إلى مجرد أزمة نفسية، بينما يختفي الضحايا تماماً. يظهر "أوديسيوس" باعتباره قائداً عسكرياً أنهكته الحرب، ويعاني لأنه لم يدفن جنوده، بينما يتجاهل الفيلم دماء الآلاف من أهل طروادة. يبكي أوديسيوس بينما يتأمل جثث جنوده، لكنه لم يذرف دمعة واحدة على النساء اللواتي اغتُصبن، أو الأطفال الذين تحولوا إلى عبيد، أو على مدينة أُحرقت بالكامل وقتل الآلاف من سكانها.

ليس هذا غريباً على نولان، ففيلمه السابق "أوبنهايمر" (2023)، نموذج مثالي للتعبير عن غسل السمعة، فالفيلم قدم مخترع القنبلة الذرية روبرت أوبنهايمر (1904-1967) باعتباره عالماً عبقرياً يتألم لأن اختراعه قتل مئات الآلاف، بينما لا وجود بالمرة لأي من الأطفال أو النساء أو المسنين الذين ذابت أجسادهم، ولا مدينتي هيروشيما وناغازاكي اللتين دمرتا. لا يوجد ياباني واحد في الفيلم يملك اسماً أو وجهاً أو حكاية، وإنما هم مجرد رقم في خطاب سياسي، أو إحصائية تُذكر على عجل في جلسة استماع.
يدرك المخرج أن وجود الضحايا سيُفسد الحبكة، إذ كيف يتعاطف المشاهد مع أوبنهايمر عندما يرى جثث الأطفال القتلى؟ هو اختار عن وعي كامل التركيز على إبراز بكاء البطل، رغم أنه بكاء انتقائي. تماماً كما يفعل الإعلام الغربي حالياً في البكاء على الدماء الأميركية أو الإسرائيلية، في مقابل تجاهل الدماء الفلسطينية، أو اللبنانية، أو الإيرانية.

ويضم تاريخ السينما الكثير من هذا النوع من التزييف، وتكاد تمارسه كل مراكز الصناعة، من بوليوود الهندية في تقديمها للباكستانيين، أو السينما الكورية الجنوبية في تقديمها للكوريين الشماليين، أو الأفلام الحربية اليابانية والصينية. لكن تظل هوليوود الأكثر ارتكاباً لتلك الجرائم الفنية، ربما لجهة حجم الإنتاج الكبير، أو التدخل الأميركي في عشرات الدول حول العالم. تُمارس استوديوهات هوليوود منذ عقود طويلة هذا النوع من التزييف، فأعداء أميركا لا يقتلون بالسلاح وحده، بل يشوهون أيضاً على الشاشة. إنها جريمة تمارسها منظومة إنتاج كاملة مستخدمة عدداً من كبار المخرجين.

يُعَدّ "إنقاذ الجندي رايان" (1998)، للمخرج ستيفن سبيلبرغ، من أشهر أفلام غسل السمعة. تركز الحبكة الأساسية على أزمة القائد العسكري الذي يعاني لأنه مضطر إلى إرسال ثمانية من جنوده لإنقاذ جندي واحد. حاول سبيلبرغ إقناع المشاهد بأن الحرب العالمية الثانية كانت مأساة إنسانية عانى منها الجنود الأميركيون، وليست مسرحاً لعشرات الجرائم التي ارتكبوها، وكرر أنهم أخلاقيون، بينما الألمان مجرد آلات قتل. لذا، لا نرى شخصية ألمانية واحدة تمتلك قصة، أو عائلة، أو حتى سبباً للقتال. هم فقط العدو الذي يجب قتله.

في فيلم "الناجي الوحيد" (2008)، لبيتر بيرغ، يتولى جنود أميركيون مهمة إنقاذ جندي نجا من الموت على أيدي الجهاديين الأفغان، وخلال الأحداث يقرر الجنود عدم قتل راعٍ أفغاني وطفليه، لأنهم أخلاقيون، لكن الراعي يبلغ المقاتلين عنهم. في نهاية الأحداث، ينقذ أفغاني الجندي الأميركي، في رسالة مفادها بأن الأفغاني الطيب هو الذي ينقذ الأميركي، بينما الأفغاني الشرير هو الذي يقاتله. لا يسأل الفيلم: ماذا يفعل هؤلاء الجنود في أفغانستان؟ أو من أعطاهم الحق في احتلال أراضي الأفغان أو قتلهم؟ فالهدف تقديم المقاوم بوصفه إرهابياً.

يعتمد فيلم "صائد الغزلان" (1978)، للمخرج مايكل تشيمينو، سردية صدمة الجندي الأميركي وسيلة لإخفاء الجرائم المرتكبة، إذ اخترع الفيلم أسطورة لعبة الروليت التي يُجبر المقاتلون الفيتناميون الأسرى الأميركيين على لعبها، والهدف تقديمهم كشياطين قساة، بينما الجندي الأميركي ضحية دمرت الحرب روحه.

يتناول فيلم "مولود في الرابع من يوليو" (1989) من إخراج أوليفر ستون، قصة جندي أميركي أصيب بالشلل في حرب فيتنام، بينما يغيب الفيتناميون تماماً، وتقدم الحرب باعتبارها خطاً سياسياً، لا جريمة احتلال دمرت بلداً كاملاً. لا يسأل الفيلم لماذا قُتل ثلاثة ملايين فيتنامي؟ أو لماذا استخدم الجيش الأميركي النابالم؟ فالهدف تقديم مأساة الجنود، والتغطية على الجريمة.

يتكرر هذا النمط في معظم الأفلام التي تتناول الحرب في العراق وأفغانستان والصومال، فالاحتلال مهمة تحرير، والمقاومة إرهاب. يُظهر فيلم "سقوط الصقر الأسود" (2001) للمخرج ريدلي سكوت، حول معركة مقديشو 1993، أن مهمة الجنود الأميركيين حماية شحنات المساعدات الغذائية، بينما الصوماليون شخصيات غاضبة تتملكها الرغبة في القتل. يركز الفيلم على مقتل 18 جندياً أميركياً، ويُهمش مقتل أكثر من ألف صومالي، من بينهم أطفال ونساء.

ويقدم فيلم "القناص الأميركي" (2014) إخراج كلينت ايستوود، احتلال العراق باعتباره حرباً ضرورية يخوضها أبطال يدافعون عن الحضارة. يتناول الفيلم سيرة كريس كايل، أشهر قناص في الجيش الأميركي، الذي قتل، بحسب مذكراته، 255 عراقياً على الأقل. لا يتوقف الفيلم عند تغييب الضحايا، بل يُقدمهم أهدافاً مشروعة، أو ضحايا عابرين.

تتعمد هوليوود إبقاء الضحية في الظل، فالمطلوب بعد احتلال الأرض، احتلال السردية أيضاً، ولو كانت محايدة لرأينا عشرات الأفلام التي تقدم من منظور الضحايا. عن طفل من هيروشيما احترق بالقنبلة الذرية، أو فيتنامي شهد ذبح أهل قريته، أو عائلة عراقية مُحيت في قصف أميركي. يغيب الضحايا لأنهم لا يملكون استوديوهات سينمائية ضخمة تروي قصصهم، وتسود رواية المحتل، بينما الأصل، أن السينما العظيمة هي التي تمنح الكاميرا للضحايا.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"صمود"... طبيبة أميركية تكتشف فلسطين تحت الاحتلال


العربي الجديد

يشتبك المسلسل التركي "صمود"، المعروض حالياً، مع العديد من الانتهاكات اليومية للفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال الإسرائيلي، مع التركيز على مدينة القدس والضفة الغربية. اختار صنّاع المسلسل تقديم الأحداث من منظور طبيبة أميركية شابة تزور الأراضي المحتلة للمرة الأولى. تعمّد المسلسل منذ البداية أن يظهر مدى جهلها بحقائق القضية الفلسطينية.

في المشاهد الأولى، تقنع الطبيبة ميليسا صديقها اليهودي العائد من نيويورك إلى دولة الاحتلال لتأدية الخدمة العسكرية، بالسفر معه بصفة سائحة، بينما لديها هدف مختلف، هو البحث عن الطبيب الفلسطيني الذي أبلغتها والدتها أنه والدها. منذ لحظة وصولها، تصبح ميليسا طرفاً في الصراع؛ ففي طريقها من المطار إلى منزل صديقها، يوقف جنود حافلة فلسطينية ويعتدون على ركابها من النساء والأطفال، فتتدخل للدفاع عنهم.

يبدو اختيار صناع المسلسل، الذي تنتجه هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، جنسية البطلة مقصوداً، إذ تظهر الأحداث أن أي متعاطف مع الفلسطينيين معرّض للخطر، حتى لو كان أميركياً. لكنه بطبيعة الحال، ونتيجة للجمهور الأساسي المستهدف، تبرز شخصية الناشط الحقوقي الذي يعمل لدى الأمم المتحدة، أوغوز أكين، وهو مواطن تركي، كما يقدم الفلسطيني أحمد موسى، باعتبار أنه درس الطب في إسطنبول، حيث تعرّف إلى والدة البطلة، بينما بقية الشخصيات إما فلسطينية أو إسرائيلية.

بدأ عرض المسلسل في منتصف يونيو/حزيران الماضي، وهو من إخراج دوغان أوميت قاراجا، وسيناريو كلٍّ من عبد السلام دورماز، وعيسى يلدز، وعهد تيكين، وعلي تشاقماق، ويشارك في البطولة شيفا نور غول، وإمره كيفيلجيم، وبوراك حقي، ويلدز كولتور.تدور غالبية الأحداث في القدس والضفة الغربية، وتتناول قضايا متعددة على رأسها توسع الاستيطان الإسرائيلي، ويقدم المسلسل شخصية ميريام مديرة المنظمة الاستيطانية التي تكره الفلسطينيين، وتؤمن بأحقية اليهود في كل أراضيهم وممتلكاتهم. تستعرض الأحداث بعض الوسائل الإجرامية التي يستخدمها المستوطنون للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، خصوصاً في مسافر يطا والأغوار.

نجح المخرج في جعل الصورة المقدمة شبه واقعية، رغم أن المسلسل يصوَّر في مديات بولاية ماردين جنوب شرقي تركيا. وكان اختيار مديات موفقاً، فعمارتها وأزقتها تشبه إلى حد كبير القدس القديمة، وأحراجها لا تختلف كثيراً عن أحراج الأغوار الفلسطينية. لكنه يكرر استخدام لقطات أرشيفية للمواقع الشهيرة، ويستخدم تقنيات الغرافيكس في ربط الأبطال بالمعالم الرئيسية، وعلى رأسها المسجد الأقصى.

يظهر جدار الفصل العنصري باعتباره فاعلاً أساسياً في الأحداث، إذ يسلب الفلسطينيين أرضهم الزراعية، ويحرمهم من حرية التنقل. كما تبرز سياسة الأبارتهايد الإسرائيلية عبر التركيز على الحقوق الأساسية المسلوبة من الفلسطينيين، وعلى رأسها حق التملك، وحق البناء، وحق اللجوء إلى الشرطة والقضاء.

صُوّرت القدس في مديات التركية التي تشبه أزقتها المدينة القديمة

خلال تجول البطلة في شوارع القدس القديمة، تشاهد جموع مشاركة في تشييع أحد الشهداء، وتمنعهم قوة إسرائيلية من الوصول إلى المقابر، ثم تتعرض لاعتداء جسدي خلال محاولتها الدفاع عن طفل. في المستشفى الفلسطيني الذي نُقلت إليه للعلاج، تقابل والدها لأول مرة، فهو مدير المستشفى الحكومي، لكن قوة إسرائيلية تقتحم المستشفى وتنقلها إلى مستشفى إسرائيلي بحجة حمايتها، فتواجه الجميع بأن من اعتدى عليها هو جندي إسرائيلي.

بينما تقرر ميليسا العودة إلى نيويورك، يقتحم جنود الاحتلال منزل الجدة المسنة ويعتدون عليها، وحين تُنقل المرأة إلى المستشفى تتولى هي علاجها، لتبدأ بعدها التفكير في عدم المغادرة، والتطوع لمساعدة المرضى الفلسطينيين.

يكرر المسلسل أيضاً استخدام تقنية العودة بالزمن (فلاش باك) لتجسيد العديد من الأحداث التاريخية، فتظهر في الحلقات مشاهد تمثيلية تعبر عن النكبة، والتهجير، ووقائع مثل استشهاد الطفل محمد الدرة وغيرها.

يتناول المسلسل من دون تفاصيل موسعة قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وما يتعرضون له من انتهاكات، إذ تكتشف البطلة أن والدها تعرض للاعتقال فور وصوله إلى فلسطين، وقبع لمدة أربع سنوات في الأسر كاد أن يخسر خلالها حياته.

بينما تدور أحداث المسلسل بالأساس في مدينة القدس، تتنقل الكاميرا في مناطق فلسطينية مختلفة، على رأسها مدينة الخليل. وتبرز هنا شخصية سمير، الفلسطيني الذي تعرضت قريته للمحو الاستيطاني، والذي يكرس نفسه لجمع الأدلة على الجريمة المرتكبة في القرية.

ورغم التركيز على القدس والضفة، لا يتجاهل المسلسل قطاع غزة، سواء من خلال رموزه البارزة مثل صورة الشهيد الشيخ أحمد ياسين الملصقة على الحوائط، أو بتكرار الحديث عما يحصل في القطاع المحاصر من فظائع.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية