الخميس، 16 يناير 2020

تنمر طالبة الجامعة الخاصة





 حين كنا صغاراً، كان الأهل يشجعوننا للتميز في دراستنا حتى نتمكن من الالتحاق بكلية جيدة في جامعة مهمة، على اعتبار أنه السبيل إلى مستقبل أفضل، ولا شك في أن كل الآباء والأمهات يحلمون أن يعيش أبناؤهم ظروفاً أفضل من واقعهم. رغم تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن حرص الأهل على نيل أبنائهم تعليماً متميزاً ما زال قائماً، وفي ظل تدني مستوى وجودة التعليم في المدارس والجامعات الحكومية، زاد انتشار التعليم الخاص، إذ تدفع العائلات المال مقابل أن يلتحق الأبناء بكليات أفضل، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن التعليم الخاص أفضل. قبل أيام، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، تدوينة لطالبة جامعية جاء فيها ما يمكن اعتباره واقعة تنمر مكتملة الأركان، إذ إنها اعتبرت نفسها أفضل من عشرات الآلاف من أقرانها لأنها تدرس في جامعة خاصة، معتبرة أن طلاب الجامعات الحكومية هم من "طبقات الشعب الجاهل المتخلف"، على حد قولها. خلطت الفتاة في تدوينتها بين التنمر الذي هو ادعاء الأفضلية بأسلوب يشمل تحقير الآخرين، وبين النرجسية التي هي شعور داخلي بالأفضلية، ما يشي بجهل ليس مستغرباً على غالبية المنخرطين في التعليم المصري الذي بات خارج مؤشرات جودة التعليم العالمية من فرط السوء، ولا فارق في هذا بين الحكومي والخاص. أثارت التدوينة سجالات طويلة عبر مواقع التواصل، وقوبل تنمر طالبة الجامعة الخاصة بتنمر من طلاب في جامعات أجنبية، فضلاً عن استنكار آلاف من طلاب الجامعات الحكومية الذين ردد بعضهم أن الجامعات الخاصة ليست إلا وسيلة لمنح أبناء الأثرياء شهادات لا يستحقونها. لاحقاً، استضاف أحد البرامج التلفزيونية الطالبة لاستعراض رأيها، فقالت إنها فوجئت بردّات فعل وشتائم لم تخطر ببالها عندما كتبت التدوينة القصيرة. ولما سألها مقدم البرنامج عن اسم الجامعة التي ترتادها، كانت المفاجأة الأكبر، فجامعتها الخاصة ليست من بين الأفضل في مصر، ويحجم كثيرون عن ارتيادها كون مستواها العلمي لا يختلف عن الجامعات الحكومية، فضلاً عن أن الإقبال على خريجيها في سوق العمل ليس كبيراً. زادت حدة الانتقادات للفتاة حين كشفت عن اسم جامعتها، ووجه آخرون سهام النقد إلى الجامعة وخريجيها، في حين ظل النقاش هامشياً حول أسباب تدني التعليم في مصر، وأهمية العمل على استعادته مكانته السابقة، ودور الطلاب في الدفع باتجاه رفع مستوى المدارس والجامعات، الحكومية والخاصة على حد سواء. وكان من المثير للأسى لجوء بعضهم إلى تحقير حرص الأهل على تعليم أبنائهم استناداً إلى نجاح أفراد غير متعلمين.
يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 20 ديسمبر 2019

عن الزوجة المصرية


 في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر/ كانون الأول، انتحرت سيدة في العقد الرابع من عمرها في محافظة المنوفية بدلتا نيل مصر، عبر تناول عقار قاتل، وكان السبب المعلن هو إصابتها بصدمة عقب علمها بأن زوجها المغترب تزوج من سيدة أخرى.
 جلست أفكر وقتها، كيف تقرر سيدة عاقلة الانتحار لأن زوجها تزوج عليها؟ لماذا لم تطالب بالطلاق الذي بات القانون يتيحه لها في حال رفضت أن تصبح زوجة ثانية؟ وما الفائدة من قتل نفسها؟ تذكرت أيضا وقائع سابقة قامت فيها زوجات بقتل الزوج انتقاما، ثم خطر ببالي أن لديها أطفالاً، وبدأ عقلي في استعراض التداعيات الاجتماعية والنفسية التي سيعيشونها بعد انتحار أمهم؟ وموقفهم من أبيهم؟ وهل سيعتبرونه متهماً، أم يلتمسون له العذر في الزواج من غير أمهم. قبل بضعة أيام طالبت السفارة المصرية في الدوحة، عبر صفحتها الرسمية في موقع "فيسبوك"، اثنين من أفراد الجالية المصرية المقيمين في قطر، بالحضور إلى مقرها لاستلام وثائق زواج، وهو إجراء طبيعي ومتكرر. لكن غير الطبيعي في الواقعة كان نشر صفحة السفارة الرسمية لأسماء الزوجتين وجنسيتيهما، والتي كشفت أنهما يحملان جنسية إحدى البلاد الآسيوية. كان يمكن أن تمر الواقعة دون اهتمام يذكر باعتبارها شأناً يهم اثنين من المغتربين، لكن التدوينة التي جرى حذفها لاحقاً، شهدت اهتماماً واسعاً، إذ بلغ عدد التعليقات عليها نحو ألفي تعليق، وهو أمر غير متكرر في أي تدوينة على صفحة السفارة التي تخدم نحو 200 ألف مصري في قطر. عدد كبير من التعليقات استنكر قيام السفارة بنشر معلومات شخصية لمواطنين عبر صفحتها الرسمية، وطالبها البعض باعتماد صيغة تواصل بديلة، وربما كان هذا سبب حذف التدوينة عقب ما أحدثته من صخب، كما اعتبر بعض المعلقين ما فعلته السفارة فضيحة للشخصين، على اعتبار أنها كشفت أمر زواجهما في حين يمكن أن يكون أحدهما، أو كلاهما، متزوجاً في بلده، ولا تعلم زوجته عن زواجه الجديد. واعتمدت بعض التعليقات هذه الفرضية، وقام أصحابها، بعضهم ساخراً والبعض بجدية، بتحريض الزوجتين المصريتين على معاقبة الرجلين، وغالبية هؤلاء بطبيعة الحال كن من السيدات، في حين لجأ كثير من الرجال إلى صيغ الرثاء للزوجين، مذكرين بوقائع قتل زوجات مصريات لأزواجهن لنفس السبب. ولم يغب عن التعليقات عدد من الألفاظ العنصرية، وأشكال من التمييز ضد الزوجتين الآسيويتين، كما اتهمهما البعض بخطف الرجلين من عائلتيهما. وبرز جدال واسع بين المعلقين الذين عدّد بعضهم مزايا الزوجة المصرية المخلصة المتفانية، ليتهمها آخرون بأنها كسول ونكدية.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 24 نوفمبر 2019

عن شباب العائلة



عندما تفرض عليك الظروف الابتعاد عن العائلة لفترات طويلة، فإنك تكتشف بعد فترة عدم قدرتك على فهم تصرفات أفراد من عائلتك، وتفسير هذا قد يكون مرده إلى تغير طريقة تفكيرك، أو تغير طريقة تفكير، أو أعمار أفراد العائلة، وعادة كلاهما معاً. لن يكون هذا غريباً في حال كنت تناقش مشكلة شخص آخر، أو تقرأ تجربته الشخصية، لكن عندما يكون الأمر خاصاً بك، وبعائلتك، فلا شك أن تفسيراتك للأمر ستكون مختلفة، وربما تفشل في فهم المشاعر المتباينة التي ستنتابك، والتي قد تشمل الحيرة أو الحزن وربما الغضب. أتواصل عبر مجموعة مغلقة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي مع نحو عشرين شخصاً من عائلتي، وأفراد المجموعة العائلية من الجنسين، تتباين أعمارهم واهتماماتهم وثقافتهم، فمنهم من يدرس بالمرحلة الابتدائية، ومراهقون ومراهقات، وشباب وشابات، وأولياء أمورهم من أشقائي وأبناء عمومتي. تأسست المجموعة في الأصل لتبادل الأخبار الشخصية، والصور، والمعلومات عن العائلة، وهي مكان لتبادل التهاني في المناسبات، والمحافظة على الروابط العائلية، خصوصاً بالنسبة للجيل الأصغر الذي لا يملك نفس الأجواء الحميمية التي كان يتمتع بها الجيل الأكبر لأسباب بينها انشغال الكبار الذي لا يسمح لهم بأن يقابلوا بعضهم كثيراً، والمسافات التي تفصل بين أفراد العائلة بعد أن بات لكل منهم عائلته الخاصة، فضلاً عن مواقع التواصل التي باتت سبباً لقلة اللقاءات المباشرة. الأفراد الأصغر سناً في المجموعة هم الأكثر تفاعلاً، وهم أيضا الأكثر انفتاحاً، وصراحة، في حين يحجم آباؤهم وأمهاتهم عن الإسهاب في كتابة آرائهم أو أفكارهم خشية أن يتصيدهم أبناؤهم، كما أن التواصل الإلكتروني لا يغريهم كثيراً. ينصب اهتمام الكبار في الأغلب على محاولات تصويب أفكار الصغار، وأحياناً تهديدهم، وفي أحيان أخرى تقريعهم، وهي ممارسات أحرص على التصدي لها، وتحريض الجيل الأصغر على مقاومتها، ومطالبة الأهل بعدم استخدامها مع الأبناء. ينزعج الكبار دوماً من أسلوبي، لكن هذا لا يجعلني أحجم عن الدفاع عن حقوق الصغار، وحريتهم في التعبير. لطالما كانت طريقة تفكيري مختلفة عن أشقائي وأبناء عمومتي، ولطالما كانت علاقتي بمواقع التواصل والتقنية متطورة عنهم؛ ربما لأسباب تتعلق بطبيعة عملي، وأسفاري المتكررة، وتواصلي مع أشخاص من جنسيات وخلفيات حضارية وثقافية متباينة. لكن الأبرز في التجربة العائلية هو ما أتعلمه يومياً من هؤلاء الأطفال والشباب، من الجنسين، والذين أتيح لهم ما لم يتح للجيل الأكبر من تطور تقني يصبغ طريقة تفكيرهم وتصرفاتهم.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 9 نوفمبر 2019

على هامش أزمة الشعراوي



مات الشيخ محمد متولي الشعراوي قبل أكثر من عشرين سنة (1911 - 1998)، ورغم ذلك يتجدد ويتكرر الجدل حول تصريحاته وميراثه الديني والدعوي لأسباب متباينة أغلبها له علاقة برغبة السلطات في مصر في فتح مجالات نقاش هامشية تشغل الناس عن مشكلاتهم اليومية الحقيقية.
بداية، لست من "دراويش" الشيخ الشعراوي، ودراويش الشخص حسب المعنى الرائج هم تلك الفئة من الناس التي تدافع عنه بلا عقل أو تعقل، حتى إن بعضهم يعتبر كل إيجابياته أقرب إلى المعجزات، وكل سلبياته مجرد محاولات من الآخرين للانتقاص منه، متجاهلين كونه بشراً يصيب ويخطئ.
في الأصل؛ يجب أن يكون الفارق واضحاً بين الانتقاد المتاح لكل الناس ضمن حرية الرأي والتعبير، وبين الاتهام العلمي الذي لا يجوز إلا لذوي الاختصاص. من حق كل شخص أن ينتقد أسلوب الشيخ الشعراوي الدعوي، أو حتى يرفضه، باعتبار أنه لا يعجبه، أو لا يناسبه، فقد اعتمد الشيخ الراحل أسلوباً قريباً بالأساس من أنصاف المتعلمين وغير المتعلمين، وكان هذا اختياراً موفقاً، إذ إن المجتمع الذي كان يستهدفه بخطابه يضم الملايين من هؤلاء.
لكن هذا المجتمع نفسه يضم عشرات الآلاف من المتعلمين، ومئات الآلاف ممن يظنون أنفسهم متعلمين أيضاً، وهؤلاء لا يناسب كثير منهم الأسلوب الشعبي للشعراوي، فهم يرون أنفسهم في منزلة أعلى من العامة، ومنهم من يعتبر أن هذا الأسلوب انتقاص من القدرات العلمية والثقافية المتخيلة للمجتمع. كل هذا مقبول ومتاح، لكن الأمر مختلف تماماً عندما نتطرق إلى الاتهام المباشر الموجه إلى المحتوى العلمي، إذ علينا وقتها أن نترك المجال للمتخصصين، فليس هذا من شؤون العامة.
إحدى مشاكلنا عربياً يتمثل في غياب الدراسات العلمية المتخصصة، فتجد طبيباً يتحدث كمتخصص في التاريخ، أو مهندساً يتناول نظريات الفلسفة، وكثيرين يتكلمون في الدين والسياسة والاقتصاد كأنهم متخصصون؛ رغم أن كل ما يعرفونه لا يتعدى الثقافة العامة، أو الانطباعات التي لا يمكن وفقها بناء رأي علمي. تغيب ‏في بلادنا ثقافة المتخصص الذي يتصدى لدراسة الموضوعات، أو الشخصيات، عن طريق الاستفاضة في سرد المعلومات والمشكلات، والإيجابيات والسلبيات، بحياد وتجرد، ووفق منهج علمي، ثم يترك الحكم للقراء. ولهذا السبب يظل كثير من الموضوعات التي تشغل مجتمعاتنا بلا تأصيل واضح، وتدور المناقشات فيها عادة حول الهوامش وليس الوقائع، فتنتشر الأكاذيب والأهواء.
وهذا السبب نفسه، يجعلنا نعاني من غياب حلول عملية معتمدة على مشاركة المجتمع بعد أن تم تغييبه عن قصد، مما يتيح للسلطة الحاكمة فعل ما يحلو لها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 20 أكتوبر 2019

مكافحة الفشل



 تستخدم الأنظمة العربية نفس أساليب القمع والاستبداد للحفاظ على بقائها في السلطة رغم فشلها الواضح. لا شك في أن الأنظمة تدرس الأحداث، وتتعلم منها، وكثيراً ما تغير من أساليبها لتجاوز الأسباب التي تسببت في سقوط أنظمة مماثلة، أو أجبرتها على التفاعل إيجابياً على غير رغبتها مع مطالب الشعب. في المقابل، فإن الشعوب العربية تواصل المطالبة بحقوقها الأساسية متجاهلة القمع الذي تستخدمه الأنظمة، وبعض الشعوب تجاوزت كل الخطوط الحمراء التي حاولت الأنظمة لسنوات فرضها، والتي جعلت سقف المطالب لا يتجاوز العيش الكريم أو توفير فرص العمل، بدلاً من ديمقراطية كاملة تضمن تداولاً سلمياً للسلطة، وحرية رأي، ومكافحة الفساد، ومحاسبة السلطة الفاشلة. عندما انحسرت موجة الربيع العربي التي اشتعلت في 2011، ظن أنصار الثورة المضادة أن الشعوب لن تقوم لها قائمة مجدداً، خاصة بعد تنفيذ الانقلاب العسكري في مصر، وتحويل الثورة في سورية واليمن وليبيا إلى صراع دموي متواصل حتى الآن. لكن الشعوب أثبتت أنها ما زالت قادرة على المقاومة وعلى المطالبة بالتغيير، وتمكنت من إسقاط مزيد من المستبدين، فسقط عمر البشير في السودان، وسقط عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر. الأوضاع في السودان ليست واضحة المعالم بعد؛ لكن الشعب استرد القدرة على التعبير عن رأيه فيمن يحكمونه بعد عقود من القمع والبطش. والحراك في الجزائر متواصل منذ فبراير/ شباط حتى الآن، رغم كل محاولات السلطة العسكرية الحاكمة التلاعب بمطالبه، وفرض رئيس جديد يضمن لها مصالحها التي كان يحميها بوتفليقة لسنوات. وليست التظاهرات ذات المطالب الاجتماعية في الأردن ولبنان والعراق إلا مظهراً آخر من مظاهر الغضب الشعبي الكامن، والذي ينتظر شرارة تفجر ربيع عربي جديد يعتقد كثيرون أنه لن يكون مثل سابقه الذي تلاعبت به قوى إقليمية ودولية. لا يمكن في هذا السياق تجاهل التأثير الإيجابي لتنظيم تونس مؤخراً انتخابات رئاسية وبرلمانية، وما تمثله تلك الممارسة الديمقراطية من نموذج يرغب بقية العرب في تكراره داخل بلادهم، ولو من باب الغيرة من أشقائهم في تونس. الواقع أن النجاح التونسي يؤكد أن الشعوب العربية قادرة على تحمل كلفة الديمقراطية؛ على عكس محاولات الأنظمة الحاكمة لربط الحرية بالفوضى، أو تهديد الشعوب بانهيار الدول في حال واصلت المطالبة بإسقاط الأنظمة. وتؤكد الأحداث أن الشعوب ما زالت قادرة على تجاوز ألاعيب الأنظمة التي تقاوم التغيير، ومنطق الأمور يؤشر إلى أن أهداف الشعوب، وعلى رأسها الحرية، ستتحقق يوماً. عسى أن يكون قريباً.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 13 أكتوبر 2019

هل ستعطش مصر؟





 في كلمته الأخيرة بالأمم المتحدة، كشف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن فشل المفاوضات الثلاثية مع إثيوبيا والسودان حول "سد النهضة"، مؤكداً أن مصر أعربت عن تفهمها لمشروع بناء السد رغم عدم إجراء دراسات وافية حول آثاره، وخصوصاً ما يراعي عدم الإضرار بالمصالح المائية لدول المصب، ومنها مصر. بعدها بأيام، وفي خطابه بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 1973، اتهم السيسي "ثورة يناير" بالمسؤولية عن مواصلة إثيوبيا بناء سد النهضة الذي يهدد نسبة كبيرة من حصة مصر من المياه، في حين أن السيسي هو من وقع في مارس/آذار 2015، اتفاقية المبادئ التي اعتبرت أول اعتراف مصري رسمي بالموافقة على بناء السد. وتنص الفقرة الختامية من اتفاق المبادئ على أن "تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتها الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا". ووفق حسن النوايا، طلب الرئيس المصري من رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، في مؤتمر صحافي مشترك في القاهرة، في يونيو/حزيران 2018، أن يقسم بأنه لن يتسبب في الإضرار بمصالح مصر فيما يخص حصتها من مياه نهر النيل. كرر أبي أحمد بلغة عربية ركيكة كلام السيسي الركيك أيضاً: "والله والله لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر"، ثم ضحك جميع الحاضرين، بل وصفق كثير منهم. بعد الواقعة، عبر كثير من خبراء المياه ودبلوماسيون وساسة عن صدمتهم من الطريقة التي يتم بها التعامل مع اتفاقية على هذا القدر من الأهمية، وأن يطلب من المسؤول الإثيوبي أن يقسم بأنه لن يتسبب في أية أضرار، بدلاً من توقيع اتفاق مكتوب يلزمه ويلزم بلاده بمصالح مصر، قبل أن تتحول الواقعة إلى مصدر للسخرية من السيسي ونظامه عموماً، ومن أسلوب القاهرة في إدارة أزمة سد النهضة على وجه الخصوص. في الثاني من أبريل/نيسان 2015، نظمت "اللجنة الشعبية للدفاع عن النيل" وقفات احتجاجية وسلاسل بشرية في القاهرة، ضد توقيع اتفاق مبادئ سد النهضة، والتي وصفوها بأنها "اتفاقية بيع النيل". لم تمنح السلطات الأمنية المصرية اللجنة الشعبية موافقة على تنظيم تلك الاحتجاجات، ما جعل كثيرين يحجمون عن المشاركة فيها خشية الاعتقال، إذ لا يسمح في مصر إلا بالتجمعات المؤيدة للنظام. في الأيام الأخيرة، بدأت وسائل الإعلام التي يديرها النظام، وحسابات عدد من المؤيدين في مواقع التواصل الاجتماعي، التلويح بعمل عسكري ضد إثيوبيا في حال لم تتراجع عن مشروع السد، مما أثار مزيداً من السخرية من أسلوب إدارة الملف، والذي بات كثيرون مقتنعين بأنه سيؤدي إلى تعرض مصر للعطش قريباً.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2019

تفاعل نشطاء مصر مع "انتفاضة سبتمبر"... قناعات ومخاوف وتهديدات




القاهرة ــ العربي الجديد
تباينت مواقف وآراء المصريين حول التظاهرات الأخيرة ضد النظام المصري، والتي تلت دعوات أطلقها المقاول المصري محمد علي بعد كشف وقائع فساد تورط فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعدد من قادة الجيش، وكانت مواقف عدد من النشطاء المعروفين المحسوبين على ثورة يناير من تجدد الاحتجاجات لافتة، إذ أيدها بعضهم في حين عارضها أخرون وحذر من تبعاتها فريق ثالث.
 واعتبر كثيرون حالة التباين في مواقف النشطاء تعبيرا عن اليأس الذي يعيشونه من إمكانية حدوث تغيير، وفي حين وجه البعض اتهامات شديدة لهؤلاء النشطاء المعارضين للتظاهرات أو المحذرين منها، طالب أخرون بالتماس العذر لهم بسبب سياسة القمع الشديدة التي يمارسها النظام.
وقال الناشط الحقوقي المصري طارق حسين لـ"العربي الجديد"، إنه اعتقل ثلاثة مرات سابقة في فترات مختلفة، وإن فكرة المشاركة في أي حراك سياسي، قولا أو فعلا، تعتمد بالأساس على القناعات الشخصية بجدواه، ومدى تأثيره في الوضع القائم، وأضاف أن "بعض النشطاء يحاولون جاهدين استعادة حياتهم الطبيعية قبل تحولهم إلى نشطاء معروفين، لكنهم يدركون أنهم واهمون، فالنظام القائم لا يترك فرصة لأحد، والجميع مهددون سواء سكتوا أو تكلموا. لكننا لسنا أمام ظاهرة منتشرة، فبعض الأشخاص خرجوا من السجون ليواصلوا الحديث عن الشأن العام، أو العمل الحقوقي أو السياسي، وأخرون قرروا الصمت، وليس الصمت بالضرورة تسليم بالأمر الواقع، أو موافقة علي ممارسات السلطة، وإنما هناك أسباب متعددة، بينها أن البعض غير مطمئن للنتائج، والمشكلة تكمن في من يتهمون المحتجين بالمسؤولية عن موجة الاعتقالات الأخيرة، فاللوم يقع دائما يقع على الجلاد، وليس على الضحية".
وأضاف حسين المقي حاليا خارج مصر: "أعتقد أن جميع من قرروا رفع الصوت يدركون عواقب اختيارهم، وبالتالي لا أعتقد أن ما يحصل سيدفعهم إلى السكوت، خصوصا بعد اعتقال أشخاص توقفوا نهائيا عن أي نشاط، وفي الجانب الأخر، فإن هؤلاء الذين قرروا اعتزال العمل بالسياسة، أو الإحجام عن التعبير عن رأيهم، قد يجدون أنفسهم مضطرون لرفع الصوت لأن السكوت لن يحميهم".
وقال ناشط سياسي طلب إخفاء هويته لأسباب أمنية كونه داخل مصر، إن "القبضة الأمنية أصعب من كل ما يمكن أن يتصوره أحد، وظهور محمد علي زادها، ففي 2013 و2014 كانت الأمور أكثر عقلانية، وكانت الضغوط الداخلية والخارجية شديدة، وكان هذا يسمح بنوع من التحرك الحذر، لكن غالبية التحركات أو المشاركات أو حتى التصريحات التي كان ممكنا فعلها في تلك الفترة غير ممكنة حاليا، وربما تؤدي إلى الاعتقال، وكل النشطاء المعروفين يدركون جيدا أنهم تحت المراقبة، وأن السلطة تتحين الفرصة لاعتقالهم، ولا فارق حاليا بين إسلامي أو يسارى أو غيره، وأي محاولة لاجتماع حتى لو بغرض تنظيمي يتم اعتبارها تهديد للسلطة، والرد عليه هو الاعتقال المباشر".
وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن "القبضة الأمنية على الإنترنت غير مسبوقة، ومن الطبيعي أن يشعر الجميع بالخوف، فكلمات قليلة عبر مواقع التواصل يمكن أن تؤدي إلى سجن كاتبها، وفي حين أنه في أيام حسني مبارك كان الاعتقال يطول إلى 15 يوما أو شهرا على أقصى تقدير، فحاليا لو تم اعتقالك لا يمكن التنبؤ بموعد الإفراج عنك، وفى مثل هذه الظروف فالأمن الشخصي مهم، والأفضل الانتظار إلى حلول وقت التحرك الجماعي لأن التحرك الفردى مغامرة غير محسوبة النتائج".
وقال الناشط المصري عمار مطاوع إن هناك أسباب كثيرة لما يمكن اعتباره ظاهرة "صمت النشطاء"، ولتفسيرها ينبغي تقسيم النشطاء إلى صنفين، أولهم من غادروا إلى خارج مصر، وربما خارج الشرق الأوسط، وبالتالي أصبحوا بعيدا على المستوى النفسي وعلى مستوى التوقيت، موضحا أن "بعض هؤلاء المغتربين اختار الصمت لأنه منشغل بصراعاته الحياتية الخاصة التي فرضتها عليه الغربة، خصوصا هؤلاء الذين حصلوا على حق اللجوء، أو ينتظرون الحصول على إقامة البلد الذي غادروا إليه، لكن السبب الأكثر شيوعا هو اليأس من أن يكون لصوته أثر، أو وصوله إلى قناعة أن الصمت في أوقات عدم الفهم أفضل، وهذا ينطبق كثيرا على الوضع الحالي، فكثيرون لازال ظهور المقاول محمد علي غامضا بالنسبة لهم".
ولم ينف مطاوع المقيم خارج مصر، وجود مخاوف كبيرة لدى غالبية الصنف الثاني من النشطاء الذين لازالوا داخل مصر، "فبعضهم حاليا هارب في مكان منعزل أو محافظة هامشية، والبعض الأخر منعزل داخل منزله بعيدا عن كل رفاقه السابقين، وكل منهم لديه بواعث خوف مختلفة. بشكل عام، يمكن القول إن النظام نجح بشكل جزئي في قمع النشطاء، لكن في المقابل حدثت طفرة مهمة، إذ انتقل الغضب من النخبة والناشطين إلى العوام، وعلى ذلك فالخوف القائم ربما يكون خوفا وقتيا، ومع أول انتفاضة حقيقية سيستعيد النشطاء ثقتهم بأنفسهم مجددا".
ويرى الناشط الحقوقي المصري أحمد مفرح، أن "استهداف النظام للنشطاء السياسيين أو الحقوقيين هو رسالة مقصودة، خصوصا لمن لهم رصيد سياسي سابق، أو من لديهم علاقات مع دوائر دولية، فالنشطاء هم خط الدفاع الأول عن حقوق المجتمع، وقاموا خلال الفترة الماضية بالعديد من الأنشطة والفعاليات وأعمال المناصرة الحقوقية لإظهار الصورة الحقيقية للنظام، واعتقال بعض النشطاء والحقوقيين هدفه تخويف الباقين، فضلا عن رسائل التهديد المباشرة التي تصلهم أو تصل أسرهم، ولهذا بالتأكيد تأثير سلبي على آداء النشطاء".
ولا ينكر الناشط الحقوقي أن حملة الاعتقالات الأخيرة زادت من شعور الخوف القائم، لكنه يؤكد أن "أثرها الأسوأ يتمثل في قدرتها على تحجيم التحرك، وعلى فعالية المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، لكنها بالتأكيد لن تؤدي إلى القضاء على الحراك، فالجميع يدرك أن وصول القمع إلى فئات متعددة من المجتمع لا يمكن مواجهته إلا برفع الصوت".
وقال الناشط المصري صفوان محمد إنه لا يعتبر لجوء بعض النشطاء إلى الصمت، أو رفض تشجيع الناس على الاحتجاج ظاهرة جديدة على المشهد المصري، أو مشكلة ينبغي معالجتها، باعتبار أن لكل شخص ظروفه الخاصة، كما أن التنكيل واضح للجميع، وفجر النظام في الخصومة لا يحتاج إلى أدلة، مضيفا أن "دعوة بعض النشطاء المعروفين إلى عدم النزول إلى الشارع مقبولة باعتبارها نوع من اختلاف وجهات النظر، وغالبية هؤلاء يخشون أن يشارك الناس في الحراك فيتم اعتقالهم، وهناك نشطاء أخرين يدعمون الحراك، ولابد أن نعترف أن لكل فريق دوافع منطقية، فالنزول إلى الشارع حاليا يعتبره البعض جنون، لكن السكوت على الوضع الحالي أيضا جنون، وفي مثل هذه الظروف من حق كل شخص أن يختار ما يراه مناسبا".
وأوضح الناشط المقيم في أوروبا لـ"العربي الجديد": "يجب أن نفرق بين نشطاء الداخل الذين يحق لهم دعوة الناس إلى الاحتجاج، والنشطاء من الخارج الذين يواصلون تحريض الناس على التظاهر بينما هم لا يتعرضون لنفس المخاطر التي سيتعرض لها من يستجيبون لدعواتهم. لا شك أن القبضة الأمنية الحالية غير مسبوقة، لكن طالما أن هناك أشخاص يرفضون السكوت، وطالما لم يتم إنهاء ملف المعتقلين، فالأوضاع لن تستقر، وستظل هناك معارضة للنظام، والأمر ليس متعلقا بالنشطاء وحدهم، فالمعتقلين في الحراك الأخير غالبيتهم ليسو نشطاء ولا علاقة لهم بالأحزاب، وبينهم أشخاص يشاركون لأول مرة في تظاهرات، وهذا يؤكد أن الحراك مختلف، وله تأثير".
وقال ناشط مصري أخر طلب إخفاء هويته كونه داخل مصر، إن "التظاهرات الأخيرة تسببت في حالة من الإزعاج الشديد لعدد من النشطاء المعروفين، وبعضهم يخشى أن يتعرض بسببها لمزيد من التضييق، أو للاعتقال، ولذا فضلوا تجاهلها رغم أنهم متفقون مع مطالبها، كما وصل عدد أخر من الناشطين تهديدات مباشرة دفعتهم إلى إعلان رفضهم لتلك التظاهرات حتى لا يتعرضون لغضب السلطات".
ولم ينف الناشط الشاب أن تجدد التظاهرات المعارضة أنعش الآمال في نفوس كثير من الناشطين الذين كانوا يعيشون حالة من اليأس والقنوط من إمكانية حدوث أي تغيير، لكنه استطرد أن "البعض أيضا لديهم شعور بالغيرة من تسليط الأضواء على المقاول محمد علي كمفجر للحراك الجديد، والبعض يعادون أي موجة من التظاهرات أو الاحتجاجات التي لا يكون لهم دور فيها، وهؤلاء عددهم محدود لكنهم تسببوا في توجيه اتهامات وانتقادات غاضبة إلى كل نشطاء ثورة يناير".
وعلق الإعلامي المصري أسعد طه: "أعتقد أن المشهد مرتبك جدا على مستوى كل الأطراف، فالسلطة مرتبكة كما يظهر من تعاطيها مع التظاهرات، والمتظاهرين أو المعارضين للسلطة أيضا مرتبكون. لكن إحجام عدد من النشطاء عن المشاركة أو حتى الكلام لا يمكن اعتباره ظاهرة، فهناك نشطاء مشاركون ويتكلمون، وهناك من هربوا إلى الخارج، وأخرين في السجون، ولا ألوم أحدا على الصمت لأن الموقف صعب، والانتقام شديد".

وأضاف طه لـ"العربي الجديد": "الأمر الإيجابي أن هذا الارتباك يولد طبقة جديدة من المعارضين غير المحسوبين على الاتجاهات السياسية المعروفة، أو على نشطاء يناير، ويلاحظ أن غالبية المتظاهرين حاليا شبان صغار السن، حتى أننا شاهدنا أطفال مدرسة إعدادية يهتفون ضد النظام، وهذا يعكس أن حالة جديدة تتولد في مصر ، وربما ينتج عنها بدائل جديدة. أنا أنتمي إلى الجيل الذي كان جيل يناير يلومه على المشاكل القائمة، والجيل الجديد بات يتعامل مع نشطاء يناير بنفس المنطق، وهذا الجيل الجديد يطرح نفسه كبديل متمرد على النظام وعلى النشطاء".




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 6 أكتوبر 2019

الربيع العربي مجددا





 في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني 2011، قال الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، للمحتجين ضد نظام حكمه: "فهمتكم"، في محاولة بائسة للبقاء في السلطة، لكنه سقط. وفي مطلع فبراير/شباط من العام نفسه، قال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، مستعطفاً المحتجين ضده: "لم أكن أنوي الترشح لفترة رئاسية جديدة"، لكنه أيضاً سقط، ولاحقاً كرر معمر القذافي في ليبيا، وعلي عبد الله صالح في اليمن، مقولات مشابهة، لكنهم أيضاً أزيحوا من السلطة. يمكننا اعتبار إسقاط رأس النظام جزءاً مهماً في الثورة على أي نظام حكم فاسد أو فاشل أو مستبد، لكن ذلك لا يعني انتصار الثورة، بل هو خطوة كبيرة في طريق طويل يجب أن يؤدي إلى إقرار عدالة شاملة، وحقوق وحريات متكاملة، ونظام ديمقراطي يمنع تكرار وصول أيّ مستبد إلى سدة الحكم، أو بقاء أي حاكم لفترات طويلة. ليست الثورة نزهة، ولا توجد ثورة تحقق أهدافها بين ليلة وضحاها، والثورة الفرنسية التي يضرب بها المثل عادة، استغرقت 80 سنة لتحقق أهدافها، وشهدت تلك السنوات فترات انتصار وفترات اندحار مختلفة. لسنا أول الفاشلين إذاً، فما يمكن وصفه بأنه "الربيع الأوروبي" الذي انطلقت شرارته عام 1848، من خلال عدة ثورات شعبية ضد أنظمة الحكم الملكية، تحالفت الملكيات ضده، لكنه تكرر مجدداً حتى استطاع إسقاطها، أو تحويلها إلى ملكيات دستورية تملك ولا تحكم. وبعد أكثر من قرن من الزمان، انتصر المطالبون بالتغيير، وحصلت الشعوب على حقوقها كاملة في اختيار من يحكمها، ومحاسبته إذا أخطأ، وعزله إن فشل، ومحاكمته إن أجرم. في بلادنا التي تشتعل فيها الثورات، وإن تحت الرماد، يكرر أنصار الثورة المضادة طوال السنوات الأخيرة مقولات ممجوجة، منها أن الثورات لم تخلّف إلا الدمار، بينما الدمار أحدثته الأنظمة الفاسدة التي قامت ضدها الثورات. ويزعمون أن الثورات ممولة من الخارج بهدف تدمير الدول العربية، وكأن هذه الدول التي قامت فيها الثورات كانت نموذجاً للرخاء أو العدل، حتى إن بعضهم يستخدم مصطلح "الخريف العربي" للسخرية من مصطلح "الربيع العربي" الذي يتشبث به المطالبون بالتغيير والتحرر. في ظل هذه الظروف، قد يشعر الثائر باليأس من إمكانية تحقق مطالبه، فيركن إلى الصمت، أو يتجاهل ما يجري من حوله، محاولاً عيش حياة طبيعية، رغم أن الأوضاع المحيطة به غير طبيعية ولا مستقرة، ولا ينتظر أن تستقر إلا إن حدث تغيير حقيقي. التاريخ والمنطق يؤكدان أن عملية التغيير تستغرق وقتاً طويلاً، وتستلزم جهداً كبيراً، وأن الثورة لا تموت ما دام المؤمنون بها أحياءً.
يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 27 سبتمبر 2019

انتفاضة 20 سبتمبر




 من بين أبرز مساوئ الغربة أن لا يستطيع المغترب لقاء أصدقائه كالمعتاد، وإن أتاح انتشار مواقع التواصل ووسائط الاتصال الإلكترونية مجالاً بديلاً. لا مجال لمقارنة اللقاء الافتراضي باللقاء الفعلي، لكن عندما تكون البدائل محدودة، فإن مجموعات النقاش الافتراضية حل عملي، أو بالأحرى ضروري، لعدم فقدان التواصل مع الآخرين، ومناقشة الأحداث والموضوعات مع أشخاص تعرف خلفياتهم وتوجهاتهم ومواقفهم، حتى وإن كنت لا تعرف على وجه التحديد ما الذي فعلته بهم، وبك أيضا، فترات الغربة. شاركت قبل أيام في نقاش مع أصدقاء مصريين يعيشون في بلدان مختلفة عبر مجموعة على أحد مواقع التواصل، وهو نقاش متواصل؛ يخفت أحياناً ويحتدم في أحيان أخرى، ويميزه اختلاف التوجهات والوجهات. كان تعريف ما جرى في عدد من محافظات مصر يوم الجمعة 20 سبتمبر/أيلول الماضي، محور النقاش الذي أظهر حالة من انتعاش آمال التغيير، وشيوع أحلام العودة إلى الوطن، بالتوازي مع تفاقم المخاوف من زيادة القمع، أو فرض مزيد من القيود. لكن الأهم في النقاش كان محاولات تحليل خلفيات ومآلات ما يجري على الأرض، وكذا في الفضاء الإلكتروني المتخم بمقاطع الفيديو والتسريبات والتصعيد المتبادل. قال أحد الأصدقاء إن هناك ضرورة لوضع مسمى للأحداث، واقترح تسميتها "الحراك"، فقال صديق ثان إنه ليس حراكاً وإنما "انتفاضة"، ليرد ثالث أن ما يجري مرحلة جديدة من "الثورة"، وعندها شرح صديق متخصص في العلوم السياسية الفارق بين التسميات الثلاث أكاديمياً. لم نتفق على وصف محدد، لكننا ارتضينا أن نسميه "انتفاضة 20 سبتمبر"، وعندها سأل صديق آخر: ماذا سنفعل إن كانت الأوضاع يوم غد الجمعة (27 سبتمبر) مغايرة؟ هناك دعوة إلى تظاهرات أكبر في هذا اليوم، وفي المقابل، يتحدث موالون للنظام عن حشد المؤيدين في الشوارع لمواجهتها، أو على الأقل إظهار حجم التأييد مقارنة بحجم المعارضة. عندها شهد النقاش مجموعة من الأسئلة التي ليست لها إجابات محددة، لكنها تؤشر إلى أن أحداث هذا اليوم ستحدد طبيعة ما يليه. فإن خرجت تظاهرات معارضة كبيرة، فهل تسقط النظام، أو جزءا منه، أم تضطره إلى استخدام أساليب القمع القصوى؟ وإن لم تكن هناك تظاهرات كبيرة، وحشد النظام أنصاره في الشوارع، فهل يعني هذا نهاية هذه الجولة من "الانتفاضة"؟ أم أنها ستتواصل في مواعيد أخرى؟ اتفقت مع أصدقائي على أن الوضع في مصر ضبابي للغاية بسبب نقص معلوماتنا حول ما يجري داخل النظام نفسه، واختلفنا بشدة حول فكرة صراع الأجهزة، لكننا اتفقنا مجدداً حول خشية لجوء النظام إلى الانتقام.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 26 سبتمبر 2019

التوريث في مصر.. محمود السيسي على خطى جمال مبارك



القاهرة – العربي الجديد
قبل شهر واحد، كان محمود السيسي، نجل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اسماً غامضاً بالنسبة لعامة المصريين، قبل أن يتغير الأمر فجأة، بعد تكرار ورود اسمه في مقاطع الفيديو المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي تؤكد تعاظم دوره وتدخله في كثير من الملفات، فضلاً عن اتهامه بالمسؤولية عن جرائم وقعت في مصر، خصوصاً في سيناء. وفتحت مقاطع الفيديو التي يواصل نشرها الممثل والمقاول محمد علي، من إسبانيا، الباب أمام الكثير من الأشخاص للحديث عن الفساد في دائرة الرئيس المصري المقربة. فبعد حديث محمد علي عن بناء قصور واستراحات رئاسية، وإجراء تعديلات على أحدها بكلفة كبيرة بناء على طلب من زوجة الرئيس، بدأ آخرون كشف المزيد من التفاصيل حول تورط عدد من أفراد عائلة السيسي في الفساد.

وفي 22 سبتمبر/ أيلول الحالي، اتهم الناشط السيناوي البارز مسعد أبو فجر، في مقطع فيديو بثه عبر حسابه بموقع "فيسبوك"، السيسي ونجله محمود بالوقوف وراء هجمات استهدفت الجيش المصري بشمال سيناء. وقال إنّ ضابطاً في المخابرات الحربية بتكليف من السيسي ونجله، هو الذي يقف وراء الهجوم على معسكر الأمن المركزي في منطقة الأحراش برفح عام 2017، وهو نفسه من يقف وراء هجوم رفح عام 2012، والذي راح ضحيته 16 من ضباط وجنود القوات المسلحة. وفي مقطع فيديو آخر، قال أبو فجر إنّ السيسي ونجله يديران شبكة لتهريب البضائع والأموال عبر معبر رفح البري والأنفاق إلى قطاع غزة، بما يدرّ ربحاً شهرياً يُقدر بنحو 45 مليون دولار، يأخذ السيسي ونجله منها 15 مليوناً.
وفي 19 سبتمبر/ أيلول الحالي، اعتقلت قوات الأمن المصرية حازم غنيم، شقيق الناشط وائل غنيم، عقب ساعات من نشر الأخير الموجود في الولايات المتحدة، فيديوهات يهاجم في أحدها محمود السيسي، فزاد غنيم من هجومه على نجل الرئيس وتوعّده بإثارة الرأي العام المحلي والدولي ضده.
في السياق، قال الحقوقي المصري أحمد سميح، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "محمود السيسي كضابط في جهاز أمني سيادي، ومثله مئات الضباط، أمر معتاد ألا يعرفهم أحد؛ كواحدة من ضرورات العمل الأمني"، مضيفاً أنّ "ظهور اسمه للعلن سببه استخدام والده له وللجهاز الذي يعمل فيه للتدخل في الملفات السياسية المختلفة، وهذا مؤشر خطير على تسييس أجهزة الدولة ذات الطبيعة السرية لتحقيق مصالح سياسية مباشرة للرئيس". وحول مدى تأثير اتهامات الفساد على صعود محمود السيسي أو حظوظه المستقبلية، أوضح سميح: "لا أعتقد أنه سيكون لذلك تأثير كبير بالنظر إلى إحكام السيسي سيطرته على مفاصل الدولة في مصر".
من جهته، اعتبر الكاتب المختص في الشأن الإقليمي، فادي القاضي، أنّ "الحراك الحالي في مصر قد يكون مؤشراً بالغ الدلالة والأهمية على تنامي التجاذبات في أروقة الحكم إلى درجة معقدة"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "صيغة التوافق بين أركان نظام يوليو 2013، لم تعد قابلة للاستمرار بالشروط نفسها، وهي في جوهرها قواعد لاقتسام النفوذ والسيطرة على المشهد السياسي والأمني والاقتصادي". وتابع القاضي أنّ "صعود نجم محمود السيسي قد يكون السياق الذي فهم منه المُقتَسِمون أن الرئيس الحالي عاقدٌ العزم على تغيير القواعد التقاسمية التي توافقوا عليها سابقاً".
وأوضح القاضي: "لا أعتقد أنّ هؤلاء تناسوا أنّ صيغة التوريث التي كان الرئيس المخلوع حسني مبارك يُعدّها لنجله جمال، كانت أيضاً صيغة غير مقبولة، وبعضهم عمل ضدها سراً أو علانية. لكن وضْع محمود السيسي على رأس المؤسسة الأمنية الأكثر حيوية وحساسية ليس فقط صيغة أخرى للتوريث، بل هو صيغة مباشرة لتمكين السيسي من السيطرة مباشرة على أدق تفاصيل المشهد الأمني، وهو بالضرورة يدفع بأركان السلطة إلى اتخاذ مواقف دفاعية، وربما تكون أكثر شراسة في الفترة المقبلة".
وأضاف القاضي أنّ "الأحداث الأخيرة تؤشر على أن أركان نظام يوليو (تموز) 2013 تتطاحن بشكل علني، لكن ليس هناك إمكانية معلوماتية واقعية تساعد في توقُّع مَن ستكون له الغلبة؛ مع الأخذ بالاعتبار غياب أي مشروع مدني أو جهة مدنية من شأنها التدخل لكبح جماح هذه الأطراف المتصارعة".
إلى ذلك، يطرح محللون فكرة مغايرة تتمحور حول تعمد إبراز محمود السيسي حالياً كمناورة معدة مسبقاً للدفع بأحد شقيقيه إلى الواجهة لاحقاً، على غرار ما جرى مع نجلي مبارك في السابق، إذ كان الشقيق الأكبر علاء هو الأشهر على الساحة قبل أن يتوارى ليتم لاحقاً الدفع بشقيقه جمال إلى صدارة الصورة.
ويشغل الابن الأكبر للسيسي، مصطفى، وظيفة عليا في هيئة الرقابة الإدارية، في حين أنّ ابنه الثالث، حسن، كان يعمل في إحدى شركات البترول، لكنه التحق أخيراً بجهاز الاستخبارات.
وفي السياق، قال الباحث المختص بقضايا التحول الديمقراطي، عبده موسى، إنه من الصعوبة الجزم بأنّ الهجوم على محمود السيسي موجّه، أو أنه جزء من الصراعات داخل المكون الدفاعي والاستخباري. وأضاف في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "في ضوء ما عرفنا من موقف متململ، بل ورافض لتوريث جمال مبارك الحكم قبيل ثورة يناير، لا مجال لاستبعاد تكرار الغضب داخل الأجهزة الاستخبارية بالذات من سيناريو مشابه للتوريث، ويزداد الأمر مع كسر ترقية محمود السيسي لأعراف القيادة التراتبية، والدفع به إلى موقع متقدم يفوق خبرته ورتبته، وسط أقاويل عن قيامه بدور المدير الفعلي للمخابرات العامة، فيما يبدو عباس كامل مجرد ستار، فضلاً عن إطاحة السيسي بجيل كامل من قيادات الجهاز لإفساح المجال لصعود ابنه".
ورأى موسى أنّ الهجوم على محمود السيسي "سيترك أثراً على شعبية والده، وربما ينصحه مقربون بتهميش ابنه لخفض حدة الضغط عليه، مثلما فعل مبارك حين همّش نجله علاء بعدما تضخمت الأقاويل حول فساده، وجرى بعد ذلك تصعيد الابن الأصغر جمال ليحتل واجهة مشروع التوريث"، لافتاً إلى أنه "قد يتكرر هذا السيناريو مع محمود السيسي ليحلّ محله شقيقه الأكبر مصطفى، الذي ارتبط اسمه في جهاز الرقابة الإدارية بتفجير قضايا فساد كبرى".
بدوره، رأى المحلل السياسي عمرو خليفة أنّ "الزج بمحمود السيسي في أعماق الدولة العميقة خطوة تكتيكية محسوبة لأبعد الحدود، ليكون عين والده داخل المنظومة، وعينه على (الرعايا) خارجها، فضلاً عن كونه خط دفاع أولياً"، مضيفاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "هناك مؤشرات واضحة على خطة توريث، ربما على المدى البعيد، بدليل الترقيات السريعة، ودوره في التعديلات الدستورية الأخيرة".
وحول وجود حالة من الغضب من بروز نجل السيسي، قال خليفة إنّ "الفترة الأخيرة شهدت ما يمكن اعتباره تحركات ضدّ الأب والابن معاً، وربما كان هذا تكراراً لما حدث سابقاً من الدولة العميقة ضدّ مبارك وابنه جمال. وبناءً على ذلك، فإنّ الأيام والأسابيع المقبلة ستحدّد المستقبل، فنحن أمام صراع وجودي على السلطة، وعلى أسلوب الحكم نفسه، والهجوم من المعارضة انطلق بالفعل، وأعتقد أنه سيتصاعد، ونهاية المعركة ستقرر دور محمود السيسي وحجمه، فإما يصبح رئيساً لمصر بعد والده، أو في السجن أو المنفى مع أبيه".
وفي يونيو/ حزيران الماضي، قالت مصادر لـ"العربي الجديد"، إنّ هناك توسعاً لنفوذ محمود السيسي داخل جهاز الاستخبارات العامة، الذي انتقل إليه من جهاز الاستخبارات الحربية بعدما حصل على ترقيتين في مدة زمنية قصيرة للغاية، إذ تمّت ترقيته من رتبة مقدّم في 2014، إلى عقيد، ثمّ إلى عميد، وهي الرتبة التي مكّنته من شغل درجة وكيل جهاز في الاستخبارات.
وأكدت المصادر أنّ نجل السيسي بات صاحب الكلمة العليا داخل الاستخبارات العامة، والمشرف على الملفات الأهم بدعم من اللواء عباس كامل، الذي كان يشغل منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية قبل انتقاله لرئاسة الاستخبارات العامة، وأنه يتولى شخصياً ملف الإعلام. وأشارت المصادر إلى أنّ "محمود السيسي تتم تهيئته لموقع ما، ولا يستبعد أن يكون ذلك الموقع هو خلافة اللواء عباس كامل على رأس الاستخبارات العامة".
من جهته، قال مصدر مقرب من دوائر صناعة القرار المصري، لـ"العربي الجديد"، إنه "بعدما تم فرْض محمود السيسي على ملفات داخلية، بدأ توجُّه جديد بتقديمه إلى الخارج عبْر ملفات إقليمية"، مضيفاً أنه "تولى الإشراف على ملف إدارة العلاقات مع السودان عقب سقوط الرئيس المخلوع عمر البشير، وهناك محاولات لتوليه ملف العلاقات المصرية الأميركية". وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في يناير/ كانون الثاني عام 2018، أنّ محمود السيسي زار واشنطن مرة واحدة على الأقل.
وفي منتصف إبريل/ نيسان الماضي، نشرت صحيفة "التايمز" البريطانية، تقريراً بعنوان "السيسي يجنّد أولاده لمساعدته على البقاء في السلطة حتى 2030"، على خلفية تمرير التعديلات الدستورية التي تمدد بقاءه في السلطة.
وفي أول انتخابات برلمانية في مصر بعد انقلاب يوليو/ تموز 2013، أقيمت "غرفة عمليات الانتخابات" داخل مقر المخابرات العامة، وكان محمود السيسي واحداً من أربعة أشخاص في الغرفة التي أدارت المشهد الانتخابي عبر اجتماعات يومية، وقامت بصناعة قائمة "في حب مصر" المؤيدة للسيسي، والتي هيمنت على البرلمان. وقد قال الناشط السياسي المسجون حالياً، حازم عبد العظيم، في شهادة نشرها على موقع "فيسبوك"، إنه كان مشاركاً في أحد تلك الاجتماعات بحكم نشاطه السابق كمسؤول للجنة الشباب في حملة السيسي الرئاسية الأولى.
بدورها، قالت مجلة "لسبريسو" الإيطالية في تقرير نشر عام 2016، إنها لا تستبعد أن يكون محمود السيسي أحد المطلعين على معلومات خاصة بشأن الباحث الإيطالي الذي قتل في مصر جوليو ريجيني حتى قبل اختفائه. وذكرت الصحيفة أنها اطلعت على "تفاصيل مقلقة بشأن دور محمود السيسي"، أوردتها عبر منصة "ريجينيليكس" الإلكترونية التي أطلقتها المجلة لتسليط الضوء على مقتل ريجيني، لكنها قالت إنها تمتنع عن نشر تلك التفاصيل لأن المسألة حساسة.