الثلاثاء، 24 أغسطس 2021

كيف نجح السيسي في إعادة إنتاج السلطوية في مصر؟


حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

«احترام إرادة المصريين أشرف من تولي السلطة»، هكذا صرح المشير عبد الفتاح السيسي قبل توليه الحكم في 2014 ملوحًا بقوته المستمدة من تفويض مواطنين له بتولي الحكم والقضاء على «الإرهاب». نطرح سؤالنا الرئيس: كيف أعاد السيسي بناء سلطوية وهيمنة على الدولة وأجهزتها؟ انطلاقًا من استعادته نكسة 1967 وإشارته إلى أنّ الدولة ضرِبت داخليًا في ذلك العام. نعرض في هذه الورقة البحثية فرضيات عدّة مبنية على أبحاث أخرى وخطابات للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي؛ فنتطرق لنوع الانقلاب عام 2013، وأهمية بند الـ«تفويض» في إعادة بناء السلطوية، ونتناول أهمية خطاب السيسي وعناصره المختلفة التي ساعدت في صعوده إلى الحكم ووضعه سردية للأحداث، وصولًا لاستعراض الاستراتيجية العملية في السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها لحكمه وهيمنته، في ظلّ تماهي المؤسسة العسكرية بالدولة نفسها.

مقدمة

«أنتم نور عيني»قالها المشير عبد الفتاح السيسي قبيل توليه الحكم مخاطبًا الشعب المصري الداعم لقيامه بالانقلاب على حكم الرئيس السابق المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي في 2013. في أعقاب الانقلاب بدأت عملية تصفية أي معارضة بناءً على «التفويض الشعبي» للسيسي الذي استدلّ به في خطبه وحملته الانتخابية في 2014. كانت الحرب على الإرهاب وحالتا الفوضى والاضطراب الاجتماعي ركائز أساسية للسيسي والجيش في تصفية حالة الثورة، والمطالبة بتغيير النظام العام في مصر وطبيعة بنية الدولة المصرية وطريقة الحكم بشكل عام. ولم يسبق تاريخيًا أن تعرّض الجيش المصري كمؤسسة حكم لكمّ النقد والحراك السياسي ضدّه مثلما شهدت سنوات الثورة الأولى، وبالأخص منذ نهايات 2011 وبداية التصادم العنيف للجيش مع بعض القوى الثورية في الشوارع والميادين المصرية. وفي الوقت ذاته فإن دولة العسكر، التي تشكلت في مصر بعد 1952، ترى في أي نقد داخلي لسياساتها وحكامها، ولمؤسساتها الأمنية على وجه التحديد، نوعًا من العمالة للخارج و «خرقا للنسيج الوطني».

في مقابلة تلفزيونية في شهر مايو 2014، أشار السيسي إلى نكسة1967، وحجم تأثيرها على الدولة في ذلك الحين؛ في استعادة تحمل معاني تاريخية كثيرة لا تقتصر على العدوان الخارجي، إذ أثار السيسي أكثر من مرة احتمالية ضربة داخلية لماكينة الدولة. وهذه الإشارة تترتب عليها الأسئلة الآتية، وهي الأسئلة البحثية الرئيسة لهذه الورقة: كيف أعاد السيسي بناء سلطوية وهيمنة على الدولة وأجهزتها؟ ما هي الأسباب التي هيّأت المجال لذلك؟ وكيف يقارن هذا وفقًا لإشارة السيسي للحكم الناصري بعد 1967؟

نقدّم في هذه الورقة أربع فرضيات مبنية على أبحاث أخرى وخطابات للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. أولًا، نتطرق إلى نوع الانقلاب في 2013، وأهمية بند «التفويض» في إعادة بناء السلطوية. ثانيًا، أهمية خطاب السيسي وعناصره المختلفة التي ساعدت في صعوده إلى الحكم ووضعه سردية للأحداث، من ضمنها «سقوط الدولة» و«الحرب على الإرهاب»؛ تمهيدًا للاستراتيجية العملية في السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها لحكمه وهيمنته. يتضمن هذا صعود الدولة العسكرية، ويطلق منذ زمن عبد الناصر «دولة داخل الدولة». الفرضية الثالثة مقسمة تحت عنوانين السيسي كرمز الخلاص والسيادة، والجيش كحزب حاكم، يوضحان أن ما حدث في مصر منذ 2011 هو تداخل لأربع قوى وتفاعلهم بشكل أيديولوجي وسياسي واجتماعي بشكل عنيف ومتباين؛ ونعني: انقلاب عسكري ذو طابع تدخلي لإزاحة مبارك من الحكم وتحجيم الأحداث بشكل استباقي؛ قوى إصلاحية سواء ذات طابع رجعي أو تقدمي؛ قوى الثورة المضادة ونظام مبارك؛ قوى ثورية تمثلت في عدة شبكات وحركات سياسية واجتماعية مختلفة وتسعى لإحداث تغيير جذري في المجتمع المصري، ولكنها محدودة تنظيميًا وتفتقر لركائز وقوى اجتماعية تستطيع الدفاع عن توجهها في مواجهة الدولة أو الإسلام السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ سيولة تلك القوى كلها من حيث فاعليها ومواقعهم وتحالفاتهم كانت السمة الرئيسة للصراع السياسي والاجتماعي في مصر في تلك الفترة. أما الفرضية الأخيرة فتنطلق من اشتداد الصراع الاجتماعي في مصر وبلوغه مراحل عنف قريبة من حالة «الاقتتال الأهلي» ثم اندلاع موجات من العنف المسلح، هو ما مكن الانقلاب العسكري الذي بدأ في 2011 من حسم حال السيولة وتمدد موجات التغيير والديموقراطية في مصر. وبذلك، فإنّ هذه الفرضية تخوض في كيفية إعادة تسليح المؤسسات، ما أدى للقضاء على الحياة السياسية في مصر.

يمكن القول إن ماكينة الحكم التي شكلها السيسي في سنوات قليلة، تتسم بالقوة والسرعة والعنف، بشكل لم يتسنّ لأحد من قبله. فمصر تشهد تحولات ضخمة على كافة المستويات؛ بداية بخطاب السلطة وطبيعته ومحاوره، مرورًا إلى الاقتصاد وإعادة تشكيله وهيكلته، والمجال السياسي والقضاء عليه واعتماد استراتيجية جديدة للحكم، وطبيعة ودور المؤسسة العسكرية وتسليحها، انتهاءً بشكل الاجتماع[1] وعلاقة الدولة به والحلفاء الاجتماعيين للنظام الحاكم. كما يتسم حكمه بسرعة إيقاع شديدة، يتباهى بها السيسي وأنصاره. وللإشارة، يمتلك جهاز الدولة وشبكاته خبرات طويلة في التعامل مع الفصائل المسلحة في صعيد مصر والفيوم منذ الثمانينيات والتسعينيات، وكان الانفلات الوحيد في سيطرة بعض الجماعات المسلحة على أقاليم جغرافية تشنّ من خلالها حرب عصابات وحربًا إرهابية في شمال سيناء.

تفويض ثم انقلاب: العودة إلى نقطة البداية

في مقال منشور عام 2019، يشرح كيفين كوهلر وهولكر ألبرخت الفرق بين الانقلابات،[2] من يقوم بها وتبعات هذه الفروق على نوع السلطة التي تلي الانقلاب مع الإشارة إلى نموذج مصر في 2013. هناك انقلابات نمطية نستدل عليها بتعريف ميشيل فوكو بأنّ الانقلاب بمثابة معارضة من الدولة نفسها للإبقاء على وجودها في الحال نفسه.[3] في مصر احتلت نقطة الإبقاء على الدولة بشكلها ذاته مركزية شديدة عند مؤسسة الجيش، كما كانت نقطة مركزية في الصراع بين أجنحة النظام السياسي لمبارك ضدّ جمال مبارك ومجموعة رجال الأعمال. ثم انتقلت بعد الثورة لتكون أهم أسس خطاب الجيش ضد الثورة ومعبّرةً عن رؤيته اللحظية والتاريخية للحكم في مصر. وتحولت إلى أداة واستراتيجية لاستئصال جماعة الإخوان المسلمين من الحكم ومن الاجتماع المصري نفسه إلى حد بعيد. فقد كان الخوف من «أخونة الدولة»، أي سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على الدولة وأجهزتها، وتحويل المجتمع المصري إلى حالة أفغانستان أو سوريا، بمثابة الهاجس الأكبر للصراع الاجتماعي والسياسي في مصر.

«بما أنّها تُنفذ عمومًا من قبل كبار قيادات الجيش، فإنّ انقلابات المرحلة النهائية أمثلة مرجعية لصراعات القوّة بين النخبة السياسية»[4]. بناءً على هذا التعريف لما يسمى بانقلاب المرحلة النهائية نستطيع رسم نقاط ترابط مع انقلاب 2013؛ انطلاقًا مما أشار إليه كوهلر وألبرخت، مع التشديد على أن الغرض من هذا النوع من الانقلابات هو الإبقاء على الدولة والمناصب في المقام الأول. يوضح الكاتبان أن هذا النوع من الانقلابات يحدث في ظلّ تعبئة جماعية أو تظاهرات تفوق القدرة القمعية للسلطة القائمة وهو ما حدث في مصر عام 2013، مع حشد الأطياف المختلفة وظهور حركة تمرّد.[5] وأشار السيسي في كلمة له عام 2019 مسترجعًا أحداث محمد محمود وماسبيرو وبور سعيد، وكان وقتها مسؤولًا للمخابرات الحربية، إلى أنّ مرسي كان يعتزم تصفية المجلس العسكري،[6] ما يؤكد أحد العناصر التي تجعل من انقلاب 2013 انقلاب مرحلة نهائية. ولكن هناك عنصر آخر أهم وهو نقطة الوصل بين نظام 2013 السلطوي ودولة عبد ناصر أعقاب 1967، وهو نزول الجماهير الغفيرة تأييدًا لحركة عسكرية. حدث هذا أولًا في 1967 بعد النكسة للإبقاء على عبد الناصر وبالتالي الإطاحة بمنافسه ومركز الخطورة داخل المؤسسة العسكرية، عبد الحكيم عامر. وثانيًا في 2013 بعد خطاب السيسي المؤيد يوم ٣٠ يونيو لموقف المتظاهرين اعتبرته بعض الحركات الداعية للتظاهر مثل حركة تمرّد بمثابة ضوء أخضر من السيسي للاستمرار في التظاهر حتى رحيل مرسي.[7] وكانت حركة تمرّد الحركة الأساسية التي ساعدت في حشد عدد كبير من القوى المختلفة والمواطنين، بدايةً بتوقيع عريضة مطالبة مرسي بالدعوة إلى انتخابات مبكرة أو الانحياز إلى مطالب الشعب. في سياق المقارنة بين 1952 و2011 إلى حد ما لم يكن هناك تأييد جماهيري –وهو أحد العناصر الذي تطرق إليها كوهلر وألبرخت لانقلابات المرحلة النهائية– لتدخّل المؤسسة العسكرية بشكل مباشر. فقد تمت الأولى على يد الضباط الأحرار وبرئاسة اللواء محمد نجيب. والثانية كانت تدخل المجلس العسكري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي بعد إعلان الرئيس السابق محمد حسني مبارك تخليه عن الحكم في 2011. إن الإبقاء على الدولة، والمستفيد الرئيس منها المؤسسة العسكرية –أو مؤسسات سياسية أخرى ومن ضمنها الإخوان المسلمين–  يعتمد على مدى قدرة امتصاص غضب الجماهير وتحويله لقبول ثم إعادة توجيهه.[8]

لا يولد هذا القبول من فراغ، فقد كتب عنه ميشيل فوكو وبيير بورديو في تطرقهما، للــ«حوكمة» (governmentality)[9] و«القوة الرمزية» (symbolic power)،[10] كلًا في مجاله. فالحوكمة لدى فوكو هي القوة المقترنة بالمعرفة وهي جموع المؤسسات والإجراءات والتحليلات التي تتيح فرصة ممارسات القوة على السكان؛ بالتالي هي لا تقتصر على «الأجهزة الحكومية» فقط (governmental apparatuses) إذ أنّ هذه الأجهزة تحتاج إلى المعرفة حتى يتسنى لها ممارسة هذا النوع من القوة.[11] ويستوجب هذا توضيح أنّ «السكان» (population) تمثل الكتلة السكانية على الأراضي وليس «الشعب» (people)، الكتلة التي تعتبر نفسها خارج علاقة أفراد الرعية والسيادة التي تربط الحاكم بالمحكومين.[12] فجزء من عجز مرسي عن إدارة البلاد يعود إلى عدم القدرة على استحضار الحوكمة حتى يقود، أو يُسيِّر، أجهزة الدولة والشعب المسيّس بعد انتفاضة الخامس والعشرين من يناير 2011. في المقابل، كان الجيش منذ 2011 يدّعي قدرته وأحقيته على إدارة الدولة وتمثيل الشعب. فقد طرحت المؤسسة نفسها أولًا، كأساس لشرعية الحكم نفسه، سواء بشكل شعبوي (مثل القول بأن مصر لا يستقيم حكمها سوى برجل عسكري) أو مؤسسي وتاريخي (مثل الجيش ممثل للشعب المصري، وتجسيد لروح الوطنية المصرية، الجيش هو المؤسسة الأكثر كفاءة وانضباطًا وحداثة في مصر، والجيش هو درع وقيادة مصر والأجدر بقيادة مصر في ظل المخاطر الأمنية والعسكرية التي تحدق بالبلاد). وقد طرحت المؤسسة العسكرية نفسها على الجموع انطلاقًا من كونها تمثّل الشعب، وأنها الأجدر والأكثر معرفة بتقنيات واستراتيجيات الحكم لإدارة السكان، بينما بقية القوى هي إما غير ممثلة للشعب طبقًا للرؤية الأيديولوجية للجيش، أو أنها غير ملمة بأبعاد المجتمع وغير مجهزة للحكم. كما أنّ الجيش هو النواة الصلبة للدولة المصرية كما يرى نفسه وتراه العديد من مؤسسات الدولة الأخرى وقطاعات اجتماعية واسعة. وهذا ما جعل الجيش قادرًا على التموضع في جبهتين: الأجدر لتماسك الدولة والسيطرة وإدارة الجهاز ومؤسساته المختلفة، أي أنه ضرورة للحكم داخل جهاز الدولة، وهو المحتكر الأول لتمثيل الشعب. وهذا يقودنا نحو تعريف «القوة الرمزية»، وهي القوة التي تستمدها الجهات الفاعلة سياسيًا من خارج المجال السياسي والتي تتضمن علاقة بين الجهة التي تمارس القوة والطرف الذي يعترف ويقبل بتلقي هذه الممارسة.[13] فالقوة الرمزية في أحد تعريفات بورديو هي القوة التي تبني الواقع والقادرة على إعطاء معنى مباشر وسريع للعالَم الاجتماعي.[14] وهنا تكمن أهمية الخطابات الأخيرة للسيسي قبل القيام بالانقلاب من جانب أنها ضاعفت من القوة الرمزية للمؤسسة العسكرية وقبولها، ومن جانب آخر أنّ الشعب أعطى الجيش إشارة ليكون ممثلًا معترف به لـ «إرادة الشعب» أو «مطالب الشعب». وعلى هذا الأساس حقق بناء القوة الرمزية مكاسب للجيش، وبدأت المرحلة التالية من التحوّلات في خطاب السلطة.

صعود السيسي وتحوّلات خطاب السلطة

ارتكز السيسي في بداية صعوده داخل شبكة السلطة وعلاقات القوة في مصر على ثلاث ركائز: أولًا، المعلومات وإدارة الملف الأمني في مصر منذ 2011 وحتى توليه الرئاسة في 2014. ثانيًا، قدرته على بلورة خطاب قوي وغامض أحيانًا ومضطرب لغويًا في بعض الأوقات ولكنه قادر على الاتساق بقوة مع المجتمع والدولة. وحتى أثناء تعاونه مع التيار الإسلامي وخدمته كوزير دفاع، نجح السيسي في تقديم خطاب ديني وسياسي قادر على جذب القوة الإسلامية إليه، وتحديدًا الإخوان المسلمين. ثالثًا، تموضع قوي داخل التحالفات الإقليمية واستغلال جيّد للظرف العالمي.

كان السيسي على موعد مع صعود نجمه داخل أروقة الحكم في ليلة الثامن والعشرين من يناير 2011. منيت قوات الداخلية المصرية بهزيمة كبيرة على يد الثوّار وانهار جانب كبير من بنيتها التحتية، وانهارت أسطورة حبيب العادلي الرجل الأقوى في مصر حتى عشية ذلك اليوم. مع انتشار الجيش وسيطرته على البلاد، عادت المخابرات العسكرية إلى صدارة المشهد بعد غياب عقود طويلة، منذ سبعينيات القرن الماضي. اشتد صراع الأجهزة أثناء الثورة، وتحديدًا بين المخابرات العامة بقيادة عمر سليمان، الذي حاول تصدّر المشهد في خضم أحداث الثورة الأولى، والمجلس العسكري بقيادة المشير محمد حسنين طنطاوي. وأضاف الصراع ثقل وأهمية لجهاز المخابرات العسكرية بقيادة السيسي، وباتت المخابرات العسكرية العقل الميسر للمجلس العسكري، والجهاز الرئيسي للمعلومات والاستخبارات الداخلية. وكلما اشتدّ الصراع السياسي والاجتماعي في مصر، زادت أهمية الجهاز والاعتماد عليه. ومع اقتحام مقرّات جهاز أمن الدولة، استحوذت المخابرات العسكرية على كافة ملفات البلاد. ولم يكن السيسي رجل الظلّ، فنفوذه اتسع ولم يبق فقط في خلفية المشهد. فالمخابرات العسكرية أجرت سلسلة من اللقاءات والمفاوضات مع شباب الثورة والقوى الإسلامية وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين –رغم حفظ المسمى المنسوب إلى «الإخوان المسلمين»، يجب التنويه إلى أنّها هيكليًا «تنظيم» (organization) لا «جماعة» (association) بالنمط المطلق– وكان السيسي يرأس هذه اللقاءات بنفسه.

منحت السنوات الأولى من الثورة المصرية السيسي فرصة ذهبية للإمساك بمكامن القوة في مصر: الأجهزة الأمنية كاملة. فبحلول التاسع عشر من نوفمبر 2011، أي أحداث محمد محمود الشهيرة، كان السيسي يدير المعركة والأجهزة الأمنية مثلما أقرّ بنفسه حديثًا. كان الجنرال يتوغل داخل الأحداث والتجمعات –خصوصًا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي– وداخل أروقة الحكم والقوى السياسية المختلفة. وأصبح الرجل يملك كافة خيوط الصراع؛ سواء لاستحواذه على كافة المعلومات والمعرفة المطلوبة بالوضع، أو لسيطرته المادية المباشرة على الأجهزة الأمنية التي تدير المشهد في مصر. وكان السيسي يدير بنفسه أصغر التفاصيل.[15]

عبد الفتاح السيسي هو أحد تلامذة المشير طنطاوي والمقرب إليه، الأمر الذي ضاعف قوته الفردية والمؤسسية بحكم إدارته لجهاز المخابرات العسكرية. وفي تلك الفترة أيضًا نجح السيسي في اكتساب ثقة الإخوان المسلمين والتقرب إليهم. فالرجل يتسم بعدة خصائص جعلت الجماعة تظن أنه أقرب لها؛ بسبب سمته الديني والمحافظ، شكل ومظهر أسرته وحرصه على إظهار خطابه والتزامه الديني أمام قيادات الجماعة. ومع خروج المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، سرّبت المؤسسة العسكرية معلومات بأنها لن تسمح بأيّ حركة ضد السيسي، مما سيعدّ بمثابة «انتحار للنظام السياسي كاملًا».[16] وهكذا صار السيسي وزير الدفاع في عهد مرسي، إلا أن الأخير كان يعمل على استبداله باللواء أحمد وصفي بسبب عصيان أوامر الرئيس بفرض الجيش حظر التجوال بمنطقة قناة السويس في مارس 2013.[17] أضف إلى ذلك كله، أن رسالة الماجستير الخاصة بالسيسي والتي قدّمها في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تناقش مسألة الإسلامين والديموقراطية، وهكذا تضافرت العناصر النظرية مع الخبرة العملية في تعامله مع الإسلاميين حينها. في الوقت ذاته، سرت شكوك عدّة حول ولاء السيسي، وبالأخص حول كونه «ينتمي للإخوان»، وعززت دعاية الإخوان من هذا الأمر؛ فالكثير من القوى السياسية وقطاعات اجتماعية مختلفة لم تكن تعلم حقيقة موقف السيسي وموقعه من الصراع السياسي والاجتماعي في مصر حتى لحظة الثالث من يوليو، حين قرر الجيش الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين. لكن في داخل أروقة الحكم والقيادات الكبرى للدولة، وبالأخص داخل الجيش والشرطة كان العديدون على علم بخطاب السيسي حول تماسك الدولة وأهمية الحفاظ عليها وتقوية مؤسساتها، مع التأكيد على أنّ الدين ليس له مكان داخل أجهزة الدولة وأنه «لم تكن هناك دولة دينية في الإسلام» وأن الحكام مسئولون عن إصلاح التمثيل الديني.[18]

شهدت مصر نقلة كبيرة ونوعية في طبيعة وبنية خطاب السلطة مع اعتلاء السيسي سدّة الحكم، فمصر تمتلك تاريخ طويل مع خطاب الطوارئ والاستثناء وتعزيز الدولة البوليسية، وأضيف إلى خطاب السلطة في هذا الصدد عنصر المؤامرة الخارجية بعد استيلاء الجيش على الحكم والصراع مع إسرائيل والقوى الاستعمارية. وقد استغل السادات ومبارك هذا الخطاب الأمني، وبالأخص مبارك؛ فقد ربط «الإرهاب الإسلامي» والتنمية والسلام بالأمن. ورغم الصلح مع إسرائيل والتقرّب منها، ظلّ مبارك قادرًا على استغلال خطاب المؤامرة والقوى الخارجية وإسرائيل كمقوّمات وركائز لخطابه الأمني. وقد نجح مبارك في خلق عملية دائمة من الأمننة للخطاب السياسي، بمعنى تحويل أي مسألة اجتماعية أو سياسية إلى مسألة أمنية خالِصة. بيد أنّ السيسي أخذ خطاب السلطة إلى مستوى جديد يتجاوز الخطاب الأمني التقليدي في عهد مبارك؛ إذ حوّل السيسي الخطاب الأمني إلى خطاب «أنطولوجي» (وجودي) يدور حول بقاء الدولة بذاتها، لا حول مجموعة من المخاطر. أي بلغة كارل شميت،[19] تمكن السيسي من خلق خطاب الاستثناء في أقصى ذرواته وهي خطورة تهديد وبقاء الدولة. ولذلك لا عجب في وضع نفسه كـ«سيّد» (sovereign) ومخلّص للدولة والمجتمع، وليس كصمام أمان أو عامل استقرار مثلما فعل مبارك. ونجح عبر هذا الخطاب في توحيد الدولة وقطاعات كبيرة من المجتمع خلفه وحوله في آن واحد. نجح هذا الخطاب في التمفصل مع الواقع على عدة مستويات في ذلك الوقت: أولًا، الهلع من خطورة «الحرب الأهلية» التي خيّمت على البلاد؛ ثانيًا، خوف أجهزة الدولة نفسها من استبدالها بالإخوان المسلمين وإزاحتها لصالح الجماعة، خاصة أنّ الداخلية لم تكن قد تعافت من هزيمتها في الثورة حين هشِّمت في ساعات معدودات؛ وأخيرًا، ضيق قطاعات واسعة من الاجتماع المصري من حال الفوضى وانعدام الاستقرار. المقصود هنا بالحرب الأهلية ليست الحرب الأهلية على نمط وغرار الحرب الأهلية اللبنانية، أو حالة رواندا، أو تفكك يوغوسلافيا. فالاجتماع المصري ذو طبيعة ونسيج مختلفين لا يسمح بقيام فصائل مسلحة بالتناحر الأهلي المباشر فيما بينها، كما أنّ مركزية الدولة لاتزال شديدة الثقل في مصر. ولكن الخوف من حرب أهلية في مصر كان يتجسّد في انفراط عقد الاشتباكات العنيفة، وبالأخص في الحيز المدينيّ وهو ما حدث بالفعل في القاهرة والإسكندرية وبعض محافظات الدلتا التي شهدت مواجهات مسلحة، كان من الممكن أن تتحوّل إلى اقتتال أهلي، أو أنّها تعزز حالة انفلات أحد الأقاليم الجغرافية ودخوله في صراع مسلح بين مكوّناته نفسها وضدّ الدولة، كما حدث بالفعل في شمال سيناء، أو انفراط عقد المواجهات الطائفية بين المسحيين والإسلاميين وهو ما حدث إلى حد ما بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013 في الصعيد، والذي شهد موجة واسعة من حرق الكنائس والاعتداء على المسيحيين. تلقفت الدولة هذه المخاوف والصراعات، وقادت بنفسها النزاع والصراع عبر أجهزتها الأمنية والجيش. وشهدت مصر في عهد الإخوان أمرين شديدي الأهمية: انفجار المجال السياسي وفشله في تسوية النزاعات من جهة، واحتدام الصراع الاجتماعي والأيديولوجي من جهة أخرى. ويمثل المجال السياسي في الديمقراطيات الليبرالية التمثيلية المستقرّة الوجه الآخر أو التحويل السلمي والمؤسسي لصيغة الحرب الأهلية، بتحويلها لنزاع سياسي تداولي للصراع على التمثيل والبرامج المختلفة، ويمنح الشرعية لاستخدام جهاز وموارد الدولة من قبل جماعات سياسية مختلفة، مثلما يرى العديد من المفكرين أو الباحثين على غرار بورديو وشانتال مووف وآخرون. لم يصمد المجال السياسي في مصر ومحاولة بناء ديمقراطية تمثيلية أمام موجات الصراع الكبيرة التي شهدتها؛ بسبب هشاشة المجال نفسه وحداثة عهده وعدم استقراره، وأيضًا بسبب احتدام الصراع السياسي نفسه على الأرض؛ بسبب حالة الثورة والموجات الثورية المختلفة غير الراضية عن النتائج الإصلاحية الطفيفة المتحققة بعد الثورة، وكان ذلك مصحوبًا بفزع كبير من الإسلاميين، والخوف من استحواذهم على جهاز الدولة. والفيلسوف الإيطالي جورجيو اجامبين يُعرّف «الشمولية الحديثة على أنها إقامةُ، عن طريق حالة الاستثناء، حربٍ أهلية قانونية تسمح بالقضاء المادي ليس فقط على الخصوم السياسيين ولكن (أيضًا) على فئات كاملة من المواطنين الذين لا يمكن دمجهم لسبب ما في النظام السياسي».[20] وقد شهدت مصر تجسيدًا كبيرًا لهذا الأمر بعد 2013، تمثل في إعادة حال الطوارئ مرة أخرى بشكل اتسم بالجموح والعنف، وفي قوانين مثل تجريم التظاهر وقانون الإرهاب وقانون الكيانات الإرهابية والتوسع الكبير في المحاكمات العسكرية. ولم تستهدف هذه القوانين والآليات جماعة الإخوان المسلمين فقط، بل تمّت من خلالها تصفية فاعلية المجتمع المدني بشقيه الحقوقي والتنموي، وضرب النشطاء السياسيين من اليساريين والليبراليين والزج بهم في السجون، وضرب قطاعات اجتماعية مختلفة ومواطنين غير مسيسين على خلفية قضايا اجتماعية مختلفة مثل ما فعله السيسي ضدّ التجمعات التي حاولت مقاومة قرارات السلطة في إزالة مناطقها السكنية، والتنكيل بالباحثين، وأحداث جزيرة الوراق –التي تسعى الدولة لإخلائها لصالح تحويلها إلى مشروع استثماري كبير– والنزاع بين الدولة وبعض سكان الساحل الشمالي حول أرض الضبعة التي حولتها الدولة لمفاعل نووي. وهكذا طالت ماكينة الاستبداد عبر تنظيم حالة حرب أهلية قانونية، قطاعات مختلفة وواسعة من الاجتماع المصري.

السيسي كرمز للخلاص والسيّادة

تحوّل السيسي بفضل ماكينة الإعلام والاستخبارات وتكاتف أجهزة الدولة معه إلى رمز المخلّص والمُخلِص للدولة والشعب في آن واحد. كما نجح أيضًا في التمفصل مع رغبة قطاعات واسعة لإنهاء حالة الثورة والقضاء عليها وعلى السياسة بشكل عام، كفعل جماعي للصراع على الموارد والسلطة. وبنجاحه في «قيادة» أو توجيه الشعب المسيّس بتفويض من الأخير، أقام السيسي قطيعة مع حالة الزخم الثوري والسياسي التي شهدتها مصر بتوسع منذ 2011، وقطع الطريق على عملية التحوّل الديمقراطي ونجح في حماية الدولة ومؤسساتها من النقد الجذري الذي كانت تتعرض له. ونتمكن هنا من التوقف حول المناقشات التي تتناول حجج الثورة والثورة المضادة (الفُلُول) لتأكيد أنّ ما تطلع إليه الجيش والإخوان منذ فتح المجال السياسي هو الهيمنة على الدولة على الوضع ذاته، الذي تكمن بها كل مصالحهم منذ سنوات عدّة. فالإخوان كانوا يمثّلون قوة سياسية واقتصادية واجتماعية مؤسسية تحت نظام مبارك كما عرضت ماري فانيتزيل في كتابها الأخير،[21] وحازم قنديل في تغطيته للنظام الداخلي للجماعة.[22] ولذلك، فإنّ الشعب كان الطرف الثوري الوحيد، ولكنّ كتلة منه تحوّلت من قوة ثورية إلى قوة مضادة للثورة بالقوة (أو القوة الرمزية) والقيادة ومنح تفويض للسيسي. واستطاع السيسي بموجب هذ التفويض التموضع خارج الصراع السياسي والاجتماعي، فهو ليس فاعلًا سياسيًا مثل بقية الأطراف، بل ممثل الدولة في حرب البقاء ضدّ خصومها وخصوم الاجتماع، وتحديدًا جماعة الإخوان. لا يعني هذا أن الدولة والجيش كانا فعليًا خارج الصراع السياسي والاجتماعي، وإنّما استطاع السيسي مراكمة القوة الرمزية الخالقة لهذا التصوّر والمخيال عن الجيش باعتباره الحامي والحكم بين الأطراف المتصارعة. وهذه خاصية لا تخص مصر تحديدًا، ولكنها الطريقة التي تعرض بها الدولة نفسها على الجموع والطبقات المختلفة، والتي تحاول تصوير الدولة ككيان مستقل وغير منخرط بشكل مباشر في الصراع السياسي والطبقي مثلما يشير بولنزازس.[23] وبالفعل سيتم وضع هذه الصيغة عن الجيش كحامٍ للديموقراطية وحكمٍ أخير للصراع في الدستور المصري بعد تعديلاته الأخيرة في 2019. ويشير بهي الدين حسن إلى أنّه «على النقيض من تونس والسودان، فالجيش المصري مسيس وله طموح سياسي هائل ويتركز على حصر تداول الحكم في مصر بقيادته منذ 1952 »،[24] ولكن تظل لدى الجيش القدرة الرمزية على طرح نفسه كطرف خارج الصراعات السياسية المباشرة. وعزز موقف الجيش تجاه مبارك وفي بداية الثورة عام 2011 من هذه القوة الرمزية، حيث أطاح بمبارك ولم يقمع ميدان التحرير أو يتورط في أي اشتباكات عنيفة ضد المتظاهرين طيلة الثمانية عشر يومًا في 2011. وعزز العجز البنيوي لدى قوى الثورة، في الاستيلاء على السلطة، من القبول بعملية انقلابية من خلال مؤسسة الجيش؛ لكي تدفع الحراك وتحقق بعض مطالبه. وبالتالي ظل الانقلاب مطلبًا شعبيًا، ضمنيًا كان أو معلنًا، منذ اليوم الأول في الثورة وحتى الثالث من يوليو 2013. فالعوز الثوري للانقلاب جعل المؤسسة العسكرية قادرة على طرح نفسها كحكم أكثر منها كطرف أصيل في الصراع. فهي قد تكون حكمًا، ولكنّها بلا شك طرف مركزي في الصراع المباشر.

الصيغة السابقة: الحرب والحفاظ على كيان الدولة، منحت السيسي مقدارًا من القوة والشعبية لم يتسنّ لأحد قبله، فعبد الناصر نفسه لم يبدأ حكمه عام ١٩٥٤ بأيّ مستوى يقارب الشعبية الواسعة التي بدأ بها السيسي حكمه الحقيقي في 2013. كما أنّ السيسي استطاع قيادة الدولة المصرية في إدارة «حرب أهلية» كبيرة ولكن من خلال صراع الهيمنة على جهاز الدولة.[25] وهو الأمر الذي جعل معركته مع الإسلام السياسي ذات طبيعة مختلفة عن كلّ من سبقه. فأولًا، هذه هي المرة الأولى التي تقرر فيها جماعة الإخوان المسلمين الدخول في مواجهة مفتوحة وواسعة مع الدولة نفسها وضدّ الجيش كمؤسسة، وحتى في أوج صراع الإخوان مع عبد الناصر، لم تقم الجماعة بمهاجمة مؤسسة الجيش سياسيًا أو فكريًا أو ماديًا، ولا حتى الداخلية أيضًا كمؤسسة. ثانيًا، انضمام أطياف مختلفة من الإسلام السياسي والسلفية الجهادية لجماعة الإخوان المسلمين، وانفجار الصراع المسلح بشكل دامٍ في سيناء. فالحرب الأخيرة تختلف بالكلية عن صراع عبد الناصر مع الإخوان في 1954 ثم 65 أو عن حرب الدولة مع العنف المسلح في الثمانينيات والتسعينيات. وقد أوضح أحمد زغلول شلاطة في ورقته التي تتناول فكرة الجهاد داخل جماعة الإخوان المسلمين مقارنًا بين 1954، 1965، 2013. ومستدلًا بإرشادات الجماعة فـي «فقه المقاومة الشعبية للانقلاب» (2015) و«بيان الكنانة» (2015)،[26] أنّ فكرة الجهاد من حيث القتال كانت في مطلع الأفكار المتأصلة داخل التنظيم منذ النشأة من قبل حسن البنا، وتبنت مجموعة منها الفكر الجهادي القتالي بعد انقلاب 2013. هذا كله وفي خلفية المشهد ثورة شعبية اندلعت في 2011، ودولة منهكة وبعض قطاعتها شبه مهزومة وتسعى لاستعادة هيمنتها وقوتها مرة أخرى على البلاد. علاوةً على ذلك كلّه، شهدت السنوات الثلاث الأولى من الثورة المصرية وبالأخص 2013، دخول مؤسسة القضاء والقضاة كفاعلين أساسيين في الصراع السياسي والاجتماعي في مصر بشكل أيديولوجي ومؤسسي. رغم أن مصر لم تشهد في أي مرحلة من تاريخها تورط القضاة بهذا الشكل في الصراع السياسي والاجتماعي، وبهذه الحدة.

كانت الظروف كلّها مهيأة للسيسي كي يتلقف الدولة بالكامل، ويخضعها لسيادته وهيمنته الكاملتين. وقد نجح السيسي عبر استراتيجية واضحة وخطاب جديد في تعضيد سلطته. كانت شوارع مصر ممتلئة بصوره كبطل شعبي ومنقذ لمصر، حتى أن صوره رسمت على قطع الحلوى. بالإضافة إلى خطابه الدائم حول الدولة وخطورة انهيارها، نجح السيسي عبر أجهزة الدولة المختلفة في التلاعب بالمشاعر الوطنية في أقصى صورها. فقد كانت بعض الجموع تنطلق في جميع شوارع مصر، وبمختلف المحافظات، معتدية على أي مجموعة معترضة على سياسيات السيسي، أو على أي فرد يعبّر عن رأيه السياسي والفكري على المقاهي. لم تكن هذه المجموعات تابعة للأجهزة الأمن أو المباحث كما كان معتادًا في الماضي، بل كانت مجموعات مختلفة من جموع الشعب لا تربطها صلة بالأمن في أغلب الوقت. وتمددت هذه الحالة الفاشية داخل الأسر والعائلات وبالأخص ضدّ القطاعات الشابة المعارضة للحكم العسكري والديني في الوقت نفسه. عزز هذا الخطاب الوطني حالة الاستياء والشيطنة التي واجهتها جماعة الإخوان المسلمين وتصويرهم الدائم بكونهم جماعة «خارج النسيج الوطني» وضده، وتسعى لتفكيك «الوطنية المصرية الضاربة جذورها عبر التاريخ». كانت ماكينة الإعلام الخاصة والمملوكة للدولة تعمل بكدّ على شيطنة الإخوان ونزع مصريتهم، ونزع إنسانيتهم أيضًا عبر خطاب «الخرفان». ونجح السيسي في اللعب على وتر شديد التناقض، فمن ناحية قدّم نفسه كمسلم متدين ومحافظ، ولكنه أيضًا حامي المثقفين والتنويريين والمرأة والأقباط والأقليات المختلفة من بطش التطرف الإسلامي. في هذا السياق، استقطب السيسي الكنيسة القبطية في مصر بالكامل في صفه في الحرب ضدّ الإخوان والإسلام السياسي. وتقرب منهم وتودد إليهم عبر زياراته المختلفة للقداس السنوي الكبير في ميلاد المسيح. وأتاح مساحة أوسع للكنيسة في بناء الكنائس. لا يمكن القول إن وضع الأقباط كأقلية قد شهد تحولًا بنيويًا في مصر، وكذلك الصراع الطائفي، ولكن هذا التودد والتقارب الجادين وتبجيل البابا تواضروس، وطرح السيسي لنفسه كحامٍ ومدافع عن حقوق الأقباط كمواطنين مصريين نجح في ضم جموع كبيرة من الأقباط والمؤسسة الكنسية في صفه، وتعالت خطب القساوسة ممجدة له في كثير من كنائس مصر. والأهم أن هذه الحالة وسط الخوف من الإيذاء المادي المباشر والتعرّض للقتل والتنكيل، قضت تمامًا على المعارضة القبطية الداخلية، ونجحت في توحيد صف الكنيسة والتخلّص سريعًا من الأصوات والحركات السياسية المنتقدة للمؤسسة العسكرية والقيادة الكنسية معًا.

وصل السيسي إلى الحكم في مصر بعدما نجح في ضمان ولاء ودعم قطاعات كبيرة ومختلفة، بالإضافة إلى إحكام قبضته الكاملة على جهاز الدولة. ولكنه منذ ترشحه للرئاسة أعلن أنه لا يدين لأحد بأي حقوق أو التزامات، أو على حدّ قوله شخصيًا «معنديش فواتير لحد»؛ وهي صيغة متسقة تمامًا مع حالة الوطنية البدائية المطروحة منذ البداية، وأعاد طرحها السيسي. فصار رجل الجميع ورجل اللا-أحد. لقد نجح في تحويل نفسه إلى رمز قابل لأن يؤوله الجميع لصالحهم. فهو حامي الأقباط، ومدافع عن السيدات، ومخلص للدولة وحاميها، ورجل التنويريين الذي يحمي مصر من الظلام الإسلامي، وهو رجل الوسطية الإسلامية المعتدلة التي يعبّر عنها الأزهر والأوقاف –مع الأخذ بالاعتبار أن سمت الوسطية الدينية لا يعني عدم تشاحنه مع الأزهر على خلفية المساس باستقلالية المؤسسة وآرائها الدينية.[27] وفي المرحلة الأولى من صعوده، هو رجل الناصريين وخليفة عبد الناصر الذي سيعيد لمصر هيبتها ومجدها مرة أخرى. كما أنّه لم يقدّم أي وعود سياسية لها علاقة بالديمقراطية أو تعزيز آلياتها وترسيخها؛ فالرجل كان شديد الوضوح، وتحدث فقط عن أنّ مشروعه هو الحفاظ على الدولة وتعظيم قوتها مرة أخرى، وإنهاء حال الفوضى. أبرز لحظتين في تأسيس حكم السيسي هما خطاب التفويض وفض اعتصامي رابعة والنهضة. فالسيسي طلب تفويضًا عسكريًا وشعبيًا من الجماهير لإدارة الحرب الأهلية المحتملة. وكانت لغة جسده شديدة التعبير والرمزية؛ فالرجل خرج لجموع المصريين في كامل زيّه العسكري مرتديًا نظارة الشمس (داخل التقاليد العسكرية الميدانية، فالقائد الأعلى رتبة هو فقط من يحق له أن يخاطب الجنود والضباط مرتديًا نظارة الشمس، ولا يستطيع أحد مخاطبته مرتديًا النظارة أمامه) في شكل شديد الصرامة والعسكرة، مخاطبًا العسكريين ومطالبًا المدنيين بتفويض مفتوح. وهي حالة فريدة، فهي استدعاء سياسي للجموع لإخراجهم من الفعل السياسي، وتحويل الأمر وإفراغه من أي بعد سياسي لصالح حالة أمنية وعسكرية صرفه. ثم جاءت لحظة الفض، وأثبت السيسي قدرته على استخدام أقصى درجات العنف وارتكاب واحدة من أعنف المذابح في مصر، ولكن برضى شعبي ودعم إقليمي وغضب دولي سيستطيع تطويعه فيما بعد. نجح السيسي في طرح صيغتين في منتهى القوة لتبرير الفض، الأولى هي الصيغة الوطنية الدولتية؛ أي أنه يقتل للحفاظ على الدولة الوطنية الحديثة في مصر ويحارب خطر وشبح سقوطها مثل ليبيا وسوريا والعراق. والصيغة الثانية وهي صيغة دينية محضة وهو أنه يقتل مجموعة من الخوارج بالمعنى الإسلامي القديم لمفهوم الخوارج كجماعة مارقة عن الإسلام تسعى لتخريب وتدمير المسلمين. وساعدته الماكينة الإعلامية والدينية في طرح الصيغتين في الوقت نفسه. ومارس علي جمعة، وزير الأوقاف الأسبق، دورًا شديد الأهمية في تعبئة الجنود والضباط وعموم الجمهور في هذه الحرب، فقد كان التفويض لحظة مثالية للدولة لتمارس القهر والعنف بأقصى درجات الشرعية والإجماع. وهو ما جعلها شديدة الفاعلية طبقًا لمجادلة تيري ايجيلتون أو في تصور أنطونيو جرامشي عن الهيمنة ودور الإجماع في بنائها.[28] بالنسبة إلى جرامشي، الهيمنة لا تتمثل فقط في استخدام القوة الجسدية لكنها أيضًا ممارسات القوة من خلال الأفكار والثقافة؛ وهو ما يسميه جرامشي «الهيمنة الثقافية» (cultural hegemony).[29]

الجيش كحزب حاكم

رغم الشعبية الجارفة للسيسي إبّان ترشحه للرئاسة، لكنه لم يهتم حقيقة بعرض نفسه سوى كرجل المؤسسة العسكرية للحكم وليس حاكمًا بخلفية عسكرية كما هو الحال في مصر منذ 1952. ولهذا أعلن السيسي نيته للترشح بعد «إخطار» القوات المسلحة كما أوضح في مقابلة تلفزيونية على قناة سي بي سي (CBC) في مايو 2014، مضيفًا «القائد العام ما بيستئذنش».[30] ولهذا الإعلان وما يخصه من سرد إعلامي خصلتين رمزيتين: الأولى هي أن السيسي أعلن ترشحه مرتديًا الزي العسكري العملياتي وليس الفخري؛ أي أنه مفوض بمهمة عسكرية لحكم مصر من قبل الجيش. ثانيًا، أن اللافتات الداعمة للسيسي كمرشح رئاسي قبيل الانتخابات كانت تحمل صوره بالزي العسكري في بعض الأحيان وكان يسبق اسمه رتبته كمشير في القوات المسلحة على غرار عنوان المقابلة التلفزيونية المذكورة سابقا: «المشير السيسي في أول ظهور تليفزيوني له». هذا هو التضارب في هوية الرئيس الحالي، إذا كان عسكريًا أو ذو خلفية عسكرية. وهذا ينعكس على التضارب بين السرد الإعلامي وسرد الدولة للأحداث منذ 2013، حول أن ما حدث لم يكن انقلابًا ولكنه ثورة ثانية؛ لأنه تم بتفويض من الشعب، ولأنه تم تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا، عدلي منصور رئيسًا حتى تنظيم الانتخابات في 2014.

وبالفعل قدّم السيسي نموذجًا جديدًا على مصر في الحكم. فالرجل لم ينشئ نظامًا سياسيًا كما هو متعارف عليه تاريخيًا في مصر، سواء أكان نظامًا تعدديًا أو نظام الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) مثل عبد الناصر، أو نظامًا شبه تعددي سلطويًا يقوم على حزب مدني حاكم (الحزب الوطني) مثل مبارك والسادات. بل اعتمد السيسي فقط على مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية في الحكم والإدارة، وحتى في الجانب الاقتصادي، فاللاعب الأول على الساحة هو الهيئة الهندسية يليه جهاز الخدمة الوطنية، وكليهما أجهزة داخل مؤسسة الجيش. تحوّل الجيش إلى حزب حاكم وإلى الرأسمالي الأول والرئيسي في مصر، وهي صيغة تختلف أيضًا عن رأسمالية الدولة التي شهدتها مصر في عهد عبد الناصر. فمع المقارنة واستدلالًا بكتاب أنور عبد الملك وتحليله لفترة 1952-1967،[31] نجد أنه تمّ وقتها استقطاب وإعادة بناء طبقة بورجوازية جديدة بعد 1952 مع تصفية وتأميم الإقطاعيين وشركات القطاع الخاص، وهذه تعدّ مقاربة مع النظام الحالي. ولكن يكمن الاختلاف في أن الجيش في 1952 كان يمثل عجلة التقدم والتحضر في مصر مع بناء مصانع مختلفة وتأميم أخرى، وهو الآن بوابة الاستثمار والفاعل الاقتصادي ولكن في ظل واقع نيوليبرالي. ويسعى الجيش للاستحواذ على مفاتيح السوق المصري والشراكة المباشرة مع المستثمرين الأجانب ومنح بقية الفاعلين في السوق المصرية مقاولات من الباطن أو عبره. فالسيسي لم يسعَ لتغيير واقع بنية الاقتصاد ونمطه أو تحويله، فقط إعادة ترتيب الفاعلين داخل السوق المصرية ووضع الجيش بمثابة بوابة رئيسة لأي فعل اقتصادي. ويبرز ذلك النمط تحديدًا فيما يتعلق بمشاريع الطرق، واستحواذ الجيش على بعض الصناعات والموارد مثل المحاجر وصناعة الرخام وجانبا من صناعة الإسمنت (ولكنه يسمح للشركات الأجنبية بمشاركة الحصة الأكبر من صناعة الإسمنت في مصر، مثل لافارج وتيتان)، وأيضًا فيما يتعلق بالأراضي في مصر، تحوّل الجيش إلى أكبر مستثمر ومالك للأراضي، العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين كمثالين.

حقق السيسي ما لم يستطع حاكم آخر منذ 1952 تحقيقه، فقد تخلى عن الصفقة المؤسسة لشرعية الدولة العسكرية: الأمن الاجتماعي والخدمات والدعم في مقابل الحرية. فالسيسي حرر جهاز الدولة من أعبائه الاقتصادية والمالية تجاه المواطنين، ما أعتقه من أي التزام اجتماعي فيما يتعلق بتوفير الخدمات مقابل رسوم زهيدة أو بشكل مجاني. وقام بتسليع خدمات الدولة بمنطق السوق النيوليبرالي. ومنحه تحرير موازنة الدولة من هذه الأعباء فرصة أكبر في التوسع في مشاريعه وتصوراته عن إدارة الاقتصاد. كما نال رضى وإشادة صندوق النقد والبنك الدولي بسبب سياسات التقشف ورفع الدعم وتقليل الإنفاق الحكومي. كما نجح في الاحتفاظ بالطابع الاستبدادي والتسلطي للدولة المصرية، وتصاعدت قدرة الدولة على القمع والبطش بخصومها وتقييد الحريات العامة والسياسية. كل ذلك تزامن وتمفصل مع شعور عميق بالتهميش لدى مؤسسة الجيش. منذ هزيمة 1967 والجيش يتراجع دوره السياسي وهيمنته في إدارة الحكم، منذ الصراع الداخلي بالجيش في أوائل الستينيات وحتى الهزيمة –بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر– الذي تطرق إليه خالد فهمي في بعض محاضراته وفي مداخلة على تلفزيون الاشتراكي موضحًا التغيير بهيكل الدولة بعد 1967، وخصوصًا بعد أحكام قوات الطيران في 1968، والتي أدت إلى تظاهرات وحشود منددة بالأحكام المخففة.[32] من تلك التغيرات إنشاء الأمن المركزي كأداة قمعية، ونجح السادات في إزاحة الجيش من الإدارة والهيمنة المباشرة إلى حد بعيد واستبداله بالداخلية، وتحديدًا قوات الأمن المركزي كدرع وحامٍ للنظام وبديل عسكري لقوات الجيش في الداخل، وبجهاز أمن الدولة الذي سيدير مصر منذ السبعينيات حتى لحظة الثورة في 2011، وفي الخلفية الحزب الحاكم لإدارة جانب من الصراع الاجتماعي على الموارد والنفوذ والهيبة في مختلف محافظات مصر. استغلّ السيسي هذه الحالة وهذا الشعور بالتهميش ليعيد إطلاق يد الجيش مرة أخرى على الاقتصاد والاجتماع والسياسة في مصر.

ورغم أنّ هاجس الأجهزة الأمنية والحكم في مصر منذ 1952 هو الانقلاب العسكري على الانقلاب العسكري، لا يبدو أن السيسي يواجه معضلة كبيرة في هذا الشأن. فقدومه من المخابرات العسكرية أتاح له قدرة عالية على السيطرة على المؤسسة، وكذلك انخراط المؤسسة في معركة واسعة ضدّ العنف المسلح. وتتضح من تغيير القيادات العسكرية الكبيرة سهولة تحكّم السيسي بزمام الأمور داخل المؤسسة. وكل هذه الإجراءات تعد بما يسمى بالتقنيات «المضادة للانقلاب»[33]. وهذه التقنيات تتمحور حول تقليل احتمالات وجود تجمعات داخل منظمة الدولة قد تؤدي إلى الاستحواذ على السلطة. بعض الأمثلة لهذه التقنيات هي إحلال القيادات داخل المؤسسة العسكرية، وتعزيز قوات الأمن المركزي في عهد أنور السادات منذ 1970.[34] وبالفعل قام السيسي بالمثل بتغيير وزير الدفاع صدقي صبحي في عام 2018، وكان صبحي شريكه الرئيس في الوصول إلى الحكم بشكل سلس، كما قام أيضًا بتغيير رئيس الأركان ونسيبه محمود حجازي. ولذلك لا يبدو أنه يواجه داخل المؤسسة أي أشخاص أقوياء لا يستطيع إزاحتهم. بالقطع هناك قضيتان عسكريتان متهمة بهما مجموعة من الضباط بمحاولة القيام بانقلاب عسكري،[35] لكن لا يبدو أن ثمة شيئًا مقلقًا في الأفق أو غير اعتيادي ضده داخل مؤسسة الجيش، فهو قادر على إدارة وإحلال من يشغلون مناصب مهمة لتفادي أي محاولات للاستيلاء على الحكم من داخل المؤسسة.

تعضيد الحكم: القضاء على السياسة وإعادة تسليح المؤسسات

نجح السيسي في القضاء على المجال السياسي الذي تشكل بعد الثورة، وتغيير معادلة مبارك في ترك هامش نسبي للمعارضة والإخوان المسلمين؛ فالسيسي لا يقمع الفعل السياسي فقط، بل يمنعه من المنبع ولا يترك له أي هامش للنمو والحركة والمناورة. الدروس التي تعلمها السيسي من ثورة يناير هي: أولًا، توحيد قوى الدولة وأجهزتها المختلفة وتدعيم الأجهزة الأمنية وتقويتها وعدم السماح لنمو أي صراع للأجنحة المختلفة داخل الدولة؛ ثانيًا، عدم السماح بأي هامش حركة للمعارضة والحركات الشبابية؛ ثالثًا، الإفراط في القمع واستخدام العنف ضد المعارضين والتنكيل الواسع بهم سواء عبر السجون أو التشهير أو الشيطنة الإعلامية. كما استغل السيسي رغبة القوات المسلحة والداخلية في استعادة قوتهم لكسب ثقتهم، وطرح نفسه عليهم كمخلِّص والرجل المسئول عن تطوير وتحديث المؤسستين. ونجح في تطويع علاقته الإقليمية بالإمارات والسعودية في تسليح الجيش والداخلية. فمصر أصبحت ثالث مستورد للسلاح في العالم في الفترة بين 2014 و2018 (بعد السعودية والهند) طبقًا لمعهد ستوكهولم للسلام. ووفقًا للتقرير، زادت واردات مصر من الأسلحة ثلاثة أضعاف بين عامي 2009 — 2013، و2014- 2018.[36] وجرت إعادة تسليح الجيش المصري من فرنسا وألمانيا وروسيا، مع الاستمرار في شراء الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية، استكمالًا للمعونة الأمريكية منذ كامب ديفيد. وأحد تقارير فرانس 24 يشير إلى اشتراك السعودية في تمويل صفقة الميسترال الفرنسية.[37] وتنوع تسليح الداخلية بين المعدات والمركبات والمدرعات والذخائر وقنابل الغاز وحقوق إنتاج الأعيرة النارية. كما استورد معدات وتقنيات تجسس بمليارات الدولارات، ساعدت الإمارات في العديد منها طبقًا لفرانس 24.[38] ويعد تسليح الداخلية وتطور تقنيات المراقبة مفهومًا في سياق الحرب الداخلية التي يخوضها النظام ضد جماعة الإخوان المسلمين و«الجماعات الإرهابية»، ولمحاصرة القوى الديموقراطية. رفعَ هذا التسليح من قوة الداخلية ورفع الروح المعنوية للمؤسسة واستعادة شعورها بالتفوق على المجتمع مرة أخرى بعدما واجهته عقب هزيمة الثامن والعشرين من يناير 2011.

التوسع في إعادة تسليح الجيش قابل للتحليل من أكثر من زاوية. أولًا، السبب الداخلي هو إرضاء الجيش كمؤسسة وتثبيت أركان السيسي عبر ضمان ولائها من خلال رفع كفاءتها وتطويرها. ويرى سبرنغبورج الأمر بزاوية أخرى وهي أن ثقة السيسي في الجيش وقدرته على مراقبته وضمان ولائه، سمحت بتطوير وإعادة هيكلة الجوانب العملياتية والبينية بين الأسلحة المختلفة، ودفعت بضرورة إعادة التسلح وتنويعه لمواكبة التحديات الداخلية والإقليمية.[39] وتنوع مصادر السلاح كان له مردود إيجابي داخل الجيش ورفع من أسهم السيسي بداخله، حيث يعتبر أول من نجح في تنويع مصادر السلاح داخل الجيش منذ كامب دافيد، أو هذه على الأقل رؤية العديد من الضباط الآن. وبهذا نجح السيسي أيضًا في المناورة مع الولايات المتحدة بعد تهديد هذه الأخيرة أكثر من مرة بقطع المعونة العسكرية. ثانيًا، التسابق الإقليمي للتسلح والخوف من التوترات القائمة في المنطقة، وقد عرض السيسي أكثر من مرة مصر على الخليج كقوة محتملة. وهو ما دفع السيسي في يناير 2018، لتوقيع اتفاقية «مذكرة التفاهم في مجال الأمن وقابلية تبادل الاتصالات» والمعروفة بـ «سيزموا»(CISMOA)  مع واشنطن. وتُعتبر هذه الاتفاقية شرطًا قانونيًا من الولايات المتحدة لتزوّد الدولة الحليفة بأجهزة ونظم اتصالات مشفّرة، ما يمكّنها من استخدام وسيلة الاتصال المباشر خلال الوقت الحقيقي والفعلي.[40] وذلك لكي يتناغم تقنيًا وعملياتيًا مع بقية دول الخليج وحلفاء الولايات المتحدة. وجدير بالذكر أن مصر راوغت لمدة ثلاثين عامًا لتفادي التوقيع على هذه الاتفاقية. ثالثًا، نجحت هذه الصفقات في شراء سكوت الدول الغربية على انتهاكات حقوق الإنسان وكسر العزلة التي حاولت بعض الدول فرضها على مصر بعد سيطرة الجيش على الحكم في الثالث من يوليو 2013.

في الختام، نجح السيسي في بداية صعوده في استقطاب قطاعات كبيرة من المجتمع كانت في حالة هلع كبيرة من هيمنة الإسلاميين، ونجح عبر خطاب خطورة انهيار الدولة في المتفصل مع الواقع المضطرب، وقد مكنه من شعبية عارمة وقدرة مهولة على البطش والقمع. ورغم تراجع شعبيته بسبب السياسات الاقتصادية القاسية، نجح في تعضيد حكمه وفرضِ أمر واقع بعد نجاحه في مرحلة الصعود. كما استفاد من الصراع الإقليمي، وضمن دعم الإمارات والسعودية السخيين له وتسليح مؤسساته. وأخيرًا نجح في السيطرة الكاملة على جهاز الدولة وتطويع وإخضاع جميع مؤسساتها والتنكيل بخصومه عبر الجهاز نفسه، وتحديدًا الشرطة والقضاء والجيش. وفي الآونة الأخيرة، نجح السيسي عبر التعديلات الدستورية الأخيرة، التي سمحت له البقاء في الحكم بعد انتهاء مدته، في إخضاع مؤسسة القضاء بالكامل. فالأخيرة كانت تتمتع بقدر من الاستقلال سمح بمناورة السيسي وباستغلال المؤسسة القضائية في قضية مصرية جزيرتي تيران وصنافير اللتان تنازل عنهما للسعودية.

وعلى عكس كلّ من سبقه، فالسيسي لا يرى توطيد حكمه من خلال إنشاء كيان سياسي قوي يكون بمثابة حليفه الاجتماعي والسياسي، وإنّما من خلال توحيد قوى وأجهزة الدولة خلفه وطرح نفسه على عموم الجمهور كمخلّص وحامٍ للبلاد. في كلمته ضمن فاعليات يوم الشهيد في التاسع من مارس 2021، أعلن السيسي أن افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة، الجاري إعدادها منذ توليه الحكم في 2014، يعدّ بمثابة ميلاد جمهورية جديدة ودولة جديدة؛[41] فباتت الدولة هي دولة المؤسسة العسكرية فقط، متخلصة من الدولة التي كانت خارج المؤسسة العسكرية منذ عهد عبد الناصر.

خاتمة

صارت الدولة منذ 2011 تحت تصرف المؤسسة العسكرية متمثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتحت السيسي منذ 2013. الشعب كان أداة في 2013 لبلوغ الهيمنة على رأس ومركزية القرار السياسي للدولة، وهي المؤسسة الرئاسية. بعد الوصول لمركزية السلطة والقرار، كانت الخطوات التالية تتضمن تشكيل مجتمع عسكري بامتيازات اقتصادية وغيرها، غير مسبوقة مقارنةً بالعهود السابقة. مكّن انفجار المجال السياسي واحتدام الصراع ضد الدولة والمجموعات الثورية والأخيرة ضد الإخوان، ثم انفجار العنف المسلح، في حسم المأزق البنيوي الذي هيمن على أبعاد الصراع في مصر منذ 2011 لصالح الانقلاب العسكري. فالحرب كانت الصيغة الوحيدة التي تمكّن الانقلاب العسكري من حسم موقعه والتفوق في الصراع ضد الإصلاحيين والثوريين والإسلام السياسي. والصيغة الأمنية التي طُرحت منذ يوليو 2013 كانت كفيلة لحسم الشراكة التي تشكلت بين بعض القوى السياسية من التيار المدني والجيش لصالح الأخير. ولم تكن هناك قوى سياسية أخرى تمتلك المقدار نفسه من القوة الرمزية والمادية التي يستحوذ عليها الجيش، والتي تضاعفت بفضل موجة الثلاثين من يونيو ثم عززت  «الحرب على الإرهاب». والوضع الإقليمي وتفجر الحروب الأهلية وتفكك الدول من قدرات الدولة، وأتاح لها استخدام مستوى عالٍ من العنف والقمع فقط تحت ذريعة البقاء والحفاظ على نفسها في ذاتها ولذاتها.

نجح السيسي من خلال تمكنه من جهاز الدولة في إجهاض أي تحوّل ديموقراطي. بل ذهب أبعد من إعادة إنتاج السلطوية على غرار مبارك لصالح ديكتاتورية ذات طابع استثنائي، وأن يتحول هو نفسه إلى ديكتاتور فعلي. فالرجل لا يواجه أشخاصًا أقوياء وشركاء في الحكم يتحكمون في أجهزة سيادية مثلما كان الحال مع عبد الناصر، ولا يعاني نظامه من تصدعات بنيوية مثلما كان الحال مع مبارك بسبب الصراعات المختلفة بين الأجهزة الأمنية أو بسبب الصراع بين جمال مبارك ونخبته الصاعدة والجيش. كما أنه أستطاع تشكيل ديكتاتوريه عبر تفويض شعبي ثم شعبية جماهيرية ضخمة، وأيضًا عبر الهيمنة الكاملة على جهاز الدولة والقضاء على مساحات التقاضي وسيادة القانون ولو جزئيًا والإجهاز على الاستقلال النسبي للقضاء والقضاة، في حالة أقرب إلى فاشيات القرن العشرين منها إلى النظم السلطوية أو شبه السلطوية.

ودعمت الحرب على الإرهاب تماسك مؤسسات الدولة، كما عززت خوفها من سقوط نظام السيسي وحكمه، وبالتالي تعرضها للمحاكمة والمحاسبة. وعزز انخراط مصر في صراع مركزي وإقليمي، ضد الإسلام السياسي والعنف المسلح، من حلفائها الإقليميين رغم تناقضاتهم، فمصر في حلف واضح مع السعودية والإمارات، ولكنها للأسباب نفسها كانت في علاقة مع الحلف السوري/الروسي/الإيراني. وكان خصمها الإقليمي هو الحلف القطري/التركي. وقد طغت الترتيبات الأمنية لشرق المتوسط وشمال أفريقيا وضبط الهجرة غير الشرعية والنزاع في ليبيا، على توجه الأوروبيين تجاه السيسي، على حساب النزعات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات. لذا لم يواجه السيسي أي عزلة أو قيود حقيقية عليه دوليًا، كما دعم ترامب السيسي ورسخ من أركان حكمه. وكانت إعادة تسليح الجيش المصري وتنويع مصادر السلاح استراتيجية شديدة النجاح على المستوى الداخلي في الجيش –فقد ضاعف الأمر من شعبية السيسي وتكاتف المؤسسة خلفه– وعلى المستوى الدولي، حيث أصبح مستهلك ومستورد شديد الأهمية للدول الأوروبية. وعلى عكس مبارك، يستغل السيسي وضعه العالمي والداخلي في سحق أي معارضة له. وقد نجح في تصفية فاعلية أغلب النشطاء السياسيين ومجموعاتهم المختلفة التي كانت تعج بها البلاد من 2010 وتصاعدت بعد الثورة، مخلفًا تدهورًا غير مسبوق للوضع الحقوقي والحريات العامة.

أخيرًا، نجح السيسي في قيادة الدولة ذاتها في حرب ضروس ضد الثورة، ففي نهاية الأمر يمثل الانقلاب تجلي وإظهار للدولة،[42] وبعدما تحولت المؤسسة العسكرية للمهيمن على الدولة وكل ما يخصها رمزيًا أو مؤسسيًا، استخدمت هذا التجلي لمناهضة الثورة والحركة الثورية داخل الاجتماع المصري.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق