الأحد، 23 يونيو 2019

صفات الطاغية




 لا ينتبه كثير من العرب إلى الدراسة الفلسفية المحكمة المنشورة في كتاب جدير بالقراءة بعنوان "الطاغية" لأستاذ الفلسفة المصري الذي رحل عن الدنيا قبل أيام، إمام عبد الفتاح إمام، الذي صدر سنة 1994، ربما لأن المؤلف لم يكن مهموماً بالإعلام والدعاية، وربما لأن الطغاة ما زالوا يحكمون سيطرتهم على بلاد العرب، ما يجعل محتوى الكتاب محفوفاً بالخطر. يعرّف الكتاب الطاغية تعريفاً وافياً، فهو "رجل يصل إلى الحكم بطريق غير مشروع، فيمكن أن يكون قد اغتصب الحكم بالمؤامرات، أو الاغتيالات، أو القهر، أو الغلبة. باختصار هو شخص لم يكن من حقه أن يحكم لو سارت الأمور سيراً طبيعياً لكنه قفز إلى الحكم عن غير طريق شرعي، وهو لهذا يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم أنه غاصب ومعتد فيضع كعب رجله في أفواه ملايين الناس لسدها عن النطق بالحق، أو التداعي للمطالبة به". ووفق تأريخ موسع، يضيف الكاتب عن الطاغية أنه "لا يعترف بقانون أو دستور في البلاد، بل تصبح إرادته هي القانون الذي يحكم، وما يقوله هو أمر واجب التنفيذ، وما على المواطنين سوى السمع والطاعة، ويسخّر كل موارد البلاد لإشباع رغباته أو ملذاته أو متعه التي قد تكون في الأعم الأغلب حسية، أو قد تكون متعته في طموحاته إلى توسيع ملكه، أو إقامة إمبراطورية".. وحسب التعريف المطول للطاغية فإنه "ينفرد بخاصية أساسية في جميع العصور، وهي أنه لا يخضع للمساءلة ولا المحاسبة ولا للرقابة، والطغيان في كل عصر صفة للحكومة المطلقة العنان التي تتصرف في شؤون الرعية بلا خشية حساب ولا عقاب"، وهو يؤكد أن "الحساب بالغ الأهمية لأنه يفرق بين عائلة الطغيان أياً كان أفرادها، وبين الأنظمة الديمقراطية التي يحاسب فيها رئيس الدولة كأي فرد آخر". ويتسبّب الطغيان الطويل في تدمير قدرة الناس على إدراك أن الطاغية بشر مثلهم. "عوام الناس يختلط في أذهانهم الإله المعبود والمستبدون من الحكام، ولهذا يخلعون على الطاغية صفات الله، كولي النعم، والعظيم الشأن، وما من طاغية إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك فيها الله أو تربطه برباط مع الله، ويتخذ بطانة من أهل الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله، وبذلك يصبح: الحاكم القاهر الواهب المانع، والجبار المنتقم المقتدر المهيمن. إلى آخر الأسماء الحسنى التي تسمى بها طغاة الشرق في تاريخنا المعاصر دون حرج ولا غضاضة". عرف العالم آلاف الطغاة شرقاً وغرباً، إلا أن أرسطو يستنكر على الشعوب الشرقية أن أفرادها "يحملون طبيعة العبيد، ولهذا لا يتذمرون كثيراً من حكم الطاغية".

اقرأ الكتاب


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 7 يونيو 2019

من ميدان التحرير



 جمع الستيني المصري حوله عدداً كبيراً من الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، في قلب ميدان التحرير بوسط القاهرة، في أحد الأيام الأخيرة من شهر يناير/كانون الثاني 2011، ليروي لهم ما يمكن اعتباره خلاصة تاريخ مصر المعاصر الذي يختلف كثيراً عما قرأوه في كتب التاريخ المدرسية. قال الرجل للمتجمعين المنتبهين، إن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر استخدم جماعة الإخوان للوصول إلى الحكم والتخلص من الرئيس وقتها، محمد نجيب، ثم الهيمنة على الحكم، ثم لم يلبث أن بدأ عملية ممنهجة للتنكيل بالإخوان، وبغيرهم ممن قرروا معارضته، حتى بعض أعضاء المجلس العسكري. وأضاف: أخرج الرئيس الراحل أنور السادات المعارضين الذين اعتقلهم عبد الناصر، وخصوصاً الإخوان، من السجون، ودعم وجودهم في المجتمع، ليس لأنه ديمقراطي أو يرفض الممارسات الديكتاتورية، ولكن ليستفيد من قدراتهم على الحشد في مرحلة التجهيز لحرب استعادة شبه جزيرة سيناء المحتلة، وليوقف بهم تغول التيار الشيوعي الذي حوله عبد الناصر في حربه على هيمنة التيار الديني إلى معارض جديد بات يهدد السلطة الحاكمة بشعارات إنهاء الرأسمالية ومنح المواطنين حقوقهم الاجتماعية، خاصة العمال والفقراء؛ بينما كان السادات على أبواب مرحلة من الانفتاح المالي الكامل التي لا يمكنها الاستجابة للدعوات التي يتبناها اليسار والشيوعيون. أكمل الرجل بينما الشباب يتابعون باهتمام: الرئيس حسني مبارك لعب في بداية حكمه على كل الحبال قبل أن يعادي الجميع بغباء منقطع النظير، فلا هو قرب اليمين ولا اليسار، ربما بسبب فشل النظامين السابقين عليه في التعامل مع كليهما، وربما كان ذلك سبباً في حكمه نحو ثلاثين سنة متصلة اعتمد في النصف الأخير منها على تقوية جهاز الأمن لاستخدامه في القمع، واستثمار التدهور المجتمعي والثقافي الذي بدأ نهاية السبعينات مع التحول من دولة تستثمر في التعليم والثقافة والصحة إلى دولة تستثمر في الفساد. واستطرد: لم تكن الصورة بهذه القتامة، فالأجيال اللاحقة سمحت لها الظروف والتطور التكنولوجي وفورة وسائل الاتصال بثقافة وتطور نوعي مكّنها من إدراك الكثير مما حاولت أنظمة سابقة تزويره أو تدميره أو إخفاءه، فتحولت إلى وقود الغضب ضد مبارك. لا شك عندي أن حوارات مماثلة جرت خلال الشهور الأخيرة في ميادين الثورة في السودان، وفي الجزائر، فتاريخ كل الدول العربية الحديث مليء بالأكاذيب، والملايين في تلك الدول لا يدركون أنه تم خداعهم لسنين طوال بشعارات كاذبة روّجتها السلطات الحاكمة، بينها أن العسكريين أكثر وطنية من بقية الشعب.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأربعاء، 5 يونيو 2019

رؤوف مسعد: حرب 67 والمأزق التاريخي لليسار المصري






مثلما كان عبد الناصر "يظن" أن في بلده جيشًا يقوده صديقه الصدوق، كان اليسار المصري يظن أيضًا أن كل ما يقوله ناصر إنما هي حقائق لا تقبل الجدل، وبالتالي آمن اليسار المصري بصواريخ مصر وطائراتها وجندها وأسطولها، وتناسى الفرق بين الدعاية والإعلام الحربي وبين الحقائق.

حينما اندلعت حرب الأيام الستة عام 67 بنتائجها الوخيمة على مصر دولة وشعبًا؛ كان اليسار المصري بتنظيماته "المنحلة" قد خرج من السجون الناصرية (عام 1964) متمسكًا بعدم وجود عمل تنظيمي ماركسي حزبي كما تعهد قبل ذلك (لأجهزة حكم عبد الناصر) .

وكنت أنا واحدًا ممن وقعوا على وثيقة - مثل مئات آخرين - تعلن انتهاء العمل السياسي المنظم للحزب "الشيوعي - حدتو" في الأيام الأخيرة، قبيل إغلاق معتقل الواحات الخارجة، حيث كنت أقضي مدة العقوبة بعد محاكمة عسكرية.

ومع ذلك بقيت بعض التنظيمات الصغيرة والانشقاقات التنظيمية تحاول أن تلملم أعضاءها وتُضَمِّد جروح السجن السياسية والتنظيمية. وبالطبع البحث عن عمل.

عينت الدولة الناصرية ضابطًا مخابراتيًا لكي يفرز طلبات التقدم للعمل والحصول على القوت من الشيوعيين السابقين. أفلح البعض في اقتناص وظائف إدارية وثقافية واقتصادية وتنظيمية كبيرة حتى وصل الأمر إلى تعيينهم كوزراء (الاقتصادي إسماعيل صبري عبد الله، وفؤاد مرسي الذي كان في وقت ما "زعيم " الحزب " المصري").

وفشل البعض في الحصول على أية وظائف لأسباب مجهولة.

كان البحث عن القوت والعمل يشغل معظم أعضاء اليسار المصري بعد الخروج من السجون والإفراج عنهم.

ينبغي أن يكون هناك تعاملان وفهمان لليسار المصري؛ ما قبل السجون وما بعدها. ثم متابعة تطور فكر اليسار المصري في السجون سلبًا وإيجابًا، وذلك بالنسبة للقضية الأساسية وهي الموقف من دولة ونظام عبد الناصر السياسي.

خَلَق هيكل، عبر لطفي الخولي، مجلة "الطليعة" وكانت بالفعل إنجازًا يساريًا صحافيًا، ناقشت المجلة وعرضت أفكار تسعى لتأصيل "المجموعة الاشتراكية" كتنظيم يساري سري يحيط بناصر، ويتخذ قرارات مثل تأميم البنوك.. إلخ، وهي قرارات اعتبرها اليسار في السجون اشتراكية.

كما أسس حسن فؤاد مجلة "صباح الخير" باعتبارها عملًا غير مسبوق في الصحافة المصرية والعربية، كما قام سعد كامل (حركة السلام المصرية) بإرساء قواعد وأسس الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافة، متخذًا من النمط السوفيتي نموذجًا يحتذى به.

لكن من الخطأ التعامل مع اليسار كحزمة واحدة. وكذلك من الخطأ التعامل معه بنفس التعامل معه وقت ما قبل حملات الأمن المصري (الناصري) للقضاء على اليسار المصري التي بدأت في ديسمبر/كانون الثاني عام 1958، وتوالت حتى ديسمبر عام 1960.

أي أنه ينبغي أن يكون هناك تعاملان وفهمان لليسار المصري؛ ما قبل السجون وما بعدها. ثم متابعة تطور فكر اليسار المصري في السجون سلبًا وإيجابًا، وذلك بالنسبة للقضية الأساسية وهي الموقف من دولة ونظام عبد الناصر السياسي، (و"حدتو" تعاملت مع ناصر شخصيًا ومع بعض الضباط الأحرار مثل خالد محيي الدين قبيل 23 يوليو)، وكذلك متابعة تطور علاقة اليسار المصري باليسار العربي واليسار العالمي، ثم علاقته بالاتحاد السوفيتي.

بدون فهم هذه العلاقات المعقدة لا يمكن استيعاب دور اليسار المصري السلبي في زلزال هزيمة 67، وما تلاها من زلازل هزت وحركت وفجرت أسس العلاقة بين المواطن المصري من جهة، وبين النظام السياسي/ العسكري الذي يحكمه من جهة أخرى.

كنت أنا مجرد متابع في حركة اليسار المصري، وعضو فيها منذ العام 1955، ثم وَقَّعَت على حل "الحزب" أي التنظيم الأكبر أيامها لحدتو، وكان ذلك قبيل أسابيع من "إفراج" عبد الناصر عن المسجونين والمعتقلين الشيوعيين الذين تمركز معظمهم في معتقل الواحات الخارجة. ثم رجعت مرة أخرى في الإسكندرية بعد الحل، وانضممت إلى "خلايا متمردة" سرعان ما فكت نفسها، لأنضم بعد ذلك إلى التنظيم الجديد في العراق عام 1975، ثم أتركه بلا عودة – حتى الآن - في بيروت عام 1981. أستطيع أن أقول بقدر كبير من الثقة أن أزمة اليسار المصري جاءت من داخله بالأساس.

وبدون الدخول في تفاصيل سياسية/تاريخية وأيدولوجية لا أملك توثيقًا لها، خاصة بعد أن تقلبت بين تنظيمين ماركسيين الأول هو "طليعة العمال" المغالي في اليسارية، لأتركه في السجن بالقناطر الخيرية وانضم إلى حدتو "البرجماتية" التي اتخذت لنفسها لقب "الحزب الشيوعي المصري"، يمكنني هنا أن أقول ملاحظاتي التي أحاول جهدي أن اجعلها موضوعية ولا شخصية.

لاحظت خلال تواجدي في السجون والمعتقلات التي جمعت قادة اليسار المصري والشيوعي أن معظم القادة لا يقرأون سوى بالعربية، عدا قلة منهم، وبالتالي فمستواهم النظري في القضايا الأيدولوجية يعتمد على الترجمة "الشامية" أيامها.

هذه المقدمة السريعة ضرورية لتقييم يسار مصر في فترة من أدق فترات وجوده، أي المنطقة الزمنية لحرب 1967، ما بعد الحرب وما قبلها، أي في وقت ازدهاره بعد زيارة ناصر لباندونج ثم هزيمة ما أطلقت عليه أجهزة ناصر الإعلامية "العدوان الثلاثي" للجيش المصري. واحتلال مدن القناة خاصة بورسعيد أكبرها.

فمثلما كان عبد الناصر "يظن" أن في بلده جيشًا يقوده صديقه الصدوق، الذي سمى ناصر واحدًا من أبنائه على اسمه "عبد الحكيم"، كان اليسار المصري يظن أيضًا أن كل ما يقوله ناصر إنما هي حقائق لا تقبل الجدل، وبالتالي آمن اليسار المصري بصواريخ مصر وطائراتها وجندها وأسطولها، وتناسى الفرق بين الدعاية والإعلام الحربي وبين الحقائق.

لكن الأخطر من جميع هذا هو مأزق اليسار الأيدولوجي.

فقد لاحظت خلال تواجدي في السجون والمعتقلات التي جمعت قادة اليسار المصري والشيوعي أن معظم القادة لا يقرأون سوى بالعربية، عدا قلة منهم، وبالتالي فمستواهم النظري في القضايا الأيدولوجية يعتمد على الترجمة "الشامية" أيامها، وما تبعث به موسكو عبر معهد الاستشراف السوفيتي من ترجمات غير دقيقة للأصول النظرية الماركسية واللينينية (والستالينية بعد أن أضاف ستالين نفسه إلى منظري الماركسية – اللينينية).

كانت تلك ترجمات شائهة ومعقدة وصعبة الفهم بلغتها العربية المقعرة، وبالتالي فالمستوى النظري لمعظم مفكري اليسار المصري و"حدتو" التي كانت أكبر التنظيمات؛ كان يعتمد في الأساس على التجربة الحدتاوية في العمل الجماهيري والنقابي والاستفادة من فعل الخطأ والصواب.

أقول هذا لأن "الإجراءات التنظيمية" التي قام بها ناصر من تأميمات وصفتها حدتو بأنها "اشتراكية" أثارت دهشة كبيرة في أرجاء العالم، وهو ما جعل خروشوف يقول لأحد مبعوثي ناصر إليه "كيف تقيمون اشتراكية بدون وجود طليعة اشتراكية والشيوعيون في السجون؟"

ثم جاء التقرير الفاجع للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عن جرائم "الرفيق ستالين "، وكذا عن إمكانية الانتقال السلمي للاشتراكية في بلدان العالم الثالث التي تكافح الإمبريالية العالمية.

هذه الاشتراكية (الناصرية) التي وصفتها بعض التنظيمات الصغيرة بأنها "رأسمالية دولة" قادت اليسار سوقًا إلى "حل" التنظيمات (مع أسباب أخرى لوجستية مثل إيمان الشيوعيين المصريين بإمكانية تغيير مسار فكر ناصر والإسراع بناصر لتبني اشتراكية حقيقية). بدأت "حدتو" الحل، وسبقتها بقية الأحزاب، وخاصة "المصري" بقيادة الرفيق خالد (فؤاد مرسي).

لذلك كانت صدمة اليسار المصري مضاعفة عند الهزيمة، فلم يستطع اليسار المصري، الذي خرج من المعتقلات والسجون مهلهلًا أن يقود أو يبلور أية حركة فكرية انتقادية لموقف اليسار من ناصر، ولموقف اليسار من حل التنظيمات، ولموقف اليسار من الهزيمة. فهو كان يسارًا "منزوع الدسم"، بلا طعم ولا لون ولا رائحة؛ جثة ميتة لكنها ما زالت لم تمت إكلينيكيًا.

ولعل الهزيمة في 67 أطلقت رصاصة الرحمة على الجثة مثلما أطلقت رصاصة الرحمة على الناصرية، التي انتهت بموت ناصر بعد سنوات ثلاث من الهزيمة وسبقها موت عامر (أو انتحاره)، وتبوأ السادات الحكم ليقضي على "الفكرة " الناصرية بسرعة غريبة بدون مقاومة اللهم من أفراد ومجموعات صغيرة.

كانت هزيمة 67 كابوسًا أقوي من كابوس الحياة اليومية في مرحلة "السِلم القلق" بين حربين (56 و67)، وهكذا أزاح الكابوس الأكبر الكابوس الأصغر، خاصة بعد نتائج حرب 67 من هزيمة عسكرية واحتلال الضفة الشرقية من القناة، وتهجير أهالي مدن القناة، وانطلاق ما يسمى بحرب الاستنزاف.. إلخ.

ولأن اليسار اعتبر أن "إجراءات ناصر" الاقتصادية تطبيقات اشتراكية، بل ونظّر لوجود "مجموعة" اشتراكية تحيط بناصر يقودها ويترأسها على صبري الذي اعتبره اليسار المصري يسار السلطة، بالتالي استكان اليساريون والشيوعيون إلى الطمأنينة الناصرية التي وعده بها ناصر "بأن لا يعتقل اليسار مرة أخرى". هكذا فقد اليسار المصري عدة مفاصل أساسية لكي يكون يسارًا حقيقيًا، ومن أسباب ذلك:

أولًا: فترات غياب طويلة في السجون والمعتقلات لقيادات اليسار، فتخلفت عن متابعة اليومي للشعب المصري وقراءتها في "النظرية" والتطبيق لأحزاب يسار عربية وأوربية وافريقية.

ثانيًا: فقدان الاتصال بأزمة حكم ناصر التي تتزايد وتستحكم لكن في الخفاء وفجرّتها الهزيمة.

وبالتالي كانت الهزيمة مفاجأة كاملة لليسار المصري كما للشعب كله، كما لعبد ناصر نفسه والحلقة الضيقة المحيطة به، كان يوجد في مصر يساران؛ أحدهما يسار قبل الهزيمة وكان في "جبهة ما" مع السلطة غير معلنة "ينظّر في المعهد الاشتراكي" لتأصيل نظرية "المجموعة الاشتراكية" ثم بعدها التنظيم الطليعي. ثم يسار ما بعد الهزيمة الذي بدا يعي دوره الجديد المفروض عليه، والذي كان دورًا غير مسبوق لليسار المصري، أي كيف يتعامل مع "أسباب الهزيمة ومسببيها؟".

أما الإعلام المصري فكان يسيطر عليه الرقباء العسكريون بحجة "الحرب"، وكان اختيار ناصر للأهرام وهيكل واضحًا فيه ثقة ناصر بالشخص وبالمؤسسة العريقة، واخترع هيكل اصطلاح "النكسة" بدلًا من الهزيمة، و"لم نخسر الحرب لكننا خسرنا معركة"، أو وضع للهزيمة ردائها الخاص كقميص عثمان، وهو حق يراد به باطل.

مع أن اليسار أيامها كان يسيطر على بعض أجهزة الإعلام إلا أن إنجازات هذا "اليسار" في مجالات عملهم كانت هزيلة بتحكم سيطرة الرقباء من الضباط من جيش وشرطة على مقدرات العمل اليساري المصري الجماهيري.

لنتأمل ظهور السيدة العذراء على قمة كنيسة الزيتون الأرثوذكسية في القاهرة لتخفف عن شعب مصر مسلميه ومسيحييه عبء عار الهزيمة وتجعله يصبر ؛ فالعذراء – كما أعلنت التفسيرات الدينية والإعلامية - اختارت مصر من القِدَم لتلتجئ إليها مع الطفل يسوع ومن هنا جاءت الآية النبوءة "مبارك شعبي مصر". (مصر معطوفة بياء الملكية كما جاء في النص المترجم إلى العربية من التوراة).

وعَزَف اليسار بشكل ما وراء هيكل في مقطوعة "النكسة"، وتم السماح لبعض اليسار "الشارد" أن يظهر في الإعلام، الذي كان رسميًا، لكن تحت عين الرقيب الساهرة.

أخبرني الراحل مصطفى درويش في حوار بيننا أن "مجلس الشعب المصري آنذاك لم يستطع تقبل فكرة وجود أفلام غربية مثل (انفجار) و(لا دولشي فيتا) في دور العرض المصرية خوفًا من إلهاء المصريين عن واجباتهم الوطنية"، وأن ثروت عكاشة أطاح به كرقيب للسينما أكثر من مرة ثم أعاده مرة أخرى للرقابة من اجل أن (يبحبحها) بعض الشيء من التزمت الرقابي الأخلاقي/ السياسي.

ومع أن اليسار أيامها كان يسيطر على بعض أجهزة الإعلام مثل السينما (محمود توفيق صهر الضابط يوسف الصديق) وفي المسرح (يوسف إدريس) وفي الثقافة الجماهيرية (سعد الدين وهبة وخالد محيي الدين)، و عبد العظيم أنيس في صحيفة المساء، وغيرها من صحف ومجلات أُعطيت لليساريين (مؤقتًا) مثل دار أخبار اليوم لمحمود أمين العالم وقبلها الهيئة المصرية للكتاب، وحمروش في المسرح، وغيرهم من اليساريين (بدون تنظيم اللهم إلا التنظيم الطليعي)، إلا أن إنجازات هذا "اليسار" في مجالات عملهم كانت هزيلة بتحكم سيطرة الرقباء من الضباط من جيش وشرطة على مقدرات العمل اليساري المصري الجماهيري، إضافة إلى تخوف وقلق القادة والعاملين بهذه المؤسسات من القيام بأية مبادرات خلاقة.

ثلاث سنوات فقط ما بين الهزيمة ورحيل عبد الناصر، لكن خلال هذه السنوات أيضا تصارع اليساريون مع بعضهم البعض في المؤسسات التي تسلموها ليعملوا فيها، تطبيقًا لمرض اليسار المصري المتأصل في الصراع غير المبدئي، والذي يتخذ في كثير من الأحيان شكلًا سياسيًا كما حدث في الصراع بين جماعة على صبري من ناحية وجماعة شعراوي جمعة من ناحية أخرى داخل التنظيم الطليعي والاتحاد الاشتراكي والمعهد الاشتراكي.

ولم يستطع اليسار أن يلملم شمله في عهد السادات، الذي انقض هو أيضًا على بقايا اليسار ومن بقي منهم في مصر، ولم يهاجر إلى ليبيا أو العراق إبان حُكم "الجبهة".

جاءت كامب ديفيد كنهاية أصيلة لهزيمة سبعة وستين، مع أنها جاءت نتيجة حرب ثلاثة والسبعين التي حرم السادات الشعب المصري من انتصاراتها القليلة، ونَكَّل بقاداتها مثلما فعل مع الفريق سعد الدين الشاذلي.

خرج اليسار من سجون ومعتقلات ناصر محبطًا وخائبًا وبدون ثقافة ماركسية حقيقية مطلعة على المتغيرات في رؤية ومواقف أحزاب الغرب الشيوعية.

اعتقد أن اليسار العربي بأشكاله المختلفة وخاصة المصري، باعتبار أن مصر "أكبر" دولة تعدادًا، هو صورة مصغرة للدولة في روتينها وفوضويتها واستحالة الوصول إلى "نتيجة سياسية أو تنظيمية" منطقية أيًا كانت.

فمثلما تعمل أجهزة الدولة المصرية ببطء مقصود وعدم حرفية وفوضوية أصيلة متعمقة في المزاج المصري، كان اليسار – ولعله ما يزال – يمثل الدولة فالناس صورة مصغرة من حكامهم.

أنجز اليسار المصري بعض الإنجازات الوطنية مثل اشتراكه وقيادته في مقاومة بورسعيد أثناء العدوان الثلاثي في 56، لكنه وقف عاجزًا محبطًا مذهولًا أمام حجم انفضاح الكذبة الكبيرة لحكم ناصر، ولانهزام جيش مصري كبير مخلص، لكن قادته كانوا في واد أخر غير ذي زرع.

حجم الهزيمة جاء بحجم انكشاف العري الذي كان مستورًا عند النقيضين "الناصرية" واليسار. وأؤكد هنا على التناقض الفكري والاجتماعي بين الناصرية التي تعتمد أساسًا على القومية وعلى نظرية المستبد العادل ( صوت العرب – أحمد سعيد) واليسار الذي يدافع وينادي "بالوطنية" والديموقراطية: أي مصر أساسًا؛ بدون الإيمان بقومية عربية (موقف خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعي السوري أيامها من "الوحدة بين مصر وسوريا") يراها قريبة من الفاشية والنازية عبر تاريخها ووقفاتها في الحرب العالمية الثانية مع خصوم التحالف الغربي مثل النازية ولفاشية.

أخيرًا كان اليسار المصري قد خرج من سجون ومعتقلات ناصر محبطًا وخائبًا وبدون ثقافة ماركسية حقيقية مطلعة على المتغيرات في رؤية ومواقف أحزاب الغرب الشيوعية، وخاصة الفرنسي والايطالي، بل واختلف مع الحزب الشيوعي السوداني الذي رفض "الانصياع " لموسكو بتحليلها عن النميري بأنه أيضًا يقود الدولة إلى الاشتراكية.

وكان موقف الحزب السوداني صحيحًا إلى درجة قتل عبد الخالق محجوب على يد النميري بعد انقلاب فاشل قام به بعض الضباط الشيوعيين والقوميين السودانيين.

لكن ثورة خمسة وعشرين يناير أتاحت فرصة العمر الأخيرة لليسار المصري أن يخرج من الملفات والانقسامات وينطلق مع الشعب في الشوارع، لكنه لم يستطع أيضًا أن يقوم بدور قيادي في الثورة إلا عبر شباب يساري ثوري فوضوي، لا علاقة له باليسار المصري القديم في عهد عبد الناصر.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 24 مايو 2019

وسط البلد



 لم تدهشني كثيرا الضجة التي أثارها وسم #وسط_البلد الذي تصدر مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأسبوع الأخير، فللمنطقة أهمية في الوعي الجمعي المصري، واكتسبت خلال السنوات العشر الأخيرة مكانة مميزة لدى المصريين، وبينهم آلاف المؤثرين على مواقع التواصل، سواء كانوا موالين للنظام، أو معارضين، أو مهادنين. يطلق وصف "وسط البلد" اصطلاحاً على المنطقة التجارية في وسط القاهرة، ويفضل البعض تسميتها "القاهرة الخديوية" لأنه تم إنشاء كثير من مبانيها في عهد الخديوي إسماعيل الذي جعلها تنافس العواصم الأوروبية آنذاك. شهدت المنطقة غالبية التظاهرات والاحتجاجات التي مهدت لقيام "ثورة يناير"، كما كانت مركزاً لتلك الثورة وما تلاها من أحداث، وهي تضم مئات المقاهي وفضاءات التجمع، كما تضم مقار العديد من الصحف ودور النشر والنقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، جنباً إلى جنب مع المقار الحكومية مثل البرلمان ومجلس الوزراء وعدد من الوزارات الهامة. يتردد على منطقة وسط البلد يومياً عشرات آلاف المصريين، فضلاً عن سكانها والعاملين فيها، ما يجعلها نموذجاً مصغراً لمجتمع المدينة المصري بكل طبقاته ومشكلاته، إذ لا يمكنك تجاهل وجود عدد من الأثرياء وبعض فاحشي الثراء، وعلى مقربة منهم أعداد من الفقراء وكثير من المهمشين، لكن الطبقة المتوسطة تظل الغالبة على تركيبة السكان، كما ينتمي إليها أغلب زوار المنطقة. في ظل هذا التباين الكبير، يصبح الحديث عن تصنيف واحد يجمع المقيمين والمترددين على وسط البلد محض محاولة بائسة لتزييف الحقائق، فهذا العدد الكبير من الأشخاص تؤثر في اختياراتهم ومواقفهم قناعات وخلفيات وصراعات، بغض النظر عن وجودهم في وسط البلد من عدمه. الواقع أن الإنسان هو الكائن الوحيد على هذا الكوكب الذين لا يمكن تصنيفه ضمن إطار قيمي واحد، إذ إنه قادر على تغيير رأيه ومواقفه بشكل مستمر، بل إن بعضهم تتبدل مواقفهم يومياً، وربما عدة مرات في اليوم الواحد. لا يعني هذا انكار أن للمحيط تأثير على الأشخاص، لكن التباين يظهر عادة في طريقة التفاعل مع الحدث أو الموقف، والأشخاص في "وسط البلد"، كما في بقية مناطق مصر، ليسوا ملائكة، ولا هم شياطين، وإنما بشر يصيبون ويخطئون، وفيهم الصالح والطالح، والواعي والتافه، والمناضل والمتربح، والمحافظ والمتحرر. ومحاولة تحميل هؤلاء مسؤولية مشكلات مصر الحالية والسابقة يمكن اعتباره خلل عقلي متفش، أو ربما هو أحد محاولات نظام الحكم المتكررة لشيطنة الشباب، وخصوصاً شباب وسط القاهرة الذين يعدهم خصماً.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 5 مايو 2019

بيئة العمل تقتلنا



تؤكد دراسات وأبحاث عدة مدى خطورة العمل لفترات طويلة وعدم الحصول على أوقات راحة كافية على حياة البشر، اجتماعيا ونفسيا وصحيا، كما بات التوتر والقلق الناتج عن طبيعة العمل بين الأسباب الرائجة للوفاة المبكرة حول العالم. في إندونيسيا، لقي 316 شخصا حتفهم بسبب الإرهاق الشديد الذي تعرضوا له خلال عملهم في مراكز الاقتراع والفرز الخاصة بالانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت منتصف الشهر الماضي، والتي تم إجراءها في يوم واحد توفيرا للنفقات، كما تم فرز أوراق الاقتراع فيها يدويا رغم أن عدد المصوتين بلغ نحو 150 مليونا. وكشف باحثون في "جامعة برلين" نهاية أبريل/نيسان الماضي،، أن الإجهاد الوظيفى وارتفاع ضغط الدم وقلة النوم تجعل الأشخاص أكثر عرضةً للوفاة بأمراض القلب، وفق دراسة استمرت لمدة 18 عاما على عدد كبير من العاملين في مجالات مختلفة. في فبراير/شباط الماضي، قام باحثون بجامعة "أوكلاند للتكنولوجيا" في نيوزيلندا، بتجربة تخفيض أيام العمل من خمسة إلى أربعة أيام على أداء 250 موظفاً في 16 مكان عمل مختلف لمدة ستة أسابيع، فاكتشفوا ارتفاع الإنتاجية بنسبة 20 في المائة، وانخفاضاً بنسبة 7 في المائة في مستويات الإجهاد. واكتشف باحثون في "جامعة أوكسفورد" بعد تحليل للعادات والسجلات الصحية لما يزيد عن 600 ألف شخص في عام 2015، أن ثلث من يعملون لمدة 55 ساعة في الأسبوع يصبحون عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية، مقارنة بأولئك الذين يعملون أقل من 40 ساعة أسبوعيا. وفي كتابه "الموت من أجل الراتب" الذي صدر عام 2018، رصد البروفيسور جيفري فيفر، من "جامعة ستانفورد" الأميركية، أن سوء ظروف العمل والتوتر الناتج عن أساليب المديرين بين الأسباب الرئيسية لموت العاملين، ونصح العمال بعدم الاستسلام لتلك الظروف القاتلة، والحرص على حياتهم أكثر من حرصهم على عملهم. تحتفل الأمم المتحدة في 28 أبريل/ نيسان من كل عام، بـ"اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل" في محاولة لإنقاذ نحو 865 ألف شخص يواجهون احتمال الموت، أو التعرض لإصابات خطرة خلال أوقات العمل، فضلا عن تفشي أمراض منها السكري وارتفاع ضغط الدم والبدانة ومشكلات العمود الفقري بين العمال. وتكرس عدد من الأعمال أنواعا حديثة من الرق، ففي 1996، أقرت منظمة العمل الدولية استراتيجية القضاء على عمل الأطفال في ظروف أشبه بالعبودية بحلول عام 2016، لكنّ ذلك لم يتحقق وفقاً لتقارير المنظمة نفسها، إذ استمر استغلال الأطفال والنساء في ظروف عمل غير أدمية، وخصوصا في أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 26 أبريل 2019

التجربة الأوكرانية



يمكن التعامل مع فوز الممثل فلاديمير زيلينسكي (41 سنة) بانتخابات الرئاسة في أوكرانيا على أنه تعبير صاخب عن حالة السخط المتزايدة تجاه النخب السياسية الفاشلة، وهي حالة ليست مقصورة على أوكرانيا، وإنما لها ما يدعمها حول العالم. يتوقع البعض أن يتحول نجاح الكوميدي الأوكراني في رئاسة بلاده إلى مثال يحتذى في بلاد أخرى تعاني بسبب فساد الطبقة السياسية، لكن أخرين يتوقعون فشلا مدويا للممثل الذي لا يمتلك أية خبرات سياسية، وأن يمنع هذا الفشل تكرار تجربة التمرد على النخب السياسية في أي بلد أخر. ينحدر زيلينسكي من أسرة يهودية من الطبقة المتوسطة، وولد في بلدة صغيرة بوسط أوكرانيا، وغالبية أفراد عائلته يعملون بالتعليم، لكنه اتجه مبكرا إلى العروض الكوميدية ليصبح أحد أشهر نجوم البلاد، ولديه شعبية واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي. ليست أوكرانيا دولة صغيرة أو هامشية، فضلا عن كونها أحد نقاط التماس الساخنة بين مراكز القوى العالمية، ومسرح للصراع الروسي الأميركي الأوربي الصيني الدائر للسيطرة على الجمهوريات السوفييتية السابقة، وروسيا تحتل شبه جزيرة القرم الأوكرانية منذ 2014. وتظل أكثر الأمور إثارة في قصة زيلينسكي متمثلة في نجاحه المبهر في استخدام الكوميديا والسخرية ومواقع التواصل في تدمير هيبة السلطة، وهو أسلوب اعتمدته ثورات الربيع العربي في بداياتها، ثم اعتمدته لاحقا الثورات المضادة. الأربعيني الأوكراني ليس أول ممثل يتولى منصب الرئاسة، لكن المثير أنه لم يعرف عنه يوما ميلا إلى ممارسة السياسة، على عكس الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان (1911- 2004) الذي كان حاكما لولاية كاليفورنيا قبل رئاسته. الدور السياسي الوحيد الذي قام به الرئيس الأوكراني المنتخب، كان تجسيده شخصية مدرس تاريخ قادته الصدفة ليصبح رئيسا للجمهورية في المسلسل التليفزيوني الكوميدي "خادم الشعب". فجأة، تحول التمثيل إلى واقع، وفاز الممثل الكوميدي الشهير بمنصب الرئيس متفوقا على منافسيه، الرئيس الحالي ورئيسة الوزراء السابقة. لا يعرف بعد إن كان زيلينسكي سيكرر ما فعله في المسلسل من محاربة الفساد والبيروقراطية وإقصاء رموز السلطة الفاسدة، لكن انتقادات معارضيه تركز على كونه مجرد أداة في يد رجل الأعمال الذي يمتلك القناة التي تعرض مسلسله الكوميدي ذائع الصيت. المفارقة المثيرة تتمثل في أن المسلسل التليفزيوني ينتهي بسجن الرئيس المنتخب، وسيطرة رموز النظام القديم على الدولة مجددا، وتقسيم البلاد. فهل يتكرر الأمر نفسه في الواقع؟ هذا ما سيكشف عنه المستقبل.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 4 أبريل 2019

"روز اليوسف" تفرم كتاب "فضائح السيسي بيه"... اقرأ الكتاب الساخر




داخل مؤسسة "روز اليوسف" الصحافية في مصر، وقعت أحداث قصّة مضحكة مبكية، تمّ على إثرها إعدام كتابٍ يحمل عنوان "فضائح السيسي بيه". 
وتقول تفاصيل تلك القصة التي روتها لـ"العربي الجديد" مصادر مطلعة داخل المؤسسة إن موظفين من "روز اليوسف" التي تمتلك مطابع ضخمة كانوا يقومون بجرد المخازن التي تحتوي على الكتب والإصدارات الخاصة بالمؤسسة، وإذا بهم يعثرون على عدد من نسخ كتاب للكاتب الساخر الراحل يوسف عوف، فكانت المفاجأة بعنوان الكتاب "فضائح السيسي بيه"، والذي صدرت طبعته الأولى عام 1994.
لم يعرف موظفو الجَرد ماذا يفعلون بالنسخ التي عثروا عليها من الكتاب القديم فوضعوها في إحدى زوايا المخزن لحين البت في أمرها، ثم انتشر الخبر بين صحافيي وموظفي "روز اليوسف" فتولى أحدهم ممن لهم علاقات وطيدة مع الأجهزة الأمنية الإبلاغ عن وجود الكتاب الذي يحمل عنوان "فضائح السيسي بيه" في المخازن. وعلى الفور اتصلت الأجهزة الأمنية بإدارة المؤسسة التي يرأس مجلس إدارتها عبد الصادق الشوربجي لتسأل عن أسباب وجود هذا الكتاب، فما كان من الإدارة إلا أن أمرت بجمع كل النسخ الموجودة من الكتاب وفرمها وعدم الإبقاء على أي منها.
ويوسف عوف هو أحد الأسماء المصرية البارزة في عالم الكتابة الساخرة، وعلم من أعلام الكوميديا منذ ظهور اسمه في برنامج "ساعة لقلبك" الذي كان يقدم في خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن.
واشتهر عوف بتقديم الأعمال الكوميدية الراقية التي تعتمد على ما يسمى بـ"كوميديا الموقف" والمفارقات والمفاجآت المثيرة بإيقاع سريع وحوار مختصر مكثف لاذع يثير الضحك بسهولة. ويعتبر كتابه "فضائح السيسي بيه" أحد أهم مؤلفاته التي تميزت بالأسلوب الفكاهي الغارق في السخرية، والذي ينقل القارئ معه في رحلة خيالية إلى إحدى هيئات القطاع العام التي استشرى فيها الفساد، فيقرأ فضائح نشرت في الصحف كما يقرأ معلومات مثيرة أخفتها ملفات التحقيق عن انحرافات وجرائم استغلال نفوذ داخل تلك الهيئة بأسلوب ساخر يثير الضحك أحياناً ويثيرالأسى في أحيان أخرى.
ولد يوسف عوف الكاتب الكوميدي والمؤلف المسرحي والإذاعي والسينمائي في 31 يناير/ كانون الثاني 1930، وتوفي في 28 إبريل/ نيسان 1999، ونال بكالوريوس الزراعة سنة 1950 وعرف بأسلوبه الساخر في الكتابة بسخريته من الواقع وتحويل الدموع إلى ضحك.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 29 مارس 2019

قصة مستبد صغير


 عرفته من خلال شاشة التلفزيون خلال سنوات عملي الأولى، حينها كان يقدم نفسه كمعارض للظلم ومقاوم للاستبداد. كانت تعجبني جرأته في طرح آرائه الرافضة لقمع الحريات، والتأكيد على فضح الفساد. كان في منتصف العقد الثالث من عمره، ورغم حداثة سنه، إلا إنه كان معروفاً كمناضل ضد المستبدين، أو هكذا كان يتم تعريفه. لاحقاً، تعرفت على عدد من أصدقائه المقربين، وكنت أتعجب من استمرار صداقته مع هؤلاء الانتهازيين الذين يقضي معهم جل وقته، ويناقش معهم اهتماماته، بينما كنت أظنه على النقيض من كل ما عرفته عنهم من نفاق ووصولية ومؤامرات. في لقاء جمعنا سألته بشكل مباشر عن تلك المفارقة، رغم وجود بعض من هؤلاء الذين كنت أتحدث عنهم في اللقاء، فقال ببرود شديد إنه حريص على توسيع دائرة صداقاته قدر المستطاع، وإنه يحب مناقشة الأفكار مع أشخاص من تيارات وخلفيات مختلفة، وخصوصاً من يختلف معهم في الرأي أو القناعات. كان كلامه منمقاً منطقياً، لكني لم أقتنع به، بل زادت شكوكي فيه. بعد سنوات، جمعنا مكان عمل كان يحتل فيه منصباً كبيراً، وكانت فرصة لأكتشف حقيقته، فهذا الذي ظننته لسنوات مناضلاً ضد الفساد والاستبداد، ونموذجاً للدفاع عن الحريات، كان في الواقع محض مدع كبير، ونموذجاً لمستبد صغير يملك الاستعداد للتحول إلى فاسد كبير. جرت أزمة هددت مستقبل بعض العاملين في المؤسسة التي نعمل بها، وكان هو أحد من ينتظر منهم اتخاذ قرارات مصيرية، فاتخذ قرارات ديكتاتورية استبدادية تخالف كل مبادئ الحريات والحقوق التي ظل لسنوات يدعيها ويروج لها. لم تكن تلك القرارات تضيرني بشكل مباشر، لكنها كانت تؤثر على زملاء، وتضر بيئة العمل، فأعلنت رفضي لها، وتضامني مع الزملاء المتضررين، فهدد بضمي إلى قائمة المغضوب عليهم، واتهمني بافتعال مشكلات في المؤسسة التي تعاني. قررت عدم الخضوع لتهديداته، واتهمته علناً في اجتماع رسمي بأنه يستخدم كل وسائل القمع والاستبداد والديكتاتورية التي أرفضها وأقاومها ضد أفراد المؤسسة التي يفترض أن أحد أهداف وجودها هو مقاومة تلك الأساليب. احتدم الخلاف بيننا، وانتهى بقراري مغادرة المؤسسة احتجاجاً على سياسة الادعاء، وتفشي ازدواجية المعايير، بينما واصل هو عبر شاشات التلفزيون ادعاء انحيازه إلى الحقوق والحريات. لما انطلقت ثورة يناير في 2011، كان أحد الرافضين لها بحجة الحفاظ على الدولة، مردداً كل ما كان يردده النظام الحاكم، ثم بدأت آراؤه تتغير شيئاً فشيئاً بتغير الوقائع على الأرض، وصولاً إلى ادعاء أنه أحد الداعين للثورة، قبل أن ينضم إلى قائمة المستفيدين لاحقاً.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 16 مارس 2019

صعوبة الاعتراف بالفشل



جمعتني بأصدقاء من جنسيات مختلفة، جلسة طويلة على المقهى في وقت متأخر من مساء الإثنين الماضي، وجلساتنا المتكررة لا تخلو من مناقشات وتبادل أفكار وتكهنات حول الموضوعات الراهنة، عربياً ودولياً.
 بدأت الجلسة بعد نحو ساعتين من قرار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، عدم الترشح لولاية رئاسية خامسة، فكان القرار الحدث الأبرز في المقهى الذي كانت أنظار غالبية المتواجدين فيه متعلقة بجهاز التلفزيون، ولما احتدم نقاشنا انضم عدد من الجالسين إلينا بطريقة عفوية.
 شكك صديقي في نية السلطة الجزائرية، مؤكداً أن قرار بوتفليقة ليس إلا التفافاً صريحاً على مطالب الشعب الرافض لبقاء النظام، وحلقة جديدة من حلقات خداع الشعوب الراغبة في التحرر.
لم أكن متفقاً مع هذا الرأي بالكلية، فقرار عدم الترشح في رأيي، بداية يمكن للشعب الجزائري البناء عليها، وأن ينطلق منها إلى تفاوض جدي مع سلطة تحكم البلاد بقوة السلاح، مع ضرورة عدم السقوط في أخطاء تسببت في فشل الثورة في مصر، أو الانزلاق إلى فخ العنف كما في سورية واليمن وليبيا.
 رفض أحد الأصدقاء منطق التعامل مع انتفاضات الشعوب العربية وفق نفس المقياس، مشدداً على أن لكل بلد خصوصيته المميزة التي تصبغ حراكه، كما أن لكل سلطة خصوصيتها التي تصبغ رد فعلها. لم نختلف كثيراً في هذا، فالخصوصية واقع قائم، لكنها ليست العامل الرئيس في نجاح أو فشل أي ثورة، وإنما عوامل كثيرة متشابكة، بعضها داخلية، وكثير منها خارجية.
أحاول جاهداً ألا يتحول النقاش إلى صراع جنسيات، فأقول: المهم أن الثورة المضادة فشلت في القضاء على الربيع العربي رغم كل الخيبات.
اتفق الجالسون على خطورة التأثير الخارجي، وخصوصاً التأثير الفرنسي في الشأن الجزائري. وقتها لم يكن تصريح الرئيس الفرنسي الفج قد صدر بعد. يستوقفنا صوت سوري يشدد على خطورة غياب بوتفليقة عن المشهد، ويحذر من تداعيات ما بعده، فيرد شاب تونسي مؤكداً أن بقاءه أخطر بعد أن أعلن الشعب رأيه فيه، فيستدرك أحد أصدقائي: هو لا يحكم فعلياً منذ سنوات، والجميع يعرف هذا.
  يعاجلني صديق لم يبد طيلة النقاش إلا بعض همهمات وإيماءات، بضرورة التوقف عن اعتبار ما جرى في مصر نموذجاً يصلح تطبيقه في بقية بلاد العرب، ويضيف: فشلكم ليس ملزماً للجميع. ألجأ إلى الصمت لأنني لا أستطيع ادعاء عدم فشل ثورتنا، أو بالأحرى فشلنا في إدارتها، قبل أن يعلو صوت شاب سوداني قائلاً: يوميات ثورة مصر تصلح دليلاً لمن يريد النجاح. يكفيه فقط أن يفعل عكس كل ما فعله المصريون.
أكاد أرد مستهجناً، فيقمعني صديقي المقرب قائلاً: ليس الفشل عاراً لتنكره.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 8 مارس 2019

النجاة للعرب أم النجاة منهم؟





تتباين مواقف وآراء كثير من المواطنين العرب إزاء الأوضاع الراهنة في بلادهم، وكذا مستقبل الشرق الأوسط، إذ إن غالبيتها مما لا يسر الخاطر، فضلاً عن أن كثيراً من مواطني المنطقة لا يمكنهم التكهن بما يمكن أن تؤول إليه الأمور غداً، أو في المستقبل القريب.
 عانى العرب طويلاً من حكومات غير ديمقراطية أورثت بلادها فشلاً وقمعاً وفقراً لا تخطئه عين، كما رسخت تبعية مخزية لمراكز القوى العالمية التي لا تكف عن التدخل في كل تفاصيل الحياة العربية دون رادع من سيادة أو كرامة.
حين انتفض بعض العرب خلال العقد الأخير طلباً لتغيير الوضع المزري الذي يقبعون فيه انتبه الفاسدون إلى مدى الخطر الذي يهددهم، فتكالب على المطالبين بالتغيير الفاسدون في الداخل ورعاتهم في الخارج، واستخدموا كل الوسائل لقمع رغبات الحرية ووأد مطالب التغيير.
 يظن هؤلاء أنهم نجحوا في ثورتهم المضادة، لكن الواقع يؤكد أنهم واهمون، وأنهم كلما أغلقوا نافذة للمطالبين بالتغيير في بلد عربي انفتح باب تغيير في بلد عربي آخر، وكلما تباهوا بنجاحهم في استعادة السيطرة على الأوضاع التي خرجت أو كادت تخرج عن السيطرة، تفجرت الأوضاع مجدداً بأشكال مختلفة، أو في أماكن مختلفة.
لا يمكن بحال تجاهل أن كثير من العرب حالياً لا يرغبون في مزيد من فورات الربيع العربي بعدما تأثرت حياتهم بالفورات السابقة، وخصوصاً أن أياً منها لم تحقق أياً من المطالب التي قامت من أجلها.
في المقابل، لا يمكن إنكار التأثير السلبي لفشل بعض المطالبين بالتغيير على غيرهم من الراغبين في السير على دربهم، فمثلما يمكن أن يتعلم الثائر من تجارب من سبقوه حتى لا يكرر الأخطاء نفسها، فلا شك أنه يتأثر كذلك بفترات تراجعهم أو هزيمتهم التي يمكن أن تجهض مشروعه أو تؤثر على حماسته.
  الواقع أن غالبية العرب لم يكونوا داعمين للربيع عند انطلاقته، فبعضهم كان معادياً له، وإن بأشكال مختلفة، وكثيرون كانوا ينتظرون ما سيؤول إليه ليقرروا موقفهم منه، وهؤلاء الذين طالبوا بالتغيير كانوا أقلية كما هي عادة الثورات على مدار التاريخ. حالياً، يمكن رصد أزمة لدى كثير من الذين طالبوا بالتغيير، ففريق منهم ما زال مؤمناً بما خرج من أجله إلى الشارع قبل أكثر من ثماني سنوات، وهدفه الوحيد العمل على نجاة العالم العربي من مستقبل مظلم ينتظره، أملاً في ألا يعيش أطفاله الأوضاع السيئة نفسها.
أما الفريق الآخر، فوصل إلى مرحلة متقدمة من الكفر بتكرار مطالب التغيير، وبات مقتنعاً بأنه لا نجاة للعرب لأنهم غير راغبين في النجاة، فقرر أن يبحث عن مخرج للنجاة من الحياة في بلاد العرب.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية