الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

كارل صباغ والطريق إلى السابع من أكتوبر




07 يوليو 2026 

مر أكثر من 1000 يوم على "السابع من أكتوبر"، ورغم كل ما جرى من جرائم إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزّة، وانتهاكات في الضفة الغربية والقدس، لا يزال داعمو إسرائيل يرون في "طوفان الأقصى" اعتداء فلسطينياً غير مبرر، في تجاهل صارخ للجذور التاريخية العميقة التي صنعت تلك اللحظة، ونحو قرن كامل من الجرائم والمجازر والاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي.

في كتابه "الطريق إلى السابع من أكتوبر: انتصار الصهيونية مأساة فلسطين" (ترجمة محمد عصفور، دار الفينيق للنشر والتوزيع، عمّان، 2026)، يلفت الكاتب والإعلامي البريطاني من أصل فلسطيني كارل صباغ إلى أن جرائم محو الوجود الفلسطيني كانت جزءاً أساسياً من عملية التأسيس الصهيوني، بينما ظلّت تُقدم مقاومة الفلسطينيين في الإعلام الغربي باعتبارها إرهاباً. هنا، لا يمكن اعتبار الكتاب مجرد سرد تاريخي للجرائم الصهيونية المدعومة غربياً منذ ما قبل نكبة 1948، إذ يسعى الكاتب من خلاله إلى تشريح الواقع على الأرض من منظور فلسطيني، تنتمي عائلته إلى مدينة صفد، لكنه ولد ونشأ في الغرب، بريطانيا تحديداً، ويقدم "رواية الغائب الذي حضر، والحاضر الذي غُيّب"، على حد تعبيره.

ويقول صباغ إن الكتاب يتتبع "الخطوات التي اتُّخذت منذ سنة 1917 لحرمان العرب الفلسطينيين من البلد الذي عاشوا فيه هم وأجدادهم طوال قرون، وكيف أن اليهود الصهاينة وضعـوا مشروعاً خبيثاً عنصرياً كاذباً بمعاونة حكومات بريطانية متتابعة، وبتأييد أتى في ما بعد من الولايات المتحدة، لنشر فكرة إنشاء دولة في فلسـطين تضم كل يهود العالم، بينما كان الكثير من اليهود غير الصهاينة لا تهمّهم فكرة كهـذه، وأظهروا ذلك عبر حقيقة أن هناك مـن اليهود خارج إسرائيل أكثر ممن هـم بداخلها".

يقدّم الكتاب "رواية الغائب الذي حضر، والحاضر الذي غُيّب"

تدور الأطروحة المركزية للكتاب حول حقيقة مفادها أن السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لم يكن انفجاراً عفوياً، ولا ردّة فعل غاضبة على حصار طويل، بل مقاومة حتمية لمشروع استعماري استيطاني يمتد لأكثر من قرن من الزمان، نجحت خلاله الحركة الصهيونية في تأسيس دولتها، بينما غرقت فلسطين في مأساة إنسانية مستمرة يحاول العالم تجاهلها، أو غض الطرف عنها.

وينطلق الكاتب في تفكيكه للرواية الصهيونية من تفنيد الفكرة الرائجة غربياً حول أن فلسطين كانت "أرضاً بلا شعب"، مستحضراً كتابات رحالة غربيين مثل الكاتب الأميركي مارك توين (1835 - 1910)، وكيف استُخدمت ملاحظات رحلته إلى فلسطين في عام 1867 لتقديم واقع مشوه، إذ وصفها توين بـ"الأرض القاحلة والمهجورة". بينما الواقع والتاريخ والوثائق والمباني والبنية التحتية، كلها تؤكد أن أرض فلسطين كانت تعيش فوقها أمة حقيقية ذات وجود ثقافي واجتماعي وسياسي متكامل ومتجذر.

ويتناول الكتاب نظرة قادة الحركة الصهيونية الدونية إلى العرب، وأنهم لم يعتبروهم عدواً بالمعنى التقليدي، بل أشبه بـ"عقبة بيولوجية" أو "شوائب ديموغرافية"، مشدداً على أن "الصهيونية لم تكن تعني الديمقراطية، بل تعني الديمقراطية لليهود. الدولة التي أقاموها ليست دولة ديمقراطية، بل دولة يهودية استعمارية".

صورت حرب 1948 غربياً باعتبارها "غزواً عربياً لإسرائيل الوليدة"

وينتقل صباغ من هذا التشريح إلى جوهر المأساة؛ وهو أن جريمة الفصل العنصري لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت شرطاً لنجاح المشروع الصهيوني، إذ أدرك قادة الصهيونية منذ صدور "وعد بلفور" أن تحقيق حلم "الوطن القومي اليهودي" يتطلب بالضرورة الإجهاز على العرب الفلسطينيين الذين يمثلون أكثر من 90% من السكان. وفي معرض إظهاره للجرائم الصهيونية، ينتقد كارل صباغ بجرأة ما روجته الحكومة البريطانية حول كونها وسيطاً نزيهاً حاول التوفيق بين "طرفين متنازعين"، ويكشف استناداً إلى وثائق ورسائل، من بينها مراسلات رئيس منظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لإسرائيل حاييم وايزمان، ورئيس الوزراء البريطاني آرثر بلفور، أن حكومة بريطانيا كانت تدرك تماماً أن الوطن القومي اليهودي لا يمكن أن يتحقق إلا على أنقاض الوجود العربي.

ويورد الكاتب ما قاله وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفين في مجلس العمـوم، في يناير/ كانـون الثـاني 1948: "يشعر العرب شعوراً عميقاً بأن الحق في المشكلة الفلسطينية إلى جانبهم، فهم يعتبرون أن طرد السكان من أراضيهم وبيوتهم بعد أن ظلوا يسكنون فيها لما يزيد عن عشرين قرناً، ليحل محلهم قوم غيرهم، هو ظلم فادح. ونحن نتفهم كيف يبدو ذلك للعرب، كل العرب، وليس لحكوماتهم فقط، وعلينا أن نفكر في ردة فعل البريطانيين لو أن طلباً مماثلاً طُلب منهم".

ويوضح كيف أن بريطانيا، وبعدما أدركت أن العرب لن يقبلوا بتسويتها المهينة التي حاولت فرضها عليهم، سلمت المشكلة إلى منظمة الأمم المتحدة، بينما هي تعلم علم اليقين أن النتيجة ستكون تطهيراً عرقياً صهيونياً للعرب، في محاولة لغسل يديها من الجريمة، وترك الفلسطينيين لمصيرهم.
يفضح الكتاب أيضاً أكذوبة أن الفلسطينيين غادروا أرضهم بأمر من قادتهم العرب، ويستدل على كذب هذه المزاعم بما يُعرف بـ"خطة دالت"، والتي وُضعت قبل أشهر من انتهاء الانتداب البريطاني. يقول: "لم تكن مجرد خطة عسكرية، بل مخطط تأسيسي للتطهير العرقي. كان الهدف الأساسي هو الاستيلاء على الأراضي، وتدمير القرى، وطرد السكان، والعمل على منع عودتهم".

ويستعرض الكتاب مجازر صهيونية متعددة، من بينها مجزرة دير ياسين (التاسع من إبريل/ نيسان 1948)، ومجزرة طنطورة (22 ـ 23 مايو/ أيار 1948)، ومجزرة الدوايمة (29 أكتوبر 1948)، مؤكداً أنها ليست وقائع شاذة ارتكبتها جماعات طائشة، بل أدوات ضمن مخطط إرهاب نفسي ممنهج هدفه زرع الرعب في قلوب الفلسطينيين لضمان تفريغ الأرض من أصحابها، قبل توطين اليهود الذين يتم جلبهم من أنحاء العالم فيها.

ويفند صباغ الرواية الإسرائيلية حول حرب 1948، والتي يعتبرها "الكذبة الكبرى"، ويخصص لها جزءاً كبيراً من الكتاب، مؤكداً أن حرب 1948 صورت غربياً باعتبارها "غزواً عربياً لإسرائيل الوليدة"، مع أسطورة مفادها أن إسرائيل كانت مجرد "دولة صغيرة محاصرة" تواجه جيوشاً عربية جرارة.
ويرى أن ترويج هذه الأكذوبة ساهم في تشكيل الوعي الغربي. يقول: "الصورة السائدة عن الحرب في الذهن الغربي هي صورة إسرائيل، الدولة الصغيرة ضعيفة التسليح، المهددة من عدة جيوش نظامية قادمة من الدول العربية المجاورة"، بينما في بدايات مايو/ أيار 1948، لم يكن هناك أصلاً دولة اسمها إسرائيل، وحتى بعد إعلان قيامها، لم يكن لها حدود واضحة حين اندلعت الحرب.

ويربط الكتاب بين عنف تأسيس إسرائيل الذي مارسته العصابات الصهيونية خلال فترة الأربعينيات، والسياسات الإسرائيلية خلال العقود التالية، وصولاً إلى السابع من أكتوبر، والجرائم والمجازر التي ارتكبت بعده، موضحاً أن المشروع الصهيوني لم يتوقف عند إنشاء دولة على حدود 1948، بل استمر في مخططه لإقصاء الفلسطينيين، ولاحقاً التوسع عربياً، وبناء مؤسسات وهياكل اجتماعية وتشريع قوانين ترسخ دونية أصحاب الأرض الأصليين، وتشرعن الاستيلاء على ممتلكاتهم.

ويقارن الكاتب بين التركيز العالمي الواسع على ما حدث في يوم السابع من أكتوبر، وبين التعتيم الطويل المتواصل الذي أحاط بمجازر الصهيونية منذ النكبة، معتبراً أنها دليل مباشر على ازدواجية معايير غربية ممنهجة، وكيف أن الذاكرة الانتقائية للغرب تركز على معاناة اليهود، وتتجاهل معاناة الفلسطينيين، إذ تجري إدانة أي واقعة يقوم بها عربي سريعاً، وبحدة، بينما يتم التغاضي عن عنف دولة ممنهج مارسته وما زالت تمارسه إسرائيل علناً على مدار عقود.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كرة القدم في قبضة الرأسمالية... أصحاب المليارات يتحكّمون باللعبة الشعبية



العربي الجديد

08 يوليو 2026

كي يلعب طفل أو مراهق عادي كرة القدم لا يحتاج إلى ملعب عشبيّ، أو معدّات باهظة، أو عضوية نادٍ خاص، كما هو الحال مع الغولف أو التنس؛ بل تكفيه مساحة محدودة من الأرض، وكرة مطّاطية عادية، وحذاء بسيط، ما يجعل أيّ فتى في أيّ حي شعبي من البرازيل، إلى مصر، إلى الفيليبين، قادراً على ممارسة اللعبة بالمجان، أو بكلفة مقبولة. ولكن اللعبة المجانية في أصلها الشعبي، التي ولدت من رحم الطبقة العاملة، تحوّلت إلى واحدة من أكثر الأنشطة ربحية على وجه الأرض، إذ تديرها آلة رأسمالية عملاقة، ومؤسّسات عابرة للقارّات، وتملك أنديتها الكبرى صناديق سيادية ورجال أعمال، وتُقاس نجاحاتها بعائدات البثّ التلفزيوني أكثر مما تُقاس بجماليات اللعب. وليس التباين بين الشعبوية والرأسمالية مفارقة عابرة، بل جوهر إشكالية تتفاقم، مصدرها أنّ كرة القدم تحتفظ بشعبيتها الجارفة وقابليّتها للممارسة المجانية، بينما تتحوّل بنيتها المؤسسية إلى نسخة معبّرة عن كلّ التناقضات الرأسمالية.

بدأت لعبة كرة القدم كما نعرفها حالياً في إنكلترا في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت اللعبة في بداياتها الأولى تُمارس داخل المدارس الخاصة للأرستقراطيين، لكنها سرعان ما انتقلت إلى أحياء العمال في مدن مثل مانشستر وليفربول وبرمنغهام باعتبارها نشاطاً جماعياً رخيصاً يُمارس بعد ساعات العمل الشاقّة في المصانع، وعندما تكوّنت الأندية لاحقاً، كانت في حقيقتها جمعيات تعاونية تأسّست بأموال جمعها العمال أنفسهم.

ويرى المؤرّخون الرياضيون أنّ التحوّل الطبقي هو ما منح كرة القدم طابعها الفريد طوال نحو قرن من انتشارها، فاللعبة التي اخترعتها النخبة، استولت عليها الجماهير، لتصبح الرياضة الشعبية الأشهر عالمياً، ولا تزال كذلك رغم مُتغيّرات رأسمالية كثيرة.

في عام 1863، تأسّس الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم في لندن، وحينها وُضع أول قانون موحّد للعبة، وفي 1888، تأسّس دوري كرة القدم الإنكليزي أوّل دوري في العالم، وكان احتراف اللعبة آنذاك يعني دفع مقابل رمزي للاعبين لتعويضهم عن خسارة أيام العمل نتيجة الانشغال بالمباريات. ومع التوسّع الاستعماري، وحركة البحّارة والتجّار، انتقلت كرة القدم إلى أوروبا القارّية وأميركا الجنوبية وأفريقيا وآسيا، وتأسّست الأندية في الأرجنتين والبرازيل وإيطاليا وإسبانيا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

وجاء تأسيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في 1904 في باريس، بمبادرة من سبعة اتحادات أوروبية، ليمنح اللعبة إطاراً حاكماً موحّداً، تُوّج لاحقاً بأوّل بطولة لكأس العالم في أوروغواي عام 1930. كانت اللعبة، طوال الثلثين الأوّل والثاني من القرن العشرين احترافية بالاسم فقط، فاللاعبون موظفون يتقاضون أجوراً معقولة، والأندية غالباً مؤسّسات مجتمعية أو مملوكة لتجار أو صناعيين محليين يبحثون عن المكانة الاجتماعية أكثر من بحثهم عن الربح، كما كانت تعبّر عن هُويّة المجتمع المحلي، وكان جمهورها امتداداً للفريق.

استمر هذا الوضع حتى 1973، حينها عقدت أول صفقة رعاية تجارية عبر القمصان، وكانت في الدوري الألماني (البوندسليغا)، عندما وقع نادي أينتراخت برونشفايغ عقد رعاية مع شركة المشروبات الكحولية ياغمايستر مقابل مائة ألف مارك ألماني. وقد رفضها الاتحاد الألماني، لكنه في العام التالي وافق على فكرة الرعاية التجارية. غير أن التحوّل التجاري الجذري حدث في 1992، حين أطلقت قنوات "سكاي" البريطانية الدوري الإنكليزي الممتاز (البريمييرليغ)، وكانت قيمة أوّل صفقة بثّ تلفزيوني تبلغ 191 مليون جنيه إسترليني لبث 60 مباراة سنوياً. لاحقاً، تضاعفت الأرقام بوتيرة جنونية، ففي العقد الأول من الألفية الثالثة، وصلت قيمة صفقات البثّ إلى 1.2 مليار إسترليني، ثم إلى 5.1 مليارات إسترليني في العقد التالي.

وكان هذا المال التلفزيوني بمثابة بداية لتحويل كرة القدم من "منتج اجتماعي" إلى "سلعة استهلاكية"، فالجمهور لم يعد بحاجة للذهاب إلى الملعب لمشاهدة المباريات، بل أصبح مُشاهداً منزوعاً عن السياقين، الجغرافي والاجتماعي، للعبة، ومع تزايد الإيرادات، تغيّرت طبيعة الأندية، فالأموال التي كانت تُجمع من جيب المشجّع المحلي أصبحت تُجلب من حقوق البثّ العالمية والرُعاة الدوليين.

بموازاة هذا، جاء "حكم بوسمان" الصادر عن محكمة العدل الأوروبية في عام 1995، ليحرّر اللاعبين من قيود الانتقال، لتتضاعف رواتبهم مع تزايد قدرتهم على التفاوض، ومنذ تلك اللحظة، دخلت كرة القدم مساراً لا رجعة عنه، فكلّما زادت عائدات البثّ والرعاية، زادت قدرة الأندية على شراء اللاعبين.

مع تزايد الأرباح، تحوّلت الأندية إلى مؤسّسات ضخمة، وتكشف قائمة فوربس لأغلى الأندية في العالم لعام 2026، أنّ قيمة نادي ريال مدريد الإسباني تبلغ 9.5 مليارات دولار، يليه برشلونة بـ 7.5 مليارات، ثم مانشستر يونايتد بـ 6.2 مليارات.

ولم تعد ملكية الأندية الكبرى شأناً محلياً كذلك، بل أصبح كثير منها مملوكاً، جزئياً أو كلياً، لصناديق استثمارية دولية، أو مستثمرين دوليين، ثم برزت الصناديق السيادية للدول مالكاً جديداً، فنادي باريس سان جيرمان يملكه الصندوق السيادي القطري، ونادي مانشستر سيتي مملوك لمجموعة أبو ظبي الرياضية التابعة لصندوق أبو ظبي السيادي، ونادي نيوكاسل انتقل إلى ملكية سعودية. لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فبورصة اللاعبين شهدت تدفّقات استثمارية سيادية أيضاً، واستقطبت دورياتٌ نجوماً عالميين في مراحل متأخّرة أو متوسّطة من مسيرتهم، مثل كريستيانو رونالدو الذي يلعب في الدوري السعودي. ويحمل هذا النمط من الرأسمالية السيادية الرياضية منطقاً مُختلفاً عن منطق صناديق الاستثمار التقليدية، فهو لا يبحث بالضرورة عن العائد المالي المباشر بقدر ما يبحث عن النفوذ الرمزي ويستغل أدوات الدبلوماسية الناعمة.

وبرزت أخيراً ظاهرة الملكية المُتعدّدة للأندية، إذ تدير مجموعة استثمارية شبكة من الأندية، وهناك أكثر من 120 مجموعة تشرف على قرابة 380 نادياً، أشهرها "مجموعة سيتي"، التي تملك حصصاً في 13 نادياً في خمس قارات، منها مانشستر سيتي الإنكليزي، ونيويورك سيتي الأميركي، وملبورن سيتي الأسترالي، ومونتيفيديو توركي الأوروغواني، ويوكوهاما إف مارينوس الياباني، ومومباي سيتي الهندي. ويتيح هذا النموذج تدوير المواهب ومشاركة الموارد التجارية بين الأندية التابعة، لكنه يُثير أسئلة جدية حول نزاهة المنافسة وتضارب المصالح، خصوصاً حين تتقابل أندية تابعة للمجموعة في بطولة واحدة.

ويعد الانعكاس الأوضح لهذا التسليع انفجار الأجور، إذ لم يعد راتب اللاعب النجم يُقاس بمعايير الأداء فحسب، بل أيضاً حسب قيمته التسويقية، ومن ذلك عدد متابعيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وقدرته على بيع القمصان، وجاذبيّته للرعاة. في كأس العالم الحالية، يتصدّر إيرلنغ هالاند قائمة الأعلى أجراً بأكثر من 62 مليون دولار سنوياً، منها 20 مليوناً على الأقل من حصيلة الإعلانات، يليه فينيسيوس جونيور بـ 60 مليوناً، ثم محمد صلاح بـ 55 مليوناً، وساديو ماني بـ 54 مليوناً.

وقد برزت أيضاً ظاهرة قدرة النجم على جذب جماهير جديدة إلى دوري بعينه، ومن ذلك انتقال ليونيل ميسّي إلى نادي إنتر ميامي الأميركي، وانتقال رونالدو إلى نادي النصر السعودي، بعقود ضخمة تتجاوز المنطق الرياضي إلى منطق التسويق الجغرافي الذي تنتهجه الدوريات المحلية لفتح أسواق جماهيرية جديدة.

وتنسحب الظاهرة نفسها على المدرّبين الذين أصبحت عقودهم تُقاس بعشرات الملايين سنوياً، وليس هذا مقابل الخبرة التكتيكية وحدها، بل بوصفهم علامات تجارية وتسويقية أيضاً، وجزء من صراع الشهرة الإعلامي يوازي الصراع على اللاعبين. ويتصدر دييغو سيميوني قائمة أعلى المدرّبين أجراً بـ 25.9 مليون جنيه إسترليني سنوياً مع أتلتيكو مدريد، يليه سيموني إنزاغي بـ 21.8 مليوناً في الدوري السعودي، ثم بيب غوارديولا بـ 20.7 مليوناً مع مانشستر سيتي، وفي بطولة كأس العالم الحالية، يتقاضى كارلو أنشيلوتي (البرازيل) 8.28 ملايين جنيه، وتوماس توخيل (إنكلترا) 5.06 ملايين، وموريسيو بوكيتينو (الولايات المتحدة) 4.53 ملايين. ولهذا التضخم في الأجور كلفته أيضاً، إذ تراجعت الأرباح التشغيلية لأندية كبرى، وارتفعت مديونياتها بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل جزءاً من الثراء الظاهر للعبة مموّل بالديون أكثر مما هو مموّل بأرباح فعلية.

وحاول الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) فرض ضوابط عبر قواعد الاستدامة المالية التي تحدّ من إنفاق الأندية على الرواتب والانتقالات على أنها نسبة من إيراداتها، لكن الأندية المدعومة بثروات سيادية أو مليارية تظلّ قادرة على تجاوز هذه الضوابط، أو التكيّف معها، على عكس الأندية التقليدية. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا المسار تحوّل عدة أندية كبرى من كيانات رياضية إلى مؤسّسات تجارية تُدار بمنطق الشركات المساهمة، وأصبحت أصول بعض الأندية تُقدّر بمليارات الدولارات، وتُدرج في البورصات، ما يجعل قراراتها الرياضية تُدار بمنطق العائد الاستثماري، فبيع لاعب واعد ليس مجرّد قرار كروي، بل قرار مالي يخدم التوازن المحاسبي للنادي.

في حين أدخل النمط الاستثماري احترافية إدارية ومالية كانت اللعبة تفتقر إليها خلال العقود السابقة، والتي لم تكن خالية بدورها من فساد مالي وإداري، تطرح التحوّلات القائمة مشكلات عدّة، فتحوّل أندية الأحياء أو المدن إلى علامات تجارية يجعل جمهورها أشبه بالمستهلكين، لا المشجعين، كما أنّ نماذج الملكية الاستثمارية يفرغ الأندية من روحها المجتمعية، ويختزلها في مجرّد أصل ضمن محفظة تجارية.

ويُعدّ مونديال 2026 المقام بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا مثالا صارخا على منطق "التسليع الرياضي"، فالبطولة التي توسّعت لتضم 48 منتخباً هي الأضخم في تاريخ المونديال، وأعلن "الفيفا" توزيع جوائز مالية إجمالية بقيمة 871 مليون دولار على المنتخبات المشاركة فيها، ما يقارب ضعف قيمة جوائز النسخة السابقة في قطر 2022، وهي تستهدف إيرادات تتجاوز 13 مليار دولار، تشمل أربعة مليارات من حقوق البث، و2.5 مليار من حقوق الرعاية، وثلاثة مليارات من إيرادات الضيافة والتذاكر.

وتُباع التذاكر في المونديال الحالي (2026) بأسعار تقترب من عشرة أضعاف أسعار مونديال قطر (2022). ودافع رئيس "فيفا"، جياني إنفانتينو، عن الأمر قائلاً إنه "كان لا بد أن نطبق أسعار السوق"، وهي عبارة تختصر فلسفة "فيفا" التجارية، والتي تتجاهل أنّ المشجّع العادي أصبح شبه محروم من حضور أهم حدث كروي في الملعب. وبينما تعكس الأرقام بوضوح حجم الأموال التي باتت تدور في فلك البطولة، تدرس "فيفا" توسيع البطولة إلى 64 فريقاً في نسخة 2030، أو 2034، ما يعني 128 مباراة، ليتحوّل المونديال من رياضة إلى وسيلة ربح ضخمة. ويضاف إلى هذا الجدل السياسي والأمني، إذ برزت سياسات الهجرة الأميركية المُتشدّدة تجاه الجماهير والمُنتخبات القادمة من دول بعينها، ونشرت المكسيك آلافاً من عناصر الأمن لمواجهة مخاوف مرتبطة بعنف عصابات المخدّرات، بينما "فيفا" التي تتبنّى شعار "فصل الرياضة عن السياسة"، منحت الرئيس الأميركي دونالد ترامب جائزة بلا داع، ما اعتبره كثيرون دليلاً على أنّ الحياد المُعلن يُطبَّق انتقائيّاً.

ويظل السؤال الأخلاقي المُتعلّق بالعدالة الاجتماعية قائماً، إذ كيف يمكن تبرير دفع هذه المبالغ للاعب أو مدرّب واحد، بينما يعاني مليارات البشر من الفقر، ولا يملكون أبسط الوسائل للتغلّب على الجوع؟ ولا يمكن أن تخلو الإجابة عن هذا السؤال من اتهام كرة القدم بأنّها تعيش انفصاماً بنيوياً بين مستوى شعبي لا يزال، لحسن الحظ، يملك أطفاله ومراهقوه وشبابه القدرة على ممارسة اللعبة، ومستوى مؤسّسي يراكم المال العابر للحدود، وتتنافس فيه الصناديق السيادية ورجال الأعمال على أصول مالية ضخمة، بينما يتوسّط بينهما الاتحاد الدولي "فيفا"، الذي أثبت مراراً أنّه لا يرى تناقضاً بين الحديث عن روح اللعبة الشعبية، والتفاوض في الوقت نفسه على أعلى الأسعار المُمكنة لكلّ دقيقة بث، وكلّ تذكرة، وكلّ شاشة إعلانية.






يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كاتب الظل.. الحدود الفاصلة بين المهنة والجريمة




16 يوليو 2026

في القسم الأخير من مسرحية "جلفدان هانم" (1962) التي كتبها الأديب علي أحمد باكثير (1910- 1969) وأخرجها عبد المنعم مدبولي (1921- 2006)، يفاجئ المؤلف المغمور محمد عوض أفراد العائلة الثرية المجتمعة لقراءة وصية الجدة الراحلة، بلافتة وضعها على صدره، كتب عليها "أنا عاطف الأشموني مؤلف رواية الجنّة البائسة"، وحين يحاول بعضهم إزالة اللافتة التي تكشف أنه المؤلف الأصلي للرواية التي كتب عليها ابن العائلة الثرية اسمه، يكرّر بصوته الجهوري ما كتب على اللافتة، فلا يملك المتورطون سوى الإقرار بأنها الحقيقة.

تعد شخصية عاطف الأشموني معالجة درامية ذكية لواقع قائم، فكاتب الظل ليس اختراعاً حديثاً، وقد عرف التاريخ الأدبي أسماء أشخاص يكتبون نصوصاً، أو مقالات، أو قصائد، أو كتباً وروايات، بينما ينسبها أشخاص آخرون لأنفسهم، وبينما افتضحت عشرات الوقائع، ظلت آلاف الوقائع الأخرى قيد الكتمان.

ومع كل واقعة تشهدها الأوساط الثقافية تتجدد النقاشات حول ظاهرة كاتب الظل، ومخالفتها لمفهوم أصالة الإبداع الأدبي، وآخر مثال هو ما شهدته الساحة الثقافية المصرية أخيراً، بعد تفجر قضية نقل الأكاديمية والنائبة، حينها، جيهان زكي، مقاطع واسعة من كتاب "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية" للكاتبة سهير عبد الحميد، والتي أنهتها محكمة النقض بحكم نهائي وباتّ بإدانة زكي، بينما هي وزيرة الثقافة، ما نتجت عنه استقالتها من منصبها.

تعتبر قوانين الملكية الفكرية كاتب الظل مهنة غير مشروعة

وبينما أنهت الاستقالة جدل بقاء شخص متهم بالتعدّي على الملكية الفكرية في منصب ثقافي مرموق، لكنها أعادت الحديث عن أزمة "كاتب الظل"، مع تداول كثيرين اسم صحافي، شريكاً في واقعة النقل التي أدانتها المحكمة، وقد نفى المعني هذا جملة وتفصيلاً، قبل أن يبرز جدال يحاول إخراج ظاهرة كاتب الظل من حقيقة كونها تجاوزاً قانونياً وأخلاقياً يمسّ جوهر الملكية الفكرية إلى اعتبارها مجرد مهنة قائمة، بل ومشروعة.

يعرف الوسط الثقافي، وكذا الأكاديمي، وظائف قانونية متعدّدة، من أشهرها وظيفة مُعد السيرة الذاتية أو كاتب المذكرات الشخصية، الذي يجمع المعلومات ويجري مقابلات مع صاحب السيرة، ثم يصوغها في كتاب يعكس حياة الشخصية وتجاربها. وهناك الباحث الذي يجمع البيانات والمعلومات، ويقتصر دوره على مهمة البحث، بينما يقوم المؤلف بالتحليل، والاختصار، والصياغة وغيرها. وهناك أيضاً المُراجع أو مدقّق المعلومات، ومهمّته تحريرية بحتة، ولا علاقة له بجوهر النص، ثم هناك مهنة المحرّر الأدبي، وهو يتولى مهام تحسين جودة النص، واقتراح تعديلات على الأسلوب أو الصياغة، لكنه لا يكتب العمل من الصفر، ولا يغيّر بالطبع جوهره الفكري.

افتضحت عشرات الوقائع، وظلت آلاف الوقائع الأخرى قيد الكتمان

كل ما سبق مهن قانونية، وأحياناً ضرورية، فهؤلاء يقدّمون دعماً فنياً أو بحثياً أو تحريرياً للكاتب الأصلي، بعضها يوفر الوقت أو الجهد، ويتقاضون عن ذلك أجراً معلوماً، ويكتفون بذكر أدوارهم في مقدمة العمل الأدبي أو هوامشه. بينما كاتب الظل على العكس، يؤلف العمل بالكامل، أو أجزاء كبيرة منه، ثم يتنازل عن حقه الأدبي لشخص آخر يضع اسمه منفرداً على هذا العمل، سواء في مقابل مال، أو مصلحة شخصية أو مهنية يتم الاتفاق عليها سراً.

وتفرّق قوانين الملكية الفكرية عالمياً، ومنها القانون المصري رقم 82 لسنة 2002، بين المهن المساعدة وكاتب الظل، الذي تعتبره مهنة غير مشروعة، فالأصل في الحق الأدبي أنه غير قابل للتصرّف، ولا يسقط بالتقادم، ولا يجوز التنازل عنه، ويشمل حق المؤلف في نسبة مصنّفه إليه، وحقه في الاعتراض على أي تعديل أو تحريف أو تشويه له. ويعد التنازل عن الحق الأدبي باطلاً قانوناً، على خلاف الحقوق المادية، مثل حقوق النشر والترجمة والتوزيع، وكلها قابلة للتنازل عنها بموجب عقود محدّدة المدة والشروط.

وفي حال التحقق من واقعة حصول شخص على مؤلف لكاتب الظل، ونشره باسمه، يصبح الشخصان معرّضين للمساءلة القانونية وفق قوانين الملكية الفكرية، فضلاً عن المساءلة الأخلاقية. وحين يقترن هذا الفعل بوقائع مادّية إضافية من قبيل المشاركة في مسابقة أدبية، أو الترشّح لمنصب بناءً على سجل أدبي غير حقيقي، فإنه يخرج من دائرة النزاع المدني حول الملكية الفكرية ليدخل في دائرة جرائم الاحتيال والتزوير.

ويُعد الروائي الفرنسي الشهير ألكسندر دوما (1802- 1870) أحد أبرز الأمثلة على الاستعانة بكتّاب الظل، وقد ارتبط اسمه بالكاتب أوغست ماكيه (1813- 1888)، الذي يُعتقد أنه ساهم بشكل كبير في كتابة العديد من روايات دوماس الشهيرة، مثل "الفرسان الثلاثة" و"كونت دي مونت كريستو".

عاشت الممثلة الأميركية غوينيث بالترو، في 2012، أزمة كبيرة، عندما كشف مقال استقصائي في صحيفة نيويورك تايمز أنها ليست مؤلفة كتاب الطبخ It’s All Good، وهو يركز على الوصفات الصحية الخالية من الغلوتين والألبان والسكر، وأن مؤلفته الحقيقية كاتبة الظل جوليا تيرشين. وبينما كرّرت نجمة السينما نفي الأمر من دون اتخاذ أية إجراءات قانونية، تحول الأمر لاحقاً إلى خلاف حول تعريف مهمّة كاتب الظل.

هناك أيضاً وقائع احتيال أدبي شهيرة، من أبرزها قضية السيرة المزيفة للثري هوارد هيوز التي جرت وقائعها في عام 1971، حين أقنع الروائي الأميركي كليفورد إرفينغ دار النشر ماكغرو- هيل بأنه أجرى مقابلات سرّية مع المليونير المنعزل لكتابة سيرته الذاتية، قبل أن يكذّب هيوز الأمر جملة وتفصيلاً في مؤتمر صحافي، ليدان إيرفينغ بتهمة الاحتيال، ويقضي 17 شهراً في السجن.

وفي 2006، ابتكرت الكاتبة الأميركية لورا ألبرت هوية أدبية وهمية باسم "جي. تي. ليروي"، ونشرت باسمه روايات لاقت رواجاً نقدياً واسعاً، قبل افتضاح الأمر لاحقاً، ما اعتبر احتيالاً أدبياً وقانونياً.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

هوليوود تخترع ضحاياها... سينما تزوير الوقائع




13 اغسطس 2026

ليست إنتاجات هوليوود مجرد وسيلة ترفيه، بل منظومة متكاملة لتشكيل الوعي الجمعي، وإعادة كتابة التاريخ عبر صناعة الأبطال والأشرار. وعلى الرغم من أن فيلم "الأوديسة" لكريستوفر نولان لا يتناول شخصية معاصرة، أو من التاريخ القريب، إلا أنه يمكن اعتباره نموذجاً لكيفية تحويل المُعتدي إلى ضحية، وتحويل الجريمة إلى مجرد أزمة نفسية، بينما يختفي الضحايا تماماً. يظهر "أوديسيوس" باعتباره قائداً عسكرياً أنهكته الحرب، ويعاني لأنه لم يدفن جنوده، بينما يتجاهل الفيلم دماء الآلاف من أهل طروادة. يبكي أوديسيوس بينما يتأمل جثث جنوده، لكنه لم يذرف دمعة واحدة على النساء اللواتي اغتُصبن، أو الأطفال الذين تحولوا إلى عبيد، أو على مدينة أُحرقت بالكامل وقتل الآلاف من سكانها.

ليس هذا غريباً على نولان، ففيلمه السابق "أوبنهايمر" (2023)، نموذج مثالي للتعبير عن غسل السمعة، فالفيلم قدم مخترع القنبلة الذرية روبرت أوبنهايمر (1904-1967) باعتباره عالماً عبقرياً يتألم لأن اختراعه قتل مئات الآلاف، بينما لا وجود بالمرة لأي من الأطفال أو النساء أو المسنين الذين ذابت أجسادهم، ولا مدينتي هيروشيما وناغازاكي اللتين دمرتا. لا يوجد ياباني واحد في الفيلم يملك اسماً أو وجهاً أو حكاية، وإنما هم مجرد رقم في خطاب سياسي، أو إحصائية تُذكر على عجل في جلسة استماع.
يدرك المخرج أن وجود الضحايا سيُفسد الحبكة، إذ كيف يتعاطف المشاهد مع أوبنهايمر عندما يرى جثث الأطفال القتلى؟ هو اختار عن وعي كامل التركيز على إبراز بكاء البطل، رغم أنه بكاء انتقائي. تماماً كما يفعل الإعلام الغربي حالياً في البكاء على الدماء الأميركية أو الإسرائيلية، في مقابل تجاهل الدماء الفلسطينية، أو اللبنانية، أو الإيرانية.

ويضم تاريخ السينما الكثير من هذا النوع من التزييف، وتكاد تمارسه كل مراكز الصناعة، من بوليوود الهندية في تقديمها للباكستانيين، أو السينما الكورية الجنوبية في تقديمها للكوريين الشماليين، أو الأفلام الحربية اليابانية والصينية. لكن تظل هوليوود الأكثر ارتكاباً لتلك الجرائم الفنية، ربما لجهة حجم الإنتاج الكبير، أو التدخل الأميركي في عشرات الدول حول العالم. تُمارس استوديوهات هوليوود منذ عقود طويلة هذا النوع من التزييف، فأعداء أميركا لا يقتلون بالسلاح وحده، بل يشوهون أيضاً على الشاشة. إنها جريمة تمارسها منظومة إنتاج كاملة مستخدمة عدداً من كبار المخرجين.

يُعَدّ "إنقاذ الجندي رايان" (1998)، للمخرج ستيفن سبيلبرغ، من أشهر أفلام غسل السمعة. تركز الحبكة الأساسية على أزمة القائد العسكري الذي يعاني لأنه مضطر إلى إرسال ثمانية من جنوده لإنقاذ جندي واحد. حاول سبيلبرغ إقناع المشاهد بأن الحرب العالمية الثانية كانت مأساة إنسانية عانى منها الجنود الأميركيون، وليست مسرحاً لعشرات الجرائم التي ارتكبوها، وكرر أنهم أخلاقيون، بينما الألمان مجرد آلات قتل. لذا، لا نرى شخصية ألمانية واحدة تمتلك قصة، أو عائلة، أو حتى سبباً للقتال. هم فقط العدو الذي يجب قتله.

في فيلم "الناجي الوحيد" (2008)، لبيتر بيرغ، يتولى جنود أميركيون مهمة إنقاذ جندي نجا من الموت على أيدي الجهاديين الأفغان، وخلال الأحداث يقرر الجنود عدم قتل راعٍ أفغاني وطفليه، لأنهم أخلاقيون، لكن الراعي يبلغ المقاتلين عنهم. في نهاية الأحداث، ينقذ أفغاني الجندي الأميركي، في رسالة مفادها بأن الأفغاني الطيب هو الذي ينقذ الأميركي، بينما الأفغاني الشرير هو الذي يقاتله. لا يسأل الفيلم: ماذا يفعل هؤلاء الجنود في أفغانستان؟ أو من أعطاهم الحق في احتلال أراضي الأفغان أو قتلهم؟ فالهدف تقديم المقاوم بوصفه إرهابياً.

يعتمد فيلم "صائد الغزلان" (1978)، للمخرج مايكل تشيمينو، سردية صدمة الجندي الأميركي وسيلة لإخفاء الجرائم المرتكبة، إذ اخترع الفيلم أسطورة لعبة الروليت التي يُجبر المقاتلون الفيتناميون الأسرى الأميركيين على لعبها، والهدف تقديمهم كشياطين قساة، بينما الجندي الأميركي ضحية دمرت الحرب روحه.

يتناول فيلم "مولود في الرابع من يوليو" (1989) من إخراج أوليفر ستون، قصة جندي أميركي أصيب بالشلل في حرب فيتنام، بينما يغيب الفيتناميون تماماً، وتقدم الحرب باعتبارها خطاً سياسياً، لا جريمة احتلال دمرت بلداً كاملاً. لا يسأل الفيلم لماذا قُتل ثلاثة ملايين فيتنامي؟ أو لماذا استخدم الجيش الأميركي النابالم؟ فالهدف تقديم مأساة الجنود، والتغطية على الجريمة.

يتكرر هذا النمط في معظم الأفلام التي تتناول الحرب في العراق وأفغانستان والصومال، فالاحتلال مهمة تحرير، والمقاومة إرهاب. يُظهر فيلم "سقوط الصقر الأسود" (2001) للمخرج ريدلي سكوت، حول معركة مقديشو 1993، أن مهمة الجنود الأميركيين حماية شحنات المساعدات الغذائية، بينما الصوماليون شخصيات غاضبة تتملكها الرغبة في القتل. يركز الفيلم على مقتل 18 جندياً أميركياً، ويُهمش مقتل أكثر من ألف صومالي، من بينهم أطفال ونساء.

ويقدم فيلم "القناص الأميركي" (2014) إخراج كلينت ايستوود، احتلال العراق باعتباره حرباً ضرورية يخوضها أبطال يدافعون عن الحضارة. يتناول الفيلم سيرة كريس كايل، أشهر قناص في الجيش الأميركي، الذي قتل، بحسب مذكراته، 255 عراقياً على الأقل. لا يتوقف الفيلم عند تغييب الضحايا، بل يُقدمهم أهدافاً مشروعة، أو ضحايا عابرين.

تتعمد هوليوود إبقاء الضحية في الظل، فالمطلوب بعد احتلال الأرض، احتلال السردية أيضاً، ولو كانت محايدة لرأينا عشرات الأفلام التي تقدم من منظور الضحايا. عن طفل من هيروشيما احترق بالقنبلة الذرية، أو فيتنامي شهد ذبح أهل قريته، أو عائلة عراقية مُحيت في قصف أميركي. يغيب الضحايا لأنهم لا يملكون استوديوهات سينمائية ضخمة تروي قصصهم، وتسود رواية المحتل، بينما الأصل، أن السينما العظيمة هي التي تمنح الكاميرا للضحايا.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

"صمود"... طبيبة أميركية تكتشف فلسطين تحت الاحتلال


العربي الجديد

يشتبك المسلسل التركي "صمود"، المعروض حالياً، مع العديد من الانتهاكات اليومية للفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال الإسرائيلي، مع التركيز على مدينة القدس والضفة الغربية. اختار صنّاع المسلسل تقديم الأحداث من منظور طبيبة أميركية شابة تزور الأراضي المحتلة للمرة الأولى. تعمّد المسلسل منذ البداية أن يظهر مدى جهلها بحقائق القضية الفلسطينية.

في المشاهد الأولى، تقنع الطبيبة ميليسا صديقها اليهودي العائد من نيويورك إلى دولة الاحتلال لتأدية الخدمة العسكرية، بالسفر معه بصفة سائحة، بينما لديها هدف مختلف، هو البحث عن الطبيب الفلسطيني الذي أبلغتها والدتها أنه والدها. منذ لحظة وصولها، تصبح ميليسا طرفاً في الصراع؛ ففي طريقها من المطار إلى منزل صديقها، يوقف جنود حافلة فلسطينية ويعتدون على ركابها من النساء والأطفال، فتتدخل للدفاع عنهم.

يبدو اختيار صناع المسلسل، الذي تنتجه هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، جنسية البطلة مقصوداً، إذ تظهر الأحداث أن أي متعاطف مع الفلسطينيين معرّض للخطر، حتى لو كان أميركياً. لكنه بطبيعة الحال، ونتيجة للجمهور الأساسي المستهدف، تبرز شخصية الناشط الحقوقي الذي يعمل لدى الأمم المتحدة، أوغوز أكين، وهو مواطن تركي، كما يقدم الفلسطيني أحمد موسى، باعتبار أنه درس الطب في إسطنبول، حيث تعرّف إلى والدة البطلة، بينما بقية الشخصيات إما فلسطينية أو إسرائيلية.

بدأ عرض المسلسل في منتصف يونيو/حزيران الماضي، وهو من إخراج دوغان أوميت قاراجا، وسيناريو كلٍّ من عبد السلام دورماز، وعيسى يلدز، وعهد تيكين، وعلي تشاقماق، ويشارك في البطولة شيفا نور غول، وإمره كيفيلجيم، وبوراك حقي، ويلدز كولتور.تدور غالبية الأحداث في القدس والضفة الغربية، وتتناول قضايا متعددة على رأسها توسع الاستيطان الإسرائيلي، ويقدم المسلسل شخصية ميريام مديرة المنظمة الاستيطانية التي تكره الفلسطينيين، وتؤمن بأحقية اليهود في كل أراضيهم وممتلكاتهم. تستعرض الأحداث بعض الوسائل الإجرامية التي يستخدمها المستوطنون للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، خصوصاً في مسافر يطا والأغوار.

نجح المخرج في جعل الصورة المقدمة شبه واقعية، رغم أن المسلسل يصوَّر في مديات بولاية ماردين جنوب شرقي تركيا. وكان اختيار مديات موفقاً، فعمارتها وأزقتها تشبه إلى حد كبير القدس القديمة، وأحراجها لا تختلف كثيراً عن أحراج الأغوار الفلسطينية. لكنه يكرر استخدام لقطات أرشيفية للمواقع الشهيرة، ويستخدم تقنيات الغرافيكس في ربط الأبطال بالمعالم الرئيسية، وعلى رأسها المسجد الأقصى.

يظهر جدار الفصل العنصري باعتباره فاعلاً أساسياً في الأحداث، إذ يسلب الفلسطينيين أرضهم الزراعية، ويحرمهم من حرية التنقل. كما تبرز سياسة الأبارتهايد الإسرائيلية عبر التركيز على الحقوق الأساسية المسلوبة من الفلسطينيين، وعلى رأسها حق التملك، وحق البناء، وحق اللجوء إلى الشرطة والقضاء.

صُوّرت القدس في مديات التركية التي تشبه أزقتها المدينة القديمة

خلال تجول البطلة في شوارع القدس القديمة، تشاهد جموع مشاركة في تشييع أحد الشهداء، وتمنعهم قوة إسرائيلية من الوصول إلى المقابر، ثم تتعرض لاعتداء جسدي خلال محاولتها الدفاع عن طفل. في المستشفى الفلسطيني الذي نُقلت إليه للعلاج، تقابل والدها لأول مرة، فهو مدير المستشفى الحكومي، لكن قوة إسرائيلية تقتحم المستشفى وتنقلها إلى مستشفى إسرائيلي بحجة حمايتها، فتواجه الجميع بأن من اعتدى عليها هو جندي إسرائيلي.

بينما تقرر ميليسا العودة إلى نيويورك، يقتحم جنود الاحتلال منزل الجدة المسنة ويعتدون عليها، وحين تُنقل المرأة إلى المستشفى تتولى هي علاجها، لتبدأ بعدها التفكير في عدم المغادرة، والتطوع لمساعدة المرضى الفلسطينيين.

يكرر المسلسل أيضاً استخدام تقنية العودة بالزمن (فلاش باك) لتجسيد العديد من الأحداث التاريخية، فتظهر في الحلقات مشاهد تمثيلية تعبر عن النكبة، والتهجير، ووقائع مثل استشهاد الطفل محمد الدرة وغيرها.

يتناول المسلسل من دون تفاصيل موسعة قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وما يتعرضون له من انتهاكات، إذ تكتشف البطلة أن والدها تعرض للاعتقال فور وصوله إلى فلسطين، وقبع لمدة أربع سنوات في الأسر كاد أن يخسر خلالها حياته.

بينما تدور أحداث المسلسل بالأساس في مدينة القدس، تتنقل الكاميرا في مناطق فلسطينية مختلفة، على رأسها مدينة الخليل. وتبرز هنا شخصية سمير، الفلسطيني الذي تعرضت قريته للمحو الاستيطاني، والذي يكرس نفسه لجمع الأدلة على الجريمة المرتكبة في القرية.

ورغم التركيز على القدس والضفة، لا يتجاهل المسلسل قطاع غزة، سواء من خلال رموزه البارزة مثل صورة الشهيد الشيخ أحمد ياسين الملصقة على الحوائط، أو بتكرار الحديث عما يحصل في القطاع المحاصر من فظائع.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 31 مايو 2022

عن الغربة... ومنها






نشرت في 1 أكتوبر 2021


أعيش منذ ثماني سنوات متواصلة خارج بلدي مصر. لست سعيداً ولا حزيناً، لا فخوراً ولا ممتعضاً، في الحقيقة، تمر بي أحيان أجرب فيها كل هذه المشاعر معاً. 
لا أستطيع أن أخفي أنني مشتاق إلى بلدي وأهلي وأصدقائي، والشوارع والمحال والمقاهي وغيرها، وربما مشتاق كثيراً، لكنني لست نادماً على المغادرة، فقد كانت شبه قسرية، وأعتقد أنها كانت الحل الأنسب لعدم الخضوع لما رفضته وقتها، وما زلت أرفضه حتى الآن. 
على مدار السنوات الماضية، كنت على فترات متفاوتة أعيش مفاجأة، أو أكثر بسبب صور أو مقاطع فيديو تصلني، أو أطالعها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ليست للشوارع، والأماكن، وإنما للناس. أتحدث هنا عن أناس أعرفهم جيداً، بعضهم من العائلة، وآخرون من الأصدقاء والزملاء والمعارف. 
غالباً ما تدهشني كثيراً تلك المشاهد، وخصوصاً رؤية علامات الزمن على الوجوه والأجساد فيها. 
أتابع بحسب طبيعة عملي وطريقة تفكيري مواقف كثير من الأشخاص عادة، وبينما كنت في السابق أعبر بقسوة عن دهشتي، وأحياناً ذهولي، من تغير المواقف والآراء من النقيض إلى النقيض، أصبحت قدرتي على عدم الاندهاش لاحقاً أكبر، لم ولن أتفهم التقلبات في المبادئ وفي الأخلاق، لكنني أصبحت أفهم بشكل أوضح أن الناس لديهم القدرة على التكيف مع الوضع القائم، حتى لو كان هذا الوضع، سياسياً أو اجتماعياً، لا يعجبهم، وحتى لو كان هذا التغير إلى ما كانوا يرفضونه سابقاً.  
الغربة صعبة من دون أدنى شك، وفيها الكثير من المواقف المزعجة، وفي المقابل، فإن لها الكثير أيضاً من الفوائد، ومن المزايا، لكن عدم القدرة على وداع راحل، أو تهنئة متزوج، أو حمل وليد جديد في العائلة أو المحيط شيء لا يمكن أن يدركه سوى مغترب، وهو شعور غاية في الصعوبة. 
الصور ومقاطع الفيديو تمنحني أحياناً قدراً من الفرح، أو تشعرني بالقرب، حتى لو بشكل زائف، لكنها أيضاً من بين أكثر ما يزعج في الغربة، فمتى أصبح هذا الطفل يرتاد الجامعة؟ ومتى أصبحت هذه الصبية عروساً؟ أو أنجبت أطفالاً؟ لماذا فعل الزمن برفيق المراهقة كل هذا؟ ولماذا لست مثلهم، ومعهم، حاضراً خلال تلك المراحل والأحداث الكثيرة؟ 
مطالعة الصور ومشاهدة مقاطع الفيديو تظهر آثار الزمن الذي يتواصل مروره من دون أن ندري، أو بالأحرى، من دون أن نرغب في ملاحظة أنه يمر، أو التركيز في عدد السنوات التي مرت. 
لكن كل تلك المشكلات لا تقارن أبداً بشعور الغربة داخل الوطن، أو أن تشعر أن هذا المكان الذي تعيش فيه لا يشبه وطناً كنت يوماً حريصاً على أن تشارك في تحويله إلى مكان أفضل، لكن هؤلاء الذين تفتقدهم يخالفونك الرأي، وبعضهم شاركوا في إجهاض أحلامك.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

خريطة احتكار المخابرات لسوق الإعلام في مصر




نشرت في 1 يونيو 2021

مع بدء ظهورها قبل نحو خمس سنوات، كان جلياً أنّ سيطرة "الشركة المتحدة" على سوق الإعلام في مصر هو محاولة لاحتكار مهنة يعمل فيها بضعة ملايين من الأشخاص، لكنها تؤثر في أفكار وتوجهات وقيم وعادات عشرات الملايين من المصريين.
حذر كثيرون من أنّ ممارسات احتكار الإعلام هي الخطوة الأولى لتدمير السوق الإعلامي، وانحدار صناعة الإعلام التي تعد الأكبر في الشرق الأوسط، لكن الشركة، ومن ورائها الجهاز الذي يملكها "المخابرات العامة المصرية"، سارت في ذات الطريق بنفس النهج، وتعاملت مع تلك التحذيرات باعتبارها "محاولة لتعطيل سعيها للهيمنة على السوق من قبل منافسين، أو مكايدات يرددها بعض مثيري البلبلة، أو كارهي الوطن". 
مع الوقت، بدأت الشركة التي تأسست بدمج شركتين مملوكتين لنفس الجهاز، هما "إعلام المصريين" و"D media"، تحويل نشاطها من الاحتكار إلى ما يشبه "التأميم". ومن المثير للسخرية أنّ هذا "التأميم" تم على طريقة ستينيات القرن الماضي، وكشف عن كثير من الخلل في طريقة تفكير من يملكون القرار، كما كشف عن امتلاك الأجهزة السيادية سريًا للعديد من المؤسسات الإعلامية التي كانت تدعي الاستقلال منذ سنوات. استحوذت الشركة بزعم التطوير على قنوات ومحطات راديو مملوكة للجهاز المخابراتي بشكل غير مباشر، منها قنوات "أون تي في"، و"الحياة"، و"سي بي سي"، وقنوات الدراما الخاصة بها، و"سي بي سي سفرة"، وقناة "العاصمة"، و"تايم سبورت"، وقناة "الناس"، وقناة "مصر للقرآن كريم". كما محطات راديو مثل "نغم إف إم"، و"ميغا إف إم"، و"راديو هيتس"، و"أون سبورت إف إم"، كما استحوذت على قنوات "دي إم سي"، و"راديو 9090"، وراديو "شعبي إف إم" وكلها مملوكة بشكل مباشر للمخابرات. 
بعد الاستحواذ، سيطرت الشركة بشكل كامل على كل ما تقدمه تلك القنوات والمحطات، وباتت الرسالة الصادرة عنها شبه موحدة بفضل الشركة المتحدة، وذلك بالتزامن مع سيطرة غير مباشرة على بقية القنوات والمحطات المصرية غير المملوكة لجهاز المخابرات، فيما بات يسمى إعلامياً "رسايل السامسونغ"، ومن ذلك، التعاون مع الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو) في تسيير قنوات "أون تايم سبورتس"، و"تايم سبورتس"، والقناة الأولى الرسمية. لاحقاً، كان لا بدّ من التوجه إلى إنتاج الدراما لتغطية حاجة كل تلك القنوات من الأعمال، وكان ذلك من خلال شركتي "سينرجي" و"سينرجي فيلمز". وكان احتكارهما للشاشات والنجوم واضحاً في مسلسلات شهر رمضان الماضي، ومواضيعها. كما انضمت إليهما شركة media hub، وإن على نطاق ضيق، لكنه ينتظر أن يتزايد خلال العام المقبل بعد الهجوم الواسع على إنتاجات "سينرجي" الأخيرة، واستبعاد تامر مرسي من رئاستها لصالح رجل البنوك حسن عبد الله. 
مع انتشار نوع جديد من الشركات القائمة على البيع الإلكتروني، اضطرت الشركة المتحدة إلى دخول هذا المجال، فظهرت شركة "تذكرتي" التي تقوم بتنظيم مؤتمرات وحفلات، وتمتلك منظومة بيع تذاكر، كما ظهرت منصة Watch It التي تقدم المحتوى الدرامي باشتراك مالي، على غرار منصات أخرى منتشرة. هذه المنصة تعرض المسلسلات داخل مصر، لكن حقوق المسلسلات جميعها خارج مصر تذهب لمنصات أخرى، كما تتضمن أيضاً إعلانات، ما طرح أسئلة خلال رمضان الماضي حول جدواها من الأصل.
وتزامنت مع السيطرة على سوق المرئي والمسموع في مصر سيطرة مماثلة على سوق الإعلام المكتوب، إذ تمتلك الشركة حالياً صحف "اليوم السابع"، و"الوطن"، و"صوت الأمة"، و"الأسبوع"، و"الدستور"، موقع "مبتدأ"، وموقع "انفراد"، وموقع "دوت مصر"، و"وكالة الأخبار العربية" ANA. ومجلات طبيزنس توداي"، و"إيجيبت توداي"، و"أموال الغد"، وتطبيق للهواتف يقدم خدمة إخبارية هو "زاجل".
لم يتوقف الاحتكار عند هذا الحد، بل امتد إلى محاولة السيطرة على سوق الدعاية والإعلان أيضاً، وتمتلك المتحدة حاليًا شركة "بريزنتيشن سبورتس" التي تحتكر الأنشطة الرياضية الكبرى، ولاحقاً ضمت "بريزنتيشن" شركة "استادات" بزعم تطوير منظومة الملاعب المصرية. 
وتضم "المتحدة" مجموعة شركات متخصصة في الدعاية والإعلان، وأغلبها كانت لديها علاقات قديمة بجهاز المخابرات، أو مملوكة له بشكل غير مباشر، ومنها media hub التي كان يتشارك في ملكيتها محمد السعدي وإيهاب جوهر، وسينرجي التي كان يملكها تامر مرسي، وشركة pod التي كان يملكها عمرو الفقي، والأخيرة هي الوكيل الإعلاني لكل الوسائل الإعلامية الخاصة بالشركة المتحدة حاليا، فضلاً عن شركة ingredients التي تعمل بجانب شركة media hub في إنتاج محتوى إعلاني.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

عبد المنعم رياض.. ميدان الشهداء





ليست الثورة ميداناً. الثورة فكرة، والأفكار مكانها العقول. ليست الثورة جموعاً وملايين. الثورة إيمان بالفكرة وعمل لتحقيقها، وإن فعل ذلك عدد قليل..والثورات تصنع المكان.
لم تنطلق ثورة يناير 2011 في مصر من ميدان التحرير، وإنما من مناطق أخرى كثيرة في العاصمة والمحافظات، قبل أن تستقر في "التحرير" وسط القاهرة، كرمز صريح، ومكان متسع لآلاف المشاركين، وقريب من مراكز الدولة التي تسعى الثورة إلى الإجهاز عليها، لإنهاء عقود طويلة من الفاشية والديكتاتورية والفساد والظلم.
ورغم بروز التجمع في ميدان التحرير، كانت تشتعل ميادين مصرية أخرى، أبرزها ميدان الأربعين في السويس، والقائد إبراهيم في الإسكندرية، والشون في المحلة، وغيرها كثير، وبينما خطف التحرير الأضواء من ميادين وسط القاهرة، إلا أن أسماء الميادين الملاصقة له مثل ميدان عابدين، وميدان طلعت حرب، وميدان عبد المنعم رياض، ظلت تتردد وتشهد الكثير من أحداث الثورة الهامة.
ميدان عبد المنعم رياض تحديدا كان أحد أبرز ميادين الثورة، في أيامها الأولى وخلال السنوات الأربع اللاحقة لها، الميدان هو الأقرب لميدان التحرير، ربما هو بالأساس جزء لا ينفصل عن الميدان الأكبر والأشهر.
ظل ميدان عبد المنعم رياض، باعتباره المدخل الأوسع لميدان التحرير، مصدر خطر كبير على المعتصمين في التحرير، منه كانت تأتي معظم أشكال الهجوم، وفيه تمركزت قوات الجيش بعد الأمر بنزولها بعد انسحاب، أو بالأحرى، اختفاء قوات الشرطة في أعقاب ما جرى لها مساء يوم الثامن والعشرين من يناير/كانون الثاني المعروف إعلاميا باسم "جمعة الغضب"، ومنه أيضا اقتحمت جحافل راكبي الخيول والجمال في الثاني من فبراير/شباط المعروف إعلاميا باسم "موقعة الجمل".
في ميدان عبد المنعم رياض سقط عشرات الشهداء برصاص قناصة اعتلوا أسطح بناياته مساء يوم "جمعة الغضب"، وهم القناصة الذين لم تعرف هويتهم حتى الآن، وهل ينتمون إلى الشرطة أم الجيش، الأرجح أنهم من الجهتين معا.
في تلك الليلة سقط عدد أكبر من الشهداء الذين سقطوا في اقتحام الخيول والجمال للميدان، كل شهداء تلك الليلة الدامية قتلوا قنصا من مكان مرتفع، الرصاصات استقرت في الصدر والرأس في الأغلب، لكن بطلوع نهار اليوم التالي تحول الميدان إلى وعي أوسع بتفاصيل المؤامرة، بات الشك أوضح في قوات الجيش التي كان كثيرون يثقون فيها، القوات التي كانت تغلق الميدان بآلياتها الثقيلة، فتحت الطريق فجأة للمهاجمين، وكأنها جزء من خطة الهجوم المدبرة سلفا.
في عامي الثورة الأول والثاني، شهد ميدان عبد المنعم رياض الكثير من الأحداث، وأريقت فيه الكثير من الدماء، لكن كان التحرير دائما الملاذ، ومع إغلاق ميدان التحرير بشكل شبه متواصل منذ وقوع الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/تموز 2013، باتت كل الحركات الثورية تتظاهر في ميدان طلعت حرب القريب من ميدان التحرير، لكن يوم إعلان براءة مبارك، قبل أيام، عادت لميدان عبد المنعم رياض مكانته، بعدما عاد إليه الثوار.
لو استعرضت عناوين الأخبار في هذا اليوم ستكتشف ما جرى، بداية من "إعادة غلق ميدان التحرير.. وانتشار أمني مكثف في ميدان عبد المنعم رياض"، إلى "أهالي الشهداء يتظاهرون بميدان عبد المنعم رياض تنديدا ببراءة مبارك"، ثم "متظاهرو ميدان عبد المنعم رياض يشعلون الشماريخ ويهتفون ضد الداخلية"، ثم "الأمن يخلي ميدان عبد المنعم رياض.. وشباب يتجمعون أسفل كوبري أكتوبر"، وصولا إلى "حبس 9 من متظاهري عبد المنعم رياض بتهمة قطع الطريق"، ثم "الداخلية: تدرجنا فى إجراءات فض مظاهرات ميدان عبد المنعم رياض".
يبعد ميدان عبد المنعم رياض عن ميدان التحرير بنحو مئتي متر فقط، يطل عليه المتحف المصري، وتحتل محطة حافلات وسط القاهرة معظمه، كما يمر من فوقه جسر السادس من أكتوبر، أحد أشهر جسور العاصمة المصرية، يتوسطه تمثال شهير للشهيد العسكري الفريق عبد المنعم رياض (1919- 1969) رئيس أركان حرب الجيش المصري خلال حرب الاستنزاف، العسكري المصري الشهيد رحل وسط جنوده على الجبهة جراء قذيفة إسرائيلية، يوم 9 مارس/آذار 1969، التاريخ نفسه اتخذ يوما للشهيد في مصر، تحتفل به البلاد سنويا، بينما شهد الميدان الذي يحمل اسم الشهيد، سقوط عشرات الشهداء على أيدي قوات الجيش والشرطة التي تحكم البلاد بالحديد والنار.
نقل عن الشهيد عبد المنعم رياض الكثير من الأقوال المأثورة، منها ما يمكن اعتباره نصيحة للثوار.
كما نقل عنه في أعقاب هزيمة 1967 قوله: "أخطاء الصغار صغيرة ويمكن معالجتها ما دامت بغير قصد وحتى في حدود ممارستهم لحق التجربة والخطأ، أما أخطاء الكبار فإنها دائما كبيرة".




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

حمدي أحمد... من محجوب عبد الدايم إلى القاضي حلاوة




نشرت في 8 يناير 2016

"أيوه. كل شيء وتمنه. كل شيء بالفلوس. الحب. المركز. الشرف. اديني فلوس أشتريلك الدنيا بحالها. ادفع يدفع لك العالم. إمضاء محجوب عبد الدايم". كان هذا ملخص الفيلم السينمائي الشهير "القاهرة 30" على لسان الفنان المصري حمدي أحمد، والذي رحل عن دنيانا فجر اليوم الجمعة.
برع حمدي أحمد في دوره إلى درجة جعلته بطل الفيلم الذي عرض سنة 1966، دون منازع، رغم أن قائمة الأبطال تضم سعاد حسني وأحمد مظهر وتوفيق الدقن وأحمد توفيق، ولا شك أن إيمان مخرج الفيلم الراحل صلاح أبو سيف بموهبته كان داعما قويا جعله ينافس بقية الأبطال، ويقدم أحد أبرز الأدوار المحفوظة في تاريخ السينما المصرية.
في الفيلم المعبر عن كل عصور الانحدار، وليس فقط ثلاثينيات القرن الماضي في القاهرة، باع محجوب عبد الدايم كل قيمه ومبادئه مقابل وظيفة، وافق على أن يكون الواجهة التي يتخفى بها المسؤول الثري الذي عينه ليتمكن من ممارسة الحب الحرام مع عشيقته، التي باتت زوجة عبد الدايم نظريا. لكن دعك من التفاصيل، فالقصة بالأساس ليست في قراره بقبول تلك المهمة الخسيسة، وإنما في تخليه ببساطة عن كل ما كان يؤمن به، وكل ما تربى عليه، وكل قيم الريف التي جاء بها إلى المدينة.
ظل محجوب عبد الدايم طوال الفيلم يحتقر نفسه، ويحاول ترويضها لتقبل بالأمر الواقع الذي وافق على تقبله طمعا في مستقبل أفضل، كان يكرر في نهاية كل نقاش داخلي حول ما بات فيه لفظته الأثيرة "طزززز".
لكنه لم يتحمل وإن ظل يقاوم حتى النهاية، حتى بعد افتضاح أمره على يد زوجة المسؤول الكبير، لكنه في النهاية وفي فورة التمرد على الوضع الساخر الذي وجد نفسه فيه، يهاجم الجميع قائلا "مش ممكن هيجرالنا حاجة أبدا. احنا عايشين في مجتمع وسخ واللي هيكسب هو الأوسخ. مفيش حد هيشمت في أبدا".
لم يكن حمدي أحمد فنانا غائبا عن مجتمعه، بل كان نموذجا، من نماذج قليلة، من الفنانين المنغمسين في السياسة، إذ شارك في التظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزي في مراهقته، وسجن وقتها، كان مشاركا في كل حراك سياسي عرفته البلاد، حتى ‘نه انتخب عضوا في البرلمان عام 1979.
وكان الفنان الراحل معارضا شرسا للنظام طوال عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وكذلك خلال حكم المجلس العسكري بعد مبارك، ثم خلال حكم محمد مرسي، لكن آخر ما صدر عنه كان ثناء على الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي.
وأجاد الراحل تقديم مختلف الأدوار، فكان كوميديا رائعا، وقدم أدوارا تراجيدية مميزة، لكن تميزه الحقيقي كان في الشخصيات المركبة التي تضم تحولات أو انقلابات داخلية متعددة.
في فيلم آخر هو "الأرض" انتاج 1970 وإخراج الراحل يوسف شاهين، قدم حمدي أحمد شخصية شبيهة، فهو "محمد أفندي"، المتعلم الوحيد في القرية، والذي يحتفي به الجميع يوم التحاقه بالجامعة وينسجون حوله الكثير من القصص الخرافية، حتى إن أحد الأبطال (صلاح السعدني) يؤكد أن رئيس الوزراء شخصيا سيقابل الأفندي.
لكن محمد أفندي يخالف محجوب عبد الدايم قليلا، فبعد أن كان مؤمنا بأن الرأسمالي الذي يسيطر على المنطقة التي نشأ فيها يسعى لمصلحة أهلها، ويحاول إقناع الأخرين بذلك، نجده يتصدى لأزمة قريته مع الإقطاعي محمود بك، ويتولى حمل رسالتهم ضد الثري المتكبر الذي يرغب في نزع أراضي الفقراء لشق طريق إلى مسكنه الريفي المترف.
لكنه يتحول مجددا، فيتراجع بدافع مصلحته الشخصية التي باتت مهددة بنفوذ الثري في القاهرة التي يرغب في أن يكون أحد سكانها.
وبعكس توهجه في "القاهرة 30"، تراجع بريق حمدي أحمد في "الأرض" لصالح آخرين، أبرزهم بطل الفيلم محمود المليجي وشقيقه في الفيلم علي الشريف، إضافة إلى عزت العلايلي ونجوى إبراهيم ويحيى شاهين.
لكن توهج حمدي أحمد في تقديم الشخصيات المركبة عاد بقوة في المسلسل التليفزيوني "علي الزيبق" عام 1985، حيث قدم شخصية "القاضي حلاوة"، كنموذج معبر عن منتهى القدرة على نفاق السلطة لتحصيل المصلحة، وتسخير رجال الدين لعلمهم ونفوذهم على العامة لخدمة الحكام.


حلاوة بالأساس محفظ قرآن للأطفال فيما كان يعرف قديما بـ"الكتاب"، لكن ألاعيب السياسة على يد الحاكم العسكري للبلاد "سنقر الكلبي" الذي لا يقبل إلا أن يكون القاضي  تابعا له ضد عامة الشعب، تحول المحفظ المنافق إلى قاضٍ.
يجن جنون حلاوة عندما يسمع خبر تعيينه قاضيا، ويقدم للحاكم كل ما يطلبه ليبقى في المنصب الذي لم يكن يحلم به، فيتحول، كما محفوظ عبد الدايم، إلى أيقونة فنية يستخدمها الناس في الشارع للتعبير عن كل قضاة السلطة، وشيوخ السلطان.
برع حمدي أحمد مجددا في دور القاضي حلاوة، ومثلما حفظ عنه في "القاهرة 30" تعبيرات من عينة "طزززز"، حفظ عنه في "علي الزيبق" وصفه الأثير للحاكم، أي حاكم، "سيدي وسيد الناس"، و"خدام جنابك ومداسك".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 24 أغسطس 2021

كيف نجح السيسي في إعادة إنتاج السلطوية في مصر؟


حمل هذا المقال كبي دي إف

خلاصة

«احترام إرادة المصريين أشرف من تولي السلطة»، هكذا صرح المشير عبد الفتاح السيسي قبل توليه الحكم في 2014 ملوحًا بقوته المستمدة من تفويض مواطنين له بتولي الحكم والقضاء على «الإرهاب». نطرح سؤالنا الرئيس: كيف أعاد السيسي بناء سلطوية وهيمنة على الدولة وأجهزتها؟ انطلاقًا من استعادته نكسة 1967 وإشارته إلى أنّ الدولة ضرِبت داخليًا في ذلك العام. نعرض في هذه الورقة البحثية فرضيات عدّة مبنية على أبحاث أخرى وخطابات للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي؛ فنتطرق لنوع الانقلاب عام 2013، وأهمية بند الـ«تفويض» في إعادة بناء السلطوية، ونتناول أهمية خطاب السيسي وعناصره المختلفة التي ساعدت في صعوده إلى الحكم ووضعه سردية للأحداث، وصولًا لاستعراض الاستراتيجية العملية في السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها لحكمه وهيمنته، في ظلّ تماهي المؤسسة العسكرية بالدولة نفسها.

مقدمة

«أنتم نور عيني»قالها المشير عبد الفتاح السيسي قبيل توليه الحكم مخاطبًا الشعب المصري الداعم لقيامه بالانقلاب على حكم الرئيس السابق المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي في 2013. في أعقاب الانقلاب بدأت عملية تصفية أي معارضة بناءً على «التفويض الشعبي» للسيسي الذي استدلّ به في خطبه وحملته الانتخابية في 2014. كانت الحرب على الإرهاب وحالتا الفوضى والاضطراب الاجتماعي ركائز أساسية للسيسي والجيش في تصفية حالة الثورة، والمطالبة بتغيير النظام العام في مصر وطبيعة بنية الدولة المصرية وطريقة الحكم بشكل عام. ولم يسبق تاريخيًا أن تعرّض الجيش المصري كمؤسسة حكم لكمّ النقد والحراك السياسي ضدّه مثلما شهدت سنوات الثورة الأولى، وبالأخص منذ نهايات 2011 وبداية التصادم العنيف للجيش مع بعض القوى الثورية في الشوارع والميادين المصرية. وفي الوقت ذاته فإن دولة العسكر، التي تشكلت في مصر بعد 1952، ترى في أي نقد داخلي لسياساتها وحكامها، ولمؤسساتها الأمنية على وجه التحديد، نوعًا من العمالة للخارج و «خرقا للنسيج الوطني».

في مقابلة تلفزيونية في شهر مايو 2014، أشار السيسي إلى نكسة1967، وحجم تأثيرها على الدولة في ذلك الحين؛ في استعادة تحمل معاني تاريخية كثيرة لا تقتصر على العدوان الخارجي، إذ أثار السيسي أكثر من مرة احتمالية ضربة داخلية لماكينة الدولة. وهذه الإشارة تترتب عليها الأسئلة الآتية، وهي الأسئلة البحثية الرئيسة لهذه الورقة: كيف أعاد السيسي بناء سلطوية وهيمنة على الدولة وأجهزتها؟ ما هي الأسباب التي هيّأت المجال لذلك؟ وكيف يقارن هذا وفقًا لإشارة السيسي للحكم الناصري بعد 1967؟

نقدّم في هذه الورقة أربع فرضيات مبنية على أبحاث أخرى وخطابات للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. أولًا، نتطرق إلى نوع الانقلاب في 2013، وأهمية بند «التفويض» في إعادة بناء السلطوية. ثانيًا، أهمية خطاب السيسي وعناصره المختلفة التي ساعدت في صعوده إلى الحكم ووضعه سردية للأحداث، من ضمنها «سقوط الدولة» و«الحرب على الإرهاب»؛ تمهيدًا للاستراتيجية العملية في السيطرة على مؤسسات الدولة وتطويعها لحكمه وهيمنته. يتضمن هذا صعود الدولة العسكرية، ويطلق منذ زمن عبد الناصر «دولة داخل الدولة». الفرضية الثالثة مقسمة تحت عنوانين السيسي كرمز الخلاص والسيادة، والجيش كحزب حاكم، يوضحان أن ما حدث في مصر منذ 2011 هو تداخل لأربع قوى وتفاعلهم بشكل أيديولوجي وسياسي واجتماعي بشكل عنيف ومتباين؛ ونعني: انقلاب عسكري ذو طابع تدخلي لإزاحة مبارك من الحكم وتحجيم الأحداث بشكل استباقي؛ قوى إصلاحية سواء ذات طابع رجعي أو تقدمي؛ قوى الثورة المضادة ونظام مبارك؛ قوى ثورية تمثلت في عدة شبكات وحركات سياسية واجتماعية مختلفة وتسعى لإحداث تغيير جذري في المجتمع المصري، ولكنها محدودة تنظيميًا وتفتقر لركائز وقوى اجتماعية تستطيع الدفاع عن توجهها في مواجهة الدولة أو الإسلام السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ سيولة تلك القوى كلها من حيث فاعليها ومواقعهم وتحالفاتهم كانت السمة الرئيسة للصراع السياسي والاجتماعي في مصر في تلك الفترة. أما الفرضية الأخيرة فتنطلق من اشتداد الصراع الاجتماعي في مصر وبلوغه مراحل عنف قريبة من حالة «الاقتتال الأهلي» ثم اندلاع موجات من العنف المسلح، هو ما مكن الانقلاب العسكري الذي بدأ في 2011 من حسم حال السيولة وتمدد موجات التغيير والديموقراطية في مصر. وبذلك، فإنّ هذه الفرضية تخوض في كيفية إعادة تسليح المؤسسات، ما أدى للقضاء على الحياة السياسية في مصر.

يمكن القول إن ماكينة الحكم التي شكلها السيسي في سنوات قليلة، تتسم بالقوة والسرعة والعنف، بشكل لم يتسنّ لأحد من قبله. فمصر تشهد تحولات ضخمة على كافة المستويات؛ بداية بخطاب السلطة وطبيعته ومحاوره، مرورًا إلى الاقتصاد وإعادة تشكيله وهيكلته، والمجال السياسي والقضاء عليه واعتماد استراتيجية جديدة للحكم، وطبيعة ودور المؤسسة العسكرية وتسليحها، انتهاءً بشكل الاجتماع[1] وعلاقة الدولة به والحلفاء الاجتماعيين للنظام الحاكم. كما يتسم حكمه بسرعة إيقاع شديدة، يتباهى بها السيسي وأنصاره. وللإشارة، يمتلك جهاز الدولة وشبكاته خبرات طويلة في التعامل مع الفصائل المسلحة في صعيد مصر والفيوم منذ الثمانينيات والتسعينيات، وكان الانفلات الوحيد في سيطرة بعض الجماعات المسلحة على أقاليم جغرافية تشنّ من خلالها حرب عصابات وحربًا إرهابية في شمال سيناء.

تفويض ثم انقلاب: العودة إلى نقطة البداية

في مقال منشور عام 2019، يشرح كيفين كوهلر وهولكر ألبرخت الفرق بين الانقلابات،[2] من يقوم بها وتبعات هذه الفروق على نوع السلطة التي تلي الانقلاب مع الإشارة إلى نموذج مصر في 2013. هناك انقلابات نمطية نستدل عليها بتعريف ميشيل فوكو بأنّ الانقلاب بمثابة معارضة من الدولة نفسها للإبقاء على وجودها في الحال نفسه.[3] في مصر احتلت نقطة الإبقاء على الدولة بشكلها ذاته مركزية شديدة عند مؤسسة الجيش، كما كانت نقطة مركزية في الصراع بين أجنحة النظام السياسي لمبارك ضدّ جمال مبارك ومجموعة رجال الأعمال. ثم انتقلت بعد الثورة لتكون أهم أسس خطاب الجيش ضد الثورة ومعبّرةً عن رؤيته اللحظية والتاريخية للحكم في مصر. وتحولت إلى أداة واستراتيجية لاستئصال جماعة الإخوان المسلمين من الحكم ومن الاجتماع المصري نفسه إلى حد بعيد. فقد كان الخوف من «أخونة الدولة»، أي سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على الدولة وأجهزتها، وتحويل المجتمع المصري إلى حالة أفغانستان أو سوريا، بمثابة الهاجس الأكبر للصراع الاجتماعي والسياسي في مصر.

«بما أنّها تُنفذ عمومًا من قبل كبار قيادات الجيش، فإنّ انقلابات المرحلة النهائية أمثلة مرجعية لصراعات القوّة بين النخبة السياسية»[4]. بناءً على هذا التعريف لما يسمى بانقلاب المرحلة النهائية نستطيع رسم نقاط ترابط مع انقلاب 2013؛ انطلاقًا مما أشار إليه كوهلر وألبرخت، مع التشديد على أن الغرض من هذا النوع من الانقلابات هو الإبقاء على الدولة والمناصب في المقام الأول. يوضح الكاتبان أن هذا النوع من الانقلابات يحدث في ظلّ تعبئة جماعية أو تظاهرات تفوق القدرة القمعية للسلطة القائمة وهو ما حدث في مصر عام 2013، مع حشد الأطياف المختلفة وظهور حركة تمرّد.[5] وأشار السيسي في كلمة له عام 2019 مسترجعًا أحداث محمد محمود وماسبيرو وبور سعيد، وكان وقتها مسؤولًا للمخابرات الحربية، إلى أنّ مرسي كان يعتزم تصفية المجلس العسكري،[6] ما يؤكد أحد العناصر التي تجعل من انقلاب 2013 انقلاب مرحلة نهائية. ولكن هناك عنصر آخر أهم وهو نقطة الوصل بين نظام 2013 السلطوي ودولة عبد ناصر أعقاب 1967، وهو نزول الجماهير الغفيرة تأييدًا لحركة عسكرية. حدث هذا أولًا في 1967 بعد النكسة للإبقاء على عبد الناصر وبالتالي الإطاحة بمنافسه ومركز الخطورة داخل المؤسسة العسكرية، عبد الحكيم عامر. وثانيًا في 2013 بعد خطاب السيسي المؤيد يوم ٣٠ يونيو لموقف المتظاهرين اعتبرته بعض الحركات الداعية للتظاهر مثل حركة تمرّد بمثابة ضوء أخضر من السيسي للاستمرار في التظاهر حتى رحيل مرسي.[7] وكانت حركة تمرّد الحركة الأساسية التي ساعدت في حشد عدد كبير من القوى المختلفة والمواطنين، بدايةً بتوقيع عريضة مطالبة مرسي بالدعوة إلى انتخابات مبكرة أو الانحياز إلى مطالب الشعب. في سياق المقارنة بين 1952 و2011 إلى حد ما لم يكن هناك تأييد جماهيري –وهو أحد العناصر الذي تطرق إليها كوهلر وألبرخت لانقلابات المرحلة النهائية– لتدخّل المؤسسة العسكرية بشكل مباشر. فقد تمت الأولى على يد الضباط الأحرار وبرئاسة اللواء محمد نجيب. والثانية كانت تدخل المجلس العسكري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي بعد إعلان الرئيس السابق محمد حسني مبارك تخليه عن الحكم في 2011. إن الإبقاء على الدولة، والمستفيد الرئيس منها المؤسسة العسكرية –أو مؤسسات سياسية أخرى ومن ضمنها الإخوان المسلمين–  يعتمد على مدى قدرة امتصاص غضب الجماهير وتحويله لقبول ثم إعادة توجيهه.[8]

لا يولد هذا القبول من فراغ، فقد كتب عنه ميشيل فوكو وبيير بورديو في تطرقهما، للــ«حوكمة» (governmentality)[9] و«القوة الرمزية» (symbolic power)،[10] كلًا في مجاله. فالحوكمة لدى فوكو هي القوة المقترنة بالمعرفة وهي جموع المؤسسات والإجراءات والتحليلات التي تتيح فرصة ممارسات القوة على السكان؛ بالتالي هي لا تقتصر على «الأجهزة الحكومية» فقط (governmental apparatuses) إذ أنّ هذه الأجهزة تحتاج إلى المعرفة حتى يتسنى لها ممارسة هذا النوع من القوة.[11] ويستوجب هذا توضيح أنّ «السكان» (population) تمثل الكتلة السكانية على الأراضي وليس «الشعب» (people)، الكتلة التي تعتبر نفسها خارج علاقة أفراد الرعية والسيادة التي تربط الحاكم بالمحكومين.[12] فجزء من عجز مرسي عن إدارة البلاد يعود إلى عدم القدرة على استحضار الحوكمة حتى يقود، أو يُسيِّر، أجهزة الدولة والشعب المسيّس بعد انتفاضة الخامس والعشرين من يناير 2011. في المقابل، كان الجيش منذ 2011 يدّعي قدرته وأحقيته على إدارة الدولة وتمثيل الشعب. فقد طرحت المؤسسة نفسها أولًا، كأساس لشرعية الحكم نفسه، سواء بشكل شعبوي (مثل القول بأن مصر لا يستقيم حكمها سوى برجل عسكري) أو مؤسسي وتاريخي (مثل الجيش ممثل للشعب المصري، وتجسيد لروح الوطنية المصرية، الجيش هو المؤسسة الأكثر كفاءة وانضباطًا وحداثة في مصر، والجيش هو درع وقيادة مصر والأجدر بقيادة مصر في ظل المخاطر الأمنية والعسكرية التي تحدق بالبلاد). وقد طرحت المؤسسة العسكرية نفسها على الجموع انطلاقًا من كونها تمثّل الشعب، وأنها الأجدر والأكثر معرفة بتقنيات واستراتيجيات الحكم لإدارة السكان، بينما بقية القوى هي إما غير ممثلة للشعب طبقًا للرؤية الأيديولوجية للجيش، أو أنها غير ملمة بأبعاد المجتمع وغير مجهزة للحكم. كما أنّ الجيش هو النواة الصلبة للدولة المصرية كما يرى نفسه وتراه العديد من مؤسسات الدولة الأخرى وقطاعات اجتماعية واسعة. وهذا ما جعل الجيش قادرًا على التموضع في جبهتين: الأجدر لتماسك الدولة والسيطرة وإدارة الجهاز ومؤسساته المختلفة، أي أنه ضرورة للحكم داخل جهاز الدولة، وهو المحتكر الأول لتمثيل الشعب. وهذا يقودنا نحو تعريف «القوة الرمزية»، وهي القوة التي تستمدها الجهات الفاعلة سياسيًا من خارج المجال السياسي والتي تتضمن علاقة بين الجهة التي تمارس القوة والطرف الذي يعترف ويقبل بتلقي هذه الممارسة.[13] فالقوة الرمزية في أحد تعريفات بورديو هي القوة التي تبني الواقع والقادرة على إعطاء معنى مباشر وسريع للعالَم الاجتماعي.[14] وهنا تكمن أهمية الخطابات الأخيرة للسيسي قبل القيام بالانقلاب من جانب أنها ضاعفت من القوة الرمزية للمؤسسة العسكرية وقبولها، ومن جانب آخر أنّ الشعب أعطى الجيش إشارة ليكون ممثلًا معترف به لـ «إرادة الشعب» أو «مطالب الشعب». وعلى هذا الأساس حقق بناء القوة الرمزية مكاسب للجيش، وبدأت المرحلة التالية من التحوّلات في خطاب السلطة.

صعود السيسي وتحوّلات خطاب السلطة

ارتكز السيسي في بداية صعوده داخل شبكة السلطة وعلاقات القوة في مصر على ثلاث ركائز: أولًا، المعلومات وإدارة الملف الأمني في مصر منذ 2011 وحتى توليه الرئاسة في 2014. ثانيًا، قدرته على بلورة خطاب قوي وغامض أحيانًا ومضطرب لغويًا في بعض الأوقات ولكنه قادر على الاتساق بقوة مع المجتمع والدولة. وحتى أثناء تعاونه مع التيار الإسلامي وخدمته كوزير دفاع، نجح السيسي في تقديم خطاب ديني وسياسي قادر على جذب القوة الإسلامية إليه، وتحديدًا الإخوان المسلمين. ثالثًا، تموضع قوي داخل التحالفات الإقليمية واستغلال جيّد للظرف العالمي.

كان السيسي على موعد مع صعود نجمه داخل أروقة الحكم في ليلة الثامن والعشرين من يناير 2011. منيت قوات الداخلية المصرية بهزيمة كبيرة على يد الثوّار وانهار جانب كبير من بنيتها التحتية، وانهارت أسطورة حبيب العادلي الرجل الأقوى في مصر حتى عشية ذلك اليوم. مع انتشار الجيش وسيطرته على البلاد، عادت المخابرات العسكرية إلى صدارة المشهد بعد غياب عقود طويلة، منذ سبعينيات القرن الماضي. اشتد صراع الأجهزة أثناء الثورة، وتحديدًا بين المخابرات العامة بقيادة عمر سليمان، الذي حاول تصدّر المشهد في خضم أحداث الثورة الأولى، والمجلس العسكري بقيادة المشير محمد حسنين طنطاوي. وأضاف الصراع ثقل وأهمية لجهاز المخابرات العسكرية بقيادة السيسي، وباتت المخابرات العسكرية العقل الميسر للمجلس العسكري، والجهاز الرئيسي للمعلومات والاستخبارات الداخلية. وكلما اشتدّ الصراع السياسي والاجتماعي في مصر، زادت أهمية الجهاز والاعتماد عليه. ومع اقتحام مقرّات جهاز أمن الدولة، استحوذت المخابرات العسكرية على كافة ملفات البلاد. ولم يكن السيسي رجل الظلّ، فنفوذه اتسع ولم يبق فقط في خلفية المشهد. فالمخابرات العسكرية أجرت سلسلة من اللقاءات والمفاوضات مع شباب الثورة والقوى الإسلامية وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين –رغم حفظ المسمى المنسوب إلى «الإخوان المسلمين»، يجب التنويه إلى أنّها هيكليًا «تنظيم» (organization) لا «جماعة» (association) بالنمط المطلق– وكان السيسي يرأس هذه اللقاءات بنفسه.

منحت السنوات الأولى من الثورة المصرية السيسي فرصة ذهبية للإمساك بمكامن القوة في مصر: الأجهزة الأمنية كاملة. فبحلول التاسع عشر من نوفمبر 2011، أي أحداث محمد محمود الشهيرة، كان السيسي يدير المعركة والأجهزة الأمنية مثلما أقرّ بنفسه حديثًا. كان الجنرال يتوغل داخل الأحداث والتجمعات –خصوصًا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي– وداخل أروقة الحكم والقوى السياسية المختلفة. وأصبح الرجل يملك كافة خيوط الصراع؛ سواء لاستحواذه على كافة المعلومات والمعرفة المطلوبة بالوضع، أو لسيطرته المادية المباشرة على الأجهزة الأمنية التي تدير المشهد في مصر. وكان السيسي يدير بنفسه أصغر التفاصيل.[15]

عبد الفتاح السيسي هو أحد تلامذة المشير طنطاوي والمقرب إليه، الأمر الذي ضاعف قوته الفردية والمؤسسية بحكم إدارته لجهاز المخابرات العسكرية. وفي تلك الفترة أيضًا نجح السيسي في اكتساب ثقة الإخوان المسلمين والتقرب إليهم. فالرجل يتسم بعدة خصائص جعلت الجماعة تظن أنه أقرب لها؛ بسبب سمته الديني والمحافظ، شكل ومظهر أسرته وحرصه على إظهار خطابه والتزامه الديني أمام قيادات الجماعة. ومع خروج المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، سرّبت المؤسسة العسكرية معلومات بأنها لن تسمح بأيّ حركة ضد السيسي، مما سيعدّ بمثابة «انتحار للنظام السياسي كاملًا».[16] وهكذا صار السيسي وزير الدفاع في عهد مرسي، إلا أن الأخير كان يعمل على استبداله باللواء أحمد وصفي بسبب عصيان أوامر الرئيس بفرض الجيش حظر التجوال بمنطقة قناة السويس في مارس 2013.[17] أضف إلى ذلك كله، أن رسالة الماجستير الخاصة بالسيسي والتي قدّمها في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تناقش مسألة الإسلامين والديموقراطية، وهكذا تضافرت العناصر النظرية مع الخبرة العملية في تعامله مع الإسلاميين حينها. في الوقت ذاته، سرت شكوك عدّة حول ولاء السيسي، وبالأخص حول كونه «ينتمي للإخوان»، وعززت دعاية الإخوان من هذا الأمر؛ فالكثير من القوى السياسية وقطاعات اجتماعية مختلفة لم تكن تعلم حقيقة موقف السيسي وموقعه من الصراع السياسي والاجتماعي في مصر حتى لحظة الثالث من يوليو، حين قرر الجيش الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين. لكن في داخل أروقة الحكم والقيادات الكبرى للدولة، وبالأخص داخل الجيش والشرطة كان العديدون على علم بخطاب السيسي حول تماسك الدولة وأهمية الحفاظ عليها وتقوية مؤسساتها، مع التأكيد على أنّ الدين ليس له مكان داخل أجهزة الدولة وأنه «لم تكن هناك دولة دينية في الإسلام» وأن الحكام مسئولون عن إصلاح التمثيل الديني.[18]

شهدت مصر نقلة كبيرة ونوعية في طبيعة وبنية خطاب السلطة مع اعتلاء السيسي سدّة الحكم، فمصر تمتلك تاريخ طويل مع خطاب الطوارئ والاستثناء وتعزيز الدولة البوليسية، وأضيف إلى خطاب السلطة في هذا الصدد عنصر المؤامرة الخارجية بعد استيلاء الجيش على الحكم والصراع مع إسرائيل والقوى الاستعمارية. وقد استغل السادات ومبارك هذا الخطاب الأمني، وبالأخص مبارك؛ فقد ربط «الإرهاب الإسلامي» والتنمية والسلام بالأمن. ورغم الصلح مع إسرائيل والتقرّب منها، ظلّ مبارك قادرًا على استغلال خطاب المؤامرة والقوى الخارجية وإسرائيل كمقوّمات وركائز لخطابه الأمني. وقد نجح مبارك في خلق عملية دائمة من الأمننة للخطاب السياسي، بمعنى تحويل أي مسألة اجتماعية أو سياسية إلى مسألة أمنية خالِصة. بيد أنّ السيسي أخذ خطاب السلطة إلى مستوى جديد يتجاوز الخطاب الأمني التقليدي في عهد مبارك؛ إذ حوّل السيسي الخطاب الأمني إلى خطاب «أنطولوجي» (وجودي) يدور حول بقاء الدولة بذاتها، لا حول مجموعة من المخاطر. أي بلغة كارل شميت،[19] تمكن السيسي من خلق خطاب الاستثناء في أقصى ذرواته وهي خطورة تهديد وبقاء الدولة. ولذلك لا عجب في وضع نفسه كـ«سيّد» (sovereign) ومخلّص للدولة والمجتمع، وليس كصمام أمان أو عامل استقرار مثلما فعل مبارك. ونجح عبر هذا الخطاب في توحيد الدولة وقطاعات كبيرة من المجتمع خلفه وحوله في آن واحد. نجح هذا الخطاب في التمفصل مع الواقع على عدة مستويات في ذلك الوقت: أولًا، الهلع من خطورة «الحرب الأهلية» التي خيّمت على البلاد؛ ثانيًا، خوف أجهزة الدولة نفسها من استبدالها بالإخوان المسلمين وإزاحتها لصالح الجماعة، خاصة أنّ الداخلية لم تكن قد تعافت من هزيمتها في الثورة حين هشِّمت في ساعات معدودات؛ وأخيرًا، ضيق قطاعات واسعة من الاجتماع المصري من حال الفوضى وانعدام الاستقرار. المقصود هنا بالحرب الأهلية ليست الحرب الأهلية على نمط وغرار الحرب الأهلية اللبنانية، أو حالة رواندا، أو تفكك يوغوسلافيا. فالاجتماع المصري ذو طبيعة ونسيج مختلفين لا يسمح بقيام فصائل مسلحة بالتناحر الأهلي المباشر فيما بينها، كما أنّ مركزية الدولة لاتزال شديدة الثقل في مصر. ولكن الخوف من حرب أهلية في مصر كان يتجسّد في انفراط عقد الاشتباكات العنيفة، وبالأخص في الحيز المدينيّ وهو ما حدث بالفعل في القاهرة والإسكندرية وبعض محافظات الدلتا التي شهدت مواجهات مسلحة، كان من الممكن أن تتحوّل إلى اقتتال أهلي، أو أنّها تعزز حالة انفلات أحد الأقاليم الجغرافية ودخوله في صراع مسلح بين مكوّناته نفسها وضدّ الدولة، كما حدث بالفعل في شمال سيناء، أو انفراط عقد المواجهات الطائفية بين المسحيين والإسلاميين وهو ما حدث إلى حد ما بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013 في الصعيد، والذي شهد موجة واسعة من حرق الكنائس والاعتداء على المسيحيين. تلقفت الدولة هذه المخاوف والصراعات، وقادت بنفسها النزاع والصراع عبر أجهزتها الأمنية والجيش. وشهدت مصر في عهد الإخوان أمرين شديدي الأهمية: انفجار المجال السياسي وفشله في تسوية النزاعات من جهة، واحتدام الصراع الاجتماعي والأيديولوجي من جهة أخرى. ويمثل المجال السياسي في الديمقراطيات الليبرالية التمثيلية المستقرّة الوجه الآخر أو التحويل السلمي والمؤسسي لصيغة الحرب الأهلية، بتحويلها لنزاع سياسي تداولي للصراع على التمثيل والبرامج المختلفة، ويمنح الشرعية لاستخدام جهاز وموارد الدولة من قبل جماعات سياسية مختلفة، مثلما يرى العديد من المفكرين أو الباحثين على غرار بورديو وشانتال مووف وآخرون. لم يصمد المجال السياسي في مصر ومحاولة بناء ديمقراطية تمثيلية أمام موجات الصراع الكبيرة التي شهدتها؛ بسبب هشاشة المجال نفسه وحداثة عهده وعدم استقراره، وأيضًا بسبب احتدام الصراع السياسي نفسه على الأرض؛ بسبب حالة الثورة والموجات الثورية المختلفة غير الراضية عن النتائج الإصلاحية الطفيفة المتحققة بعد الثورة، وكان ذلك مصحوبًا بفزع كبير من الإسلاميين، والخوف من استحواذهم على جهاز الدولة. والفيلسوف الإيطالي جورجيو اجامبين يُعرّف «الشمولية الحديثة على أنها إقامةُ، عن طريق حالة الاستثناء، حربٍ أهلية قانونية تسمح بالقضاء المادي ليس فقط على الخصوم السياسيين ولكن (أيضًا) على فئات كاملة من المواطنين الذين لا يمكن دمجهم لسبب ما في النظام السياسي».[20] وقد شهدت مصر تجسيدًا كبيرًا لهذا الأمر بعد 2013، تمثل في إعادة حال الطوارئ مرة أخرى بشكل اتسم بالجموح والعنف، وفي قوانين مثل تجريم التظاهر وقانون الإرهاب وقانون الكيانات الإرهابية والتوسع الكبير في المحاكمات العسكرية. ولم تستهدف هذه القوانين والآليات جماعة الإخوان المسلمين فقط، بل تمّت من خلالها تصفية فاعلية المجتمع المدني بشقيه الحقوقي والتنموي، وضرب النشطاء السياسيين من اليساريين والليبراليين والزج بهم في السجون، وضرب قطاعات اجتماعية مختلفة ومواطنين غير مسيسين على خلفية قضايا اجتماعية مختلفة مثل ما فعله السيسي ضدّ التجمعات التي حاولت مقاومة قرارات السلطة في إزالة مناطقها السكنية، والتنكيل بالباحثين، وأحداث جزيرة الوراق –التي تسعى الدولة لإخلائها لصالح تحويلها إلى مشروع استثماري كبير– والنزاع بين الدولة وبعض سكان الساحل الشمالي حول أرض الضبعة التي حولتها الدولة لمفاعل نووي. وهكذا طالت ماكينة الاستبداد عبر تنظيم حالة حرب أهلية قانونية، قطاعات مختلفة وواسعة من الاجتماع المصري.

السيسي كرمز للخلاص والسيّادة

تحوّل السيسي بفضل ماكينة الإعلام والاستخبارات وتكاتف أجهزة الدولة معه إلى رمز المخلّص والمُخلِص للدولة والشعب في آن واحد. كما نجح أيضًا في التمفصل مع رغبة قطاعات واسعة لإنهاء حالة الثورة والقضاء عليها وعلى السياسة بشكل عام، كفعل جماعي للصراع على الموارد والسلطة. وبنجاحه في «قيادة» أو توجيه الشعب المسيّس بتفويض من الأخير، أقام السيسي قطيعة مع حالة الزخم الثوري والسياسي التي شهدتها مصر بتوسع منذ 2011، وقطع الطريق على عملية التحوّل الديمقراطي ونجح في حماية الدولة ومؤسساتها من النقد الجذري الذي كانت تتعرض له. ونتمكن هنا من التوقف حول المناقشات التي تتناول حجج الثورة والثورة المضادة (الفُلُول) لتأكيد أنّ ما تطلع إليه الجيش والإخوان منذ فتح المجال السياسي هو الهيمنة على الدولة على الوضع ذاته، الذي تكمن بها كل مصالحهم منذ سنوات عدّة. فالإخوان كانوا يمثّلون قوة سياسية واقتصادية واجتماعية مؤسسية تحت نظام مبارك كما عرضت ماري فانيتزيل في كتابها الأخير،[21] وحازم قنديل في تغطيته للنظام الداخلي للجماعة.[22] ولذلك، فإنّ الشعب كان الطرف الثوري الوحيد، ولكنّ كتلة منه تحوّلت من قوة ثورية إلى قوة مضادة للثورة بالقوة (أو القوة الرمزية) والقيادة ومنح تفويض للسيسي. واستطاع السيسي بموجب هذ التفويض التموضع خارج الصراع السياسي والاجتماعي، فهو ليس فاعلًا سياسيًا مثل بقية الأطراف، بل ممثل الدولة في حرب البقاء ضدّ خصومها وخصوم الاجتماع، وتحديدًا جماعة الإخوان. لا يعني هذا أن الدولة والجيش كانا فعليًا خارج الصراع السياسي والاجتماعي، وإنّما استطاع السيسي مراكمة القوة الرمزية الخالقة لهذا التصوّر والمخيال عن الجيش باعتباره الحامي والحكم بين الأطراف المتصارعة. وهذه خاصية لا تخص مصر تحديدًا، ولكنها الطريقة التي تعرض بها الدولة نفسها على الجموع والطبقات المختلفة، والتي تحاول تصوير الدولة ككيان مستقل وغير منخرط بشكل مباشر في الصراع السياسي والطبقي مثلما يشير بولنزازس.[23] وبالفعل سيتم وضع هذه الصيغة عن الجيش كحامٍ للديموقراطية وحكمٍ أخير للصراع في الدستور المصري بعد تعديلاته الأخيرة في 2019. ويشير بهي الدين حسن إلى أنّه «على النقيض من تونس والسودان، فالجيش المصري مسيس وله طموح سياسي هائل ويتركز على حصر تداول الحكم في مصر بقيادته منذ 1952 »،[24] ولكن تظل لدى الجيش القدرة الرمزية على طرح نفسه كطرف خارج الصراعات السياسية المباشرة. وعزز موقف الجيش تجاه مبارك وفي بداية الثورة عام 2011 من هذه القوة الرمزية، حيث أطاح بمبارك ولم يقمع ميدان التحرير أو يتورط في أي اشتباكات عنيفة ضد المتظاهرين طيلة الثمانية عشر يومًا في 2011. وعزز العجز البنيوي لدى قوى الثورة، في الاستيلاء على السلطة، من القبول بعملية انقلابية من خلال مؤسسة الجيش؛ لكي تدفع الحراك وتحقق بعض مطالبه. وبالتالي ظل الانقلاب مطلبًا شعبيًا، ضمنيًا كان أو معلنًا، منذ اليوم الأول في الثورة وحتى الثالث من يوليو 2013. فالعوز الثوري للانقلاب جعل المؤسسة العسكرية قادرة على طرح نفسها كحكم أكثر منها كطرف أصيل في الصراع. فهي قد تكون حكمًا، ولكنّها بلا شك طرف مركزي في الصراع المباشر.

الصيغة السابقة: الحرب والحفاظ على كيان الدولة، منحت السيسي مقدارًا من القوة والشعبية لم يتسنّ لأحد قبله، فعبد الناصر نفسه لم يبدأ حكمه عام ١٩٥٤ بأيّ مستوى يقارب الشعبية الواسعة التي بدأ بها السيسي حكمه الحقيقي في 2013. كما أنّ السيسي استطاع قيادة الدولة المصرية في إدارة «حرب أهلية» كبيرة ولكن من خلال صراع الهيمنة على جهاز الدولة.[25] وهو الأمر الذي جعل معركته مع الإسلام السياسي ذات طبيعة مختلفة عن كلّ من سبقه. فأولًا، هذه هي المرة الأولى التي تقرر فيها جماعة الإخوان المسلمين الدخول في مواجهة مفتوحة وواسعة مع الدولة نفسها وضدّ الجيش كمؤسسة، وحتى في أوج صراع الإخوان مع عبد الناصر، لم تقم الجماعة بمهاجمة مؤسسة الجيش سياسيًا أو فكريًا أو ماديًا، ولا حتى الداخلية أيضًا كمؤسسة. ثانيًا، انضمام أطياف مختلفة من الإسلام السياسي والسلفية الجهادية لجماعة الإخوان المسلمين، وانفجار الصراع المسلح بشكل دامٍ في سيناء. فالحرب الأخيرة تختلف بالكلية عن صراع عبد الناصر مع الإخوان في 1954 ثم 65 أو عن حرب الدولة مع العنف المسلح في الثمانينيات والتسعينيات. وقد أوضح أحمد زغلول شلاطة في ورقته التي تتناول فكرة الجهاد داخل جماعة الإخوان المسلمين مقارنًا بين 1954، 1965، 2013. ومستدلًا بإرشادات الجماعة فـي «فقه المقاومة الشعبية للانقلاب» (2015) و«بيان الكنانة» (2015)،[26] أنّ فكرة الجهاد من حيث القتال كانت في مطلع الأفكار المتأصلة داخل التنظيم منذ النشأة من قبل حسن البنا، وتبنت مجموعة منها الفكر الجهادي القتالي بعد انقلاب 2013. هذا كله وفي خلفية المشهد ثورة شعبية اندلعت في 2011، ودولة منهكة وبعض قطاعتها شبه مهزومة وتسعى لاستعادة هيمنتها وقوتها مرة أخرى على البلاد. علاوةً على ذلك كلّه، شهدت السنوات الثلاث الأولى من الثورة المصرية وبالأخص 2013، دخول مؤسسة القضاء والقضاة كفاعلين أساسيين في الصراع السياسي والاجتماعي في مصر بشكل أيديولوجي ومؤسسي. رغم أن مصر لم تشهد في أي مرحلة من تاريخها تورط القضاة بهذا الشكل في الصراع السياسي والاجتماعي، وبهذه الحدة.

كانت الظروف كلّها مهيأة للسيسي كي يتلقف الدولة بالكامل، ويخضعها لسيادته وهيمنته الكاملتين. وقد نجح السيسي عبر استراتيجية واضحة وخطاب جديد في تعضيد سلطته. كانت شوارع مصر ممتلئة بصوره كبطل شعبي ومنقذ لمصر، حتى أن صوره رسمت على قطع الحلوى. بالإضافة إلى خطابه الدائم حول الدولة وخطورة انهيارها، نجح السيسي عبر أجهزة الدولة المختلفة في التلاعب بالمشاعر الوطنية في أقصى صورها. فقد كانت بعض الجموع تنطلق في جميع شوارع مصر، وبمختلف المحافظات، معتدية على أي مجموعة معترضة على سياسيات السيسي، أو على أي فرد يعبّر عن رأيه السياسي والفكري على المقاهي. لم تكن هذه المجموعات تابعة للأجهزة الأمن أو المباحث كما كان معتادًا في الماضي، بل كانت مجموعات مختلفة من جموع الشعب لا تربطها صلة بالأمن في أغلب الوقت. وتمددت هذه الحالة الفاشية داخل الأسر والعائلات وبالأخص ضدّ القطاعات الشابة المعارضة للحكم العسكري والديني في الوقت نفسه. عزز هذا الخطاب الوطني حالة الاستياء والشيطنة التي واجهتها جماعة الإخوان المسلمين وتصويرهم الدائم بكونهم جماعة «خارج النسيج الوطني» وضده، وتسعى لتفكيك «الوطنية المصرية الضاربة جذورها عبر التاريخ». كانت ماكينة الإعلام الخاصة والمملوكة للدولة تعمل بكدّ على شيطنة الإخوان ونزع مصريتهم، ونزع إنسانيتهم أيضًا عبر خطاب «الخرفان». ونجح السيسي في اللعب على وتر شديد التناقض، فمن ناحية قدّم نفسه كمسلم متدين ومحافظ، ولكنه أيضًا حامي المثقفين والتنويريين والمرأة والأقباط والأقليات المختلفة من بطش التطرف الإسلامي. في هذا السياق، استقطب السيسي الكنيسة القبطية في مصر بالكامل في صفه في الحرب ضدّ الإخوان والإسلام السياسي. وتقرب منهم وتودد إليهم عبر زياراته المختلفة للقداس السنوي الكبير في ميلاد المسيح. وأتاح مساحة أوسع للكنيسة في بناء الكنائس. لا يمكن القول إن وضع الأقباط كأقلية قد شهد تحولًا بنيويًا في مصر، وكذلك الصراع الطائفي، ولكن هذا التودد والتقارب الجادين وتبجيل البابا تواضروس، وطرح السيسي لنفسه كحامٍ ومدافع عن حقوق الأقباط كمواطنين مصريين نجح في ضم جموع كبيرة من الأقباط والمؤسسة الكنسية في صفه، وتعالت خطب القساوسة ممجدة له في كثير من كنائس مصر. والأهم أن هذه الحالة وسط الخوف من الإيذاء المادي المباشر والتعرّض للقتل والتنكيل، قضت تمامًا على المعارضة القبطية الداخلية، ونجحت في توحيد صف الكنيسة والتخلّص سريعًا من الأصوات والحركات السياسية المنتقدة للمؤسسة العسكرية والقيادة الكنسية معًا.

وصل السيسي إلى الحكم في مصر بعدما نجح في ضمان ولاء ودعم قطاعات كبيرة ومختلفة، بالإضافة إلى إحكام قبضته الكاملة على جهاز الدولة. ولكنه منذ ترشحه للرئاسة أعلن أنه لا يدين لأحد بأي حقوق أو التزامات، أو على حدّ قوله شخصيًا «معنديش فواتير لحد»؛ وهي صيغة متسقة تمامًا مع حالة الوطنية البدائية المطروحة منذ البداية، وأعاد طرحها السيسي. فصار رجل الجميع ورجل اللا-أحد. لقد نجح في تحويل نفسه إلى رمز قابل لأن يؤوله الجميع لصالحهم. فهو حامي الأقباط، ومدافع عن السيدات، ومخلص للدولة وحاميها، ورجل التنويريين الذي يحمي مصر من الظلام الإسلامي، وهو رجل الوسطية الإسلامية المعتدلة التي يعبّر عنها الأزهر والأوقاف –مع الأخذ بالاعتبار أن سمت الوسطية الدينية لا يعني عدم تشاحنه مع الأزهر على خلفية المساس باستقلالية المؤسسة وآرائها الدينية.[27] وفي المرحلة الأولى من صعوده، هو رجل الناصريين وخليفة عبد الناصر الذي سيعيد لمصر هيبتها ومجدها مرة أخرى. كما أنّه لم يقدّم أي وعود سياسية لها علاقة بالديمقراطية أو تعزيز آلياتها وترسيخها؛ فالرجل كان شديد الوضوح، وتحدث فقط عن أنّ مشروعه هو الحفاظ على الدولة وتعظيم قوتها مرة أخرى، وإنهاء حال الفوضى. أبرز لحظتين في تأسيس حكم السيسي هما خطاب التفويض وفض اعتصامي رابعة والنهضة. فالسيسي طلب تفويضًا عسكريًا وشعبيًا من الجماهير لإدارة الحرب الأهلية المحتملة. وكانت لغة جسده شديدة التعبير والرمزية؛ فالرجل خرج لجموع المصريين في كامل زيّه العسكري مرتديًا نظارة الشمس (داخل التقاليد العسكرية الميدانية، فالقائد الأعلى رتبة هو فقط من يحق له أن يخاطب الجنود والضباط مرتديًا نظارة الشمس، ولا يستطيع أحد مخاطبته مرتديًا النظارة أمامه) في شكل شديد الصرامة والعسكرة، مخاطبًا العسكريين ومطالبًا المدنيين بتفويض مفتوح. وهي حالة فريدة، فهي استدعاء سياسي للجموع لإخراجهم من الفعل السياسي، وتحويل الأمر وإفراغه من أي بعد سياسي لصالح حالة أمنية وعسكرية صرفه. ثم جاءت لحظة الفض، وأثبت السيسي قدرته على استخدام أقصى درجات العنف وارتكاب واحدة من أعنف المذابح في مصر، ولكن برضى شعبي ودعم إقليمي وغضب دولي سيستطيع تطويعه فيما بعد. نجح السيسي في طرح صيغتين في منتهى القوة لتبرير الفض، الأولى هي الصيغة الوطنية الدولتية؛ أي أنه يقتل للحفاظ على الدولة الوطنية الحديثة في مصر ويحارب خطر وشبح سقوطها مثل ليبيا وسوريا والعراق. والصيغة الثانية وهي صيغة دينية محضة وهو أنه يقتل مجموعة من الخوارج بالمعنى الإسلامي القديم لمفهوم الخوارج كجماعة مارقة عن الإسلام تسعى لتخريب وتدمير المسلمين. وساعدته الماكينة الإعلامية والدينية في طرح الصيغتين في الوقت نفسه. ومارس علي جمعة، وزير الأوقاف الأسبق، دورًا شديد الأهمية في تعبئة الجنود والضباط وعموم الجمهور في هذه الحرب، فقد كان التفويض لحظة مثالية للدولة لتمارس القهر والعنف بأقصى درجات الشرعية والإجماع. وهو ما جعلها شديدة الفاعلية طبقًا لمجادلة تيري ايجيلتون أو في تصور أنطونيو جرامشي عن الهيمنة ودور الإجماع في بنائها.[28] بالنسبة إلى جرامشي، الهيمنة لا تتمثل فقط في استخدام القوة الجسدية لكنها أيضًا ممارسات القوة من خلال الأفكار والثقافة؛ وهو ما يسميه جرامشي «الهيمنة الثقافية» (cultural hegemony).[29]

الجيش كحزب حاكم

رغم الشعبية الجارفة للسيسي إبّان ترشحه للرئاسة، لكنه لم يهتم حقيقة بعرض نفسه سوى كرجل المؤسسة العسكرية للحكم وليس حاكمًا بخلفية عسكرية كما هو الحال في مصر منذ 1952. ولهذا أعلن السيسي نيته للترشح بعد «إخطار» القوات المسلحة كما أوضح في مقابلة تلفزيونية على قناة سي بي سي (CBC) في مايو 2014، مضيفًا «القائد العام ما بيستئذنش».[30] ولهذا الإعلان وما يخصه من سرد إعلامي خصلتين رمزيتين: الأولى هي أن السيسي أعلن ترشحه مرتديًا الزي العسكري العملياتي وليس الفخري؛ أي أنه مفوض بمهمة عسكرية لحكم مصر من قبل الجيش. ثانيًا، أن اللافتات الداعمة للسيسي كمرشح رئاسي قبيل الانتخابات كانت تحمل صوره بالزي العسكري في بعض الأحيان وكان يسبق اسمه رتبته كمشير في القوات المسلحة على غرار عنوان المقابلة التلفزيونية المذكورة سابقا: «المشير السيسي في أول ظهور تليفزيوني له». هذا هو التضارب في هوية الرئيس الحالي، إذا كان عسكريًا أو ذو خلفية عسكرية. وهذا ينعكس على التضارب بين السرد الإعلامي وسرد الدولة للأحداث منذ 2013، حول أن ما حدث لم يكن انقلابًا ولكنه ثورة ثانية؛ لأنه تم بتفويض من الشعب، ولأنه تم تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا، عدلي منصور رئيسًا حتى تنظيم الانتخابات في 2014.

وبالفعل قدّم السيسي نموذجًا جديدًا على مصر في الحكم. فالرجل لم ينشئ نظامًا سياسيًا كما هو متعارف عليه تاريخيًا في مصر، سواء أكان نظامًا تعدديًا أو نظام الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) مثل عبد الناصر، أو نظامًا شبه تعددي سلطويًا يقوم على حزب مدني حاكم (الحزب الوطني) مثل مبارك والسادات. بل اعتمد السيسي فقط على مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية في الحكم والإدارة، وحتى في الجانب الاقتصادي، فاللاعب الأول على الساحة هو الهيئة الهندسية يليه جهاز الخدمة الوطنية، وكليهما أجهزة داخل مؤسسة الجيش. تحوّل الجيش إلى حزب حاكم وإلى الرأسمالي الأول والرئيسي في مصر، وهي صيغة تختلف أيضًا عن رأسمالية الدولة التي شهدتها مصر في عهد عبد الناصر. فمع المقارنة واستدلالًا بكتاب أنور عبد الملك وتحليله لفترة 1952-1967،[31] نجد أنه تمّ وقتها استقطاب وإعادة بناء طبقة بورجوازية جديدة بعد 1952 مع تصفية وتأميم الإقطاعيين وشركات القطاع الخاص، وهذه تعدّ مقاربة مع النظام الحالي. ولكن يكمن الاختلاف في أن الجيش في 1952 كان يمثل عجلة التقدم والتحضر في مصر مع بناء مصانع مختلفة وتأميم أخرى، وهو الآن بوابة الاستثمار والفاعل الاقتصادي ولكن في ظل واقع نيوليبرالي. ويسعى الجيش للاستحواذ على مفاتيح السوق المصري والشراكة المباشرة مع المستثمرين الأجانب ومنح بقية الفاعلين في السوق المصرية مقاولات من الباطن أو عبره. فالسيسي لم يسعَ لتغيير واقع بنية الاقتصاد ونمطه أو تحويله، فقط إعادة ترتيب الفاعلين داخل السوق المصرية ووضع الجيش بمثابة بوابة رئيسة لأي فعل اقتصادي. ويبرز ذلك النمط تحديدًا فيما يتعلق بمشاريع الطرق، واستحواذ الجيش على بعض الصناعات والموارد مثل المحاجر وصناعة الرخام وجانبا من صناعة الإسمنت (ولكنه يسمح للشركات الأجنبية بمشاركة الحصة الأكبر من صناعة الإسمنت في مصر، مثل لافارج وتيتان)، وأيضًا فيما يتعلق بالأراضي في مصر، تحوّل الجيش إلى أكبر مستثمر ومالك للأراضي، العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين كمثالين.

حقق السيسي ما لم يستطع حاكم آخر منذ 1952 تحقيقه، فقد تخلى عن الصفقة المؤسسة لشرعية الدولة العسكرية: الأمن الاجتماعي والخدمات والدعم في مقابل الحرية. فالسيسي حرر جهاز الدولة من أعبائه الاقتصادية والمالية تجاه المواطنين، ما أعتقه من أي التزام اجتماعي فيما يتعلق بتوفير الخدمات مقابل رسوم زهيدة أو بشكل مجاني. وقام بتسليع خدمات الدولة بمنطق السوق النيوليبرالي. ومنحه تحرير موازنة الدولة من هذه الأعباء فرصة أكبر في التوسع في مشاريعه وتصوراته عن إدارة الاقتصاد. كما نال رضى وإشادة صندوق النقد والبنك الدولي بسبب سياسات التقشف ورفع الدعم وتقليل الإنفاق الحكومي. كما نجح في الاحتفاظ بالطابع الاستبدادي والتسلطي للدولة المصرية، وتصاعدت قدرة الدولة على القمع والبطش بخصومها وتقييد الحريات العامة والسياسية. كل ذلك تزامن وتمفصل مع شعور عميق بالتهميش لدى مؤسسة الجيش. منذ هزيمة 1967 والجيش يتراجع دوره السياسي وهيمنته في إدارة الحكم، منذ الصراع الداخلي بالجيش في أوائل الستينيات وحتى الهزيمة –بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر– الذي تطرق إليه خالد فهمي في بعض محاضراته وفي مداخلة على تلفزيون الاشتراكي موضحًا التغيير بهيكل الدولة بعد 1967، وخصوصًا بعد أحكام قوات الطيران في 1968، والتي أدت إلى تظاهرات وحشود منددة بالأحكام المخففة.[32] من تلك التغيرات إنشاء الأمن المركزي كأداة قمعية، ونجح السادات في إزاحة الجيش من الإدارة والهيمنة المباشرة إلى حد بعيد واستبداله بالداخلية، وتحديدًا قوات الأمن المركزي كدرع وحامٍ للنظام وبديل عسكري لقوات الجيش في الداخل، وبجهاز أمن الدولة الذي سيدير مصر منذ السبعينيات حتى لحظة الثورة في 2011، وفي الخلفية الحزب الحاكم لإدارة جانب من الصراع الاجتماعي على الموارد والنفوذ والهيبة في مختلف محافظات مصر. استغلّ السيسي هذه الحالة وهذا الشعور بالتهميش ليعيد إطلاق يد الجيش مرة أخرى على الاقتصاد والاجتماع والسياسة في مصر.

ورغم أنّ هاجس الأجهزة الأمنية والحكم في مصر منذ 1952 هو الانقلاب العسكري على الانقلاب العسكري، لا يبدو أن السيسي يواجه معضلة كبيرة في هذا الشأن. فقدومه من المخابرات العسكرية أتاح له قدرة عالية على السيطرة على المؤسسة، وكذلك انخراط المؤسسة في معركة واسعة ضدّ العنف المسلح. وتتضح من تغيير القيادات العسكرية الكبيرة سهولة تحكّم السيسي بزمام الأمور داخل المؤسسة. وكل هذه الإجراءات تعد بما يسمى بالتقنيات «المضادة للانقلاب»[33]. وهذه التقنيات تتمحور حول تقليل احتمالات وجود تجمعات داخل منظمة الدولة قد تؤدي إلى الاستحواذ على السلطة. بعض الأمثلة لهذه التقنيات هي إحلال القيادات داخل المؤسسة العسكرية، وتعزيز قوات الأمن المركزي في عهد أنور السادات منذ 1970.[34] وبالفعل قام السيسي بالمثل بتغيير وزير الدفاع صدقي صبحي في عام 2018، وكان صبحي شريكه الرئيس في الوصول إلى الحكم بشكل سلس، كما قام أيضًا بتغيير رئيس الأركان ونسيبه محمود حجازي. ولذلك لا يبدو أنه يواجه داخل المؤسسة أي أشخاص أقوياء لا يستطيع إزاحتهم. بالقطع هناك قضيتان عسكريتان متهمة بهما مجموعة من الضباط بمحاولة القيام بانقلاب عسكري،[35] لكن لا يبدو أن ثمة شيئًا مقلقًا في الأفق أو غير اعتيادي ضده داخل مؤسسة الجيش، فهو قادر على إدارة وإحلال من يشغلون مناصب مهمة لتفادي أي محاولات للاستيلاء على الحكم من داخل المؤسسة.

تعضيد الحكم: القضاء على السياسة وإعادة تسليح المؤسسات

نجح السيسي في القضاء على المجال السياسي الذي تشكل بعد الثورة، وتغيير معادلة مبارك في ترك هامش نسبي للمعارضة والإخوان المسلمين؛ فالسيسي لا يقمع الفعل السياسي فقط، بل يمنعه من المنبع ولا يترك له أي هامش للنمو والحركة والمناورة. الدروس التي تعلمها السيسي من ثورة يناير هي: أولًا، توحيد قوى الدولة وأجهزتها المختلفة وتدعيم الأجهزة الأمنية وتقويتها وعدم السماح لنمو أي صراع للأجنحة المختلفة داخل الدولة؛ ثانيًا، عدم السماح بأي هامش حركة للمعارضة والحركات الشبابية؛ ثالثًا، الإفراط في القمع واستخدام العنف ضد المعارضين والتنكيل الواسع بهم سواء عبر السجون أو التشهير أو الشيطنة الإعلامية. كما استغل السيسي رغبة القوات المسلحة والداخلية في استعادة قوتهم لكسب ثقتهم، وطرح نفسه عليهم كمخلِّص والرجل المسئول عن تطوير وتحديث المؤسستين. ونجح في تطويع علاقته الإقليمية بالإمارات والسعودية في تسليح الجيش والداخلية. فمصر أصبحت ثالث مستورد للسلاح في العالم في الفترة بين 2014 و2018 (بعد السعودية والهند) طبقًا لمعهد ستوكهولم للسلام. ووفقًا للتقرير، زادت واردات مصر من الأسلحة ثلاثة أضعاف بين عامي 2009 — 2013، و2014- 2018.[36] وجرت إعادة تسليح الجيش المصري من فرنسا وألمانيا وروسيا، مع الاستمرار في شراء الأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية، استكمالًا للمعونة الأمريكية منذ كامب ديفيد. وأحد تقارير فرانس 24 يشير إلى اشتراك السعودية في تمويل صفقة الميسترال الفرنسية.[37] وتنوع تسليح الداخلية بين المعدات والمركبات والمدرعات والذخائر وقنابل الغاز وحقوق إنتاج الأعيرة النارية. كما استورد معدات وتقنيات تجسس بمليارات الدولارات، ساعدت الإمارات في العديد منها طبقًا لفرانس 24.[38] ويعد تسليح الداخلية وتطور تقنيات المراقبة مفهومًا في سياق الحرب الداخلية التي يخوضها النظام ضد جماعة الإخوان المسلمين و«الجماعات الإرهابية»، ولمحاصرة القوى الديموقراطية. رفعَ هذا التسليح من قوة الداخلية ورفع الروح المعنوية للمؤسسة واستعادة شعورها بالتفوق على المجتمع مرة أخرى بعدما واجهته عقب هزيمة الثامن والعشرين من يناير 2011.

التوسع في إعادة تسليح الجيش قابل للتحليل من أكثر من زاوية. أولًا، السبب الداخلي هو إرضاء الجيش كمؤسسة وتثبيت أركان السيسي عبر ضمان ولائها من خلال رفع كفاءتها وتطويرها. ويرى سبرنغبورج الأمر بزاوية أخرى وهي أن ثقة السيسي في الجيش وقدرته على مراقبته وضمان ولائه، سمحت بتطوير وإعادة هيكلة الجوانب العملياتية والبينية بين الأسلحة المختلفة، ودفعت بضرورة إعادة التسلح وتنويعه لمواكبة التحديات الداخلية والإقليمية.[39] وتنوع مصادر السلاح كان له مردود إيجابي داخل الجيش ورفع من أسهم السيسي بداخله، حيث يعتبر أول من نجح في تنويع مصادر السلاح داخل الجيش منذ كامب دافيد، أو هذه على الأقل رؤية العديد من الضباط الآن. وبهذا نجح السيسي أيضًا في المناورة مع الولايات المتحدة بعد تهديد هذه الأخيرة أكثر من مرة بقطع المعونة العسكرية. ثانيًا، التسابق الإقليمي للتسلح والخوف من التوترات القائمة في المنطقة، وقد عرض السيسي أكثر من مرة مصر على الخليج كقوة محتملة. وهو ما دفع السيسي في يناير 2018، لتوقيع اتفاقية «مذكرة التفاهم في مجال الأمن وقابلية تبادل الاتصالات» والمعروفة بـ «سيزموا»(CISMOA)  مع واشنطن. وتُعتبر هذه الاتفاقية شرطًا قانونيًا من الولايات المتحدة لتزوّد الدولة الحليفة بأجهزة ونظم اتصالات مشفّرة، ما يمكّنها من استخدام وسيلة الاتصال المباشر خلال الوقت الحقيقي والفعلي.[40] وذلك لكي يتناغم تقنيًا وعملياتيًا مع بقية دول الخليج وحلفاء الولايات المتحدة. وجدير بالذكر أن مصر راوغت لمدة ثلاثين عامًا لتفادي التوقيع على هذه الاتفاقية. ثالثًا، نجحت هذه الصفقات في شراء سكوت الدول الغربية على انتهاكات حقوق الإنسان وكسر العزلة التي حاولت بعض الدول فرضها على مصر بعد سيطرة الجيش على الحكم في الثالث من يوليو 2013.

في الختام، نجح السيسي في بداية صعوده في استقطاب قطاعات كبيرة من المجتمع كانت في حالة هلع كبيرة من هيمنة الإسلاميين، ونجح عبر خطاب خطورة انهيار الدولة في المتفصل مع الواقع المضطرب، وقد مكنه من شعبية عارمة وقدرة مهولة على البطش والقمع. ورغم تراجع شعبيته بسبب السياسات الاقتصادية القاسية، نجح في تعضيد حكمه وفرضِ أمر واقع بعد نجاحه في مرحلة الصعود. كما استفاد من الصراع الإقليمي، وضمن دعم الإمارات والسعودية السخيين له وتسليح مؤسساته. وأخيرًا نجح في السيطرة الكاملة على جهاز الدولة وتطويع وإخضاع جميع مؤسساتها والتنكيل بخصومه عبر الجهاز نفسه، وتحديدًا الشرطة والقضاء والجيش. وفي الآونة الأخيرة، نجح السيسي عبر التعديلات الدستورية الأخيرة، التي سمحت له البقاء في الحكم بعد انتهاء مدته، في إخضاع مؤسسة القضاء بالكامل. فالأخيرة كانت تتمتع بقدر من الاستقلال سمح بمناورة السيسي وباستغلال المؤسسة القضائية في قضية مصرية جزيرتي تيران وصنافير اللتان تنازل عنهما للسعودية.

وعلى عكس كلّ من سبقه، فالسيسي لا يرى توطيد حكمه من خلال إنشاء كيان سياسي قوي يكون بمثابة حليفه الاجتماعي والسياسي، وإنّما من خلال توحيد قوى وأجهزة الدولة خلفه وطرح نفسه على عموم الجمهور كمخلّص وحامٍ للبلاد. في كلمته ضمن فاعليات يوم الشهيد في التاسع من مارس 2021، أعلن السيسي أن افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة، الجاري إعدادها منذ توليه الحكم في 2014، يعدّ بمثابة ميلاد جمهورية جديدة ودولة جديدة؛[41] فباتت الدولة هي دولة المؤسسة العسكرية فقط، متخلصة من الدولة التي كانت خارج المؤسسة العسكرية منذ عهد عبد الناصر.

خاتمة

صارت الدولة منذ 2011 تحت تصرف المؤسسة العسكرية متمثلة في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتحت السيسي منذ 2013. الشعب كان أداة في 2013 لبلوغ الهيمنة على رأس ومركزية القرار السياسي للدولة، وهي المؤسسة الرئاسية. بعد الوصول لمركزية السلطة والقرار، كانت الخطوات التالية تتضمن تشكيل مجتمع عسكري بامتيازات اقتصادية وغيرها، غير مسبوقة مقارنةً بالعهود السابقة. مكّن انفجار المجال السياسي واحتدام الصراع ضد الدولة والمجموعات الثورية والأخيرة ضد الإخوان، ثم انفجار العنف المسلح، في حسم المأزق البنيوي الذي هيمن على أبعاد الصراع في مصر منذ 2011 لصالح الانقلاب العسكري. فالحرب كانت الصيغة الوحيدة التي تمكّن الانقلاب العسكري من حسم موقعه والتفوق في الصراع ضد الإصلاحيين والثوريين والإسلام السياسي. والصيغة الأمنية التي طُرحت منذ يوليو 2013 كانت كفيلة لحسم الشراكة التي تشكلت بين بعض القوى السياسية من التيار المدني والجيش لصالح الأخير. ولم تكن هناك قوى سياسية أخرى تمتلك المقدار نفسه من القوة الرمزية والمادية التي يستحوذ عليها الجيش، والتي تضاعفت بفضل موجة الثلاثين من يونيو ثم عززت  «الحرب على الإرهاب». والوضع الإقليمي وتفجر الحروب الأهلية وتفكك الدول من قدرات الدولة، وأتاح لها استخدام مستوى عالٍ من العنف والقمع فقط تحت ذريعة البقاء والحفاظ على نفسها في ذاتها ولذاتها.

نجح السيسي من خلال تمكنه من جهاز الدولة في إجهاض أي تحوّل ديموقراطي. بل ذهب أبعد من إعادة إنتاج السلطوية على غرار مبارك لصالح ديكتاتورية ذات طابع استثنائي، وأن يتحول هو نفسه إلى ديكتاتور فعلي. فالرجل لا يواجه أشخاصًا أقوياء وشركاء في الحكم يتحكمون في أجهزة سيادية مثلما كان الحال مع عبد الناصر، ولا يعاني نظامه من تصدعات بنيوية مثلما كان الحال مع مبارك بسبب الصراعات المختلفة بين الأجهزة الأمنية أو بسبب الصراع بين جمال مبارك ونخبته الصاعدة والجيش. كما أنه أستطاع تشكيل ديكتاتوريه عبر تفويض شعبي ثم شعبية جماهيرية ضخمة، وأيضًا عبر الهيمنة الكاملة على جهاز الدولة والقضاء على مساحات التقاضي وسيادة القانون ولو جزئيًا والإجهاز على الاستقلال النسبي للقضاء والقضاة، في حالة أقرب إلى فاشيات القرن العشرين منها إلى النظم السلطوية أو شبه السلطوية.

ودعمت الحرب على الإرهاب تماسك مؤسسات الدولة، كما عززت خوفها من سقوط نظام السيسي وحكمه، وبالتالي تعرضها للمحاكمة والمحاسبة. وعزز انخراط مصر في صراع مركزي وإقليمي، ضد الإسلام السياسي والعنف المسلح، من حلفائها الإقليميين رغم تناقضاتهم، فمصر في حلف واضح مع السعودية والإمارات، ولكنها للأسباب نفسها كانت في علاقة مع الحلف السوري/الروسي/الإيراني. وكان خصمها الإقليمي هو الحلف القطري/التركي. وقد طغت الترتيبات الأمنية لشرق المتوسط وشمال أفريقيا وضبط الهجرة غير الشرعية والنزاع في ليبيا، على توجه الأوروبيين تجاه السيسي، على حساب النزعات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات. لذا لم يواجه السيسي أي عزلة أو قيود حقيقية عليه دوليًا، كما دعم ترامب السيسي ورسخ من أركان حكمه. وكانت إعادة تسليح الجيش المصري وتنويع مصادر السلاح استراتيجية شديدة النجاح على المستوى الداخلي في الجيش –فقد ضاعف الأمر من شعبية السيسي وتكاتف المؤسسة خلفه– وعلى المستوى الدولي، حيث أصبح مستهلك ومستورد شديد الأهمية للدول الأوروبية. وعلى عكس مبارك، يستغل السيسي وضعه العالمي والداخلي في سحق أي معارضة له. وقد نجح في تصفية فاعلية أغلب النشطاء السياسيين ومجموعاتهم المختلفة التي كانت تعج بها البلاد من 2010 وتصاعدت بعد الثورة، مخلفًا تدهورًا غير مسبوق للوضع الحقوقي والحريات العامة.

أخيرًا، نجح السيسي في قيادة الدولة ذاتها في حرب ضروس ضد الثورة، ففي نهاية الأمر يمثل الانقلاب تجلي وإظهار للدولة،[42] وبعدما تحولت المؤسسة العسكرية للمهيمن على الدولة وكل ما يخصها رمزيًا أو مؤسسيًا، استخدمت هذا التجلي لمناهضة الثورة والحركة الثورية داخل الاجتماع المصري.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية