الجمعة، 9 يونيو 2017

مواجهة طبائع الاستبداد



عن العربي الجديد

يشرح عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) في كتابه "طبائع الاستبداد" الذي كتبه في حلب المنكوبة حالياً، أسباب أزمات العرب المتواصلة. ورغم أن الكتاب شهير ومتوافر، لكن الظاهر أن العرب لم يفهموا ما فيه أبداً. 

كتب الكواكبي في كتابه الصادر قبل 115 سنة: "لما كان ضبط أخلاق الطبقات العليا من الناس أهم الأمور، أطلقت الأمم الحرة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات، مستثنية القذف فقط، ورأت أن تحمّل ضرر الفوضى في ذلك أهون؛ لأنه لا مانع للحكام أن يجعلوا الشعرة من التقييد سلسلة من حديد يخنقون بها عدوّتهم الطبيعة، أي الحرية". 

وكتب: "المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذللا وتملقاً، وعلى الرعية أن تعرف مقامها: هل خلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف؟ أم هي جاءت به ليخدمها لا يستخدمها؟ والرعية العاقلة تقيّد وحش الاستبداد بزمام تستميت لبقائه في يدها لتأمن من بطشه". 

ولا يتجاهل "طبائع الاستبداد" دهاء الحاكم، فيقول: "لا يخفى على المستبد، مهما كان غبياً، أن لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرعية حمقاء تتخبط في ظلامة جهل، وترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة التي توسع العقول، وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ". 

وهو لا يتجاهل أيضاً خطايا الرعية، فيؤكد: "العوام هم قوة المستبد. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغتصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريما؛ وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة". 

ويتابع: "إنه ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه مقاماً ذي علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من رجال الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله، وأقل ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية، فتتهاتر قوة الأمة ويذهب ريحها، فيخلو الجو للاستبداد ليبيض ويُفرّخ". 

والكواكبي يطرح للحل نظرية مفادها "يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ماذا يُستبدل به الاستبداد، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقاً، بل لا بد من تعيين المطلب والخطة تعيينا واضحا موافقا لرأي الكل، أو الأكثرية التي هي فوق الثلاثة أرباع، وإلا فلا يتم الأمر". 
عسى أن تقرأ الشعوب العربية "طبائع الاستبداد" مجدداً.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 8 يونيو 2017

ديفيد هيرست: لهذا فشلت الحملة ضد قطر




عن ميدل ايست أي


قال الكاتب البريطاني المعروف ديفيد هيرست، الخميس، إنه كان من شأن محاولة تركيع قطر عبر إغلاق حدودها وفرض حصار تام عليها أن سلطت الضوء على القوى الحقيقة، التي تتنافس على النفوذ في المنطقة في فترة ما بعد العالم الغربي التي نعيش فيها اليوم.

وأوضح هيرست في مقال له بعنوان "لماذا الحملة ضد قطر مكتوب عليها الفشل؟"، إن هناك ثلاث قوى إقليمية تتسابق على السيطرة: "القوة الأولى تتزعمها إيران- واللاعبون الذين ينضوون ضمنها منهم دول مثل العراق وسوريا، ومنهم جماعات مثل المليشيات الشيعية في العراق وحزب الله والحوثيين".

أما القوة الثانية فهي النظام القديم المتمثل بالملكيات السلطوية في منطقة الخليج: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، وينضم إليها كل من الأردن ومصر.. بينما الكتلة الثالثة تقودها تركيا وقطر، ومعهما جماعة الإخوان المسلمين والقوى الفاعلة في الربيع العربي.

وأشار هرست إلى أنه في هذا الصراع الثلاثي، يساهم حلفاء أمريكا في تقويض استقرار النظام الإقليمي بالقدر ذاته الذي يساهم فيه أعداؤها، ولا أدل على ذلك من الحملة التي شنت على قطر.

ولفت إلى أن الحسبة لدى المملكة العربية السعودية؛ أخطأت إذ سعت لفرض إرادتها على دولة قطر الصغيرة، لأنها بمحاولتها تلك خلخلت النظام الإقليمي الذي اعتمدت عليه في التصدي لنفوذ إيران في مختلف البلدان المحيطة بالمملكة.

وفصل هيرست قائلا: "إذا كانت الحرب الأهلية السورية التي تدعمها إيران ألفت بين السعوديين والأتراك، فإن الصراع مع قطر سيفعل العكس تماما. بل ما يمكن أن يحدث في أرض الواقع هو أن هذا الصراع من شأنه أن يؤسس لقضية مشتركة بين إيران وتركيا وقوى الإسلام السياسي السنية، رغم ما يبدو عليه هذا الأمر من غرابة".

وأردف: "لن تحتضن هاتان القوتان نفسيهما هكذا بشكل طبيعي وتلقائي، وإنما يمكن أن تتقاربا وتتآلفا؛ بسبب رعونة وقصر نظر السياسات التي تنتهجها المملكة العربية السعودية. وفعلا، كان وزير الخارجية الإيراني أمس الأربعاء في زيارة إلى أنقرة (لبحث الأزمة الخليجية التي افتعلتها السعودية والإمارات مع قطر )".

تناقضات أمريكية
وعلى صعيد الموقف الرسمي الأمريكي، قال هيرست إن "عنصرين غيرا من قواعد اللعبة، وأثرا على مسار الحملة السعودية ضد قطر، وهما قرار البرلمان التركي تسريع إصدار تشريع يسمح للقوات التركية بالانتشار في قاعدة داخل قطر، وبيان قوات الحرس الثوري الإيراني الذي اتهم السعودية بالمسؤولية عن الهجوم على البرلمان الإيراني ومرقد الخميني".

وأضاف أن "ذلك يؤدي إلى عزل المملكة العربية السعودية، التي بإمكانها أن تتنمر على دولة صغيرة، لكنها لا تملك الدفاع عن نفسها دون أن تحظى بكميات ضخمة من الدعم العسكري الخارجي".



ورأى هيرست أن القائد الأعلى للقوات الأمريكية مهما غرر به، فإن قوات الولايات المتحدة المنتشرة في الخليج تسعى جاهدة إلى تجنب تقديم مثل هذا الدعم، ولعل في هذا تفسير للتضارب في التصريحات الواردة من البيت الأبيض، وتلك الواردة من البنتاغون حول قطر خلال هذا الأسبوع".

وتابع: "ما إن أعلن عن إغلاق الحدود البرية بين قطر والمملكة العربية السعودية فجر يوم الخامس من حزيران/ يونيو، حتى أصدر البنتاغون بيانا أشاد فيه بقطر؛ لالتزامها الثابت بأمن المنطقة".

وذكر البيان قاعدة العديد بالاسم، وهي القاعدة المتقدمة للقيادة المركزية لسلاح الجو الأمريكي، قائلا إن "جميع الرحلات مستمرة كما هو مخطط لها". ويذكر أن القاعدة تؤوي ما يزيد على عشرة آلاف عسكري.

واستطرد: "ثم جاءت تغريدات ترامب، والتي ادعى فيها أنه صاحب فكرة التحركات غير الاعتيادية ضد قطر، وذلك من خلال قوله إنها جاءت ثمرة للخطاب الذي ألقاه أمام خمسين من زعماء العرب والمسلمين. ولكن تلا ذلك بيان ثان صادر عن البنتاغون يجدد الإشادة بقطر لاستضافتها القوات الأمريكية".

وانضمت أوروبا إلى البنتاغون، أو على الأقل وزير خارجية أهم دولة في أوروبا، ألمانيا، سيغمار غابرييل الذي قال: "من الواضح أن المقصود هو عزل قطر عزلا تاما تقريبا وتهديدها وجوديا. مثل هذه المعالجة الترامبية بالغة الخطورة في منطقة تحيط بها الأزمات من كل مكان"، وفقا لـ"هيرست".

وأشار الكاتب البريطاني أنه "وبعد القرار التركي مباشرة، تناول ترامب الهاتف واتصل بأمير قطر عارضا عليه الوساطة، إذ يبدو أن الرسالة التي وجهها إليه القادة العسكريون في بلاده وصلته بعد 24 ساعة من تغريداته".

حسابات خاطئة


وتطرق هيرست في مقاله عن الحسابات الخاطئة في الحملة ضد قطر، قائلا: "لقد قضمت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أكثر مما بإمكانهما مضغه".

وأضاف: "كانت أول حسبة خاطئة هي الثقة بكلام ترامب، فحينما تشتري منتجا من منتجات ترامب يجدر بك أن تكون على وعي بالمضاعفات الجانبية، وأحدها هو ذلك الكم الهائل من الامتعاض والكراهية والمقاومة التي ولدها ترامب داخل بلاده".

وأوضح هيرست أنه "كم ليس بالقليل حينما تبدأ في إحصاء الجهات الساخطة على ترامب – الـ"سي آي إيه"، والبنتاغون، ووزارة الخارجية، وأعضاء مجلس الشيوخ من كل ألوان الطيف، وكذلك القضاة. هؤلاء ليسوا فقط دولة أمريكا العميقة، ولكن حتى لو اقتصر الأمر عليهم لكفى".

وتابع: "ثم إن هناك سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، الذي كثيرا ما يتصدر نشرات الأخبار وعناوين الصحف، والذي ارتكب خطأ جسيما حينما ظن أنه كما أطعم وزير الدفاع السابق روبرت غيتس من يده فإنه يمكن أن يفعل الشيء ذاته مع بقية مسؤولي وزارة الدفاع".

أما حسبتهم الخاطئة الثانية، بحسب هيرست، فهي افتراض أنه نظرا لأن قطر صغيرة، فلن تهب أي دولة أكبر منها لنجدتها. يذكر أنه يوجد لدى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة استثمارات ضخمة في تركيا، ومنها استثمار قامت به أبو ظبي بعد محاولتها الإطاحة برجب طيب أردوغان في انقلاب عسكري. ظن البلدان أن بإمكانهما أن يشتريا تركيا.

وأشار إلى أن "العكس تماما هو الذي حصل، حيث أدرك أردوغان أنه إذا جرى سحق قطر فلن يبقى في ذلك المعسكر غيره واقفا".

والحسبة الخاطئة الثالثة، كانت كشفهما عن حقيقة ما يريدانه من قطر، وهو لا يتعلق أبدا بدعم الإرهاب ولا بالتقارب مع إيران. بل إن الإماراتيين الذين يشكلون جزءا من التحالف الذي يتهم قطر بالانحياز إلى طهران لديهم تجارة عظيمة مع إيران لا تخفى على أحد.

ولفت هيرست إلى أن "المطالب الفعلية التي قدمت إلى أمير الكويت، الذي يقوم بدور الوساطة، فهي إغلاق قناة الجزيرة، ووقف التمويل عن العربي الجديد وعن القدس العربي وعن النسخة العربية من صحيفة هافنغتون بوست، وطرد المفكر العربي عزمي بشارة".

وذكر أن "تلك هي وسائل الإعلام التي تنشر باللغة العربية الأخبار والقصص التي لا يرغب هؤلاء الدكتاتوريون العرب أن تصل إلى مواطنيهم. لم يقتنعوا بكتم وسائل إعلامهم هم ولجمها، بل يريدون أن يغلقوا كافة وسائل الإعلام التي تكشف عن الحقائق التي لا يناسبهم نشرها على الملأ، خاصة تلك التي تتعلق بالأنظمة المستبدة الرائشة والمرتشية والفاسدة أينما وجدت حول العالم".

انضمام إسرائيل
ولم يغفل الكاتب البريطاني، موقف إسرائيل من الهجمة ضد "حماس"، فقد قال: "يرد اسم حماس والإخوان المسلمين في المطلب السابع في القائمة. يعتبر إيراد اسم حماس في هذه القائمة حسبة خاطئة أخرى؛ لأنه بغض النظر عما تظنه الولايات المتحدة الأمريكية وعن موقفها تجاه هذه الحركة الفلسطينية، ما من شك في أنها تتمتع بشعبية كبيرة في منطقة الخليج".

وأضاف: "هنا تنضم إسرائيل إلى الجوقة التعيسة، فحسبما تكشف رسائل الإيميل التي تعود إلى العتيبة، والتي اخترقها الهاكرز، يتصرف الإماراتيون والمسؤولون في حكومة نتنياهو كاللصوص".

واستطرد هيرست بأنه "ما من شك في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي محق في اعتقاده بأنه يحظى بمساندة الدول العربية الكبيرة في جهوده لإعاقة قيام دولة فلسطينية مستقلة؛ حيث إن ذلك هو آخر ما يريده حكام مصر والأردن والإمارات والسعودية التي تحرص حرصا شديدا على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لدرجة أن معلقا سعوديا وافق على إجراء مقابلة (مباشرة من جدة) مع القناة الإسرائيلية الثانية كانت الأولى من نوعها".

وعرج الكاتب البريطاني على تعليق الشاعر الفلسطيني تميم البرغوتي على صفحته في "فيسبوك" عن قرار قطع العلاقات مع قطر، حيث وصفه بأنه "يعبر عن ذلك بشكل صادق".

وقال البرغوثي في منشور له على صفحته في "فيسبوك" إن حلفاء من مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل يتشكل و"يفرض حصارا بريا وجويا على بلد عربي، لا لشيء إلا لتأييده المقاومة الفلسطينية واللبنانية والثورات العربية في العقدين الماضيين".

وأضاف البرغوثي في منشور ثان: "يريدون الانتقام من 2011 (ثورة 25 يناير)، من الإطاحة بمبارك، من صد إسرائيل عن غزة ثلاث مرات ومن تحرير جنوب لبنان في 2000 وصد إسرائيل عنه في 2006، يريدون الانتقام من كل من فعل ذلك أو ساعد فيه أو حتى أخبر عنه الناس إخبارا، مساحة إسرائيل العملية أصبحت ثلاثة ملايين كلم مربع وكسورا".

واختتم هيرست بتساؤل عن الحسبة الخاطئة الأخيرة؟ فأجاب بأن "قطر ليست غزة. فقطر لديها أصدقاء، وهؤلاء لديهم جيوش جرارة، وهي رغم صغر حجمها -تعداد سكانها أقل من عدد سكان هيوستن- إلا أن لديها صندوق ثروة سياديا تقدر قيمته بما لا يقل عن 335 مليار دولار. فهي أكبر منتج للغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، ولديها علاقة مع شركة إكسون. والسعوديون والإماراتيون ليسوا الوحيدين الذين يمارسون لعبة اللوبي. حتى غزة، فإنها تمكنت من البقاء رغم الحصار".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 6 يونيو 2017

زمن موسيقى الشيوخ... الشيخ إمام عيسى






لو كنت "سمّيعاً" أو عاشقاً للموسيقى العربية القديمة، خصوصاً الطقاطيق والأدوار والموشحات، فلا يمكنك أن تخطئ اسم وأغنيات وموسيقى إمام عيسى، المعروف بـ"الشيخ إمام".

ينتمي الشيخ إمام (1918 – 1995) إلى شجرة وارفة الظلال من الشيوخ الفنانين الذين حملوا مشعل الموسيقى العربية في مصر مع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبينهم الشيخ سيد درويش (1892 - 1923) والشيخ أبو العلا محمد (1884 – 1942) والشيخ زكريا أحمد (1896 – 1961) والشيخ درويش الحريري (1881 - 1957) وغيرهم.
في نهايات القرن التاسع عشر، لم يكن العمل في تأليف الموسيقى صنعة لائقة في المجتمع المصري، إذ اعتُبر غناء الرجال أمراً مشيناً، وكان يطلق على المغنيات اسم "العوالم" (جمع عالْمة بتسكين اللام). في المقابل، كان قرّاء القرآن والمنشدون شخصيات مرموقة، فكل من يمتلك صوتاً جميلاً يلجأ إلى الإنشاد أو ترتيل القرآن، وكانت مهنة مربحة نسبياً وقتها.
لاحقاً، بدأ عدد من الشيوخ المشاهير، بعضهم قرّاء وبعضهم منشدون، يتحوّلون إلى الغناء على استحياء. وشجعت الشهرة الطاغية التي حازها "فنان الشعب" الشيخ سيد درويش في عمره القصير، كثيرين على العمل في الموسيقى والغناء.
ومع التطور الموسيقي الذي عرفته مصر مطلع القرن العشرين على أيدي مجموعة من الموسيقيين البارزين، بات تحوُّل الشيوخ إلى فنانين أمراً مكرّراً، وإن ظلّ هؤلاء يحملون لقب "الشيخ" من دون لقب الفنان.
كان المجتمع المصري ينطوي على نظرة سلبية إلى المشتغلين في الفن، فالممثل يُسمّى بالـ"مشخصاتي" والممثلة "آرتيست" والمطرب "صَيِّيتْ" والمطربة "عالمة". مفردات حملت دلالات سلبية آنذاك.
في إحدى زياراته لحي الغورية الشعبي في وسط القاهرة، ساعدت مجموعة من أهل قريته، أبو النمرس، إمام عيسى على امتهان الإنشاد وتلاوة القرآن. خلال تلك الفترة، التقى بالشيخ درويش الحريري، الذي تولى تعليمه الموسيقى. ثمّ تعرّف لاحقاً إلى الشيخ زكريا أحمد.

في ذلك الوقت، كان العمل بالفن أكثر قبولاً في المجتمع المصري، كانت شهرة أم كلثوم وعبد الوهاب طاغية، والسينما بدأت تجد طريقها إلى المصريين، وانتشرت المسارح في المدن الكبرى. ربما ذاعت شهرة الشيخ إمام بين أقرانه من الموسيقيين الشيوخ، كون الكثير من تراثه لا يزال باقياً، وتحول الكثير من طقاطيقه وأغنياته إلى محفوظات يحرص كثيرون على غنائها، لا شك أن للسياسة فضلاً في ذلك.
تحوّل الشيخ سيد درويش إلى فنان الشعب لأنه كان فنان ثورة 1919، ولم يحُز الشيخان زكريا أحمد أو أبو العلا محمد شهرته نفسها رغم أنهما قدّما منجزاً موسيقيّاً مهمّاً، إلا أنّهما حرصا أكثر على الفن كصنعة، ولم يوظفا الموسيقى والغناء في دعم النضال السياسي.
ربما كانت تلك نقطة قوة صاحب "شيّد قصورك"، فالكثير من أغنياته يمكن اعتبارها أناشيد سياسية أو هتافات تعلو في التظاهرات.
ورغم مرور 20 عاماً على رحيله، إلا أن أغنياته لا زالت باقية وتتردد، وشهدناها في ميادين الثورات العربية.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 2 يونيو 2017

حين جاوزت الأربعين

بلغ عمري أمس أربعين سنة، فجلست أستعرض ما مرّ بي فيها من أحداث، وأكثرها شخصي، لأنني على قناعة أن تلك الأحداث ستدعمني في ما بقي لي من عمر في هذه الدنيا.
ولدت في قرية في دلتا نيل مصر لأسرة متوسطة الحال يمتهن أفرادها الزراعة، لكني عشت أغلب سنوات عمري في القاهرة، كان جدي لأبي شيخاً، وكذا جدي لأمي، وقيل لي، إن صلة النسب بين العائلتين كانت لأنهما شيخان.
لم أعرف أياً من الجدين اللذين ماتا قبل ولادتي، كما لم أعرف جدتي لأبي التي سبقت جدي في الوفاة، عرفتُ فقط جدتي لأمي عدة سنوات قبل أن تلحق هي الأخرى بالباقين.
كانت أمي ربة منزل، ورحلت عنا سريعاً متأثرة بمرض قاتل قبل أن تكمل الأربعين. كنتُ حينها في الخامسة عشرة وترك رحيلها المفاجئ أثره في حياتي اللاحقة، وبعد أقل من خمس سنوات غادر أبي الدنيا ولم يكد يكمل السابعة والأربعين. كنت حينها في العشرين من عمري، وأدرس اللغات في جامعة الأزهر بعد أن رفضت دراسة الهندسة على خلاف رغبة أبي.
بعد رحيل أبي تغيرت حياتي وحياة إخوتي كلياً، كنت أدرس في الجامعة، وكذا أخي البكر، بينما أخي وأختي الأصغران في مراحل التعليم قبل الجامعي.
كنت أعمل منذ سنوات مراهقتي الأولى في فترات الصيف كنوع من البحث عن التحرّر وتحقيق الذات. كان أبي يشجعني رغم غضب أمي. ثم لما ماتت أمي ولحقها أبي بات العمل الصيفي ضرورة لتوفير مصروفاتي الشخصية بعد أن تأثرت أحوالنا المادية.
بعد تخرّجي بفترة قصيرة بدأت العمل في الصحافة، ومنذ ذلك الحين أواصل نفس المهنة على مدار نحو 18 سنة. لكن تلك السنوات شهدت كثيراً من الأحداث أيضاً، فقد تزوجت في سن الخامسة والعشرين، وأنجبتُ ابني البكر بعدها بنحو عام ونصف، وبعد ثلاث سنوات أنجبت ابني الأصغر، وهما أثمن ما أملك في الحياة.
عرفت حياتي المهنية مراحل صعود وهبوط، وتنقلت خلالها بين مؤسسات عدة، وعملت مع شخصيات متباينة، وكثيراً ما كنت أعمل في أكثر من مكان في نفس الوقت لتوفير الرفاهية لعائلتي.
أزعم أنني كنت أعيش حياة جيدة مقارنة بكثير من أقراني، وخصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، لكن انطلاق الثورة في مصر كان بمثابة تحوّل كبير في مسار حياتي، وترتّب على تطوراتها وانتصاراتها وانكساراتها، تغيير كبير في أوضاعي الشخصية والمهنية.
أعيش بعيداً عن بلادي وعن أولادي وإخوتي منذ أكثر من أربعين شهراً، وما أقسى الشعور بالغربة، لولا أن البديل أكثر قسوة.
مرّت سنواتي الأربعين بأفراح وأتراح، وفشل ونجاح، ويكفيني الآن أنني حر، أو بالأحرى حريص على حريتي، ولست نادماً على كثير مما فعلته في تلك السنوات.


 يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 1 يونيو 2017

أجور نجوم رمضان ونظرية الريموت كنترول




عن العربي الجديد

أطالع في شهر رمضان سنوياً انتقادات متكررة لحجم الإنفاق المبالغ فيه على المسلسلات والبرامج التلفزيونية وأجور نجومها، ومقارنات بين تكلفة تلك الأعمال وما ينفق على التعليم والصحة والخدمات، أو ما يخصص لدعم المهمشين والفقراء، وليس هذا في الواقع إلا جزءاً من محاولات قلب الحقائق التي بات العرب من أكثر شعوب الأرض إجادة لها.
الترفيه صناعة مثل أي صناعة، وصناعة مسلسلات رمضان لا تختلف عن صناعة فوانيس رمضان، أو زيادة إنتاج منتجات الألبان والعصائر استعداداً لزيادة الإقبال عليها من الصائمين. 
كثير من الناس في كثير من البلدان يعتمدون على صناعة الترفيه في تحصيل المال، وعشرات الآلاف من الأشخاص يعتبرونها مصدر رزقهم الوحيد.
عادل إمام، كمثال، لن يكون أجره عشرين أو ثلاثين مليوناً إن لم يكن يحقق لمنتج مسلسله أضعاف هذا الرقم
إنفاق المال على البرامج والمسلسلات أمر طبيعي، لأن كل منتج له تكلفة، والمنتجات المكلفة تحقق عادة أرباحاً مضاعفة، والفكرة الرائجة المتكررة سنوياً عن الأجور المبالغ فيها التي يتقاضاها الفنانون لا قيمة لها عند أصحاب الصناعة، فبالتأكيد ليس المنتج مجنوناً ليدفع لفنان ملايين التي لا يثق بأنه سيسترجعها، والحقيقة أنه يسترجعها بمساعدتك كمشاهد لأنك وملايين غيرك تتفرغون للمشاهدة، والمسلسلات والبرامج التي تشهد إقبالاً جماهيرياً يكون عليها إقبال إعلاني يعوض منتجها عما دفعه للنجوم.
وأجور الفنانين مثلها مثل أجور لاعبي الكرة، وهي تخضع لمنطق الأرباح التي يحققها الفريق من وراء اللاعب. ما يعني أن عادل إمام، كمثال، لن يكون أجره عشرين أو ثلاثين مليوناً إن لم يكن يحقق لمنتج مسلسله أضعاف هذا الرقم.
لست هنا أناقش جودة الأعمال الترفيهية المقدمة في شهر رمضان، أو تعمد بعضها تقديم التعري والمخدرات والخمور والعادات السيئة للجمهور، أو تدخل الحكومات في الصناعة لتغييب وعي الجمهور أو صرفه عن أمور أهم، وكل هذا واقع لا جدال فيه، وإنما أناقش جدلية تكلفتها، وتعامل البعض في الدول العربية التي تعرف كوارث متعددة أغلبها مقترن بالفقر والفساد، مع الأعمال الرمضانية باعتبار أن المال الذي ينفق عليها مهدر.
لا شك أن توزيع الثروات في أي بلد أمر طبيعي بما يحقق لجميع مواطنيه الرفاه والعدالة، لكن في الدول التي تسرق فيها المليارات ليل نهار تحت سمع وبصر مواطنيها دون أن يحرك أحدهم ساكنا، أو ينفقها الحكام وتابعوهم على اللهو والملذات وشراء اليخوت والسيارات، أو تمنح لدول أخرى لقاء عقود سلاح أو شراء ولاء، في تلك الدول: يصبح الحديث عن ملياري دولار تنفق سنوياً على مسلسلات وبرامج مخصصة للعرض في شهر رمضان ترفاً، أو بالأحرى سذاجة.
ومقارنة الإنفاق على المواد الترفيهية بالإنفاق على التعليم أو الصحة وغيرها هي مقارنة فاسدة كليا، ففي كل دول العالم التي تعرف تعليماً وصحة وخدمات جيدة، هناك صناعة ترفيه جيدة، ولا تضارب بين الأمرين.
ولا يمكنك تحميل صناع المواد الترفيهية مسؤولية فشلك أو خوفك أو تقاعسك عن الضغط على حكامك لتوفير خدمات جيدة لك ولعائلتك، ووفق التجربة في دول عدة، فإن أموال الترفيه لو تم توفيرها فلن تنفق على التعليم أو الصحة وإنما على التسليح، أو تضيع في دوامة الفساد.
وبعيداً عن قصة المال التي تستهوي كثيرين، كون أغلب الشعوب العربية فقيرة، أو تعاني من الفساد الحكومي، فإن الحديث عن جودة الأعمال وضرورة ضبط الرسائل التي تبثها هو نوع من الترف أيضاً.
يصدق الجمهور العربي الكثير من الأكاذيب الواضحة التي تصبها الحكومات عبر وسائل الإعلام في عقله يومياً، وهو يهرب من البرامج الجادة إلى البرامج الساخرة عادة، وينحاز إلى مواقف عبثية تحت ضغط القبيلة والطائفة والجنسية، ويكره كل دعاة التغيير والحرية بل وأحياًنا يحرض عليهم أو يتجاوز إلى الاعتداء اللفظي والجسدي عليهم، ثم تجد نفس الشخص في شهر رمضان من كل عام يتحدث عن محتوى البرامج والمسلسلات بحدة تليق بمعارض أو ثائر أو مثقف موسوعي.
ونفس الشخص الذي يهلل لمسلسل ينافق نظام بلاده رغم كل ما فيه من أكاذيب أو تضليل، تجده يهاجم مسلسلا آخر يمجد نظام بلد يختلف مع هذا النظام، وهو نفسه يروج لضيف برنامج ينتقد نظاماً معادياً، وفي اليوم التالي إن استضاف نفس البرنامج ضيفاً ينتقد نظام بلاده تجده يتهم البرنامج ومقدمه وصناعه والقناة التي تقدمه بالخيانة أو العمالة والإرهاب، إلى غير ذلك من التهم المعلبة المكررة.
ويروج بعض أن المنتجين يقصدون إفساد شهر الصيام على الصائمين، على الرغم من أن القصة بسيطة. أنت المسؤول، فجهاز التلفزيون يعمل بأداة صغيرة تسمى "ريموت كنترول"، تمكنك بسهولة من التخلص مما لا يعجبك، على حد قول سيئ الذكر، صفوت الشريف، وزير الإعلام المصري السابق، فبإمكانك المداومة على مشاهدة القنوات الدينية، أو القنوات الرياضية بدلاً من القنوات الترفيهية، وبإمكانك دائما أن تحمل التلفزيون من مكانه وتدسه تحت السرير أو أعلى الدولاب طوال الشهر الفضيل.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأربعاء، 31 مايو 2017

توماس فريدمان يكتب: إمارات ترامب الأميركية المتحدة




ترجمة: هاف بوست عربي

شبَّه الكاتب الأميركي، الحاصل على 3 جوائز بولتيزر، توماس فريدمان، الولايات المتحدة الأميركية في عهد ترامب، بالإمارات العربية المتحدة، معتبراً أن ما يفعله الرئيس الأميركي لا يختلف عما يقوم به الأمراء والملوك في الدول العربية.

وقال فريدمان في مقال له بصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية الأربعاء 31 مايو/أيار 2017، إن سياسة ترامب الخارجية أحدثت شرخاً كبيراً في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وأفقدت الولايات المتحدة بعض حلفائها الأوروبيين المؤمنين بالقيم الأميركية وأشعرتهم بأن الدفاع الأميركي عنهم أصبح من الماضي، بحسب تعبيره.

وأضاف فريدمان: “فقد تشكك حلفاؤنا الأوروبيون في التزام أميركا بأمنهم ضد روسيا، وبالقيم المشتركة في التجارة والتغيُّر المناخي، لدرجة أنَّه دفع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى إخبار مواطنيها بأنَّ الأيام التي كانت تعتمد فيها أوروبا على الأميركيين (قد ولَّت بدرجةٍ معينة، ولذا فإنَّه يجب على ألمانيا وحلفائها الأوروبيين حقاً أن يُمسكوا بزمام مصيرهم في أيديهم)”.

واعتبر الكاتب الأميركي أن هذا الأمر يعد سابقة لم تحدث في تاريخ الولايات المتحدة، “ولم يسبق لرئيسٍ أميركي من قبلُ أبداً أن أحدث شرخاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أولى جولاته. إنَّ ما فعله ترامب تاريخي”.

ولفت فريدمان إلى أن ميركل هي أول زعيمةٍ كبيرة تتحدَّث بصوتٍ عالٍ عمَّا يُدركه كل حليفٍ للولايات المتحدة الآن: أميركا تخضع لإدارةٍ جديدة.

وأشار الكاتب الأميركي إلى أن “من هي أميركا اليوم؟”. كان السؤال الذي سُئِلَه بشكل متكرر في عدد من زيارته.

وأجاب فريدمان بأن أميركا الجديدة هي: ليست الولايات المتحدة الأميركية بعد من الآن. "إنَّنا UAE الإمارة الأميركية المتحدة الجديدة".

وبحسب مقال فريدمان، فإن إجابته بأن بلاده أصبحت الإمارة المتحدة الجديدة؛ لأن “لدينا أميراً، اسمه دونالد. ولدينا ولي عهد، اسمه غاريد. ولدينا وليةٌ للعهد، اسمها إيفانكا. ولدينا مجلس شورى (الكونغرس) يُصدِّق على أيٍّ كان ما يريده الأمير. ومثل أي نظامٍ ملكي جيد، لا ترى عائلتنا المالِكة أي تضاربٍ في المصالح بين أعمالها الشخصية وأعمال الدولة”.

وتابع فريدمان أنَّ “أية أفكارٍ كينيدية (نسبةً إلى الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي) عالِقة يجب أن تُبدَّد. فلتعلم كل دولةٍ، سواء كانت تريدنا أقوياء أو مُعتلّين، أنَّنا يجب ألا ندفع أي ثمن، وألّا نتحمَّل أي مشقّة، وألا نلاقي أي صعوبة، وألا ندعم أي صديق، وألّا نعارض أي خصمٍ لضمان نجاح الحرية- إلا إذا دُفِع لنا مُقدَّماً. ونحن نقبل الدفع في صورة أموالٍ نقدية، أو شيكات، أو ذهب، أو بطاقات ائتمان، أو تحويلاتٍ مصرفية، أو عملات البتكوين الإلكترونية، أو عُضوياتٍ في منتجع مار آلاغو”.

ويرى الكاتب الأميركي أنَّ “مبدأ ترامب بسيطٌ للغاية؛ وهو أن هناك 4 تهديدات فقط في العالم: الإرهابيون، والمهاجرون، والمُصدِّرون والمُستوردون، وكوريا الشمالية. ولم تعد التهديدات التي تواجه الديمقراطية على قائمة التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة بعد الآن. ولذا، لا يهم مدى بغضك كزعيمٍ أجنبي.

الشروط الستة

واعتبر فريدمان أن بإمكان أي دولة أن تكون أفضل أصدقاء الإمارة الأميركية المتحدة إذا توافرت فيها 6 شروط؛ وهي:

1. إذا دفعت لنا الأموال عن طريق شراء أسلحتنا. ومع ذلك، فإنَّى أُحذِّرك أنَّ السعودية قد رفعت السقف كثيراً، ويبدأ من 110 مليارات دولار.

2. إذا دفعت لنا عن طريق إنفاقٍ دفاعي أعلى بالنسبة لدول الناتو- ليس من أجل ردع روسيا، التي تستخدم الحرب الإلكترونية للتشويش على كل انتخاباتٍ ديمقراطية يمكنها التشويش عليها، ولكن من أجل ردع “الإرهاب”، وهو الشيء الذي تصبح الدبابات والطائرات عديمة الفائدة أمامه.

3. إذا دفعت لنا عن طريق تنازلاتٍ تجارية. ولا يهم بكم تُقدَّر تلك التنازلات. كل ما يهم هو أن يكون بمقدور الأمير ترامب أن يعلن حصوله على “تنازلات”. ولتنظر إلى “التنازلات التجارية” الأخيرة التي حصل عليها ترامب من الصين. 

4. إذا دفعت لنا عن طريق تحرير أي مواطنٍ أميركي اعتقلته باتهاماتٍ مُلفَّقة نكايةً في باراك أوباما ولترهيب نشطاء حقوق الإنسان. ولتنظر إلى إطلاق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سراح عاملة الإغاثة الأميركية المصرية آية حجازي، التي كانت تعمل مع الأطفال المُشرَّدين.

5. إذا دفعت لنا عن طريق تملُّق أميرنا وإخباره كم أنَّه أفضل من أوباما. ولتنظر إلى الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

6. إذا كنت روسيا ولا تدفع لنا أي شيء.


كانت هذه الشروط التي اعتبرها فريدمان الآن تهم الرئيس الأميركي وليس أي شيء آخر.

وقال فريدمان: “إنه إذا قمت بأي واحدٍ من تلك الأشياء الستة، فإنَّ الإمارة الأميركية المتحدة ستلتزم لك، وهو التزامٌ صارِم، بأنَّك تستطيع فعل أي شيءٍ تريده (في المقابل). فيمكنك حرمان شعبك من أي حقوق إنسانٍ ترغب في حرمانهم منها في المقابل”.

وأضاف الكاتب الأميركي: “يمكنك أن تكون فاسِداً بقدر ما تشاء في المقابل. ويمكنك الغش والفوز في أي عددٍ ترغب فيه من الانتخابات في المقابل. فقط، احرص على استمرار مشتروات الأسلحة، وزيادة المستحقات المدفوعة في الناتو، وتدفُّق التنازلات التجارية الزائفة، ووفرة المجاملات، أو ببساطة كُن فلاديمير بوتين وسيسير كل شيءٍ على ما يرام”.


هل أنا قاسٍ للغاية؟

وتساءل فريدمان: “هل أنا قاسٍ للغاية؟” فأجاب: “على الإطلاق”.

والسبب في ذلك، بحسب الكتاب الأميركي، “هو أن تكون في كوريا وترى كيف نمت تلك الدولة وخرجت من دائرة الفقر على مدار الـ50 عاماً الماضية عن طريق تبنِّيها قيمنا كافة –لدرجة أنَّها للتو اتَّهمت رئيستها بالفساد بعد احتجاجاتٍ سلمية واسعة (بالشموع) استندت بكاملها إلى نمط الديمقراطية الأميركية– كل ذلك يجعلك تنتحب من مجرد التفكير في أنَّ الشيء الوحيد تقريباً الذي قاله ترامب عن كوريا هو أنَّها (راكبٌ مجاني) على حساب جيشنا (وهو حتى أمرٌ خاطئ) وأنَّها يجب عليها أن تُسدِّد ما عليها”.

واعتبر فريدمان أن “الولايات المتحدة استغرقت عقوداً لتأسيس الحلف الأطلسي، وقد جلب لواشنطن الكثير من المزايا الملموسة وغير الملموسة في صورة أمن، واستقرار، ونمو، وصداقات. وفي الحقيقة، بإمكان ترامب التسبُّب في انهيار ذلك، وليس مجرد إحداث صدعٍ أو شرخٍ فيه”.

واختتم الكاتب الأميركي مقاله قائلاً: “هذا الأسبوع، وللمرة الأولى، رأيت الصور الرسمية التي تُزيِّن مدخل قاعات كل السفارات الأميركية. ويبدو فيها نائب الرئيس، مايك بينس، مبتسماً بحرارة. بينما يبدو ترامب متجهِّماً. وإن كان من تعليقٍ مكتوب على هذه الصورة، لكان ذلك التعليق هو: “اخرج من حديقتي”، وقد يكون أيضاً: “فليعلم كل من يدخل هذه السفارة أنَّنا لا نعقد تحالفاتٍ بعد الآن. إنَّنا فقط نقوم بشراكاتٍ كبيرة محدودة. وبدلاً من ذلك؟ اتصلوا برقم 1–202–456–1414. ستجدون المُشغِّلين في وضع الاستعداد”.

الجمعة، 26 مايو 2017

مشاعل التغيير


عن العربي الجديد

في العمل والعلاقات والهوايات، يبحث الناس عمّا يسهل الوصول إليه أو التعامل معه، لا أحد في المطلق يحب الأمور الخطرة أو صعبة المنال.
البعض يختار مهناً بسيطة ليرتاح من عناء العمل، حتى وإن كانت لا تدرّ عليه المال الكافي أو لا تحقق طموحه، والبعض يكدّون قليلاً، قبل تحميل الأعباء للمساعدين والاكتفاء بجني الأرباح.
والأغلبية يختارون شريكاً يقوم عنهم بالكثير من الأمور التي لا يرغبون في القيام بها بأنفسهم. كثيرات يخترن الثري الذي يوفّر لهن الرفاهية، وأكثرهم يختار الجميلة التي توفر له الدلال، بغض النظر عن كثير من التفاصيل الأكثر أهمية في شريك الحياة.
قلما تجد من يهوى القفز بالمظلات، أو التجوّل في الصحاري أو الغابات، لكن أغلب البشر يعشقون مشاهدة كرة القدم، والأغلب يمارسون تلك الهواية من مقاعدهم المنزلية المريحة، بينما قليلون يمارسون اللعبة، وعندما يلعب بعض الناس فإنهم يختارون الشطرنج أو البلياردو، أو غيرها من الألعاب التي تتطلب مجهوداً عضلياً محدوداً.
حتى في متابعة الأخبار، يكتفي البعض بمصدر أخبار واحد، صحيفة أو موقع إلكتروني أو قناة تلفزيون، هو لا يرغب في بذل جهد للبحث وتحرّي الحقيقة، حتى أن البعض لا يهتم بالأخبار على الإطلاق.
الممارسات الديمقراطية مثل الانتخابات أو العمل الأهلي أو السعي إلى التغيير بالنسبة للبعض مغامرة خطيرة، وهي عند كثيرين شأن هامشي. الناس حول العالم يقبلون على التصويت في الانتخابات بحثاً عن مزيد من الرعاية الصحية وتقليل الضرائب وتحسين التعليم، وإن لم توفر لهم الصناديق تلك الضروريات فإنهم لا يذهبون، إلا إن دفع لهم المرشحون أو أرهبتهم الدولة بالغرامات كما هو الحال في دول العالم الثالث.
لا يلقى العمل بالسياسة إقبالاً حول العالم، والانشغال بتفاصيلها أمر يكرهه أغلب البشر. في العالم الثالث يمكننا اعتبار العمل بالسياسة إقداماً على الانتحار، إلا بالنسبة لمن يعملون مع النظام الحاكم، أو على الأقل يدورون في فلكه.
الانشغال بالسياسة لا يخطر ببال أغلب أفراد الشعوب الفقيرة، فهؤلاء منشغلون بتوفير لقمة العيش لعائلاتهم. من ينشغل بالسياسة في الدول التي يحكمها الطغاة والمستبدون مصيره على الأغلب الموت، أو السجن إن حالفه الحظ. رغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن قلة من البشر يخالفون تلك العادات المستقرة، وهؤلاء تنظر إليهم الأغلبية باعتبارهم ثلة من المجانين وتعتبرهم الأنظمة مارقين، وبعض الساعين إلى الحرية يكونون ضحايا من يطالبون بحقوقهم في العيش الكريم.

تلك الأقلية المتحررة تحمل وحدها مشاعل التغيير.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 22 مايو 2017

جون برجر: جثمان جيفارا... صورة للإمبريالية




نقلا عن مُدام


الثّلاثاء 10 أكتوبر 1967. في هذا اليوم بُثّت للعالَم صورة بغرض إثبات موت جيفارا، الذي قُتل يوم الأحد الأخير من هذا التّاريخ في مواجهةٍ مسلّحة بين فصيلتين للجيش البوليفيّ ومجموعة فدائيّين (غِريلّاز) وقعت في ضّفة نهر ريو غراندي الشّماليّة، بالقرب من قرية نائية في الأدغال تُدعى هيغوراس، والتي نالت لاحقًا مكافأة الجائزة المُعلنة للقبض على جيفارا. أمّا صورة الجثّة، فالتُقطت في إسطبلٍ في بلدة صغيرة تُدعى فالي غراندي، حيث وُضعت الجثّة على حمّالة رُفعت على مِذْوَدٍ إسمنتيّ.
أصبح تشي جيفارا خلال العامين السّابقين [للعام 1967] أسطوريًّا؛ لأنّ أحدًا لم يستطع الجزم حول مكان تواجده أو تقديم أدلّة قاطعة بأنْ قد رآه، لكنّ وجودَه كان مُستحضَرًا ومرجوًّا على الدّوام. وفي بادئة بيانه الأخير 2، الذي أرسله من قاعدة غِريلّا ما في مكان مجهولٍ إلى منظّمة تضامن القارّات الثّلاثة في هافانا؛ اقتبس تشي عن شاعر القرن التّاسع عشر الثّوريّ خوسيه مارتي قولَه: «لقد حانَ وقت [إشعال] التّنانير وعلينا ألّا نرى سوى الضّوء»، وبإعلانه هذا الضّوء، أصبح جيفارا كما لو أنّه خفيٌّ ولكن موجودٌ في كلّ مكان.
هو ميْتٌ الآن. كانت نسبة احتمالات نجاته من الموت معاكسةً لقوّة أسطورته التي كان لا بدّ لهم أن يسمّروها. «إذا كان إرنستو تشي جيفارا قد قُتل حقًّا في بوليفيا، وهو ما يبدو مرجّحًا، فإنّ تشي الأسطورة والرّجل يرقدان الآنَ معًا تحت الثّرى»، عقّبت النّيويورك تايمز على موته.
نحنُ نجهل المُلابَسات التي قادت إلى موت جيفارا، لكنّ لنا أن نتصوّر عقليّة أولئك الذين وقعت جثّته بين أيديهم. قاموا أوّلًا بإخفائها، ثمّ أظهَروها علنًا. ثمّ واروها التّراب في مكانٍ مجهول. ثمّ أخرَجوها من القبر. ثمّ أحرَقوها من بعد أن بَتروا أصابع اليد؛ من أجل إثبات الهُويّة لاحقًا. ولعلّ هذا يشير إلى شكوكهم حول أنّ من قتلوه لم يكن جيفارا بالفعل، أو لربّما لم تكن لديهم أيُّ شكوك، لكنّهم ببساطة هابوا الجثّة. أنا أرجّح الاحتمال الأخير.
​كانت الغايةُ وراءَ نشر الصّورة في 10 أكتوبر حسمَ نهاية الأسطورة، ولكنّ وَقْعها قد اختلف في نفس من رآها من النّاس؛ ما هو المعنى المنشود من وراء هذه الصّورة؟ وما الذي تعنيه الآن على وجه الضّبط وبجلاء؟ أسمح لنفسي متوخّيًا الحذرَ أن أفسّرها كما أراها من منظوري الشّخصيّ.

​أجدُ تماثلًا بين هذه الصّورة الفوتوغرافيّة وبين لوحةٍ لرامبرانت عنوانها «درس التّشريح مع الدّكتور نيكولاس تُولب»، حيث يتّخد الكولونيل البوليفيّ ببزّته العسكريّة النّظيفة ومنديله الذي يغطّي أنفه موضعَ الدّكتور، أمّا الرّجلان إلى يمين الكولونيل فيحدّقان إلى الجثّة بانفعال ولكن دون اهتمام شخصيّ، تمامًا كما يحدّق الدّكتوران الأكثَر قربًا من دكتور تُولب إلى جثّة التّشريح في لوحة رامبرانت. رغم أنّ عدد الرّجال في اللّوحة يفوقُ عدد الظّاهرين في الصّورة الفوتوغرافيّة، إلّا أنّ هذا لا ينفي وجود أشخاص خارج مجال الصّورة الملتقَطة في إسطبل فالي غراندي، ويُلاحظ شَبَهٌ أيضًا في موضع الجثّة مقارنة بالأشخاص المتحلّقين حولها، والسّكون المخيِّم في الصّورة واللّوحة.




على هذا ألّا يفاجئنا، فكلتا الصّورتين تؤدّيان نفس الوظيفة، أيْ، عَرْضٌ لجثّةٍ يجري فحصها ومعاينتها. بل إنّهما تحاولان صياغة نموذج عن الموتى: الأولى بُغية تقدّم الطّب، والثّانية كتحذير سياسيّ. نحن نعلم أنّ آلاف الصّور تُلتَقط للموتى والقتلى، لكنّ هدف التقاطها قلّما يكون قد مُنهج لتِبيان شيءٍ ما، فنرى أنّ دكتور تُولب يبيّن النّسيج العضليّ لليدِ وما يشرحه ينطبق على أيّ يدٍ بشريّة، والكولونيل الذي يغطّي أنفه بمنديلٍ يبيّن المصير النّهائيّ للقائد الفدائيّ «سيّء السّمعة» باعتباره قدرًا حتميًّا، ويقصد فيما يُومئ إليه أن ينطبقَ على كلّ مقاتلِ غِريلّا (فدائيّ) في هذه القارّة [أمريكا اللّاتينيّة].
​استعدتُ في ذاكرتي صورةً أخرى وهي لوحة المسيح الميت لمانتينيا 3 المتواجدة الآن في صالة العرض بريرا في ميلانو. يُرى الجسد من نفس الارتفاع، ولكن من جهة باطن القدمين بدلًا من زاوية جانبيّة للجسد الممتدّ؛ تتماثل وضعيّة اليدين، وتنحني الأصابع بحركة مطابقة. أمّا قطعة القماش المنسدلة والتي تغطّي القسم السّفليّ من الجسد فمتجعدّةٌ وملقاةٌ على نحو يشبه ما هو عليه البنطال الأخضر الزّيتيّ، المبتلّ بالدّماء الطّريّة، غير المزرّر الذي يرتديه جيفارا. الرّأس مرفوع بنفس الزّاوية. الفم فاتر التّعبير على الحالة ذاتها. لقد أُغمضت عينا المسيح، لأنّنا نرى بجانبه نادبَين اثنين، أمّا عينا جيفارا فمفتوحتان، لأنْ لا نادبين حولَه: يصطفّ هناك الكولونيل مع منديله
وعُنصر استخبارات أمريكيّ وعدد من الجنود البوليفيّين وصحافيّون.
مرّة أخرى، إنّ وجه الشّبه ليس مدعاةً للاستغراب. لا نجد الكثير من الطّرق لعرض الميّت المجرم في كفنه.
مع ذلك، يتجاوز التّشابه هذه المرّة ما هو إيمائيّ أو وظيفيّ. إنّ المشاعر التي رافقتني عندما باغتتني الصّورة في الصّفحة الأولى لصحيفة المساء قريبةٌ أشدّ القرب – أقول هذا بافتراضي سلفًا ومستعينًا بالخيال التّاريخيّ – من ردّة الفعل التي قد تنتاب أيّ مؤمن معاصر عند مصادفته للوحة مانتينيا. إنّ صلاحيّة الصّورة الفوتوغرافيّة قصيرة الأجل نسبيًّا. عندما أعاين الصّورة الآن، لا يسعني إلّا أن أشيّد مشاعري المتفكّكة من جديد. جيفارا لم يكن المسيح. إذا حصل ورأيت لوحة مانتينيا مرّة ثانية في ميلانو، لا بدّ أن يتمثّل لي جسد جيفارا في اللّوحة. ولكن هذا يعود إلى أنّه في بعض الحالات الاستثنائيّة تُتمّم مأساةُ موت إنسانٍ معنى حياته بأكملها وتجسّده ببلاغة. أُدْرِكُ تمامًا أنّ هذه هي الحال بخصوص جيفارا، كما أَدْرَكَ الرّسامون ذلك بخصوص المسيح في الماضي. هذا هو مقدار التّجانس العاطفيّ.
​إنّ الخطأ الذي ارتكبه عدد كبير من المعقّبين على موت جيفارا يكمن في اعتقادهم أنّ شخصه اقتصر على تمثيل براعةٍ عسكريّة أو استراتيجيّة ثوريّة ما فحسب. لذلك نراهم يتحدّثون عن إخفاقٍ وهزيمة. لست في ذلك المقام الذي يؤهّلني لتقييم أثر الفقدان الذي قد يُلحقه موت جيفارا بالحركة الثّوريّة في أمريكا الجنوبيّة. ولكن دون أدنى شكّ، مثّل جيفارا وسيمثّل ما هو أكبر من تفاصيل خططه؛ لقد مثّل قرارًا، مثّل نتيجةً.
فهم جيفارا أنّ حالة الدّنيا الرّاهنة لا تطاق؛ فقد تحوّل العالم إلى وضعه هذا مؤخّرًا فقط. إنّ الظّروف التي عاش في ظلّها ثلثا البشر في السّابق كانت مشابهة تقريبًا لما هي عليه الآن. كان نطاق الاستغلال والاستعباد بنفس الفداحة الذّي هو عليها الآن. والمعاناة التي تنطوي عليها تلك الظّروف كانت مستشرية ودارجة بنفس المقدار، والحرمان كما الآن جسيم. لم يكن السّبب وراء حالة الدّنيا التي لا تُطاق جهلَ مدى الحقيقة الكاملة حول هذه الظّروف – حتّى من قِبَل مَنْ تكبّدوها. لا تكون الحقائق واضحة على الدّوام في الظّروف التي تُنسب إليها؛ قد تأتي الحقائق هذه متأخّرة. وُلدت هذه الفكرة مع النّضال وحروب التّحرير الوطنيّة. في ضوء الحقيقة الوليدة، تغيّر مفهوم الإمبرياليّة. كانت وجهة النّظر حيال مطالبها مختلفة. طالبت الإمبرياليّة في السّابق الحصول على موادَ خامٍ بثمن زهيد، استغلال العمّال والحيازة على السّوق العالميّة؛ أمّا اليوم فهي تطالب ببشريّة لا قيمة لها.
تراءى لجيفارا موته المتصوَّر أثناء صراعه الثّوريّ ضدّ الإمبرياليّة.
«أينما باغتتنا المنيّة، فلتكن ضيفة مرحّبًا بها، بشرط أن يكون هذا – هتاف معركتنا – قد بلغ أذنًا صاغية ويدًا أخرى قد تمتدّ لتستخدم أسلحتنا ورجالًا آخرين يكونون على أُهبة الاستعداد لترتيل التّرنيمة الجنائزيّة برفقة نشيد الرّشّاش المتقطّع وصرخات معارك جديدة نحو حربٍ ونصرٍ».
قدّم له موته المتصوَّر هذا معيارًا يدرك من خلاله كم كانت حياته ستصبح غير محتملةٍ لو أنّه رضي بوضع العالم الذي لا يُطاق وقبله على حالته الرّاهنة، وكذلك جعله يدركُ ضرورة تغيير العالم، وبموجب تلك الرّخصة التي منحها له موته المتصوَّر، استطاع جيفارا أن يحيا بأنفةٍ كما لو كانت من ضرورات العيش.
​إثر خبر موته، سمعتُ أحدهم يقول «لقد كان رمزًا لما للرّجل 4 الواحد من إمكانيّات»، لماذا يُعدّ هذا صحيحًا؟ لأنّه أدرك ما لا يُطاق بالنّسبة لأيّ إنسان ، وتصرّف اعتبارًا لذلك.
​هذا المعيار [موته المتصوَّر] الذي وجد جيفارا نفسَه يعيش وفقًا له، أصبح فجأة أمرًا شَغَلَ العالم وطَمَسَ حياته، فموته المتصوَّر أصبح واقعيًّا، وهذه الواقعيّةُ هي ما تتمحور حولَه الصّورة الفوتوغرافيّة. لقد تلاشت الإمكانيّات، وحلّ مكانها دمٌ ورائحةُ فورمول وحشراتٌ وجراحٌ مهملة على جسد لم يُغتسل وبنطاٌل تعمّه الفوضى، كلّها تفاصيل حميمة لجسد مستسلم في موته، تبدو الآن مُباحةً ومحطّمةً مثل مدينة قُوّضت وسوّيت بالأرض.
لقي جيفارا حتفه بين أعدائه، ومن المرجّح أن يكونوا قد عاملوه حيًّا بطريقة لا تختلف عن تلك التي عاملوا بها جثّته بعد موته. في مُنتهاه، لم يجد جيفارا ما يدعمه سوى تلك القرارات والخيارات التي سَلَكَها في حياته. بهذا تكتمل الدّائرة. سيكون من الصّفاقة السّوقيّة أن ندّعي امتلاكَ أيّ معرفة حول التّجربة التي اختبرها جيفارا تلك اللّحظة أو لربّما ذلك الأبد، إنّ جسده المجرّد من الحياة كما تُظهره تلك الصّورة هو التّقرير الوحيد بين أيدينا، ولكنّنا جميعًا مخوّلون لتتبّع واستنتاجِ منطق الأشياء عند اكتمال الدّائرة، فالحقيقة تنصبُّ الآن في اتّجاهٍ معاكس، إذْ لم يعد موته المتصوّر معيارًا لضرورة تغيير وضع العالم غير المحتمل، إنّما يقظًا لحقيقة موته الفعليّ، يجد الآن في حياته معيارًا يعلّل خياراته. الآن فقط يصبح العالم كما خَبِرَهُ محتملًا بالنّسبة له.
حَدسُ المنطق الأخير هذا [اكتمال الدّائرة]، هو أحد الأشياء التي تمكّن شخصًا ما أو مجموعةً ما من المحاربة والنّضال رغم الضّآلة الفاضحة لإمكانيّات النّصر، إنّه أحد أسرار العامل الأخلاقيّ، الذي تعادل قوّتُه ثلاثةَ أضعاف قوّة السّلاح عندما يقف في مواجهته.

​تُظهر الصّورة لحظةً ما، إنّها اللّحظة التي أصبح فيها جسد جيفارا المُلقى بطريقة مفتعلة، مجرّد غرضٍ للبرهان، وهنا مكمنُ رعبه، ولكنْ ما الذي يَقصد هذا الغرض [الجثّة] أن يبرهن عليه؟ رعبٍ كهذا؟ لا. إنّه في لحظةِ الرّعب هذه، يُقصد له أن يُبرهن على هُويّة جيفارا، وبشكل مزعوم على عبثيّة الثّورة، واستنادًا إلى هذه الغاية بالذّات؛ فإنّ هذه اللّحظة لا تزال قائمةً ولم تُتَجاوَز بعد، فحياة جيفارا وفكرة الثّورة أو حقيقة الثّورة تَستحضر فورًا الإجراءات التي سبقت هذه اللّحظة والتي لا تزال مستمرّة حتّى الآن. لربّما نستطيع أن نفترض نظريًّا أنّ الطّريقة الوحيدة التي كان يمكن أن تتحقّق فيها غاية هؤلاء الذين رتّبوا لهذه الصّورة وفَوّضوا لالتقاطها، هي الحفاظ بشكل مفتعل على وضع العالم كما كان عليه تلك اللّحظة، أي، إيقاف الحياة. فقط باستخدام طريقة كهذه، يصبح إنكار المحتوى الذي قدّمه نموذجُ جيفارا الحيُّ ممكنًا. إنّ الصّورة كما هي عليه إمّا ألّا تعني شيئًا لأنّ المشاهد لا يمتلك أدنى فكرٍة عمّا تنطوي عليه، وإمّا أن يكون معناها نافيًا أو مُقيِّدًا 5 لما تحاول أن تبرهن عليه.
​لقد قارنتُ هذه الصّورة بلوحتين، ذلك لأنّ اللّوحاتِ شكّلت قبل اختراع التّصوير الفوتوغرافيّ الوسيلةَ البصريّةَ الوحيدة لتوثيق كيف رأى الّناس ما رأوه. ولكنّ تأثير الصّورة يختلف بشدّة عن تأثير اللّوحة؛ فاللّوحة، أو تلك النّاجحة على الأقلّ، تشي بالإجراءات التي يستحضرها موضوعُها، ولذا يصبح بإمكاننا اعتبارَ اللّوحة مكتملةً بذاتها إلى حدّ ما.
​أمّا فيما يتعلّق بهذه الصّورة الفوتوغرافيّة فإمّا أن نتجاهلها أو نُكمل معناها. إنّ هذه الصّورة – على غرار ما بمقدور أيّ صورة صامتة أن تفعل – تدعونا لاتّخاذ قرار.
​أكتوبر 1967

​[2]

​دفعتني صورة فوتوغرافيّة أخرى نُشرت مؤخّرًا في الصّحيفة إلى أن أتابع تأمّل موت «تشي» جيفارا.
​حتّى نهاية القرن الثّامن عشر، كان يُعتبر تصوّر المرء لموته نتيجةً مباشرة مرجّحة ناجمة عن اختياره لمسلك أفعاله ومعيارًا لولائه بصفته خادمًا. وقد انطبقت هذه الحقيقة على أيّ كان مهما كانت مكانته الاجتماعيّة أو الامتيازات التي يحظى بها. بينه وبين ما يؤمن به من معاني، تكمن على الدّوام قوّةٌ ما يربطه بها علاقةٌ واحدة ممكنة وهي علاقة التّبعيّة أو الاستعباد. نظريًّا، يمكن اعتبار هذه القوّةَ المصيرَ المحتوم؛ وغالبًا ما يتمّ تجسيد هذا الجبروت من خلال الرّب أو الملك أو السّيّد.
​لذلك، فإنّ الخيارَ الذي يتّخذه المرء (ذاك الخيار الذي تُحتّم نتيجتُه المرتقبة احتماليّةَ موته) غيرُ تامّ ويثير الاستغراب. إنّه خيارٌ يُمنحُ لقوّة عليا من أجل نيل الاعتراف [بوجوده]. يستطيع المرء الحكم على الأمور فقط من خلال القضاء: وأخيرًا، إنّه هو نفسه مَنْ يتعرّض للمحاكمة. وفي مقابل هذه المسؤوليّة المحدودة يحصل على امتيازات، فتتنوّع الفوائد بين اعتراف السّيّد ببسالته لتشمل كذلك نعيم الفردوس. ومع ذلك، يقيم القرار الأخير والفائدة المثلى خارج حدود نفسه وحياته. وبالتّالي، فإنّ الموت، وقد يبدو جازمًا في تعريف النّهاية، هو وسيلةٌ بالنّسبة له [صاحب القرار]، عبرةٌ يخضع لها في سبيل [ترك] أثرٍ ما؛ فالموت كخُرْم الإبرة الذي يَلِجُهُ كخيط رفيع. هذا ما هو عليه نمط بطولته.
لقد أحدثت الثّورة الفرنسيّة تغييرًا في مفهوم البطولة. (فليكن واضحًا أنّني لا أقصد أنواع بسالة بعينها: تكبُّد الألم أو التّعذيب، والعزم على الهجوم أثناء التعرّض للنّار، وسرعة الحركة وخفّتها وصنع القرارات على أرض المعركة، والتّلقائيّة في تقديم العون المتبادَل في ظلّ الخطر – تُحدَّد أنواع البسالة هذه من خلال التّجربة الجسديّة، وربّما لم تطرأ عليها الكثير من التّغييرات مع مرور الوقت؛ أقصد فحسب ذلك الخيار الذي يسبق جميع أنواع البسالة هذه). تقود الثّورةُ الفرنسيّةُ الملكَ لمحاكمته وإدانته.
في الخامسة والعشرين من عمره، يطرح سان جست في خطابه الأوّل في الجمعيّة 6 أنّ المَلَكيّة جريمة، وهذا لأنّ الملك يستولي على سيادة الشّعب بمفرده. «إنّه لمن المستحيل تولّي السّلطة ببراءة: جليٌّ هو الجنون الذي ينطوي عليه الأمر. كلّ ملك هو متمرّد وغاصب في آن». 7
صحيح أنّ سان جست يخدم – بتصوّره الخاصّ – إرادة الشّعب العامّة، ولكنّه اختار القيام بذلك بحريّةٍ لإيمانه أنّ الشّعب يجسّد الصّواب وأنّ جمهوريّتهم تمثّل النّزاهة.
«هنالك ثلاثة أنواع من الأعمال الشّائنة لا يمكن للنّزاهة الجمهوريّة أن تقدّم لها التّنازلات: الأوّل هو الملوك: الثّاني هو خدمة الملوك: والثّالث هو إلقاء الأسلحة بينما لا يزال هناك في مكان ما سيّدٌ وعبد». 8
ليس شائعًا في أيّامنا هذه أن يتصوّر المرءُ موتَه بصفته معيارًا يقيس به ولاءه باعتباره خادمًا لسيّد ما. إنّ موته المتصوّر هو على الأرجح معيارُ توقه للحريّة: دليٌل على الاعتقاد بتحرّره الفرديّ.
بعد مرور عشرين شهرًا على خطابه الأوّل، يُمضي سان جست اللّيلة السّابقة لإعدامه هو في الكتابة على منضدته. لا يقوم بأيّ محاولة فعّالة لتخليص نفسه؛ فقد كتب مسبقًا: «تكون الظّروف قاسية فقط أمام أولئك الذين تقهقروا مبتعدين عن القبر… أحتقر التّراب الذي كوّنني، هذا التّراب الذي يخاطبكم: يستطيع أيًّا كان أن يطارد هذا التّراب ويقضي عليه. ولكنّني أتحدّى أن ينازعني أحد على سلب ما منحته لنفسي، حياةً مستقلّة في سماء القرون». 9
«ما منحته لنفسي». يقيم القرار الأخير الآن في قرارة النّفس ولكنّ هذا ليس كليًّا أو مطلقًا، إذ يبقى هناك بعض الغموض. لم يعد الله موجودًا؛ ولكنّ الكائن الأسمى لروسو موجودٌ لكي يثير البلبلة في المسألة بواسطة المجاز. يتيح المجاز للمرء أن يؤمن بمشاركته في المحاكمة التّاريخيّة لحياته. «حياة مستقلّة في السّماء» هو ما تنطوي عليه المحاكمة التّاريخيّة. هذا بينما يحوم هناك شبح عهد سابق الوجود.
حتّى عندما يصرّح سان جست عكس ذلك – في خطابه الأخير والجريء مدافعًا فيه عن روبسبيار وعن نفسه – يظلّ الغموض: «الشّهرة ضوضاء فارغة. دعونا نصغي بآذاننا إلى القرون التي مضت: لم نعد نسمع شيئًا؛ أولئك الذين سيمرّون من بين جرار رمادنا، 10  في زمن آخر، لن يسمعوا شيئًا بعد الآن. إنّ الخير هو ما يتوجّب علينا السّعي إليه، مهما كان الثّمن، مفضّلين في ذلك لقب البطل الميت على جبان على قيد الحياة». 11
ولكنْ في الحياة، على عكس المسرح، لا يحظى البطل الميت بسماع ما يُنادى به. كثيرًا ما تكون منصّة الثّورة السّياسيّة ذات طابع مسرحيّ ويعود ذلك إلى كونها نموذجيّة يُقتدى بها. يشاهد العالم لكي يتعلّم.
«التفت إلينا المستبدّون في كلّ مكان لأنّنا كنّا نحاكم أحدهم؛ واليوم – مصحوبين بقدرٍ أسعد – نتباحث حول تحرّر العالم، وبدورهم، يشاهدنا أناس الأرض فهم حتمًا إرادة الأرض العظمى». 12
مع ذلك، وعلى الرّغم من حقيقة هذا الأمر، يكمن هناك مغزى، فلسفيٌّ، في طريقة موت سان جست فنجده محصورًا في دوره على «المنصّة». (وقولي هذا لا ينتقص من بسالته).
​منذ الثّورة الفرنسيّة، عصرِ البرجوازيّة، وبين القلائل الذين يتصوّرون موتهم (لا حظوظهم) باعتباره نتيجةً طرديّةً نابعة من قراراتهم المبدئيّة، يتلاشى هذا النّوع من الغموض.
تصبح المواجهةُ شاملةً بين الرّجل الحيّ والعالم كما يلقاه، لا شيء يفلت من [قبضة] هذه المواجهة، فلا يمكن حتّى لمجرّد مبدأ أن يخرجَ عنها. إنّ الموت المتصوَّر لرجل ما هو معيارٌ لرفضه الإذعانَ لما يواجهه، وخلف حدود هذا الرّفض، لا شيءَ يوجد.
كتب الأناركيّ الرّوسيّ فويناروفسكي، الذي قُتل في إلقائه قنبلةً على الأدميرال دوباسوف ما يلي: «دون ارتعاش أيّما عضلة في وجهي، دون نطق كلمة، عليّ أن أصعد منصّة الإعدام، ولن يكون هذا فعلًا عنيفًا أتّخذه بحق نفسي، بل سيأتي نتيجةً طبيعيّةً، على نحوٍ مثاليّ، لكلّ ما مررت به خلال حياتي». 13
لقدّ تراءى له موته على منصّة إعدام – وقد مات العديد من الإرهابيّين الرّوسيّين تمامًا كما وصف – كما لو كانت هذه هي الميتة الطّبيعيّة لشخصٍ عجوز. ما الذي يجعلهُ قادرًا على تصوّر موته؟ لن تكفينا التّفسيرات السّيكولوجيّة للإجابة عن هذا السّؤال. ذلك لأنّ فويناروفيسكي وَجَدَ العالَم في روسيا – والذي يُعتبر شاملًا بما فيه الكفاية ليبدو شبيهًا بالعالم بأسره غيرَ مُحتمل، لا على المستوى الشّخصيّ كما يراه أيّ منتحِر، ولكن وجده غير محتملٍ في حدّ ذاته. موته المتوقّع سيأتي نتيجةً طبيعيّة، على نحو مثاليّ لكلّ ما مرّ به خلال حياته في محاولته لتغيير العالم، لأنّ التّنبؤ بما هو أقلّ من ذلك سيعني أنّه احتملَ ما هو غير محتمل.
في مطلع القرن، هيّأ وضع الأناركيّين الرّوسيّين (لا نظريّتهم السّياسيّة) للوضع الرّاهن بطرقٍ عدّة. إنّ فرقًا صغيرًا يكمن في «عالم روسيا» الذي يبدو شبيهًا بالعالم الكلّيّ. لقد كان هناك خارج حدود روسيا بالمعنى الدّقيق للقول، بديلًا، ولذا، ومن أجل تدمير هذا البديل وجعلِ روسيا بحدّ ذاتها عالمًا، انجرفَ العديد من الأناركيّين نحو نوع من الوطنيّة الرّوحانيّة.
أمّا اليوم فلا يوجد بديل. إنّ العالمَ وِحدةٌ منفردة، وقد أصبحَ غيرَ محتملٍ.
ولكن هل سبق وكان محتملًا أكثر ممّا هو عليه الآن؟ لربما نتساءل، هل مضى وقت كانت فيه المعاناةُ والظّلمُ والاستغلالُ أقلّ؟ لا توجد مفاضلات كهذه. لا بدّ للمرء أن يدرك أنّ صفة العالم غير المحتملة هي إلى حدٍّ ما إنجازٌ تاريخيّ. لم يكن العالم غير محتمل حين كان الله لا يزال موجودًا، وحين كان لا يزال هناك شبحٌ لنظامٍ سابق الوجود، وحين كانت مسالكُ العالم الضّخمة لا تزال مجهولةً، وحين كان لا يزال هناك من يؤمن بالفرق بين ما هو روحيّ وماديّ (وهنا لا يزال العديد من النّاس يجدون حججًا على اعتبار العالم محتملًا)، وحين كان لا يزال هناك من يؤمن بالتّفاوت الطّبيعي لصالح الرّجل.
​تُظهر الصّورة فلّاحةً من جنوب فيتنام في لحظةِ يستجوبها جنديٌّ أمريكيّ. تدفع صُدغَها فوّهةُ بندقيّة، ومن الخلف تشدّ قبضةُ يدٍ شعرَها، وإثر الضّغط الذي تحدثه فوّهة البندقيّة يتغضّنُ الجلد النّاعم في وجهها فيبدو كما لو شاخ قبل أوانه.



لطالما رافقت المجازرُ الحروبَ، ومُورِسَ فيها الاستجواب تحت التّعذيب على مدى قرون من الزّمان، إلّا أنّ المعنى الذي يمكن العثور عليه – حتّى ولو عَبر صورة فوتوغرافيّة – في حياة هذه المرأة، وفي موتها المحتمل الآن، يبقى جديدًا.
سيحمل هذا المعنى كلّ ما هو شخصيّ، وخصوصيّ، ومرئيّ، وقابل للتّخيُّل: شكلَ شعرها المَفروق، وخدَّها المكدوم، وشَفتها السّفلى المعقودة بعض الشيء، واسْمَها وجميع الدّلالات التي يحرزها نسبةً لمن يناديها به، وذكرياتِ طفولتها، وشيمةَ بُغضِها للجنديّ الذي يستجوبها، والهِبات التّي وُلدت معها، وتفاصيلَ جميع مواقف الموت التي نجت منها حتّى الآن، والنّغمةَ التي تنادي بها اسم كلّ من تحبّ من النّاس، وتشخيصَ أيّ داءٍ قد يصيبها ومسبّباته الاجتماعيّة والماديّة، و أيّ شيء يعارض عقلها الحاذق، حتّى فوّهة المسدّس المصوّبة نحو صُدغها. لكنّه أيضًا سيحملُ حقائق كُبرى: لا عنف أشدّ ولا أكثر انتشارًا أو استمرارًا كالذي ألحقتهُ الإمبرياليّة بباقي دول العالم، فإنّ الحرب على فيتنام تُستخدم لمحو مثال الشّعب المتّحد والمقاوم لهذا البطش والذي ينادي باستقلاليّته، وحقيقةُ أنّ الفيتناميين يثبتون أنّ أعظم قوّة إمبرياليّة لا تستطيع قهرهم، دليلٌ على تفوّق الموارد [البشريّة] لشعب من 32 مليون نسمة، بينما في أيّ مكانٍ آخر، مواردُ ألفيّ مليون شخص 14 (التي لا تشمل فقط الماديّات والعمل، بل أيّ حياة أخرى) تُهدَر، ويُساء استعمالها.
يُقال إنّ على الاستغلال أن يزول من هذا العالم، ولكنّه يستشري، ويستمدّ، ويمتدّ، وتطال يدُه الهمجيّةُ الجميع، ويصبح أشدّ وحشيّةً في دفاعه عن حقّه في الاستغلال.
دعونا نستوضح الأمر: ليست الحرب على فيتنام ما هو غيرَ محتمل، بل إنَّ فيتنام تؤكّد على وضع العالم الرّاهن غير المحتمل، وهذا الوضع بصورته هذه يقدّمُ مثالًا للشّعب الذي يمنح الأمل، ولقد أدرك جيفارا ذلك وسار وفقًا له؛ لا يُعتَبر العالم غير محتمل حتّى تبرزَ إمكانيّة تغييره ويجري إنكار هذه الإمكانيّة، فالقُوى الاجتماعيّة القادرة على هذا التّغيير – حتّى ولو بشروطٍ عامّة – مُحددَّة، وقد اختار جيفارا أن يثبت نفسه من خلال هذه القوى، وبفعله هذا لم يكن قد خضع لما يُعرف بقوانين التّاريخ وأحكامه، بل لطبيعة وجوده التّاريخيّة.
لم يعد موتُه المتصوّر معيارًا للتّبعيّة والطّاعة، ولا لنهاية حتميّة لتراجيديا بطوليّة، فقد أُغلق خرم إبرة الموت، ولم يعد هناك ما يمكن أن يَلِجَه، ولا حتّى حُكم تاريخيّ لمستقبلٍ (غير معروف). بعدم مطالبته بما هو خارق، وبتحرّكه وفقًا لما يدركه من أقصى إمكانيّات وعيه، يصبح موته المتصوّر معيارًا للتّكافؤ الذي أصبح من الممكن أن يتحقّق الآن بين الذّات والعالم؛ إنّه معيارٌ لالتزام جيفارا الكامل واستقلاليّته التّامّة.
من المنطقيّ افتراضُ أنَّ رجلًا مثل جيفارا بعد أن كان قد اتّخذ قراره، مرّ بلحظاتٍ أدرك خلالها هذه الحرّيّة، التي تختلف بجوهرها عن أيّ حرّيّة أخرى.

علينا أن نتذكّر هذا وألّا ننسى الألم، والتّضحية، والمتاعب الهائلة التي لطالما كانت حاضرة. ففي رسالةٍ أرسلها لذويه إبّان رحيله عن كوبا، كتَبَ جيفارا: «قوّة إرادتي المتجليّة مع عزيمة الفنّان في داخلي ستدفعُ بأرجُلي الواهنة وستمْلأ رئتيّ المنهَكتين لكي أمضي قُدُمًا». 18



_______________________

1) يخطّ بِرجر مقاله هذا على مرحلتين، الأولى في أكتوبر 1967 والثّانية في يناير 1968، ويتوقّف في كلا المرحلتين عند التّغيّرات والتّحوّلات المختلفة التي طرأت على صورة الإمبرياليّة.
2) ضمّت منظمّةُ تحالف نضالات الشّعوب الآسيويّة والأفريقيّة دولَ أمريكا اللّاتينيّة لاحقًا؛ صدرت عن المنظّمة مجلّة (Tricontinental) حيث نُشر بيان جيفارا المذكور في أوّل عددٍ لها.
3) أندريا مانتينيا هو رسّام ونقّاش إيطاليّ عاش في القرن الخامس عشر للميلاد.
4) ننوّه هنا أنّ الكلمة التي ظهرت في النّصً الأصليّ هي man.
5) الكلمة في النّصّ الأصليّ هي processes.
6) الجمعيّة الوطنيّة لعام 1789.
7) (Saint-Just, Discours et rapports (Paris,1957، ترجمها كاتب هذه المقالة عن الفرنسيّة إلى الإنجليزيّة.
8) المصدر السابق
9) المصدر السابق
10) المقصود urn، وهي الجرار التي يُحفظ فيها رماد الموتى.
11) المصدر السابق
12) المصدر السابق
13) أقتبس في رواية الإنسان المتمرّد لألبير كامي، 1963.
14) عدد سكّان العالم في سنة 1968.
15) إرنستو تشي جيفارا، Le Socialisme et l’homme (باريس: ماسبيرو، 1967)، ص 113 (ترجمة الكاتب).





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية