الثلاثاء، 27 نوفمبر 2018

أكذوبة تعدي الإسلام على حقوق النساء لتبرير #المساواة_في_الميراث


مظاهرات المطالبة بالمساواة في الميراث في تونس


كلما فتح موضوع بين الرجل والمرأة يظهر الجهل العظيم في تبريره. وكأن المقصود هو التهجم على ثوابت الدين الإسلامي وليس الحصول على مزيد من الحقوق للنساء.

مع احترامي للهوانم الفيمنست. لازم تناقشوا القضية من غير تعصب للجنس. ومن غير مزايدات الحقوق المهدرة، والتي باتت كأنها سيف مسلط على رقاب المجتمعات بحجة أن العالم ذكوري.


الأصل أن في المواريث أكثر من 30 حالة ترث فيها النساء مع الرجال. فيها 4 حالات فقط يرث الرجل (مثل حظ الأنثيين)، وفق نص الأية التي يستخدمها المبررين والمغالطين دون إحاطة بالقضية.

مثلا: لو امرأة ماتت عن زوج وبنت. يأخذ الزوج الربع، وترث البنت- الأنثى- النصف، فيكون نصيبها ضعف نصيب الرجل.
مثلا: لو مات رجل عن أولاد ذكور وإناث وأم وأب؛ ترث الأم مثل نصيب الأب.


والحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجلِ (مثل حظ الأنثيين)، أربعة فقط:
إذا وجدت البنت مع الابن وإِن تعددوا.
إذا وجدت الأخت لأب مع الْأخ لأب وإن تعددوا.
إذا وجدت الأخت الشقِيقة مع الأخ الشَقيق وإن تعددوا.
إذا وجدت بنت الابن مع ابن الابن وإن تعددوا.


المشكلة أعمق من ذاك دائما. فلو أن شخصا قرر منح ثروته كلها لأحد الورثة (ذكر أو أنثى) لن يستطيع البقية فعل شيء، ولا قيمة للقوانين لأن الشخص له حرية التصرف في ماله.

قانون المساواة في الميراث مجرد هيصة فارغة. وهو لا يعيد الحقوق كما يزعم من يروجون له. الحقوق تعود فقط بالاهتمام بالتعليم والوعي والأهم القضاء على الفقر.

كثير من الأصدقاء في يكررون أن بلدهم يسبق بقية بلدان العرب في الحريات والمساواة. ربما لديهم بعض الحق. لكن الواقع أنه لا فارق كبير بين تونس وبقية بلدان العرب في مستويات الفقر والجهل والبطالة والظلم. وكل هذا مسؤولية الحكام. وعلى الشعوب الضغط على حكامهم للحصول على الحقوق. ربما في تونس يستطيع الشعب فعل ذلك أكثر من بقية البلدان.

الخلاصة: تكرار أن النساء مظلومات أو محرومات بسبب قواعد الميراث في الإسلام هو محض كذب صريح في موضوع تم قتله بحثا لقرون، إذ إن هناك أكثر من 10 حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل. وحالات ترث فيها المرأة مثل نصيب الرجل. وحالات ترث فيها المرأة ولا يرث فيها نظيرها من الرجال.

كل هذا فى مقابل أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 19 نوفمبر 2018

بن سلمان في مذكرات محمد عبده


عرفت بلاد العرب مظاهر ترويج متماثلة لحكام جدد بشرنا المروجون لهم كذبا، بأنهم سيغيرون وجه الحياة إلى الأفضل، وسينقلون البلاد والعباد من عقود طويلة من الاستبداد والفساد إلى المستقبل، ثم لم نلبث أن اكتشفنا أن الحاكم الجديد ليس إلا نسخة أسوأ من سابقيه. تكرر هذا مع بشار الأسد في سورية، ولم يكتمل مع جمال مبارك في مصر، لكنه ينطبق حاليا بالكلية على ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، والذي وصفه فريق الترويج بأنه سيجدد وجه البلاد المتأخرة في مناح عدة عن كثير مما يعرفه العالم، خصوصا في مجالات الحقوق والحريات. لكن، وعلى غرار بشار الأسد، فإن الأمير الشاب الذي لا يمتلك من مقومات الحكم إلا كونه ابن الملك، أوقع البلاد في مشكلات ضخمة لم تشهدها في تاريخها القصير، رغم أنه لم يحكم رسميا بعد. ذكرتني أفعال بن سلمان بمقال ورد في مذكرات الإمام محمد عبده (1849- 1905)، رداً على إعلان الخديوي عباس حلمي الثاني الاحتفال بمرور مائة عام على حكم أسرته لمصر. كتب الإمام: "كانت البلاد تنتظر أن يشرق نور مدنية يضيء لأهلها طرقهم في سيرهم لبلوغ آمالهم، أو كانت تنتظر أن يأتي أمير عالم بصير فيضم العناصر الحية بعضها إلى بعض، ويؤلف منها أمة تحكمها حكومة منها. فما الذي صنعه؟ لم يستطع أن يحيي ولكن استطاع أن يميت، وأجهز على ما بقي في البلاد من حياة أنفس بعض أفرادها، فلم يبق في البلاد رأساً يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه، أو نفاه". وأضاف: "أخذ يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى. حتى انحط الكرام وساد اللئام، ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال بأية طريقة وعلى أي وجه، فمحق بذلك جميع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي لتصير البلاد جميعها إقطاعاً واحداً له، على أثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدة". وسأل محمد عبده: "هل فكر في بناء التربية على قاعدة من الدين أو الأدب؟ هل خطر في باله أن يجعل للأهالي رأياً في الحكومة؟ هل توجهت نفسه لوضع حكومة قانونية منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل؟". ولم ينس التعريج على شيوخ السلطان، فقال عن خضوعهم للحاكم: "وقصارى أمره في الدين أنه كان يستميل بعض العلماء بالخُلَعْ، أو إجلاسهم على الموائد؛ لينفي من يريد منهم إذا اقتضت الحال ذلك، وأفاضل العلماء كانوا عليه في سخط ماتوا عليه". ولا يمكننا في هذا المقام تجاهل المصير الذي انتهى إليه الخديوي عباس، إذ عزله الاحتلال الإنكليزي من الحكم في 19 ديسمبر 1914، ليكون آخر خديوي لمصر والسودان. فهل سيكون هذا نفس مصير محمد بن سلمان؟



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأربعاء، 14 نوفمبر 2018

حرب ماري كولفين الشخصية... فيلم إنساني عن حروب دموية




يكشف فيلم "حرب شخصية" (A Private War) عن جوانب مختلفة في حياة الصحافية الأميركية الراحلة ماري كولفين، ليست بالضرورة جوانب خفية، وإنما تفاصيل ووقائع لا يعرفها القارئ العادي لتقاريرها المتميزة من المناطق المشتعلة حول العالم في صحيفة "صنداي تايمز" اللندنية.


يستعرض الفيلم الذي يعرض حاليا، بحرفية فنية ملحوظة مدى قسوة تكرار معاينة أو العيش في مناطق العنف والقتل على حياة البشر، وكيف أن من جربوا الأمر مرة، أو مرات، تتغير حياتهم بالكلية، وأحيانا دون أن يشعروا هم أنفسهم بحجم هذا التغير.

روت ماري كولفين بأسلوبها المتميز تفاصيل مروعة عن وقائع عدة حروب، وكانت أول من كشف عن المقابر الجماعية لضحايا نظام صدام حسين في العراق، وأجرت حوارات مع قادة "نمور التاميل" المعارضة في سريلانكا خلال فترة احتدام الصراع، وهناك فقدت عينها اليسرى بعد انفجار قذيفة بالقرب منها خلال محاولتها التنقل بصحبة المقاتلين.
 لاحقا، انتقلت مع تفجر ثورات الربيع العربي إلى الشرق الأوسط، وكانت موجودة في ميدان التحرير يوم 28 يناير/كانون الثاني 2011، والمعروف إعلاميا باسم "جمعة الغضب"، ولاحقا كانت في ليبيا خلال تفجر الثورة ضد نظام حكم العقيد معمر القذافي، وأجرت حوارا صريحا مع القذافي شخصيا، وقالت لاحقا إنه كان يغازلها بشكل فج، وكانت شاهدا على مقتله على أيدي الثوار في أكتوبر/تشرين الأول 2011.





انتقلت بعدها إلى سورية، وعاشت مع مقاتلي الجيش الحر، ونقلت تفاصيل الجرائم والمجازر هناك، وكانت ضمن أصوات إعلامية قليلة تنقل الأحداث من على الأرض، وهناك لقيت حتفها في حمص في فبراير/شباط 2011 بعد استهداف المخبأ الذي كانت فيه مع آخرين.
استغل الفيلم تلك الجولات الصحافية في المناطق الساخنة لتسليط الضوء على شخصية كولفين، التي قامت بدورها الممثلة روزاموند بايك، والتغيرات التي طرأت على حياتها وطريقة تفكيرها. فالصحافية الأميركية المقيمة لسنوات في لندن تحولت مهنتها الخطرة إلى نوع من العشق المرضي، فهي لا ترتاح إلا بعد الوصول إلى أبعد مدى ممكن على جبهات القتال، ولا تعترف بالخطر مهما اقترب، وتستخدم كل ما تعرفه من مهارات، وكل ما تمتلكه من خبرات للوصول إلى التفاصيل والمعلومات التي تبني عليها تقاريرها إلى صحيفتها.





يحفل الفيلم بأصوات الرصاص والانفجارات والمطاردات، ومحاولات النجاة من الموت، لكن مخرجه ماثيو هاينمان ضمنه مزيجا من العلاقات الإنسانية المتشابكة والمتقاطعة التي تخبر الكثير عن شخصية البطلة المعقدة، فعلاقتها الغامضة بأبيها وغياب أمها عن حياتها لفترات طويلة كانت أحد أسباب شخصيتها الغريبة عن محيطها، ثم علاقتها المتوترة بزوجها صاحب العلاقات النسائية التي يبررها بانشغالها الدائم في عملها.
لا يمكن إنكار أن كل تلك الأمور كان لها تأثيرات واضحة على حياة كولفين، لكن القتل والدمار الذي عاشته كمراسلة حربية، والقصص المأساوية التي شاهدتها خلال عملها كان لها تأثير أكبر في جنوحها نحو ما يمكن أن نسميه إدمان الخطر.
المشاهد التي تلت اكتشافها فقدان عينها اليسرى في سريلانكا، كانت معبرة عن مدى قسوة حياتها، وقد أتاح المخرج مساحة جيدة لاستعراض تلك الفترة الحرجة في حياتها، والتي كانت تحاول فيها جاهدة استعادة قدرتها على العمل، أو بالأحرى الحياة، رغم بعض لحظات اليأس الواضحة.

خلال نقاش مع مدير تحرير الصحيفة اتهمته بتعمد البقاء في مكتبه الهادئ بينما تواصل هي وزملاؤها التواجد في مناطق الحروب والصراعات، فيما الرجل نفسه في مشهد آخر، كان يرجوها العودة إلى لندن فورا حرصا على سلامتها، فترفض بعناد.

اعتمد الفيلم بالأساس على سيرة ذاتية طويلة نشرتها مجلة "ماي فير" بعد 6 أشهر فقط على مقتل كولفين في 2012، وإن لم تستغرق مساحة رحلتها الأخيرة إلى حمص حيزا واسعا من أحداث الفيلم، إلا أنها كانت كافية لإظهار طبيعة مرحلة الإصرار على البقاء في المنطقة المشتعلة، حتى لو كلفها ذلك حياتها.

يحذرها المقاتلون الذين ترافقهم من الاتصال بالإنترنت عبر الهاتف حتى لا يتم كشف مكان مخبئهم، لكنها كادت ترتكب تلك الغلطة الفادحة حرصا على إرسال أحدث تقاريرها، لولا أن استوقفها في اللحظة الأخيرة مصورها الذي كان حاضرا لحظة وفاتها.

في مشهد آخر يطلب من الجميع مغادرة المخبأ بعد وصول معلومات حول قرب استهداف النظام السوري له، فتخرج مهرولة مع الآخرين، وفي منتصف طريق الهرب تقرر العودة مجددا لأنها ستشعر بخزي كبير إن هربت تاركة خلفها مئات النساء والأطفال الذين يحتاجون إلى جهودها في فضح جرائم النظام، والتي ربما تمنحهم فرصة أطول للبقاء على قيد الحياة.

جسدت روزاموند بايك الدور بصورة استثنائية، فتدربت لشهور على تقمص الشخصية، بل إنها تدربت على الوصول إلى طبقة صوتها الأجش المميزة، وربما ساعدها على ذلك كون كولفين شخصية معروفة يسهل الحصول على لقطات فيديو لها في مناسبات مختلفة بما يمكن الممثل من دراسة تفاصيل الشخصية وانفعالاتها، وحتى حركة اليدين وطريقة المشي وغيرها.

وعلى خلاف كثير من الأفلام الأجنبية التي تتناول أحداثا جرت في المنطقة العربية، استعان المخرج ماثيو هاينمان بممثلين عرب، وظهرت اللهجات المحلية في المشاهد التي تدور في العراق وفي ليبيا وفي سورية، فالممثل العراقي رعد الراوي جسد شخصية العقيد الليبي معمر القذافي، والممثل المصري فادي السيد قام بدور المترجم والمرافق العراقي للبطلة، والأردني وسام طبيلة جسد دور منسق الصحافة الأجنبية في سورية، لكن ثلاثتهم كأمثلة، كانوا يجيدون لهجة الشخصية التي يقدمونها.



كانت ماري كولفين صحافية مميزة بكل المقاييس، وقد قدم الفيلم ذلك بشكل واضح. لكن المخرج لم ينغمس في الاهتمام بشخصية البطلة وحدها متجاهلا الشخصيات الأخرى، إذ ظهر في الفيلم العديد من القصص الإنسانية التي تم تقديمها بما تستحقه من اهتمام، مثل ردود فعل النساء العراقيات حين استخراج الجثث من المقبرة الجماعية، وحكايات النساء السوريات المحاصرات في حمص اللاتي نقلت كولفين قصصهن المأساوية في تقاريرها التي سلطت الضوء على جرائم كان يراد أن لا يسمع بها العالم.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 10 نوفمبر 2018

نقاب وبكيني

في أواخر 2012، جمعني نقاش جاد بصديقة سابقة حول أسباب رفضها لبقاء الرئيس المنتخب الذي كان يحاول حكم مصر وقتها محمد مرسي، كنت متفقا مع ضرورة معارضته، لكني لم أكن حينها أفهم مبررات الكراهية، خصوصا وأننا كنا بعد الثورة  نحاول التخلص من ميراث طويل من الضغائن المتبادلة الذي زرعه في المجتمع النظام السابق.
تجادلنا حول المشكلات، فلم تستطع أن تقنعني بأي تبرير، لا سياسيا ولا اقتصاديا، إذ كانت كل مبرراتها تمييزية.
كانت ترى نفسها أكثر حداثة من أفراد الجماعة التي ينتمي إليها مرسي، وأن مظهر وملابس زوجته، وزوجات وأبناء مساعديه لا تشبه مظهرها ولا ملابسها، وبينما هي تحب لحية بعض الرجال، إلا أنها تكره تلك "اللحية الإخوانية" كما أسمتها.
واجهتها بما في انتقاداتها من استعلاء وعنصرية، ففاجئتني بمبرر جديد صاعق؛ قالت: هؤلاء سيمنعونني وغيري من ارتداء (البكيني)، فهل ترضى أنت بهذا! ألا تحب أن تشاهدني بالبكيني؟.
عندها توقفت عن النقاش تماما، إذ كنت مقتنعا وقتها، أن غضبها نابع من كراهية مفرطة لمحاولات دمج الملتزمون، أو المتزمتون دينيا في المجتمع، لكني اكتشفت لاحقا علاقتها بأجهزة أمنية كانت مسؤولة عن تدبير الانقلاب على الثورة بزعم التخلص من حكم الإخوان، واستعادة الجيش السيطرة على الحكم في البلاد.
تذكرت هذا النقاش مؤخرا مع عودة تفجر الحديث حول حظر ارتداء النقاب في مصر، وسعي نائبة مجهولة مع نائب محسوب على الأجهزة الأمنية إلى استصدار قانون بحظر ارتداءه من البرلمان، بزعم أنه إخفاء وجه المرأة يمثل مخاطر أمنية على المجتمع.
الحديث نفسه تكرر سابقا عبر شخصيات يجمعها الولاء للنظام والنقمة الواضحة على كل معارضيه، وخصوصا من يصطلح على تسميتهم "تيار الإسلام السياسي".
قبل أكثر من عامين، نقلت صحيفة "تليغراف" عن مسؤول كبير في الشرطة البريطانية أن نقاشا رسميا جرى حول السماح للشرطيات بارتداء "البرقع"، وإن لم يتم إقراره، علما أن الشرطيات المسلمات يسمح لهن بارتداء غطاء الرأس "الحجاب" منذ سنوات.
الأصل أن ملابس النساء ملك لهن، وتحكمها قراراتهن النابعة عن حريتهن الشخصية، فضلا عن بعض القيود المجتمعية والدينية، فإن كنت ترفض محاولات إلزام من يقررن كشف أجزاء من جسدهن بتغطيتها، فعليك رفض محاولات إلزام الأخريات اللائي قررن تغطية مساحات أكبر من أجسادهن بتعريتها.
بعض من يدعون الحداثة في بلاد العرب يصرون على أن التعري حق أصيل للنساء، وهؤلاء أنفسهم يعتبرون الحجاب تخلفا، متجاهلين الحق في الاختيار وفق قواعد المساواة التي يبشرون بها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 28 سبتمبر 2018

عربي ممنوع من الدخول


تختلف الأنظمة العربية لأسباب غير منطقية على الأغلب، وأحياناً بسبب الغيرة أو الحسد، فتتأثر على الفور حياة شعوبها التي تربطها علاقات نسب ومصاهرة. أوّل الإجراءات التعسفية عادة يتمثل في منع تنقل الأشخاص بين الدول بحجة الحفاظ على الأمن القومي. تكرر الأمر كثيراً حتى بات يمكن اعتباره جزءاً من اليوميات العربية، ويمكنك أن تسمع من أجيال مختلفة قصصاً عجيبة، بعضها كوميدي، عما يجري خلال فترات الخلاف، غزو العراق للكويت، أو التدخل السوري في لبنان كمثالين، وبعض الأزمات ما زالت قائمة مثل حصار قطر، أو التدخل العسكري السعودي الإماراتي في اليمن. تداعيات الخلافات السياسية دائماً كارثية على الأفراد، خصوصاً الأسر التي تتشتت بسبب منع بعض أفرادها من التجمع على خلفية منعهم من دخول أحد البلدان، أو رفض منحهم تأشيرات دخول. السنوات الأخيرة شهدت تطورات عدة في أزمات تنقل الأفراد، فوصلنا إلى المنع من أداء شعائر الحج والعمرة بسبب الجنسية، أو الإقامة في بلدان على خلاف مع السعودية، أو للمعترضين على قرارات حكام المملكة التي تكرر الزعم بأنها تسير على درب الحداثة. في موسم الحج الماضي انتشرت تفاصيل كثيرة حول منح السعودية تأشيرات مجانية بالمئات لمليشيات طائفية في العراق، ولقائد حزب مسيحي في لبنان، في حين واصلت منع المواطنين والمقيمين في قطر للعام الثاني على التوالي، وضيقت على جميع المعارضين لسياساتها، وخصوصاً اليمنيين والسوريين. حالياً، يواجه من يحملون وثائق السفر الفلسطينية أشكالاً متباينة من المنع من دخول السعودية لأداء مناسك العمرة، وفي حين يؤكد لاجئون فلسطينيون في لبنان والأردن وغيرهما من بلدان اللجوء، أنّهم ممنوعون، أو غير قادرين على الحصول على تأشيرة دخول، تواصل السلطات السعودية الصمت أو التجاهل. ليس المنع قاصراً على السعودية، فقبل أيام، قامت السلطات في مصر بترحيل الممثل الفلسطيني علي سليمان، من مطار الغردقة الذي وصله للمشاركة عضواً في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة السينمائي، كما رفضت منح تأشيرة دخول للمخرج الفلسطيني زياد بكري، رغم أنّ فيلمه مشارك في المهرجان نفسه، ورفضت منح تأشيرة دخول للمخرجة السورية سؤدد كنعان، وكذا بطلة فيلمها المشارك في المهرجان "يوم أضعت ظلي"، السورية سوسن أرشيد. الواقع أنّ فرض تأشيرات دخول بين الدول العربية أمر يجب إنهاؤه فوراً، وربما لو أنّ جامعة الدول العربية مؤسسة حقيقية لكان ذلك أولى مهامها. في المقابل، تتبارى الأنظمة العربية في السماح لغير العرب بدخول أراضيها من دون قيود.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 16 سبتمبر 2018

وقيعة منى المذبوح



أبديت تعاطفي مع اللبنانية منى المذبوح عند اعتقالها في مصر، على خلفية مقطع فيديو طويل لها، ورد فيه إهانات عدة لكل المصريين بحجة أنها تعرضت للتحرش. لم يكن تعاطفي معها لأنها بريئة، فما قالته في الفيديو من ألفاظ مسيئة لا يمكن تجاهله، وإنما كان تركيزي منصبا على تحويل الموضوع التافه إلى خلاف بين الشعبين بعد الانتشار المقصود لمقطع الفيديو الذي كان يمكن أن يمر بلا ضجة، لولا أن قرر أحدهم، على الأغلب في السلطة المصرية، تحويله إلى قضية وطنية، والذي يفسره التركيز الواسع من الإعلام الموالي للنظام عليه. أخطأت منى المذبوح، لا شك في هذا، وكان اعتذارها كافيا لإغلاق الموضوع، لكن تصوير هذا الخطأ الفردي باعتباره خطيئة كان مدبرا، واعتقالها والحكم بسجنها لعدة سنوات أمر مستهجن، كما أن تهجم بعض المصريين على كل النساء اللبنانيات بسببها تجاوز لا يمكن قبوله. لكن أبرز ما لفتني عند تفجر القضية كان المحاولات الجادة لتسييسها، في مصر وفي لبنان على حد سواء، فالحكومة المصرية، ووسائل الإعلام التابعة لها، قررت الانتقام لكرامة المصريين المهدرة على يد السائحة اللبنانية، متجاهلة كل الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن المصري يوميا بسبب فشلها في شتى المجالات. والأشقاء اللبنانيين قرروا استغلال القضية للهجوم على حكومتهم لتصريف الأعمال بحجة أنها لم تتصد للدفاع عن المواطنة المعتقلة في القاهرة، ولما تدخلت تلك الحكومة أخيرا، تحولت فجأة الاتهامات الساخنة إلى بيانات متكررة لشكر الحكومة على القيام بدورها، متجاهلة كل فشلها الواضح الذي يعاني بسببه كل لبناني. فور وصولها إلى لبنان فجر الجمعة الماضي، قالت منى المذبوح للصحافيين: "ما قمت به لم يكن بإرادتي بل بسبب تعرضي لعدة مواقف غير لطيفة". استوقفتني تلك الجملة طويلا، إذ لم أفهم تحديدا ما الذي تعنيه، فهل سجلت مقطع الفيديو وهي غائبة عن الوعي؟ هل كانت تحت تأثير مخدر أو كحول؟ المؤكد أنه لا يحق لكل من يتعرض لمواقف "غير لطيفة" في بلد توجيه الإهانات إلى كامل الشعب، لا في مصر ولا في لبنان. لا أشكك في وجود جريمة التحرش في مصر، وفي لبنان كذلك، ولو صح أن المذبوح تعرضت للتحرش، فلا يمكن الإساءة إلى كل المصريين. إن كان بعض المصريين متحرشين، فلا يعني ذلك بالضرورة أن كلهم كذلك. وإن كانت المذبوح بذيئة اللسان، فلا يعني ذلك بالضرورة أن كل اللبنانيات كذلك. الطبيعي ألا يستدرجنا الغضب إلى الخطأ، وعلينا أن نتعلم من تلك الواقعة ضرورة عدم السماح للحكومات باستغلالنا في مخططاتها للتعمية على تكرار فشلها.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

إسلاميون أم مسلمون؟


لا أحد يعرف على وجه التحديد أسباب الانحدار الذي يتفشى في المجتمعات العربية، وإن كان هناك مؤشرات تؤكد مسؤولية الاستبداد والفساد والتسلط، فضلا عن تدني مستوى التعليم الذي ينتج أجيالا محدودة الوعي، أو ذات وعي مشوه. قبل أيام تفجر بيني وبين أصدقاء نقاش طويل حول من يطلق عليهم في بلادنا وصف "الإسلاميون"، وكان النقاش حادا وفيه تجاوزات تؤكد تردي الوعي العربي. كان رأيي أن وصف "الإسلاميون" أشمل من صفة "المسلمون"، وأن حصر إطلاقه على جماعات مثل الإخوان المسلمين أو السلفيين خطأ شائع مقصود. لكن هذا لم يعجب من أناقشهم، وهم ينتمون إلى خلفيات ثقافية وأيدلوجية متباينة، وقد أوضحت رأيي مؤكدا أن الإسلامي هو من يعيش في مجتمع غالبيته من المسلمين، وقد يكون غير مسلم، وأن هذا يؤثر على أفكاره وتصرفاته، ويتحكم في انحيازاته، متأثرا بالتقاليد والأعراف والقوانين، وحتى خرافات المجتمع الذي يعيش فيه. ومن أسف أن غالبية من يعيشون في المجتمعات الإسلامية علاقتهم بالحريات والديمقراطية والمساواة محدودة، وهي علاقة متغيرة بتغير الحكام، أو بتغير المفاهيم الرائجة حول القضايا المطروحة، وفي أحيان كثيرة تفرض عليهم من الخارج مفاهيم مخالفة لكل ما اعتادوا عليه، فيستجيبون لها دون تبصر وفق مزاعم التنوير أو التطوير. هؤلاء أنفسهم، لديهم مئات التابوهات التي يجب تفكيكها قبل محاولة التجانس مع العصر، ولديهم آلاف الأفكار البالية التي عليهم تجاوزها ليفهمهم الأخرين، كما ينبغي عليهم العمل على معلومات وشروحات خاصة بعشرات من مبادئهم ورموزهم التي يستخدمونها يوميا، لأن المجتمع يجهلها، أو معلوماته المتاحة عنها مغلوطة، وهذا بديل أساسي للتباكي على عدم فهم العالم للنظريات المؤسسة لأفكارهم. الواقع أن التباكي لا يعيد الحقوق، ولا يحقق مستقبلا. فالاحتلال الإسرائيلي لازال بعد عقود، يستغل الهولوكوست لابتزاز العالم، لكنهم في الوقت ذاته يعملون ليل نهار على امتلاك مصادر القوة، وألمانيا التي انهارت ودمرت تماما بعد هزيمة أدولف هتلر على أيدي الحلفاء، لم تركن إلى التاريخ والبكاء، وإنما عملت بكل جهد حتى باتت اليوم قوة لا يستهان بها، كما أن الإمبراطورية اليابانية التي فجعتها القنبلة النووية نهضت مجددا في زمن قياسي. طرح خلال النقاش أيضا أن هؤلاء الذين أسميهم "الإسلاميون" غير مؤهلين لملاحقة التطور العالمي، وهو زعم كاذب بالكلية، ولاشك أن المليارات تنفق لترويجه، حتى صدقه البعض، فتفوق الإسلاميين علميا وثقافيا وعسكريا استمر قرونا، وتكرار ذلك ممكن لو أنهم استفاقوا.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 2 سبتمبر 2018

المساواة في التحرش



يتجدد الحديث حول جريمة التحرش كل فترة مع تكرار اعلان اتهام أشخاص بهذا الجرم، عربيا أو عالميا، ورغم أن التحرش جريمة قديمة، إلا أن التطور الكبير لوسائل التواصل بات سببا مباشرا في زيادة انتشاره، لكنه في الوقت ذاته ساهم في زيادة نطاق الحديث عن مخاطره وكذا ضرورة تشديد عقوباته. المثير أن البعض لازال يجادل في تعريف التحرش، وفي مدى خطورته، ويختلف كثيرون حول الفرق بين التحرش اللفظي والتحرش المادي، في حين أن أحدهما على الأغلب يؤدي إلى الأخر، أو يكون له نفس التأثير النفسي على الضحية. بين المسلمات الرائجة أن المجتمع العربي ذكوري الطابع، والواقع أن العالم كله متهم بذلك، بينما يفاقم الأمور عربيا تلك الطبيعة الأبوية الشائعة في كل بلدانه، شرقا وغربا، والتي تتعامل مع الرجل باعتباره مسؤولا عن كل شيء، وتتعامل مع المرأة باعتبارها تابعا، أو تضعها في مرتبة متأخرة عن الرجال. وفي حين تعرف كثير من المجتمعات العربية، خصوصا الريفية والبدوية، مكانة لائقة لا يمكن تجاهلها للنساء، إلا أن ذلك لا يمنع، ولم يمنع يوما، إقرار النسوة أنفسهن بأهمية إبراز السمة الذكورية للمجتمعات التي يعشن فيها، حتى أنك تستطيع ملاحظة ذلك ببساطة في المقولات الشائعة، وفي الأمثال الشعبية، وحتى في الأغاني الرائجة. في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن المساواة بين الجنسين أحد أهم الظواهر العربية، وتفرد لها وسائل الإعلام مساحات نقاش، وتكرر الحكومات الزعم بانها تطبق المساواة، وانطلق البعض من ذلك إلى طرح قضايا جدلية، مثل المساواة في الميراث، أو تجنيد الفتيات. لكن أحدا لا يتحدث أبدا عن المساواة بين الجنسين في جريمة التحرش. المتداول أن الرجال فقط يتحرشون بالنساء، وأنهم وحوش طليقة تطارد فرائسها من الإناث في كل مكان، بينما الواقع يؤكد أن النساء أيضا يتحرشن بالرجال، وإن كان على نطاق أقل. لكن لا يمكن بحال التفريق بين ارتكاب أي من الجنسين للجريمة وفقا لمبدأ المساواة. ربما يكمن الفارق في أن غالبية النساء يرفعن الصوت بالشكوى من تحرش الرجال، ويعتبرنها جريمة ضد أنوثتهن، وهي كذلك. ولاشك أن بعضهن يشتكين من التحرش دون أن يتحرش بهن أحد لإظهار أنهن مرغوبات، أو لدفع الرجال من حولهن للاهتمام بهن. في حين أن غالبية الرجال الذين يتعرضون للتحرش من النساء يتفاخرون بالأمر، ويعتبرونه دليلا على فحولتهم، ونادرا ما يشكو رجل من تحرش امرأة خشية سخرية رفاقه، وإن فعل فإنه يسميه توددا، ولاشك أن بعضهم يدعي زورا أن إحداهن تحرشت به، أو يختلق قصصا حول تقرب النساء منه.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 26 أغسطس 2018

النموذج العربي


يظن كثيرون أن الحكومات العربية هي الأسوأ على كوكب الأرض، وربما كان لديهم بعض الحق، لكن حكوماتنا تتشابه في كثير من الأمور مع غالبية حكومات العالم، فجميع الحكومات تتسم بأشكال متباينة من الفساد والتضليل والكذب. أول مبادئ علم الصحافة، حسب خلاصة خبرة الصحافي الاستقصائي وأستاذ علم الصحافة الأميركي، أي إف ستون: "الحكومات تكذب. كل الحكومات تكذب". الفارق أن العديد من الدول أقرت مبدأ تداول السلطة الذي يجعل الحكومة تفكر ألف مرة قبل أن تكذب على شعبها أو تنهب ثرواته، خوفا من يوم حساب، وإن تأخر. لازال مبدأ تداول السلطة مرفوضا في غالبية بلادنا، حتى أن الدول العربية القليلة التي عرفت تداولا شكليا للسلطة لم تتمكن بعد من إقراره كمبدأ، لكني لا أشك أن هذا الوضع سيتغير رغما عن الجميع. كانت لملوك أوروبا سلطات شبه إلهية قبل أقل من مائتي سنة. كان الملك يكرر أنه يحكم باسم الرب، ولا يعارضه رجال الدين. مثلما هو حال عدد من منافقي بعض الحكام العرب. حاليا كل ملوك أوروبا يملكون ولا يحكمون، والوضع مماثل في عدد كبير من ممالك أسيا. كان للكنيسة في أوروبا قبل بضعة قرون سطوة كبيرة على المجتمع، وقامت حروب بين الدول لمجرد اختلاف الكنائس. الكنائس الأوربية حاليا ليس لها نفس القوة، ولا السطوة الروحية القديمة. السيطرة على قرار الفاتيكان مثلا، كان سببا في صراعات دموية بين الدول الأوربية، إلى أن تم إقرار الفاتيكان دولة مستقلة لا تخضع لأي دولة، وإن كانت هناك ضغوط دائمة. يوما ما ستتغير بلادنا أيضا، والتغيير أصبح سريعا بحكم العصر، فما كان يستغرق في الماضي مائة سنة قد لا يستغرق حاليا عشر سنوات، وقد لا يستغرق في المستقبل سنة واحدة. يرى صديقي الهولندي أن غالبية مشاكلنا يمكن تجاوزها بسهولة لو أننا نرغب في تجاوزها. أجادله كثيرا، وأعترض على مقترحاته التي لا تناسب الواقع العربي، لكنه يواصل التأكيد على أن المشكلات العربية سببها العرب أنفسهم. لا يفهم صديقي الباحث الهولندي لماذا تتحكم السعودية وحدها في مكة والمدينة، ولا كيف يوافق أكثر من مليار مسلم في عشرات من دول العالم أن تسمح دولة واحدة لمن تشاء أو تمنع من تشاء من زيارة الأماكن المقدسة، والحل في رأيه هو تطبيق النموذج الفاتيكاني. أخبره أن هناك محاولات لطرح قضية "تدويل الحرمين"، لكنها لا تلقى دعما من أغلب الدول الإسلامية، فيكرر: قلت لك أنكم سبب مشاكلكم، قبل أن ينتقل إلى قضية أخرى شائكة قائلا: لو بدأت قضية التدويل فإنها لن تتوقف عند مكة والمدينة، وإنما ستمتد أيضا إلى وضع القدس.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 19 أغسطس 2018

أصل الداء العربي


اعتبر عدد كبير من العرب على مواقع التواصل، وصول بضعة من المهاجرين العرب، أو المسلمين، إلى مراكز صنع القرار في عدد من دول العالم، أمر يستحق عقد الأفراح وأنه بداية لليال الملاح، دون أن يكون لذلك أية مؤشرات. المنطق يقول إن الأهم من اختيار منتمين إلى بلادنا أو ثقافتنا في برلمانات غربية، أن يكون لهؤلاء دور حقيقي أو مؤثر في تغيير مواقف تلك البلاد التي باتوا يحملون جنسيتها من بلادنا التي كانوا، أو آباءهم، يحملون يوما جنسيتها. أما مجرد حصولهم على المناصب فهو محض خبر عادي. طالبت بعض الأصدقاء بضرورة تأجيل الاحتفال إلى حين حصول ما يستحق، فإن اتخذ أحدهم أو إحداهن، موقفا يستحق الاحتفال، فلنحتفل ونرقص ونغني، أما أن نحتفل "قبل الهنا بسنة"، فهذا أمر مؤسف، خصوصا وأن تجاربنا في هذا السياق لا تبشر بخير. لكن أصدقائي أصروا على أنها فرصة فرح علينا اقتناصها. تعالوا نستعرض بعض الوقائع: الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أصول أوربية، جده ألماني، لكن ها هو يستعدي أوروبا كلها، بفرض رسوم وضرائب واعلان ما يشبه الحرب الاقتصادية. والرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من أصول أفريقية، أبوه من كينيا، فماذا فعل لصالح أفريقيا غير الخطابات الرنانة؟ عمدة لندن صادق خان مسلم باكستاني الأصل، فهل له دور واضح في مواجهة الإسلاموفوبيا في بريطانيا؟ عين أكثر من وزير ووزيرة من أصول عربية، غالبيتهم من دول المغرب العربي، في حكومات فرنسا المتعاقبة، فهل عمل أيهم على دفع فرنسا للاعتذار عن عقود من احتلال بلدانهم الأصلية؟ معلوم أيضا أن عدد من دول أميركا الجنوبية حكمها أبناء مهاجرون عرب، فهل استفاد العرب من هذه الدول خلال فترات حكم هؤلاء لها؟ ولا يجهل أحد أن للعرب استثمارات بالمليارات في الدول الكبرى، فضلا عن صفقات السلاح التي لا تتوقف، فهل استفادت الشعوب العربية بأي شكل مما تمثله تلك الاستثمارات؟ أو غيرت تلك الأموال المتدفقة من طريقة تعامل تلك الدول معنا، أو نظرة بعضها الدونية إلينا؟ يقول صديقي إنها ليست استثمارات وإنما ضريبة يدفعها حكامنا لحماية عروشهم. الخلاصة أن المجتمع العربي مريض، ولا فارق يذكر يحسب لاختلاف التصنيف الديني أو القومي أو الثقافي، فالكل سواء للأسف، وأصل الداء هو الاستبداد، وعندما يتحرر العرب، عسى أن يكون قريبا، سيكون الشفاء. لكن التحرر هو الخطر الأكبر على المستبدين الذين يحرصون على عدم حصولنا على الحرية حتى لا نرفض سيطرتهم، كما أنه خطر على داعميهم من الخارج، فلو امتلكنا قرارنا لن نسمح لهم مجددا بسرقة ثرواتنا.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية