الأحد، 15 يوليو 2018

سكك حديد مصر


لم تكن علاقتي جيدة يوما بالقطارات، رغم أن مصر تمتلك خطوط سكك حديدية ممتدة، ويتفاخر المصريون أحيانا بأنها من الأقدم في العالم، على الرغم من أن كونها تاريخية يعني فقط أنها متهالكة وخدماتها شبه منعدمة.
 كنت معتادا على التنقل بسيارات الأجرة والحافلات، فهي وإن كانت أكثر كلفة، على الأغلب، إلا أنها كانت أسرع، بخلاف القطارات المعروف عنها عدم انضباط مواعيدها.
كان البعض يعتبر القطارات أكثر أمنا من غيرها، وكانت قناعتي، ولازالت، أن كل وسائل النقل في مصر غير آمنة، فترتيب مصر في معدلات حوادث السير حول العالم متقدم، وفي السنوات العشرين الأخيرة، شهدت البلاد آلاف حوادث السير التي راح ضحيتها عشرات آلاف الأشخاص بين مصابين ومتوفين.
 وعلى عكس علاقتي المقطوعة بالقطارات، كانت تربطني لسنوات طوال علاقة شبه يومية بقطارات أنفاق القاهرة الكبرى التي يسميها المصريون "المترو"، إذ كنت أستخدم المترو في أغلب تنقلاتي بين أحياء ومناطق العاصمة، ورغم أنه لم يكن بنفس انضباط المواعيد التي كان عليها في السابق عندما كانت تديره الشركة الفرنسية، إلا أنه كان أفضل بقية وسائل النقل بسبب الزحام الشديد والنظام الغائب الذي يعرفه كل من زار القاهرة.
لذا كان المترو خياري المفضل يوميا، فرحلة الوصول باستخدامه تستغرق بين 15 إلى 20 دقيقة فقط، ويسبقها نحو 10 دقائق من المشي من منزلي إلى المترو، ويتلوها بضعة دقائق مشي أخرى من المترو إلى المكتب.
لسنوات كان عملي على مقربة من مسكني، وقطعت المسافة بينها على قدمي مرات معدودة، أغلبها خلال فترات إغلاق الطرق بسبب حظر التجول، وكانت الرحلة تستغرق نحو ساعة واحدة فقط سيرا، ومرات كثيرة استخدمت السيارة للوصول إلى العمل، وهي رحلة يفترض أن تستغرق 15 دقيقة، لكنها أحيانا كانت تستغرق أكثر من ساعتين كاملتين بسبب الاختناقات المرورية.
  رحلات المترو ليست كلها جيدة، فالزحام عادة خانق، والخدمات غائبة، والمحطات متدهورة، وأحوال القطارات سيئة على مستوى النظافة والتهوية، لكن كل تلك المشكلات يمكن التغاضي عنها باعتبار أن وسائل النقل الأخرى أسوأ حالا، كما أن تكلفة التنقل بالمترو كانت أقل. قبل شهرين، تم رفع أسعار تذاكر المترو بنسبة 300 في المائة بحجة تحسين الخدمة، ومؤخرا تم الإعلان عن الاستعداد لرفع أسعار تذاكر القطارات بنسبة تقترب من 200 في المائة بنفس الحجة، لتتضاعف التكلفة.
وخلال الأسبوع الأخير انقلبت عربتان من قطار مترو في محطة المرج، وبعد يومين، انقلبت ست عربات من قطار الصعيد جنوب الجيزة، فأين إذن تحسن الخدمات؟



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 8 يوليو 2018

صورة بلا صوت



في مكتبنا حائط مكتظ بعدد كبير من شاشات التليفزيون، وغالبيتها مضبوطة على ترددات قنوات إخبارية متباينة بغرض متابعة أحداث العالم جنبا إلى جنب مع وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية التي نتابعها على مدار الساعة، وأحدها حاليا مخصص لمباريات كرة القدم بالتزامن مع كأس العالم في روسيا. كل المتواجدين في المكتب تربطهم بالأخبار علاقة وطيدة بسبب المهنة التي يمارسونها، ما يمنح الحائط أهمية كبيرة، حتى بات مطالعة الشاشات أحد التصرفات الغريزية، مثل التنفس، كما لا يخلو الأمر عادة من تنبيه أحد المتواجدين للباقين لمتابعة أحد الشاشات التي تعرض خبرا عاجلا، أو حدثا غريبا، أو مادة خاصة. كل ذلك يبدو عاديا ومتكررا، كما أن رفع صوت أحد القنوات، وهو أمر محظور في المعتاد، يصبح طبيعيا في حال كانت تعرض حدثا غير عادي، وهذا يجري مؤخرا مع مباريات المونديال دون غضاضة من أحد، حتى هؤلاء الذين لا يهتمون بكرة القدم. ولأن كل الشاشات بلا صوت في العادة، فإن غالبية التعليقات تركز على الصورة، ويحوز مقدمو ومقدمات البرامج ونشرات الأخبار على القسم الأكبر من التعليقات وأحيانا الانتقادات، ولا يخلو الأمر أبدا من السخرية، وأحيانا يحوز ضيوفهم الاهتمام، خصوصا لو كانوا من المشاهير. البعض يركزون على الملابس، وأخرين يهمهم وسامة الرجال أو جمال النساء، والغالبية يناقشون تطور شكل الأشخاص بمرور السنوات، سواء كانوا يتابعونهم تليفزيونيا، أو يعرفونهم بشكل شخصي، فهذا زاد وزنه، أو قام بزراعة شعر، وهذه أجرت جراحات تجميل، أو فقدت الكثير من الوزن، وهذا تطورت ذائقته في ارتداء الملابس، وتلك باتت تقتني ملابسها من دور أزياء عالمية بعد أن كانت أزياءها لا تناسب مهنتها، وأحيانا ما يدور الحديث حول الجنسية، والخلفية الثقافية أو السياسية، أو الوضع الاجتماعي للشخص. اللافت أنه نادرا ما تتحول دفة الحديث إلى تقييمهم مهنيا، وربما يكون السبب تكرار تقييمهم سابقا حتى باتت قدراتهم أمرا مسلما به لدى الجميع، أو ربما لأن غالبيتهم لا يتطورون، أو بالأحرى لا يتطورون بالشكل الكافي لإعادة تقييمهم. على فترات متباعدة يبرز في مكتبنا صوت ينتقد اهتمامنا بالحديث عن الشكل أو الملابس، لكنه يخفت سريعا بسبب ما يبدو أنه أشبه باتفاق ضمني على أن النقد مباح، وحتى بعض السخرية، خصوصا أن بعضنا تربطه بعدد منهم علاقات صداقة أو زمالة قديمة. لكن الحديث عن مقدمي ومقدمات برامج التليفزيون لا يمكن أن يقارن بالتعليقات اللاذعة التي نسمعها عندما يكون أحد الزملاء ضيفا تليفزيونيا، خصوصا الضيوف المكررين.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 2 يوليو 2018

الخبز والحرية معا


اختار بعض الناس الخبز بديلاً عن الحرية، وبعضهم انشغل بالبحث عن الحرية المطلقة دون الانتباه إلى خطورة غياب الخبز، رغم أن المنطق يؤكد أن كليهما لازم لاستمرار الحياة، وأن توفر أحدهما دون الآخر لا يوفّر حياة كريمة.
 لما ظهرت الدولة كنظام حكم بدأ تصنيف الناس، فهناك حكام ومحكومين، وفقراء وأغنياء، وأحرار وعبيد. كان الناس دوما يتعاملون مع بعضهم البعض وفق منطق القوة، فباتت الدولة تتعامل معهم كذلك بنفس المنطق، وعلى الرغم من أنها في الأصل مسؤولة عن تطبيق العدالة والمساواة بين الناس، إلا أن غالبية الأنظمة اختارت أن تكون ندا للمواطنين، أو بالأحرى عدوا لهم.
 ومع ظهور مصطلح الدول الكبرى أو الإمبراطوريات، بدأت تتغير مفاهيم كثير من الحقوق والحريات الشخصية للأفراد، والحجة دائما حماية الدولة من الأخطار، وهو زعم كان ولازال يعني استمرار بقاء الحاكم على رأس الدولة، حتى لو كان فاشلا، وخصوصا لو كان مستبدا.

في دول العالم الثالث، هناك من يفتقرون إلى الخبز، وهناك من يفتقرون إلى الحرية، وكثيرون يفتقرون إليهما معاً، وهذا يفسر التقلبات والتحولات المجتمعية والسياسية المتكررة، كما يمكن وفقه تفسير موجات الهجرة التي أصابت العالم عدة مرات بأزمات خانقة، بينها أزمة الهجرة نحو الشمال القائمة حاليا.
تفشل الحكومة في الوفاء بمتطلبات المواطنين الأساسية، فتطالبهم بعدم تحميل الحكومة المسؤولية. ثم عندما تنجز أي مشروع، حتى لو كان وهمياً أو محدود المنفعة، فالمواطن مطالب بالثناء عليها وعلى إنجازاتها.
 إن فشلت الحكومة فالمواطن هو السبب وعليه يقع اللوم والضرر، وإن نجحت فالمواطن لا دور له في النجاح، ولا يستفيد منه في الأغلب.

عرف التاريخ عشرات آلاف الثورات، وفي غالبيتها العظمى كان الخبز هو المطلب الأساسي، بعض تلك الثورات نجح في تحقيق مطالبه، وغالبيتها فشلت، لكن تكرار الفشل لم يتسبب أبداً في توقف الناس عن الثورة بأشكالها المختلفة للمطالبة بحقوقهم، وأبرزها الخبز والحرية، حتى عندما تؤدي تلك الثورات إلى تدني أحوالهم المعيشية، أو فرض قيود أكبر على حرياتهم.

وقائع التاريخ تؤكد أن الشعوب لن تتوقف عن الثورة على الفاسدين والمستبدين حتى تتحقق لهم كامل المطالب وتتاح لهم كل الحقوق، وأتباع الحكومات المستبدة في الشرق الأوسط الذين يلوكون ليل نهار أن الشعوب لن تقدم على ثورة جديدة لأنها عانت من آثار الربيع العربي بعد أن تعرض للهزيمة على يد الثورات المضادة، يعرفون أنهم واهمون، ويدركون أن الثورة قادمة لتطيح بهم وبمن يدعمونه، وأنها لن تكون كسابقتها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 23 يونيو 2018

تبرعوا لمشروع الزير



يحكى أن ملكاً كان يتفقد أنحاء مملكته، فمر على قرية صغيرة كان أهلها يشربون من "ترعة"، فقال للحاشية: هذا لا يصح في مملكتي. ابحثوا عن طريقة أكثر آدمية ليشرب منها أهل القرية. حتى لو كانت "زيرا".
 و"الزير"، لمن لا يعرفه، جرة كبيرة من الفخار، وما زال مستخدما في أرياف دول عربية عدة. 
 
استجابة لرغبة الملك، تقرر شراء "زير"، ووضعه على شاطئ الترعة ليشرب منه الناس، وعندها اقترح واحد من الحاشية أنه من الضروري أن يتم تعيين شخص ليتولى ملء الزير يومياً، وبالفعل تم تعيين "سقا"، وفي اليوم التالي، وبعدما بات الزير ضمن المال العام، تقرر تعيين حارس له.
 في أيام لاحقة شكا السقا والحارس أنهما لا يمكنهما الاستمرار في المهمة على مدار الساعة، وتم رفع الشكوى إلى الديوان الملكي، فتقرر تعيين ستة حراس وستة سقائين للعمل بنظام المناوبات لحراسة وملء الزير.
 
بمرور الشهر الأول على وجود الزير في مكانه، اتضح أن أحداً لم ينتبه إلى كيفية دفع رواتب العاملين على شؤونه، وعندها تقرر إنشاء إدارة مالية، وتعيين محاسبين لتولي مهمة صرف رواتب العمال.
مع تردد مواطني القرية على الزير كبديل للترعة، أصبحت للسقائين والحراس مهمة حقيقية، لكنّ يوماً شهد عاصفة ترابية، أظهر مشكلة جديدة تحتاج إلى حلول عاجلة، فتقرر تشكيل لجنة فنية تتولى صيانة الزير، وكذا تجهيز حامل خشبي وغطاء حتى لا يتلوث ماؤه.
   وفي أحد الأيام تأخر أحد السقائين عن موعد العمل، ولم يتم ملء الزير بالماء، فاشتكى الناس، فاكتشف الديوان الملكي أنه لم ينتبه إلى ضرورة وجود من يتابع الالتزام، فتم إنشاء إدارة لشؤون العاملين، وعمل دفاتر حضور وانصراف، وترتب على ذلك إنشاء إدارة قانونية للتحقيق مع المخالفين والفصل بين المتنازعين.
 زاد تدريجياً عدد من يتولون تسيير شؤون الزير، فتقرر تعيين موظف كبير ليدير دفة العمل.
ولما سأله الملك عن طبيعة عمل المبنى، أجاب بأن هذه الإدارة أنشئت لرعاية الزير الذي أمر به قبل سنة ليشرب منه أهل القرية بدلاً من الترعة.
بعد مرور سنة، كان الملك يمر كعادته لتفقد مملكته، فوجد مبنى كبيرا تعلوه لافتة كتب عليها "الإدارة العامة لشؤون الزير".
 دخل الملك المبنى ليستكشف الأمر، فاستقبله المدير أشيب الشعر ليطلعه على غرف عدة تضم عشرات العاملين، وقاعة اجتماعات، قبل أن يقوده إلى غرفة متسعة تضم مكتباً فخماً يحمل لافتة كبيرة مزركشة كتب عليها "مدير عام شؤون الزير".
  أومأ الملك برأسه راضياً، وطلب أن يذهبوا به إلى الزير، وهناك طالع لافتة كتب عليها "تبرعوا لنشر تجربة الزير الملكي في أنحاء البلاد".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 17 يونيو 2018

في بيتنا مونديال



علاقتي بمتابعة مباريات كرة القدم وأخبار نجومها وفرقها مقطوعة منذ أكثر من عشرين سنة، رغم أن كل أفراد عائلتي من عشاق المستديرة. حضرت في طفولتي ومراهقتي تجمعات عائلية عدة لمتابعة مباريات وبطولات، وما زلت أذكر وقائع مباريات شهيرة في عدد من البطولات الأفريقية، وبالطبع تفاصيل مشاركة مصر في كأس العالم 1990. في هذه الأيام، يشارك فريق مصري في بطولة كأس العالم في روسيا بعد 28 سنة غياب عن البطولة الدولية الأهم في اللعبة الأكثر شهرة حول العالم، ورغم أن عدم رغبتي في متابعة المباريات لم تتبدل، إلا أن كثيراً من الأشياء فيما يخص علاقتي بالكرة تغير رغماً عني. ينخرط ولداي منذ سنوات في مدرسة للتدريب على كرة القدم، وهما بالطبع من عشاق مشاهدة المباريات، ويحفظان أسماء مئات اللاعبين، بل إنهما أحياناً يدخلان في نقاشات وجدالات طويلة حول وقائع مباراة أو مباريات، بعضها مر عليها وقت غير قصير، بينما والدهما لا يعرف كثيراً عن الشأن الذي يتناقشان فيه. ابني الأكبر من مشجعي النادي الأهلي المصري، ونادي ريال مدريد الإسباني، و"رونالدو" نجمه المفضل، بينما ابني الأصغر يشجع نادي الزمالك المصري، ونادي برشلونة الإسباني، ويطلق على نفسه لقب "ميسي". معلوماتي حول كرة القدم محدودة، لكني أدرك جيداً أن الأهلي والزمالك هما قطبا الكرة المصرية، وأن المنافسة بينهما تمتد بامتداد تاريخ كرة القدم في مصر، وأدرك أيضاً أن الأمر مماثل تقريباً في حالة "الريال" و"البرشا". على مدار السنوات الماضية نشبت في بيتنا عشرات الخلافات بين الشقيقين بسبب المباريات، وكان بعضها يتحول إلى اشتباكات بالأيدي، وأحياناً مقاطعة بعضهما البعض لأيام، رغم أنهما، في العادة، لا يشاهدان المباريات سوياً، وإنما يشاهد كل منهما بعيداً عن الآخر. في السنة الأخيرة ظهر المصري محمد صلاح على الساحة، ليستحوذ سريعاً على اهتمام كل مشجعي الكرة في مصر، وعدد كبير من المشجعين العرب، ولأول مرة اتفق ولداي على متابعة مباريات نادي ليفربول الذي يلعب له صلاح، حتى لو كان يلعب ضد ناديهما المفضل. لما بدأ مونديال كأس العالم في روسيا، تحول منزلنا إلى ما يشبه معسكرات فرق الكرة قبل البطولات الكبرى، وعادة ما يبدأ بعد كل مباراة استديو تحليل كما في القنوات الرياضية. ولأن مصر مشاركة في هذه البطولة، فإن الاهتمام زائد عن المعتاد، إذ باتت تدور أغلب تفاصيل الحياة اليومية، من طعام وزيارات وغيرها، حول مواعيد المباريات، كما تؤثر النتائج في الجو العام للمنزل، خصوصاً نتائج مباريات مصر الثلاث، كأن المونديال في منزلنا.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 9 يونيو 2018

خمس سنوات انقلاب


كانت الحُجّة الرائجة أن محمد مرسي ضد هويّة البلاد، وأنه سيزيد من تردي الأوضاع السيئة، وأن إزالته عن رأس السلطة ضرورة حتى لا يتضرر الوطن.
تم ترويج تلك الشعارات بقوة تحقيقاً للمثل الشعبي المصري "الزّنّ على الودان أقوى من السحر". كان الآلاف مدفوعين بمصالحهم الضيقة، ورؤيتهم القاصرة، بينما كان رجال النظام القديم، الذي لم يسقط يوماً، يدعمون إسقاط الحاكم رغبة في استعادة دولتهم التي تزلزلت أركانها بعض الشيء في 2011.
خرج مئات الآلاف إلى الشوارع مطالبين بإسقاط الرئيس، آلاف من هؤلاء قرروا التخلي عن إجازاتهم السنوية في سواحل مصر، أو خارج البلاد، للمشاركة في إسقاطه. رغم أن هؤلاء أنفسهم كانوا ضد إسقاط من سبقه وهاجموا من طالبوا بسقوطه.
سقط النظام، وفرح من أسقطوه، غنوا ورقصوا، بعضهم لم يكن يدرك مدى فداحة ما فعله بنفسه وببلاده، وبعضهم خدع نفسه أن العسكريين الذين سيطروا على السلطة بعد الإطاحة بالرئيس المدني المنتخب، سيحققون الديمقراطية، أو يعيدون الطابع المدني إلى السلطة، هذا الطابع الذي يعد النتيجة الإيجابية الوحيدة لثورة أطاحت بالجنرال حسني مبارك ونظامه، أو هكذا كنا نعتقد.
بعضهم كان يرغب في تجربة أن يكون ثائراً بعدما أُلصق به وصف "الفلول"، أو "حزب الكنبة"، حتى لو كان ذلك بالمشاركة في ثورة مضادة، وآخرون كان كل همهم إسقاط ثورة يناير، ومعاقبة من شاركوا فيها، وكان هذا مدعوماً بوضوح من الجيش والشرطة. تعددت الأغراض والأهداف، لكنها اتفقت على إسقاط الرئيس محمد مرسي، وهو نفسه ترك الثورة المضادة تشتعل تحت قدميه دون أن يفعل شيئاً لمقاومتها أو تحجيمها.
مرت الشهور والسنون، واختفت شعارات يناير تماماً، ثم اختفت سريعاً شعارات يونيو 2013، فخارطة الطريق المزعومة التي أعلنها الجنرال في بيان الانقلاب، لم يتحقق منها شيء، ولا يحتاج المرء عيناً فاحصة لكشف أن الأوضاع باتت أكثر سوءاً على كل المستويات، فلا الأسعار انخفضت، ولا مستوى المعيشة تحسن، ولا مصر أصبحت "أدّ الدنيا"، بل ظهرت شعارات جديدة منها "شبه دولة" بعدما كانت "أم الدنيا"، و"انتو مش عارفين إننا فقراء أوي"، و"يعمل ايه التعليم في وطن ضايع".
حتى شعارات نخبة الانقلاب نفسها اختفت، وباتت الحريات وتعدد الآراء من الماضي، ومن يخرج إلى الشارع معترضاً يعتقل، وربما يقتل، ومن يكتب أو يعرض رأياً مخالفاً يعاقب، حتى إن التظاهر الذي أسقط مبارك، ثم طارد الجنرال حسين طنطاوي وصولاً إلى عزل مرسي، بات جريمة.
الأهم أنه لم يعد يجرؤ أحد على التبجح بأن مصر الآن أفضل مما كانت عليه في 2013.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 3 يونيو 2018

41 سنة




لم أكن يوما من المهتمين بالاحتفال بذكرى مولدي، على العكس، أعتبر نفسي من هذا الفصيل الذي يكره هذه المناسبة، وكثيرا ما دار بخاطري حوار ذاتي حول أسباب اهتمام الناس بذكرى مولدهم.
 أزعم أنني من هؤلاء الذين يتمنون لو أنهم لم يولدوا في هذا العالم المتخم بمظاهرالبؤس والشقاء والصراعات والدماء والظلم، لكنني أيضا لست ممن يحلمون لو أنهم ولدوا في زمان أخر، فكل الأزمان التي قرأت أو سمعت عنها نال من عاشوا فيها نصيبهم الكامل من البؤس والقهر والظلم، مثلنا، وربما بنسبة أكبر منا.
 كنت دوما أرفض الاحتفال بذكرى مولدي، بل وأتهرب عادة من حضور احتفالات أصدقائي، في سنوات شبابي الأولى، قررت صديقة الاحتفال بعيد مولدها، ووجهت الدعوة لكثير من الرفاق. كنت وقتها أكثر كراهية للاحتفال بذكرى الميلاد، لكني كنت مضطرا للحضور لأنها صديقة مقربة. كان التجمع صاخبا، غنينا ورقصنا وضحكنا، وكانت أغلب الهدايا بسيطة بقدر بساطتنا كطلاب في المرحلة الجامعية.
 دفعني عقلي الكاره للمناسبة للتفكير بطريقة للاعتراض، وهداني إلى الهدية التي اقتنيتها. كانت هديتي عبارة عن "ببرونة" من تلك التي تستخدم في إطعام الأطفال الرضع، بل إنني تعمدت أن أقدمها مليئة بالحليب. لما فتحت صديقتي الهدية التي غلفتها جيدا، تجمدت للحظات في محاولة لإدراك مقصدي منها، ولم ينقذني من غضبها الظاهر إلا تدفق الضحكات من كل الحاضرين اعجابا بالهدية المبتكرة، لكنها لم تعجبها يومها، بالأحرى لم تعجبها أبدا، حتى أنها ظلت تذكرها طيلة السنوات اللاحقة كلما جمعنا مكان أو ضمتنا مناسبة.
 لاحقا، عندما أنجبت ابني الأول، تغيرت نظرتي إلى ذكرى الميلاد، ليس مولدي، وإنما مولده. أصبحت أجهز للاحتفال بمولده قبل حلوله بفترة، وأضيع وقتا طويلا في التفكير في شكل الاحتفال والهدايا وكعكة الميلاد، ثم لما أنجبت ابني الثاني بات الاحتفال بذكرى مولدهما أهم مناسبات العام وأحد أيامنا السعيدة، وكلما تقدما في العمر كلما باتت المناسبة أهم بسبب اهتمامهما البالغ بها، والذي يجبرني على مزيد من التركيز في التفاصيل حتى لا أغضب أي منهما.
في الذكرى الـ41 لمولدي، كانت فرحتي بالتهنئة التي وصلتني منهما هي الأهم، ورغم أن المناسبة مرت وهما بعيدا عني، إلا أن تهنئتهما منحتني من السعادة مت يكفيني حتى نجتمع لنحتفل.
مع زيادة وعيهما بتقدمهما في العمر، أصبحا يهتمان بذكرى مولدي أيضا، ويتباريان في تذكيري بالترتيب للاحتفال، ويتسابقان في جلب الهدايا. لا أتذكر أنني احتفلت يوما بذكرى مولدي قبل أن يجبرانني على الاحتفال بها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 27 مايو 2018

سحور فلورنتينا




أحرص كل فترة على ضم المزيد من الأشخاص إلى قائمة أصدقائي التي أعتبرها أحد أبرز متع الحياة في السنوات الأخيرة، وجمعتني قبل أيام وجبة سحور رمضانية في أحد مطاعم الدوحة بأصدقاء جدد. أحدهم من تونس، والأخر من الفيليبين، وكلاهما متخصصان في التغذية، ورابعنا شاب هندي متخصص في اللياقة البدنية.
تركز أغلب حديثنا حول عادات الطعام في رمضان، وكيفية التغلب على زيادة الوزن، وطرق ممارسة الرياضة مع الصيام وارتفاع درجات الحرارة، وكلها أمور تشغلني بسبب خطتي للتخلص من الوزن الزائد، والتي تعرفت على ثلاثتهم خلالها.
استفدت كثيرا من خبراتهم كمتخصصين، ولم يخل حديثنا من التطرق إلى الغريب والطريف من عادات رمضان في بلادنا، وأحوال المسلمين حول العالم، وكذا القدس، وترامب، والارهاب، وداعش، وسورية، والعراق، وتونس، واليمن، والصومال، كما تطرقنا إلى ما يجري في الفيليبين، والأزمة الأخيرة مع الكويت.
تحدث صديقنا الفيليبيني عبد الجبار، عن تصاعد التوتر بين الحكومة ومتشددين في مدينة مراوي، والتي تضم غالبية من المسلمين، وقال إن الحكومة تكرر أن المسلمين في الفيليبين لا يتجاوز عددهم 10 في المائة، بينما الواقع أن النسبة لا تقل عن 20 في المائة.
وضحك صديقنا التونسي محمد، قائلا إن نسبة 10 في المائة في بلد تعداد سكانه أكثر من 100 مليون، تساوي تقريبا عدد سكان بلده تونس، ثم انتقل بنا إلى الحديث عن أزمة الحكومة التونسية، وصراعها مع اتحاد الشغل، واستمرار تفاقم نسب البطالة والهجرة، وموجات الارهاب.
ولفتنا صديقنا الهندي عبد العزيز، إلى عودة الهجمات الارهابية مؤخرا إلى إندونيسيا، أكبر بلد مسلم في عدد السكان، وبدأ يحكي عن التفجيرات والهجمات الأخيرة في مدينة سوراباييا، ثاني أكبر مدن البلاد.
على الطاولة المجاورة، كان يجلس شاب وفتاة أسيويان، فاجأتنا الفتاة بطلب الانضمام إلينا والمشاركة في الحوار طالما أننا نتحدث عن بلدها إندونيسيا، فرحبنا بهما.
قالت إن اسمها فلورنتينا، من سومطرة، وإنها مهندسة حديثة التخرج، وهي في الدوحة لحضور دورة تدريبية لمدة شهرين، بينما عرف الشاب نفسه بأنه يعمل في أحد فنادق الدوحة.
حكت لنا فلورنتينا عن الوضع الاجتماعي الصعب في بلدها الفقير، واسترعى انتباهنا أن الفتاة التي لا تتجاوز الخامسة والعشرين سنة، تمتلك رؤية جيدة عن وضع شديد التعقيد لبلد مكون من أكثر من 17500 جزيرة ويضم أكثر من 265 مليون نسمة، غالبيتهم مسلمين.
كان انتقادها الأساسي أن المسلمين العرب لا يعرفون شيئا عن المسلمين في بقية أنحاء العالم، والواقع أنها محقة.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 19 مايو 2018

فانوس ومسحراتي

يعيد حلول شهر رمضان سنويا إلى مخيلتي الكثير من ذكريات الطفولة المرتبطة بطقوسه المميزة في مصر، والتي اختفى بعضها تماما، وتطور بعضها الأخر.
 كأغلب أقراني آنذاك، كان لفانوس رمضان أهمية كبرى كأحد مستلزمات الشهر الأساسية، وإن كانت عملية شراءه لا تخلو من مشكلات بسبب إعجابي بأكثر من فانوس عادة، وعدم القدرة على اختيار أحدها، أو اختيار الفانوس، ثم اكتشاف فانوس أخر أفضل. لم تكن عملية الشراء عادة تمر بهدوء.
 لازلت أتذكر فانوسي المعدني الصغير المزين بالزجاج الملون، والذي تضيئه شمعة بيضاء رفيعة، وأتذكر أنني حصلت في سنوات لاحقة على فوانيس أكبر حجما، لكن ظل الفانوس الأول صاحب الحظوة عندي.
في سنوات لاحقة توقفت عن شراء الفانوس باعتباره شأن طفولي. وقتها ظهرت أنواع من الفوانيس التي تصدر صوت موسيقى أو يسمع منها أجزاء من أغنيات أو أدعية دينية، كما ظهرت أشكال متعددة من الفوانيس، لكن كل تلك الأشكال لم تؤثر على مكانة الفانوس المعدني المغطى بالزجاج الملون الذي يحوي شموعا، والذي تحول بمرور السنين إلى هدية قيمة.
عندما ظهر الفانوس الذي يضيء بمصباح يعمل ببطارية جافة، والذي كان حدثا كبيرا وقتها، لم أكن من المعجبين به، ولم أنفك أفضل فانوس الشمعة التقليدي عليه، ولازلت حتى يومنا هذا.
  مثلما ارتبط رمضان في مخيلتي بالفانوس، كانت مكانة المسحراتي مميزة، رغم أن مهمته الأصلية في تنبيه الناس إلى موعد السحور لم تعد مطلوبة لتعدد وسائل التنبيه مثل الساعة والراديو والتليفزيون، وصولا إلى الهواتف المحمولة.
لم يكن مسحراتي حينا يكرر تلك النصوص الشهيرة المتداولة عن المسحراتي "اصحى يا نايم. وحد الدايم. وحد الرزاق. رمضان كريم"، وإنما كان يكتفي بنقر طبلته الصغيرة نقرات خفيفة، قبل أن ينادي بصوت عال: "سحور يا حاج صلاح. سحور يا أستاذ علي"، أو ينادي سيدة البيت باسم ابنها أو ابنتها "سحور يا ست أم محمد. سحور يا ست أم سحر"، فذكر السيدات بأسمائهن المجردة كان ولا زال غير مستحبا في المجتمعات الشعبية. 
كان مرور المسحراتي في حينا الصغير يوميا، طقسا محببا لي في سنوات طفولتي، وكنت وغيري كثيرين، ندور معه على منازل الحي حاملين فوانيسنا المضاءة كل ليلة تقريبا.
  وفي رحلتنا مع المسحراتي كل ليلة عبر دروب الحي الضيقة، كنا لا نستطيع إخفاء انبهارنا بقدرته على حفظ أسماء جميع السكان، وكيف أنه يعرف أين يقيم كل منهم تحديدا، ولا يكاد يخطأ أبدا في اسم أو عنوان.
لم يكن يشغلنا وقتها كيف يكسب المسحراتي قوت يومه بعد انتهاء شهر رمضان، وكذا صانع الفوانيس.







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 12 مايو 2018

ما يستحقه العرب

يؤكد صديقي أن أبرز عيوب ثورات الربيع العربي تتمثل في عدم فهم من شاركوا فيها لمَوَاطن الخلل في مجتمعاتهم التي تم اللعب بثقافتها وثوابتها على مدار قرون، بداية من تكرار ضرورة الصبر على الفساد والظلم رغم مخالفة ذلك للمنطق والأديان، وصولاً إلى عدم المطالبة بالحقوق الأساسية خوفاً من تأثير ذلك على استقرار البلاد، رغم أن الرضا بالفُتات والصبر على الفشل لا يضمن بحال استقرار العباد، وبالتالي فلا يمكن أن تستقر البلاد.
 صديق آخر ينتظر وقوع كارثة عربية كبرى، اعتقاداً أن كل الفشل القائم والتفريط في الأرض والثروات، وقمع الشعوب، والهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل، وغيرها، ليست كوارث يمكن أن يستفيق بسببها المواطن العربي الذي بات يتعامل معها باعتبارها واقعاً يومياً، ولا يكاد يستنكرها أو ينزعج بسببها، وإن فعل فإن ذلك يكون على استحياء. يجادل صديق ثالث رافض لنظرية الكارثة، مؤكداً أن العرب لا يتحملون المزيد من الكوارث، وأن ما تعيشه شعوب أغلب الدول العربية يعد تجسيداً كاملاً لما يمكن أن يطلق عليه وصف الكارثة. يبادره الثاني قائلاً إنه لا يتمنى وقوع الكارثة له أو لغيره، لكنه في الوقت ذاته يعتقد أن بلادنا المنكوبة وشعوبنا البائسة قد لا تستفيق إلا على وقع تلك الكارثة المدوية، مثلما حدث في اليابان من دمار بعد القنبلة الذرية، أو في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. يقول صديقنا الأول إن أحداث الربيع كشفت أن الشخصية العربية متشابهة جداً، سواء في طريقة التفكير، أو تكرار الشعارات والعبارات المحفوظة دون وعي، وأن الغالبية لديهم استعداد دائم للانخداع بما تروجه وسائل الإعلام من أكاذيب لا يصح أن يصدقها عاقل، ومتشابهون حتى في تجاعيد البؤس والفقر التي تملأ الوجوه. يرى صديقنا الثاني أن الأزمة داخلنا، وأننا مسؤولون بشكل ما عن كل ما نعانيه، وأن أوضاعنا لن تتغير إلا إن تغيرنا. لا يختلف أي منا معه، وإن كانت لدينا كثير من التفصيلات حول ما قال. يقرأ علينا نصاً منسوباً إلى المفكر المصري الراحل إبراهيم الفقي، يقول: "إن الأفكار لها قوة أكبر مما تتخيل، فهي إما تأخذك إلى السعادة أو إلى التعاسة، وفي كلتا الحالتين أنت صانع هذه الأفكار. لذا لاحظ جيداً ما الذي تفكر فيه لأن أفكارك ستحدد واقع حياتك، ومستقبلك، فكلما كانت أفكارك إيجابية وبناءة كلما عشت حياة ناجحة، وكلما كانت أفكارك سلبية فأنت أبعد ما تكون عن تحقيق أي شيء. حياتنا مشغولة بخلافات غير ضرورية، لأن عقولنا مملوءة بأفكار غير ضرورية، لذلك يعيش أغلبنا حياة بلا معنى، وفي الحقيقة غير ضرورية".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية