الأحد، 17 يونيو 2018

في بيتنا مونديال



علاقتي بمتابعة مباريات كرة القدم وأخبار نجومها وفرقها مقطوعة منذ أكثر من عشرين سنة، رغم أن كل أفراد عائلتي من عشاق المستديرة. حضرت في طفولتي ومراهقتي تجمعات عائلية عدة لمتابعة مباريات وبطولات، وما زلت أذكر وقائع مباريات شهيرة في عدد من البطولات الأفريقية، وبالطبع تفاصيل مشاركة مصر في كأس العالم 1990. في هذه الأيام، يشارك فريق مصري في بطولة كأس العالم في روسيا بعد 28 سنة غياب عن البطولة الدولية الأهم في اللعبة الأكثر شهرة حول العالم، ورغم أن عدم رغبتي في متابعة المباريات لم تتبدل، إلا أن كثيراً من الأشياء فيما يخص علاقتي بالكرة تغير رغماً عني. ينخرط ولداي منذ سنوات في مدرسة للتدريب على كرة القدم، وهما بالطبع من عشاق مشاهدة المباريات، ويحفظان أسماء مئات اللاعبين، بل إنهما أحياناً يدخلان في نقاشات وجدالات طويلة حول وقائع مباراة أو مباريات، بعضها مر عليها وقت غير قصير، بينما والدهما لا يعرف كثيراً عن الشأن الذي يتناقشان فيه. ابني الأكبر من مشجعي النادي الأهلي المصري، ونادي ريال مدريد الإسباني، و"رونالدو" نجمه المفضل، بينما ابني الأصغر يشجع نادي الزمالك المصري، ونادي برشلونة الإسباني، ويطلق على نفسه لقب "ميسي". معلوماتي حول كرة القدم محدودة، لكني أدرك جيداً أن الأهلي والزمالك هما قطبا الكرة المصرية، وأن المنافسة بينهما تمتد بامتداد تاريخ كرة القدم في مصر، وأدرك أيضاً أن الأمر مماثل تقريباً في حالة "الريال" و"البرشا". على مدار السنوات الماضية نشبت في بيتنا عشرات الخلافات بين الشقيقين بسبب المباريات، وكان بعضها يتحول إلى اشتباكات بالأيدي، وأحياناً مقاطعة بعضهما البعض لأيام، رغم أنهما، في العادة، لا يشاهدان المباريات سوياً، وإنما يشاهد كل منهما بعيداً عن الآخر. في السنة الأخيرة ظهر المصري محمد صلاح على الساحة، ليستحوذ سريعاً على اهتمام كل مشجعي الكرة في مصر، وعدد كبير من المشجعين العرب، ولأول مرة اتفق ولداي على متابعة مباريات نادي ليفربول الذي يلعب له صلاح، حتى لو كان يلعب ضد ناديهما المفضل. لما بدأ مونديال كأس العالم في روسيا، تحول منزلنا إلى ما يشبه معسكرات فرق الكرة قبل البطولات الكبرى، وعادة ما يبدأ بعد كل مباراة استديو تحليل كما في القنوات الرياضية. ولأن مصر مشاركة في هذه البطولة، فإن الاهتمام زائد عن المعتاد، إذ باتت تدور أغلب تفاصيل الحياة اليومية، من طعام وزيارات وغيرها، حول مواعيد المباريات، كما تؤثر النتائج في الجو العام للمنزل، خصوصاً نتائج مباريات مصر الثلاث، كأن المونديال في منزلنا.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 9 يونيو 2018

خمس سنوات انقلاب


كانت الحُجّة الرائجة أن محمد مرسي ضد هويّة البلاد، وأنه سيزيد من تردي الأوضاع السيئة، وأن إزالته عن رأس السلطة ضرورة حتى لا يتضرر الوطن.
تم ترويج تلك الشعارات بقوة تحقيقاً للمثل الشعبي المصري "الزّنّ على الودان أقوى من السحر". كان الآلاف مدفوعين بمصالحهم الضيقة، ورؤيتهم القاصرة، بينما كان رجال النظام القديم، الذي لم يسقط يوماً، يدعمون إسقاط الحاكم رغبة في استعادة دولتهم التي تزلزلت أركانها بعض الشيء في 2011.
خرج مئات الآلاف إلى الشوارع مطالبين بإسقاط الرئيس، آلاف من هؤلاء قرروا التخلي عن إجازاتهم السنوية في سواحل مصر، أو خارج البلاد، للمشاركة في إسقاطه. رغم أن هؤلاء أنفسهم كانوا ضد إسقاط من سبقه وهاجموا من طالبوا بسقوطه.
سقط النظام، وفرح من أسقطوه، غنوا ورقصوا، بعضهم لم يكن يدرك مدى فداحة ما فعله بنفسه وببلاده، وبعضهم خدع نفسه أن العسكريين الذين سيطروا على السلطة بعد الإطاحة بالرئيس المدني المنتخب، سيحققون الديمقراطية، أو يعيدون الطابع المدني إلى السلطة، هذا الطابع الذي يعد النتيجة الإيجابية الوحيدة لثورة أطاحت بالجنرال حسني مبارك ونظامه، أو هكذا كنا نعتقد.
بعضهم كان يرغب في تجربة أن يكون ثائراً بعدما أُلصق به وصف "الفلول"، أو "حزب الكنبة"، حتى لو كان ذلك بالمشاركة في ثورة مضادة، وآخرون كان كل همهم إسقاط ثورة يناير، ومعاقبة من شاركوا فيها، وكان هذا مدعوماً بوضوح من الجيش والشرطة. تعددت الأغراض والأهداف، لكنها اتفقت على إسقاط الرئيس محمد مرسي، وهو نفسه ترك الثورة المضادة تشتعل تحت قدميه دون أن يفعل شيئاً لمقاومتها أو تحجيمها.
مرت الشهور والسنون، واختفت شعارات يناير تماماً، ثم اختفت سريعاً شعارات يونيو 2013، فخارطة الطريق المزعومة التي أعلنها الجنرال في بيان الانقلاب، لم يتحقق منها شيء، ولا يحتاج المرء عيناً فاحصة لكشف أن الأوضاع باتت أكثر سوءاً على كل المستويات، فلا الأسعار انخفضت، ولا مستوى المعيشة تحسن، ولا مصر أصبحت "أدّ الدنيا"، بل ظهرت شعارات جديدة منها "شبه دولة" بعدما كانت "أم الدنيا"، و"انتو مش عارفين إننا فقراء أوي"، و"يعمل ايه التعليم في وطن ضايع".
حتى شعارات نخبة الانقلاب نفسها اختفت، وباتت الحريات وتعدد الآراء من الماضي، ومن يخرج إلى الشارع معترضاً يعتقل، وربما يقتل، ومن يكتب أو يعرض رأياً مخالفاً يعاقب، حتى إن التظاهر الذي أسقط مبارك، ثم طارد الجنرال حسين طنطاوي وصولاً إلى عزل مرسي، بات جريمة.
الأهم أنه لم يعد يجرؤ أحد على التبجح بأن مصر الآن أفضل مما كانت عليه في 2013.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 3 يونيو 2018

41 سنة




لم أكن يوما من المهتمين بالاحتفال بذكرى مولدي، على العكس، أعتبر نفسي من هذا الفصيل الذي يكره هذه المناسبة، وكثيرا ما دار بخاطري حوار ذاتي حول أسباب اهتمام الناس بذكرى مولدهم.
 أزعم أنني من هؤلاء الذين يتمنون لو أنهم لم يولدوا في هذا العالم المتخم بمظاهرالبؤس والشقاء والصراعات والدماء والظلم، لكنني أيضا لست ممن يحلمون لو أنهم ولدوا في زمان أخر، فكل الأزمان التي قرأت أو سمعت عنها نال من عاشوا فيها نصيبهم الكامل من البؤس والقهر والظلم، مثلنا، وربما بنسبة أكبر منا.
 كنت دوما أرفض الاحتفال بذكرى مولدي، بل وأتهرب عادة من حضور احتفالات أصدقائي، في سنوات شبابي الأولى، قررت صديقة الاحتفال بعيد مولدها، ووجهت الدعوة لكثير من الرفاق. كنت وقتها أكثر كراهية للاحتفال بذكرى الميلاد، لكني كنت مضطرا للحضور لأنها صديقة مقربة. كان التجمع صاخبا، غنينا ورقصنا وضحكنا، وكانت أغلب الهدايا بسيطة بقدر بساطتنا كطلاب في المرحلة الجامعية.
 دفعني عقلي الكاره للمناسبة للتفكير بطريقة للاعتراض، وهداني إلى الهدية التي اقتنيتها. كانت هديتي عبارة عن "ببرونة" من تلك التي تستخدم في إطعام الأطفال الرضع، بل إنني تعمدت أن أقدمها مليئة بالحليب. لما فتحت صديقتي الهدية التي غلفتها جيدا، تجمدت للحظات في محاولة لإدراك مقصدي منها، ولم ينقذني من غضبها الظاهر إلا تدفق الضحكات من كل الحاضرين اعجابا بالهدية المبتكرة، لكنها لم تعجبها يومها، بالأحرى لم تعجبها أبدا، حتى أنها ظلت تذكرها طيلة السنوات اللاحقة كلما جمعنا مكان أو ضمتنا مناسبة.
 لاحقا، عندما أنجبت ابني الأول، تغيرت نظرتي إلى ذكرى الميلاد، ليس مولدي، وإنما مولده. أصبحت أجهز للاحتفال بمولده قبل حلوله بفترة، وأضيع وقتا طويلا في التفكير في شكل الاحتفال والهدايا وكعكة الميلاد، ثم لما أنجبت ابني الثاني بات الاحتفال بذكرى مولدهما أهم مناسبات العام وأحد أيامنا السعيدة، وكلما تقدما في العمر كلما باتت المناسبة أهم بسبب اهتمامهما البالغ بها، والذي يجبرني على مزيد من التركيز في التفاصيل حتى لا أغضب أي منهما.
في الذكرى الـ41 لمولدي، كانت فرحتي بالتهنئة التي وصلتني منهما هي الأهم، ورغم أن المناسبة مرت وهما بعيدا عني، إلا أن تهنئتهما منحتني من السعادة مت يكفيني حتى نجتمع لنحتفل.
مع زيادة وعيهما بتقدمهما في العمر، أصبحا يهتمان بذكرى مولدي أيضا، ويتباريان في تذكيري بالترتيب للاحتفال، ويتسابقان في جلب الهدايا. لا أتذكر أنني احتفلت يوما بذكرى مولدي قبل أن يجبرانني على الاحتفال بها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 27 مايو 2018

سحور فلورنتينا




أحرص كل فترة على ضم المزيد من الأشخاص إلى قائمة أصدقائي التي أعتبرها أحد أبرز متع الحياة في السنوات الأخيرة، وجمعتني قبل أيام وجبة سحور رمضانية في أحد مطاعم الدوحة بأصدقاء جدد. أحدهم من تونس، والأخر من الفيليبين، وكلاهما متخصصان في التغذية، ورابعنا شاب هندي متخصص في اللياقة البدنية.
تركز أغلب حديثنا حول عادات الطعام في رمضان، وكيفية التغلب على زيادة الوزن، وطرق ممارسة الرياضة مع الصيام وارتفاع درجات الحرارة، وكلها أمور تشغلني بسبب خطتي للتخلص من الوزن الزائد، والتي تعرفت على ثلاثتهم خلالها.
استفدت كثيرا من خبراتهم كمتخصصين، ولم يخل حديثنا من التطرق إلى الغريب والطريف من عادات رمضان في بلادنا، وأحوال المسلمين حول العالم، وكذا القدس، وترامب، والارهاب، وداعش، وسورية، والعراق، وتونس، واليمن، والصومال، كما تطرقنا إلى ما يجري في الفيليبين، والأزمة الأخيرة مع الكويت.
تحدث صديقنا الفيليبيني عبد الجبار، عن تصاعد التوتر بين الحكومة ومتشددين في مدينة مراوي، والتي تضم غالبية من المسلمين، وقال إن الحكومة تكرر أن المسلمين في الفيليبين لا يتجاوز عددهم 10 في المائة، بينما الواقع أن النسبة لا تقل عن 20 في المائة.
وضحك صديقنا التونسي محمد، قائلا إن نسبة 10 في المائة في بلد تعداد سكانه أكثر من 100 مليون، تساوي تقريبا عدد سكان بلده تونس، ثم انتقل بنا إلى الحديث عن أزمة الحكومة التونسية، وصراعها مع اتحاد الشغل، واستمرار تفاقم نسب البطالة والهجرة، وموجات الارهاب.
ولفتنا صديقنا الهندي عبد العزيز، إلى عودة الهجمات الارهابية مؤخرا إلى إندونيسيا، أكبر بلد مسلم في عدد السكان، وبدأ يحكي عن التفجيرات والهجمات الأخيرة في مدينة سوراباييا، ثاني أكبر مدن البلاد.
على الطاولة المجاورة، كان يجلس شاب وفتاة أسيويان، فاجأتنا الفتاة بطلب الانضمام إلينا والمشاركة في الحوار طالما أننا نتحدث عن بلدها إندونيسيا، فرحبنا بهما.
قالت إن اسمها فلورنتينا، من سومطرة، وإنها مهندسة حديثة التخرج، وهي في الدوحة لحضور دورة تدريبية لمدة شهرين، بينما عرف الشاب نفسه بأنه يعمل في أحد فنادق الدوحة.
حكت لنا فلورنتينا عن الوضع الاجتماعي الصعب في بلدها الفقير، واسترعى انتباهنا أن الفتاة التي لا تتجاوز الخامسة والعشرين سنة، تمتلك رؤية جيدة عن وضع شديد التعقيد لبلد مكون من أكثر من 17500 جزيرة ويضم أكثر من 265 مليون نسمة، غالبيتهم مسلمين.
كان انتقادها الأساسي أن المسلمين العرب لا يعرفون شيئا عن المسلمين في بقية أنحاء العالم، والواقع أنها محقة.

يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 19 مايو 2018

فانوس ومسحراتي

يعيد حلول شهر رمضان سنويا إلى مخيلتي الكثير من ذكريات الطفولة المرتبطة بطقوسه المميزة في مصر، والتي اختفى بعضها تماما، وتطور بعضها الأخر.
 كأغلب أقراني آنذاك، كان لفانوس رمضان أهمية كبرى كأحد مستلزمات الشهر الأساسية، وإن كانت عملية شراءه لا تخلو من مشكلات بسبب إعجابي بأكثر من فانوس عادة، وعدم القدرة على اختيار أحدها، أو اختيار الفانوس، ثم اكتشاف فانوس أخر أفضل. لم تكن عملية الشراء عادة تمر بهدوء.
 لازلت أتذكر فانوسي المعدني الصغير المزين بالزجاج الملون، والذي تضيئه شمعة بيضاء رفيعة، وأتذكر أنني حصلت في سنوات لاحقة على فوانيس أكبر حجما، لكن ظل الفانوس الأول صاحب الحظوة عندي.
في سنوات لاحقة توقفت عن شراء الفانوس باعتباره شأن طفولي. وقتها ظهرت أنواع من الفوانيس التي تصدر صوت موسيقى أو يسمع منها أجزاء من أغنيات أو أدعية دينية، كما ظهرت أشكال متعددة من الفوانيس، لكن كل تلك الأشكال لم تؤثر على مكانة الفانوس المعدني المغطى بالزجاج الملون الذي يحوي شموعا، والذي تحول بمرور السنين إلى هدية قيمة.
عندما ظهر الفانوس الذي يضيء بمصباح يعمل ببطارية جافة، والذي كان حدثا كبيرا وقتها، لم أكن من المعجبين به، ولم أنفك أفضل فانوس الشمعة التقليدي عليه، ولازلت حتى يومنا هذا.
  مثلما ارتبط رمضان في مخيلتي بالفانوس، كانت مكانة المسحراتي مميزة، رغم أن مهمته الأصلية في تنبيه الناس إلى موعد السحور لم تعد مطلوبة لتعدد وسائل التنبيه مثل الساعة والراديو والتليفزيون، وصولا إلى الهواتف المحمولة.
لم يكن مسحراتي حينا يكرر تلك النصوص الشهيرة المتداولة عن المسحراتي "اصحى يا نايم. وحد الدايم. وحد الرزاق. رمضان كريم"، وإنما كان يكتفي بنقر طبلته الصغيرة نقرات خفيفة، قبل أن ينادي بصوت عال: "سحور يا حاج صلاح. سحور يا أستاذ علي"، أو ينادي سيدة البيت باسم ابنها أو ابنتها "سحور يا ست أم محمد. سحور يا ست أم سحر"، فذكر السيدات بأسمائهن المجردة كان ولا زال غير مستحبا في المجتمعات الشعبية. 
كان مرور المسحراتي في حينا الصغير يوميا، طقسا محببا لي في سنوات طفولتي، وكنت وغيري كثيرين، ندور معه على منازل الحي حاملين فوانيسنا المضاءة كل ليلة تقريبا.
  وفي رحلتنا مع المسحراتي كل ليلة عبر دروب الحي الضيقة، كنا لا نستطيع إخفاء انبهارنا بقدرته على حفظ أسماء جميع السكان، وكيف أنه يعرف أين يقيم كل منهم تحديدا، ولا يكاد يخطأ أبدا في اسم أو عنوان.
لم يكن يشغلنا وقتها كيف يكسب المسحراتي قوت يومه بعد انتهاء شهر رمضان، وكذا صانع الفوانيس.







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 12 مايو 2018

ما يستحقه العرب

يؤكد صديقي أن أبرز عيوب ثورات الربيع العربي تتمثل في عدم فهم من شاركوا فيها لمَوَاطن الخلل في مجتمعاتهم التي تم اللعب بثقافتها وثوابتها على مدار قرون، بداية من تكرار ضرورة الصبر على الفساد والظلم رغم مخالفة ذلك للمنطق والأديان، وصولاً إلى عدم المطالبة بالحقوق الأساسية خوفاً من تأثير ذلك على استقرار البلاد، رغم أن الرضا بالفُتات والصبر على الفشل لا يضمن بحال استقرار العباد، وبالتالي فلا يمكن أن تستقر البلاد.
 صديق آخر ينتظر وقوع كارثة عربية كبرى، اعتقاداً أن كل الفشل القائم والتفريط في الأرض والثروات، وقمع الشعوب، والهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل، وغيرها، ليست كوارث يمكن أن يستفيق بسببها المواطن العربي الذي بات يتعامل معها باعتبارها واقعاً يومياً، ولا يكاد يستنكرها أو ينزعج بسببها، وإن فعل فإن ذلك يكون على استحياء. يجادل صديق ثالث رافض لنظرية الكارثة، مؤكداً أن العرب لا يتحملون المزيد من الكوارث، وأن ما تعيشه شعوب أغلب الدول العربية يعد تجسيداً كاملاً لما يمكن أن يطلق عليه وصف الكارثة. يبادره الثاني قائلاً إنه لا يتمنى وقوع الكارثة له أو لغيره، لكنه في الوقت ذاته يعتقد أن بلادنا المنكوبة وشعوبنا البائسة قد لا تستفيق إلا على وقع تلك الكارثة المدوية، مثلما حدث في اليابان من دمار بعد القنبلة الذرية، أو في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. يقول صديقنا الأول إن أحداث الربيع كشفت أن الشخصية العربية متشابهة جداً، سواء في طريقة التفكير، أو تكرار الشعارات والعبارات المحفوظة دون وعي، وأن الغالبية لديهم استعداد دائم للانخداع بما تروجه وسائل الإعلام من أكاذيب لا يصح أن يصدقها عاقل، ومتشابهون حتى في تجاعيد البؤس والفقر التي تملأ الوجوه. يرى صديقنا الثاني أن الأزمة داخلنا، وأننا مسؤولون بشكل ما عن كل ما نعانيه، وأن أوضاعنا لن تتغير إلا إن تغيرنا. لا يختلف أي منا معه، وإن كانت لدينا كثير من التفصيلات حول ما قال. يقرأ علينا نصاً منسوباً إلى المفكر المصري الراحل إبراهيم الفقي، يقول: "إن الأفكار لها قوة أكبر مما تتخيل، فهي إما تأخذك إلى السعادة أو إلى التعاسة، وفي كلتا الحالتين أنت صانع هذه الأفكار. لذا لاحظ جيداً ما الذي تفكر فيه لأن أفكارك ستحدد واقع حياتك، ومستقبلك، فكلما كانت أفكارك إيجابية وبناءة كلما عشت حياة ناجحة، وكلما كانت أفكارك سلبية فأنت أبعد ما تكون عن تحقيق أي شيء. حياتنا مشغولة بخلافات غير ضرورية، لأن عقولنا مملوءة بأفكار غير ضرورية، لذلك يعيش أغلبنا حياة بلا معنى، وفي الحقيقة غير ضرورية".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 5 مايو 2018

لقاء في مقهى

التقينا بعد طول غياب لنسترجع ذكريات مرّ عليها نحو 10 سنوات في القاهرة، وفي الإسكندرية، تذكرنا كثيرا من حكايات العمل، والأصدقاء المشتركين. ضحكنا وسخرنا وعلت وجهينا لحظات عبوس.
 استغرقتنا لحظات صمت عندما استحضرنا الأيام الأولى من ثورة يناير. هي لم تكن من مؤيديها ومازالت ضدها، لكنها قادمة من عطلة استمرت ثلاثة أسابيع في مصر، وعلى عكس مرات سابقة، تبدو أكثر انزعاجاً من تفاقم الأزمات المعيشية.
 انتقل حديثنا إلى صديقة قديمة مشتركة. قالت: هل عرفت أن صديقتنا تزوجت مجدداً؟ قبل أن أرد متعجباً، عادت لتقول: لكنها تطلقت مجدداً بعد بضعة أشهر.
سألتها عن تفاصيل أكثر عن صديقتها الحميمة. لماذا قررت الزواج مجدداً؟ ولماذا لم يستمر الزواج الجديد؟ فقالت لي إنها تزوجت زميل عمل هرباً من الوحدة، لكنها اكتشفت بعد فترة قصيرة أنها باتت غير قادرة على تحمل العيش في ظل رجل بعدما عاشت لسنوات كامرأة حرة.
كانت صديقتنا مطلقة منذ سنوات، وكان طلاقها مفاجئاً لأغلبنا بسبب العلاقة الرائعة التي كانت تربطها بزوجها الذي كنا نلتقيه في مناسبات مختلفة.
  استطردت في الموضوع، ليس موضوع الطلاق الثاني لصديقتنا، وإنما ظاهرة تفشي الطلاق بين أفراد جيلنا بعكس ما كان عليه الأمر في أجيال سبقتنا.
لم أستطع كتم سخريتي، فقلت إن الأزواج عادة يغادرون إلى القبور قبل زوجاتهم بسنوات، وإن الزوجات على الأغلب يعتبرن السبب الرئيس لوفاة الأزواج.
قالت صديقتي إنها حكت لأمها عن طلاق صديقتها، فعاجلتها الأم بأن الطلاق لم يكن معروفاً في زمانها، وأن غالبية النساء كن يغادرن بيوت أزواجهن فقط إلى القبور.
  لم تضحك صديقتي، بل شردت قليلاً قبل أن تتمتم بمرارة أن الزيجات البائسة أو الطلاق، رغم كل ما يمكن أن يخلفانه في نفوس النساء من آثار، أفضل كثيراً من تقدم المرأة في العمر دون زواج، وأن لقب المطلقة يظل أفضل من لقب العانس.
هممت بمجادلتها لتأكيد أن العنوسة أفضل من الزواج التعيس، وأن الطلاق أفضل كثيراً من مواصلة زواج بائس، فقاطعتني أصوات الجالسين في المقهى الذين كانوا يهتفون باسم لاعب أحرز هدفاً في مباراة لكرة القدم لم أكن مهتماً بمعرفة طرفيها. قررت وقف حوارنا الكئيب، فسألتها عن المباراة رغم علمي مسبقاً أنها ليست من مشجعي كرة القدم مثلي.
 فهمت مقصدي، فقررت مجاراتي في ترك حكايات الزواج والطلاق والعنوسة، إلى كرة القدم التي يحيط بنا مشجعوها، فقادنا الحديث إلى أزمة اللاعب المصري المحترف في ليفربول الإنكليزي محمد صلاح.
قضينا الساعة التالية في الحديث عن هموم الغربة التي يعيشها كلانا.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 27 أبريل 2018

فضفضة عربية

يعتقد صديق أن إصرار كثير من العرب، خصوصاً من كبار السن، على بقاء الحاكم، حتى لو كان ديكتاتوراً أو فاشلاً، سببه تجاربهم السابقة مع التغيير التي كانوا يأملون منها الخير، لكنها جلبت عليهم مزيداً من البؤس. نحتج على ما قاله، فيحيلنا إلى نتائج الربيع العربي الذي كان هدفه تغيير أنظمة مستبدة، فانتهى إلى إحلال أنظمة أكثر استبداداً. يمثل الصديق المتشائم وجهة نظر قطاع من العرب الذين يؤمنون بأن من يفشل مرة يجب أن لا يحاول مجدداً. هؤلاء أنفسهم يكررون عشرات الأمثال الشعبية المتداولة التي تحض على الرضا بالوضع المتاح، حتى لو كان مأساوياً. يطرح صديق آخر نظرية مفادها أن الطباع السيئة التي يبديها مواطنون عرب تجاه بعضهم البعض ليست إلا نتيجة طبيعية لعدم قدرتهم على مقاومة الأنظمة التي تحكمهم بالحديد والنار، وأن هؤلاء المحكومين البائسين يلجؤون إلى تفريغ غضبهم المكبوت في آخرين مثلهم أملاً في استشعار قدرة ما على رد الفعل، حتى إن كان رد فعل مزعوم، أو بالأحرى مذموم. يأخذنا صديق ثالث إلى رواية "فساد الأمكنة" للكاتب المصري الراحل صبري موسى، ويقرأ لنا منها نصاً حول قسوة المدينة على نفوس الناس، يقول: "إن مئات الخطايا الصغيرة التي نرتكبها بسهولة ويسر في المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين، تتراكم على قلوبنا وعقولنا، ثم تتكثف ضباباً يغشى عيوننا وأقدامنا، فنتخبط في الحياة كالوحوش العمياء. فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية. ولكنهم في الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها، ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلاً، بينما تحتاج دروب الحياة في الصحراء إلى بصيرة صافية نفاذة لتجنب أخطارها". ينقل أحد الأصدقاء دفة الحديث إلى رواية أخرى هي "حرب الكلب الثانية" للروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، والفائزة بجائزة "البوكر" قبل أيام، ويقرأ لنا أحد حواراتها المعبرة، يقول الشخص الأول: "لاحظت أن الناس لم تعد تتعارك وتختلف لتجرح، بل لتقتل نهائياً، كما لو أنهم متفقون على قاعدة: من مكان الشجار إلى المقبرة دون المرور بالمستشفى". فيسأله الثاني: "هل يحاولون التخفف من مصاريف العلاج؟"، فيرد: "لا أظن هذا، لقد قرروا التخفف ممن يشبهونهم إلى الأبد بعد أن كانوا قد تخففوا ممن يختلفون عنهم في الماضي". يشخص الحوار القصير الحالة القائمة في أغلب بلدان الربيع العربي، حيث تحول شركاء الثورة إلى أعداء، على الرغم من أنهم لا ينفكون يكررون المثل العربي الشهير "أكلت يوم أكل الثور الأبيض". ما يمكن اعتباره الانتصار الأهم للثورة المضادة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية



الجمعة، 20 أبريل 2018

وزن زائد


 بدأتُ قبل أكثر من شهر مضى، خطة جادة للتخلص من الوزن الزائد. توقفت عن تناول الطعام بعد التاسعة مساء، وامتنعت عن استهلاك السكر، كما امتنعت عن تناول الخبز. وألقيت كل ما كان لدي من المقبلات و"المخللات" في القمامة، وصرت أواظب على المشي أو الجري ساعة يومياً على الأقل، وساعتين على الأقل في العطلات الأسبوعية. عندما بدأت كان وزني يتجاوز المعدلات الطبيعية بتسعة كيلوغرامات كاملة، والآن فقدت خمسة منها، ولا يزال يتوجّب عليّ التخلص من خمسة كيلوغرامات أخرى. لكنها أصعب من سابقتها. بعد فقدان هذا الوزن الزائد بدأت أتلقى تشجيعاً من أغلب الزملاء، وتشجع عدد منهم للتخلص من وزنه الزائد أيضاً. أغلب الزملاء يعانون من المشكلة التي يمكن اعتبارها ظاهرة في كثير من أماكن العمل، وخصوصاً في مهنتنا التي تساعد على زيادة الوزن، إما بسبب الأوقات الطويلة التي نقضيها جلوساً، للكتابة والقراءة ومتابعة الأحداث، أو ما يمكن أن تسميه عدم وجود مواعيد ثابتة للعمل، حتى وإن كانت هناك مواعيد رسمية، وبالتالي تتأثر مواعيد تناول الطعام وممارسة الرياضة. نحن نعمل على مدار الساعة، حتى خلال ممارسة الرياضة، أو عند الذهاب إلى دور السينما، أو مشاهدة مباريات كرة القدم. تدور أغلب تفاصيل حياتنا حول العمل، ونربط كل ما نمارسه به، وأحياناً ما تتحوّل مهمة تسوّق إلى موضوع للكتابة، أو تمنح فكرة ما ضمن موضوع، وعادة ما ننتبه خلال نشاط نقوم به إلى ارتباطه بموضوع أو فكرة خاصة بالعمل. لا توفّر أغلب أماكن العمل، لأسباب اقتصادية في العادة، للعاملين مساحات لممارسة أي نوع من الرياضة، وبالتالي يتحوّل العمل إلى أحد أسباب السمنة، فضلاً عن أمراض العمل الأخرى المعروفة. وتؤكد كثير من الدراسات في مجالات الصحة واللياقة البدنية وجودة العمل، أن توفير صالة رياضية صغيرة في مكان العمل يمكن أن يزيد من إنتاجية العاملين، ويحافظ أيضاً على صحتهم البدنية والعقلية، بما يوفر لمكان العمل الكثير. شاهد كثيرون لقطات فيديو عدة تظهر موظفين يمارسون الرقص الجماعي قبل بدء العمل، أو خلال فترة الراحة بين ساعات العمل الطويلة، لكن أحداً من هؤلاء يدرك أنه لن يمكنه الرقص في مكان عمله لأسباب أغلبها يتعلق بالتقاليد العربية الرائجة. دعك من الرقص. تعال نتحدث عن إقرار دقائق يومياً لممارسة أي رياضة خلال ساعات العمل، ربما تكون تلك الدقائق كفيلة بتجديد النشاط وتصفية الذهن بما يسمح باستكمال مهام العمل على الوجه الأكمل.

طرحت الفكرة على زملاء، فأقروا بأهميتها، ثم تقمص أحدهم دور المدير، ورفض تطبيقها قطعيا.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 13 أبريل 2018

خايف للغربة تحلالك

جمعتني، قبل أيام، جلسة امتدت لساعات مع أشخاص ينتمون إلى جنسيات عربية مختلفة، كما تتباين المهن التي يمارسونها، وتتفاوت أعمارهم ومستوياتهم التعليمية والثقافية. كنا نتحاور حول موضوع واحد هو "الغربة".
أغلب الحضور كانوا مغتربين عن أوطانهم لأسباب اقتصادية، لكن الحوار كان مليئا بالتباينات.
بدأت صديقتنا اللبنانية الحوار بتأكيد عدم رغبتها في العودة إلى بلادها، وأنها تشعر أن حياة الغربة أكثر راحة من العيش في الوطن، فوافقها صديق مصري قائلاً إنه لا يفكر في العودة لأنه يرفض العيش في كنف نظام يحكم بلاده بالحديد والنار.
كان صديقنا الليبي متحفزاً لطرح وجهة نظره. قال إنه لم يكن يخطر بباله يوماً أن يغادر بلاده، أو أن لا يتمكن من العودة إليها مجدداً، لكن الأوضاع التي آلت إليها البلاد تدفعه إلى ذلك، مضيفاً أنه يصعب عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الإطاحة بالعقيد القذافي.
انبرى رفيقنا المغربي متهماً إياه بالحنين إلى عهد القذافي، وأفاض في سرد الكوارث التي فعلها العقيد طيلة عقود قبل قتله على أيدي الثوار.
فضّل صديقنا الليبي الصمت، فحاولت صديقة سورية انتشاله من تهمة الحنين إلى عهد بائد، مؤكدة أنه لا يمكن بعد كل ما جرى في بلدان الربيع العربي أن نستنكر بعضاً من الحنين إلى هدوء العهود السابقة، وإن كان الفساد مستشريا فيها، وضربت مثالاً ببلدها الذي بات شبه مدمر بالكامل، والذي يحلم كل شخص يحمل جنسيته لو عادت الأمور إلى ما قبل 2011، رغم كل ما كان قائماً من ظلم وقمع وفساد.
كان رفيقنا الفلسطيني يراقب من دون تدخل، فوجهت إليه سؤالاً مباشراً حول رغبته في العودة إلى فلسطين. تجهّم الشاب الذي لا يكف عادة عن الضحك والسخرية، وقال إن القرية التي تم تهجير جده منها بعد النكبة لم تعد موجودة على الخريطة، وبالتالي فإنه لا يملك مسقط رأس يعود إليه.
سيطر الوجوم على المجموعة لفترة، قبل أن تقطعه صديقتنا السورية قائلة: إذا ما عدت وعاد غيرك، فعندها يمكن إعادة القرية إلى الخريطة مجدداً، فاحتد الشاب قائلاً: هذا يستلزم إنهاء الاحتلال أولاً، وكيف ينتهي الاحتلال بينما الفصائل الفلسطينية تتصارع معاً على تفاهات بدلاً من الاتفاق على أسلوب موحد للمقاومة.
تدخّل صديق يمني مؤكداً أنه سيعود في حال أتيحت له الظروف، وأنه لن يسمح للغربة التي فرضت عليه أن تستمر إلى الأبد.
ساد صمت بارد قطعه تسلل صوت محمد عبد الوهاب في مقطع "خايف للغربة تحلالك. والبعد يغير أحوالك. خليني دايما على بالك. يا مسافر وحدك وفايتني".

نظر بعضنا إلى بعض للحظات، قبل أن يبدأ أغلبنا ترديد الأغنية.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية