الخميس، 18 يناير 2018

التشدق بقضية فلسطين





 يتشدق العرب، حكاما ومحكومين، منذ عقود، بأن فلسطين قضيتهم الأولى، لكن الأمر لا يتجاوز الحناجر عادة، بينما الواقع أن مساعي التطبيع جارية على قدم وساق.

 يكاد لا يمر يوم دون أن تسمع حاكما من هنا وزعيما سياسيا من هناك يردد المقولات المحفوظة عن القضية العربية والعدو الإسرائيلي، والأقصى الأسير والهيكل المزعوم، وتهويد القدس وجدار الفصل وغيرها، قبل أن يضاف إليها مؤخرا مصطلحات جديدة بعد قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس باعتبارها عاصمة لإسرائيل.
 بعد القرار الأميركي عادت القضية إلى الواجهة بفعل انتفاضة الفلسطينيين الغاضبين، فعقدت عربيا وعالميا، مؤتمرات وندوات، وظهرت تصريحات رسمية وشعبية منددة ورافضة، لكنها جميعا لم تتجاوز التشدق الكلامي إلى رد فعل حقيقي.
بات الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ستاراً لإخفاء الجبن العربي. تنتهك المقدسات والحقوق، ويقتل البشر ويعتقلون يومياً في فلسطين ولا يتحرك العرب، يكتفي الحكام بالشجب والتنديد، ويكتفي المحكومون بتكرار أنهم مقهورون لا يملكون وسائل المقاومة.
كثير من المواقف تجاه فلسطين وشعبها بات هدفه الأساسي تحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية، أو التعمية على مشكلات اقتصادية واجتماعية محلية، وقد تترجم في بعض الأحيان إلى تبرعات بفتات أموال تنفق ببذخ على اللهو والملذات.
  نحو نصف قرن مرت ولم يطلق العرب رصاصة لتحرير فلسطين، رغم أن بعضهم يتشدق يوميا بالمقاومة، ويستخدم تلك المقاومة المزعومة لتهديد الآخرين، كما يفعل حزب الله في لبنان، وما أكاذيب النظام السوري عن الممانعة المزعومة إلا مثال واضح، وما حرص النظام المصري على السلام الدافئ مع إسرائيل إلا دليل آخر.
أغلب حكام العرب لا تهمه القدس ولا الأقصى بقدر مواصلة سرقة مقدّرات شعب يحكمه بالحديد والنار، وبعضهم يحميه من يحمون بقاء إسرائيل، ما يعني أنه لا يملك قرارا، وإنما تحركه أجندة الحماية الخارجية.
بعض العرب يحرّض العدو على المقاومة الفلسطينية، وبعضهم يتهم المقاومة بالإرهاب تضامناً مع عدوها، وبعضهم يقاطع المقاومة ويعتقل عناصرها تودداً للعدو الذي باتت تربطه بمعظم الأنظمة العربية علاقات وثيقة. سمعنا مراراً أن تحرير فلسطين يمر من دمشق، أو يمر من بغداد أو القاهرة أو الرياض، أو حتى أنقرة أو طهران، لكن يبدو أن تحرير العواصم العربية والإسلامية قد يبدأ من القدس.
  كان انطلاق الربيع العربي إنذاراً لهؤلاء، ولهذا تحالفوا ضده لإجهاضه، لكن الواقع أن النار مشتعلة تحت الرماد، وأن موجة جديدة من الثورات ستتفادى أخطاء الموجة السابقة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 12 يناير 2018

ترف نفاد الصبر




 كان صديقي ملتزماً بالنقاش لمعرفة آراء الآخرين، وبالتبعية إبداء آرائه الثابتة التي تتلخص في ضرورة إزالة حكم الفرد في كل بلدان العالم، ومنح الشعوب حرية اختيار حكامها، والتعامل مع الحاكم كموظف مهمته تنفيذ رغبات من يحكمهم.
 كان يرى أن تلك المبادئ جزء لا يتجزأ من محاولة تحقيق الرفاه للمواطنين حول العالم، وأن محاولات التعدي المتواصلة على تلك الحقوق هي السبب الرئيس في كل المآسي التي عرفها العالم، والتي تهدر فيها الأرواح والثروات والحقوق.
لما انطلق الربيع العربي شعر بنشوة كبيرة، وظن أن الوقت قد حان لتتحقق آماله التي ظل يروّج لها لسنوات، وكان فخوراً بالشباب الذي ملأ الميادين بصدور عارية في مواجهة قمع الحكومات المستبدة الفاشلة، والتي لم تتورع عن إطلاق الرصاص عشوائياً على المعارضين بعد اتهامهم بالخيانة. 
 بمرور السنوات وتوالي انتصارات الثورة المضادة، نفد صبره، وبات سريع الغضب، وكان ينزوي لأيام، ويهرب من التجمعات التي تضم من يعبرون عن آراء لا تعجبه، أو لا توافق مبادئه. لكن أزمته الشخصية تطورت إلى ما هو أبعد من الانزواء، فبعد أن كان حريصاً على حرية الشعوب، ويناضل لجعل الآخرين يدركون أن حريتهم حق وليس منة من الحاكم، بدأ حماسه يخبو، وبات يصب غضبه على هؤلاء الحريصين على بقاء الحكام المستبدين، بعد أن كان سابقاً يشفق عليهم.
أغلق التلفزيون من فوره، وأمسك بهاتفه يطالع ما يكتبه أصدقاؤه عبر مواقع التواصل. من بين ما طالعه منشور لصديق عمره الذي يقف على النقيض منه، والذي كتب أن الشعوب العربية لا يمكن أن تحكم إلا بالحديد والنار، وأن ما يسميه البعض ربيعاً لم يكن إلا خراباً على العرب، معتبراً أن الشعوب العربية لا تفهم الحرية، ولا تستطيع دفع تكلفتها أو تحمل مسؤولياتها.
جلس يشاهد نشرة أخبار منتصف النهار التي كانت تعرض مشاهد لحروب وصراعات وأزمات، وتتوالى فيها أخبار القتلى والدماء، من فلسطين إلى الصومال، ومن العراق إلى سورية إلى اليمن إلى ليبيا، وحتى في مصر وتونس. انفجر غاضباً: "العرب لا ينتجون إلا المشكلات. العالم بدون العرب سيكون أفضل".
  هاله ما قرأه، لكنه كان سبباً مباشراً في عودته إلى صوابه الذي كاد يفقده بسبب الإحباط من مآلات الثورات في بلاد العرب. قرر أن يعود إلى مبادئه الأساسية التي تتهم الحكام بالمسؤولية عن كل كوارث الشعوب، لكنه هذه المرة لم يكن بنفس التعاطف السابق مع الشعوب، فأحداث السنوات السبع الأخيرة في رأيه لا تترك للشعوب مجالاً للتنصل من مسؤولية تضييع الفرصة التي كانت سانحة، والتي كادت أن تتحول إلى واقع.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 11 يناير 2018

أم كلثوم والشيخ زكريا







فى سنة 1951 اشتد الخلاف بين أم كلثوم، والشيخ زكريا أحمد. لينتهى فى أروقة القضاء، حيث طلب الشيخ وقف إذاعة الأغنيات التى لحنها للست أو تعويضه التعويض المناسب.
فى أوراق القضية والمذكرات المتبادلة نطلع على نص فلسفى وليس مجرد ردود قانونية...
قالت أم كلثوم إن اللحن أحد العناصر المكونة لفن أم كلثوم، وهو ملكية خالصة لها تحمل طابعها كمطربة الشرق. 
ورد زكريا أحمد إن أم كلثوم مجرد مؤدية مهمتها توصيل رسالة الشاعروالملحن. وأضاف: لوحظ لدى رجال السمع عند جماعات المتتبعين لصوت المطربة المعلن إليها أنها كلما أرادت أن تخلو بخيالها إلى مفارقة ما وضعه الملحن من أصول موسيقية معينة فى الأغنية، وأنها تعمل من جانبها على محاولة الخروج عن أصول الأداء التلحينى المرسومة، وكلما فعلت ذلك فشلت فشلا ذريعا يكشف ما عرفت به من أنها لا تقدر على تلحين أية أغنية مهما صغرت فى صياغتها.
ظلت القضية متداولة فى المحاكم يتناوب عليها القضاء حتى وصلت إلى قاضى مستنير، ظل يتحدث ثلاث ساعات كاملة عن الخسارة أو النكبة التى أصيب بها الفن فى مصر بسبب خلاف الاثنين. وحكم فى النهاية بأن يلحن الشيخ ثلاث أغنيات لأم كلثوم مقابل 700 جنيه للشيخ عن كل أغنية. فكانت رائعتهما "هو صحيح الهوى غلاب".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 9 يناير 2018

قصيدة "يقول الدم العربي" للشاعر فاروق شوشة





أخيراً،

يقول الدم العربيُّ:
تساويْتُ والماءَ
أصبحتُ لا طعْمَ،
لا لوْنَ،
لا رائحة!

أخيراً،
يقول الدم العربيُّ:
أسيلُ...
فلا يتداعى ورائي النخيلُ
ولا ينبتُ الشجرُ المستحيلُ
أسيلُ....
أُروّي الشقوقَ العطاشَ،
وأسكبُ ذاكرتي للرمالِ،
فلا يتخلّقُ وجهُ المليحةِ،
أو حُلمُ فارسها المستطارِ،
وأنزفُ حتى النخاعِ،
وينحسرُ المدُّ،
تنبُتُ فوقي حجارتُكم،
مدناً تتمدّدُ أو تستطيلُ
وتأكل ما يتبقّى من الأرضِ،
لكنها أضرحة!
****

أخيراً،
يقول الدمُ العربيُّ: اكتفيْْتُ
تجاوزتُ جسْرَ الشرايينِ،
أسرجتُ خيلي بقلبِ العراءِ،
وخيّمْتُ في نُقطةِ الجدْبِ
أحكمْتُ أغنيتي
وانتشيتُ لنفسي
وقلتُ:
أطاولُ كلّ الدماءِ التي أنضجتْها الحرائقُ،
كلّ الدماءِ التي أهرقتها الملاحمُ،
كلّ الدماءِ التي اعتصرتْها المآدبُ،
فاخرْتُ أني الوحيد الذي
جعلوا من بقاياهُ خاتمة للبكاءِ
وفاتحة للغناءِ
ومن رئتي مذبحة!
****

أغوص بذاكرةِ الرمل،
وجهي عروسُ تخطّفها الموتُ،
والقاتلُ الهمجيُّ
تغيبُ ملامحُها
ويغيبُ الهوى العربيُّ
قاومْتُ،
فانفلتت فيّ فُقَّاعةُ،
وانطفْأتُ،
تشاغلْتُ،
أحكمتُ فوق ملامحها قبضتي
واسترحْتُ،
أغوصُ بذاكرةِ الرُّعبِ،
وجهي سحابةُ يُتْمٍ،
تُعشّشُ في كل بيتٍ
وتتركُ بعض عناكبها في تراب الملامحِ
وجهي الذي يتشكّلُ في كل حالٍ،
ويلبسُ أقنعةً لا تبوحُ،
وينظرُ في رحمِ الغيْبِ،
ماذا تُجنُّ الغيومُ؟
وماذا تقولُ البروقُ؟
وماذا تخبّئُ عاصفةُ في العروقِ،
ودمدمةُ في الرؤوسِ
وأشبهت الليلةُالبارحة!
****

أخيراً،
يقول الدم العربيُّ المسافرُ عَبْرَ العواصمِ
والمتجمّعُ خلْفَ الحواجزِ
والمتناثر في كل أرضٍ:
تعبتُ
وهذي بقيةُ لحمي،
وهذي هويّةُ جلدي
وبعض ملامح أرضي التي سكنتْ في العيونِ،
تعبْتُ،
فمن يحملُالآن عني بقية يومي،
وأشلاء حُلمي،
ويمضي...

تعبتُ....
الدروبُ يُلاحقها الموتُ،
يسكنُها الصمتُ
والقلبُ يملؤهُ القهرُ،
والشّاحنات الرجيمةُ ترتدُّ عبْرَ الزوايا
شظايا

تعبتُ...
المدى... لا يُبينُ
الصدى... لا يُبينُ
ووجهيَ مازال مُنسحقاً
في جبين المرايا...
تلاحقهُ اللعنة الجامحة!



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

كيف اخترقت السينما الأميركية ستارة تشاوسيسكو الحديدية؟







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 5 يناير 2018

عن الدولجية العرب




 تظاهر الشعب الإيراني ضد الفساد والاستبداد والغلاء والبطالة، فبرز صوت "الدولجية" العرب ترويجاً لحريتهم في التظاهر، رغم أن التظاهر محظور في أغلب بلدان العرب. دعم الدولجية حق الشعب الإيراني في مواجهة نظام يحكمه بالحديد والنار، رغم أنه لا فارق بينه وبين أنظمة الحكم في بلدانهم.
 تحوّلت دعوات الدولجية العرب الداعمة للتظاهرات إلى مثار للسخرية بسبب التناقض الظاهر في خطابهم الذي يطالب بحرية الرأي للإيرانيين، وكان مثاراً للأسى لأن تلك الحرية لا تتوفر لهم، إذ لا يملك أي منهم أن يعبر عن رأيه بحرية في النظام الذي يحكم بلاده.
"الدولجية" هم الأشخاص الذين يناصرون الأنظمة الحاكمة ظالمة أو مظلومة، بغضّ النظر عن قدرتها على إخراج البلاد من مشكلاتها، حتى وإن كانت الأنظمة نفسها هي المشكلة الأكبر، وهم الجموع التي تظهر فجأة لتهتف باسم الحاكم، خاصة في أوقات الأزمات، وعادة في حماية قوات النظام، والذين ظهروا منذ الأربعاء في إيران أيضا، حيث امتلأت بهم الشوارع رافعين شعارات مؤيدة للنظام في مواجهة من يطالبون بتغييره.
 عرفت كل عصور التاريخ الدولجية، لكن المصطلح بات شائعاً في السنوات الأخيرة، معظمهم ينتمون إلى الطبقة الدنيا، وبعضهم من أبناء الطبقة المتوسطة، ويتميز "الدولجي" بأنه شخص محدود الثقافة، محدود الوعي، وربما محدود الذكاء، لكن قدرتهم على التجمع والهتاف والجدال غير محدودة. تلازم غياب الوعي مع الفقر يجعل من توجيه هذه الفئة مهمة يسيرة على من يملك المال أو السلطة، وتلجأ الأنظمة الفاشلة أو الفاسدة أو القمعية إلى هؤلاء دوماً لإسباغ جماهيرية كاذبة على سياساتها، حيث تعتبر الأنظمة تلك الجماهيرية المصنوعة المدفوع ثمنها مسبقاً، نوعاً من الشرعية.
"الدولجي" الأخطر، ليس هذا الفقير غير الواعي، وإنما هو آخر ثري أو مرفّه، وبقدر خطورة محدودي الوعي على مستقبل الأمم، يظل خطر المثقفين والنخبويين والأثرياء "الدولجية" أكبر، لأنهم يؤثرون في قطاع عريض من المواطنين بتبريراتهم التي تحتاجها كل الأنظمة الفاشلة.
ينطلق "الدولجي" من قاعدة أن بقاء النظام أفضل من زواله، وأن الفقر مع الاستقرار، حتى لو كان مزعوما، أفضل من الفوضى المحتملة، وتغذّي أنظمة الحكم المستبدة تلك القاعدة بترويج شعارات تحذّر من مصير شعوب مجاورة. يدافع "الدولجي" عن النظام بكل ما يملك، بعضهم يفعل ذلك لأن النظام يدفع له، وبالتالي فالأمر مصدر رزق، وفي مرحلة ما يدافع من دون مقابل، خشية أن يزول هذا النظام ويأتي نظام آخر يختار "دولجية" آخرين، فتضيع عليه امتيازات كان ينالها.
 


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 29 ديسمبر 2017

الذكرى السنوية للربيع

مع حلول ذكرى الربيع العربي سنوياً، يتجدد الجدال بين المؤيدين والمعارضين. بين فريق يراه حلاً للأزمات العربية المتراكمة، وفريق يراه مؤامرة خارجية لتدمير دول كانت تزعم أنّها مستقرة. بين من يرون أنّ ما قبل الربيع أفضل ممّا بعده، ومن يرون أنّ تعمّد إفشاله هو سبب ما نحن فيه من بلاء، متجاهلين أنّ أنواعاً أخرى من البلاء كانت قائمة قبله. وسط النقاش السنوي المتجدد، يلجأ بعضهم إلى استحضار ما عاشه من ذكريات، وما عاش فيه من أحلام، ويُظهر آخرون ما يضمرونه من كراهية، كما تتكشف فصول جديدة من قصة الربيع وفصول المؤامرة على أحلام شبابه. انتصرت الثورة المضادة في دول الربيع بأشكال مختلفة، ولم تتحقق الأهداف الرئيسية التي خرج المواطنون في عدد من الدول من أجلها، حتى في تلك الدول التي تغيّرت فيها الأنظمة، كان التغيير شكلياً أو غير متوافق مع الطموحات. فشل الربيع العربي واقع لا يجادل فيه إلا أعمى، حتى تونس التي ندّعي أنّها أحسن حالاً من باقي بلدان الربيع ليست في أفضل أحوالها، وما زالت تعاني من مشكلات عدّة، اقتصادياً واجتماعياً، وإن كان بعضهم في دول أخرى يحلمون أن تصل بلادهم إلى ما وصلت إليه تونس. لا يمكنك بحال أن تقارن الوضع المرتبك في تونس بالدمار والقتل وضبابية المستقبل في سورية أو اليمن أو ليبيا، ولا يمكنك مقارنة تونس بالوضع في مصر التي تعيش وهم انتظار الانتخابات الرئاسية المقبلة، في ظلّ تدمير كامل لكلّ مكتسبات الثورة التي تفاءل بها كثير من العرب لإنقاذهم من الأنظمة المستبدة القابعة على مقاعد الحكم في بلدانهم. أحوال من شاركوا في الربيع العربي أيضاً متباينة بتباين أحوال بلدانهم، أو البلدان التي انتقلوا إليها، وكذا بقدرتهم على التحمّل أو التمسّك بالأمل. بعض هؤلاء قرّر الانضمام إلى تيارات متطرّفة، وبعضهم قرّر الانعزال عن الدنيا، وبعضهم الآخر قرّر عدم الصدام مع الأنظمة الجديدة وانصاع للأوضاع الجديدة ليصبح مواطناً على مقاس النظام، لكنّ فريقاً ثالثاً ما زال يقاوم. يرى كثيرون، أنّ الثورات المضادة كانت حتميّة، فالأنظمة التي قامت الثورة عليها لم تكن لتسمح لتلك الثورات أن تنجح، وكانت منذ اللحظة الأولى تتحيّن الفرص للإجهاز عليها بالتعاون مع أنظمة أخرى شعرت بالتهديد من تقويض عروشها بعد الثورات، مثلما انتقلت الشرارة من تونس إلى مصر ثم إلى ليبيا واليمن وسورية. الواقع يظهر أيضاً أنّ سذاجة الثوار، وسوء النخبة من مثقفين وفنانين وأكاديميين، وفساد العسكريين، كلّها أسباب مباشرة لفداحة نتائج الثورة المضادة التي ضربت بلداناً لطالما تفاخرت بالحضارة.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 26 ديسمبر 2017

صلاح عيسى.. نهاية رحلة من اليسار إلى السلطة



عام 1986، صدر كتاب "مثقفون وعسكر" (مدبولي) في القاهرة لـ الكاتب المصريالراحل صلاح عيسى (1939-2017)، والذي أعلن وفاته اليوم الإثنين، في مستشفى المعادي العسكري، بعد صراع مع المرض امتد لأسابيع.
في الكتاب، رصد عيسى عدداً من الوقائع التي دونها في مقالات أو كان شاهداً على تفاصيلها، وأغلبها يدور حول نفاق المثقفين للسلطة في عصر الرئيسين المصريين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وهي الفترة التي كان الكاتب منتمياً فيها إلى اليسار المصري، حتى أنه تعرض للسجن عدة مرات في 1966 و1977 و1981، وللطرد من عمله مرات أخرى بسبب أرائه السياسية.
يفصّل عيسى حقيقة مثقفي الأنظمة في كتابه قائلاً: "عرفنا أنماطاً من المثقفين يفهمون الثقافة والفكر على أنها لسان ذرب، وقلم سيال، وعقل يملك مهارة الاحتيال على الحق ليصبح باطلاً، وعلى الأسود ليجعله أبيض، يلعبون بالأفكار ويضحكون على الذقون، ويسربلون الأغراض الدنيئة بأنبل الشعارات".
ويضيف "معظم هؤلاء للأسف من أصول اجتماعية متواضعة، نحتوا بأظافرهم فى الصخر طريقاً صعباً ودامياً ليصعدوا من أسفل السلم الاجتماعى إلى حيث يصبحون أقرب ما يكونون إلى القمة، وحين يجدون أنفسهم هناك، تأسرهم أضواء الكاميرات، ويفقدون تقدير أنفسهم، فيستكثرون ما وصلوا إليه، ويعضون بالنواجذ عليه، حتى لا يضيع، ويتملكهم رعب السقوط إلى القاع الذى صعدوا منه، وتصطك أوصالهم وأسنانهم فرقاً من أعباء الانتماء للفقراء الذين كانوا منهم يوماً، ورعباً من السجون والفصل والتجميد، فيتطوعون لتبرير كل ما يفعله السادة، ويقنعون أنفسهم بأن الثقافة حرفة كالحدادة والسباكة والنجارة".
ويتابع "كما أنه ليس من حق الحرفي أن يرفض عملاً، اعتراضاً على رب العمل، فليس من حق المثقف أن يضن بحرفته على أي نظام حكم، وبذلك أصبحوا بعضاً من حاشية السلطان، يدافعون بشراسة عن الذين لا يؤمنون به، ويهاجمون بشراسة ما يعتقدون أنه الصواب والحق، يقفون كالحجّاب على أبواب السلاطين، لا يغادرون مكانهم حين يغادر السلطان عرشه، ولكنهم يغيرون مواقفهم إذا ما عنّ للسلطان أن يغير مواقفه، أو يوم يخلفه خليفة يسير على خط سلفه بممحاة".
ينتقد الكتاب الكاتب الراحل يوسف السباعي، ويتهمه بالتضييق على الكتاب اليساريين، ويسميه في الجزء المخصص عنه "الكولونيل"، في إشارة صريحة إلى كونه عسكري سابق، كما ينتقد مواقف الكاتبين الراحلين نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم المؤيدة لاتفاق السلام الذي عقده السادات مع إسرائيل في كامب ديفيد، ويرصد أيضاً حواراً له مع الكاتب محمد حسنين هيكل حول كتابه "خريف الغضب" الذي يتناول عهد السادات بانتقاد شديد.
من النصوص اللافتة في الكتاب قوله "عرفنا مثقفين أقوياء فيهم صلابة حقيقية وشجاعة داخلية، تتوزع على مدى العمر، وتنمو مع التجربة، وتؤثر إيجابياً في بناء الآخرين، وأخرى فيها صلابة هشة تتجمع في موقف، أو تتركز في بضع سنوات، ثم تنكسر مع العمر فتنثني ولا تعتدل! جيلنا من المثقفين العرب، مصريين وغير مصريين، سيدخل التاريخ من باب السيكولوجيا، لا من باب الأدب أو الفن أو الفكر".



في سنوات لاحقة، أصبح عيسى أحد رجال سلطة حسني مبارك، ودخل ما كان يطلق عليه وزير ثقافة مبارك، فاروق حسني، حظيرة الدولة، فبات يكتب في صحفها الرسمية، ويظهر في قنواتها الرسمية، ثم أسند إليه رئاسة تحرير صحيفة وزارة الثقافة، والتي تسمى "القاهرة"، ليصبح أحد منظري النظام في ميدان الثقافة، وينتهي عيسى المعارض، حتى وفاته مؤيداً لعبد الفتاح السيسي.
وكان عيسى أحد المثقفين الذين قابلوا مبارك يوم 30 سبتمبر/أيلول 2010، قبل أقل من أربعة أشهر على ثورة يناير التي أطاحت به، وقد أفردت لهم صحيفة "الأهرام" الرسمية، صفحة عنوانها "لقاء مبارك مع المثقفين.. بأقلام كتاب الأهرام"، مزينة بصورهم.
لم يكن مفهوماً لكثيرين أسباب التحول، خاصة وأنه طاول عدداً من المثقفين اليساريين، ومنهم الراحلين محمد سيد أحمد ورفعت السعيد، والكاتب محمد سلماوي وغيرهم، فمن يقول إن المناضلين أتعبهم النضال فاختاروا الركون إلى الراحة لأنهم اكتشفوا أن النضال بلا جدوى، ومن يرى أنه تم تخييرهم بين الانضمام إلى حظيرة السلطة أو البقاء في السجون، وربما السبب هو ذلك الذي أورده عيسى في كتابه، من أنهم "يتملكهم رعب السقوط إلى القاع الذي صعدوا منه، ورعب من السجون والفصل والتجميد، فيتطوعون لتبرير كل ما يفعله السادة".
في سنة 2010، أصدر صلاح عيسى كتاباً بعنوان "شخصيات لها العجب"، يمكن اعتباره نقيضاً مناسباً لكتابه "مثقفون وعسكر". الكتاب الأحدث كان أيضا تجميعاً لمقالات منشورة مثل الكتاب الأقدم، لكن تلك المقالات نشر أغلبها في صحيفة وزارة الثقافة التي كان عيسى يرأس تحريرها، وبالطبع كانت محددة بسقف النظام، وفيها يلتمس الكاتب الأعذار لكثير من الشخصيات التي صب عليها غضبه في سنوات حياته السابقة، وكأنه يعتذر عن تهوره في انتقاد المثقفين والكتاب في عهدي عبد الناصر والسادات، واتهامهم بنفاق السلطة وتشويه وعي المجتمع، ربما لأنه فعل مثلهم في عهد مبارك.
من أوضح ما كتبه عيسى في "شخصيات لها العجب"، والذي يمكن اعتباره نموذجا للتحول من النقيض إلى النقيض، ما كتبه عن الكاتب الراحل لطفي الخولي (1928 ـ 1999)، وعنه يقول: "تعلّم جيلنا الثورة والتمرد من الخولي، ومن جيله، لاحقاً، كنا ننظر إليهم بغضب، لأنّهم، في ما كنا نعتقد، كفّوا أن يكونوا ثواراً، وتخلّوا عن قضايا الأمة والوطن والشعب، واستناموا إلى المقاعد الوثيرة التي منحتها لهم السلطة في أحد الجوانب القصية من صالة المسرح. وكما يفعل الأبناء مع الأباء عادةً، اتخذنا منهم شواخص أولى لسخطنا. وكان سخطنا فواراً بمقدار حبنا لهم، وعنيفاً بقدر ما نظن أنّه خديعتنا فيهم. في ما بعد أيقنت أن تلك سنن الله في خلقه وفي كونه".




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

صلاح عيسى يكتب: حسن البنا... لا عنف ولا تزمت




الذين يضعون فأس اتجاهات التيارات الإسلامية في مصر والعالم العربي نحو التزمت ثم العنف في عنق الشيخ (حسن البنا) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الذي غاب عن دنيانا في مثل هذه الأيام منذ خمسين عاما، يسيئون عن عمد قراءة وقائع التاريخ ويقحمونه في الصراع السياسي القائم الآن بينهم وبين التيار الإسلامي بمجمل فصائله. فلا يسيئون بوضعهم الجميع في سلة واحدة لوقائع التاريخ فحسب، ولكنهم وهذا هو الأخطر، يؤججون نيران العنف حيث يتوهمون أنهم سيقضون عليه ويقودون الأمة إلى صراع عبثي لا جدوى من ورائه، يتوهم خلاله كل تيار من تياراته الرئيسية في الحركة السياسية العربية أن بإستطاعته إستئصال الآخرين، وبذلك تطيش خطواتها نحو المستقبل في الألفية الثالثة كما طاشت في الألفية الثانية.

وما يتجاهله الذين يحملون (الشيخ حسن البنا) المسئولية عن نشأة تيار العنف هو أن تشكيل المنظمات شبه العسكرية كان موضة لدى كل التيارات السياسية في الثلاثينيات في إطار النتائج الإيجابية التي حققتها نظم الحكم في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية التي نجحت استنادا إلى عسكرة المجتمع في استعادة ما أضاعته الحرب العالمية الأولى من حقوق البلدين الوطنية وأن فرق الجوالة التي أنشأها (البنا) وعرفت بفرق القمصان الكاكية لم تكن الوحيدة في الساحة فقد كانت هناك فرق القمصان الخضراء التي شكلتها جماعة (مصر الفتاة) وكان من أعضائها (جمال عبدالناصر)! بل إن (الوفد) وهو الحزب الديمقراطي العتيد قد شكل هو الآخر فرق القمصان الزرقاء وكل الشواهد التاريخية تؤكد أن (جوالة الإخوان) كانت أكثر هذه الفرق انضباطا سواءا من الناحية الأخلاقية أو من ناحية الإلتزام بالقانون.

ومما يتجاهلونه كذلك أن الإخوان المسلمين لم يكونوا هم الذين بدأوا باستخدام الرصاص في الحوار السياسي مع القوى السياسية المحلية، فقد كان أول استخدام له في هذا الإتجاه عام 1922، وقبل ست سنوات من تشكيلهم، عندما اغتال مجهولون يشك في أنهم من المتعاطفين مع (الوفد) اثنين من زعماء (الأحرار) الدستوريين إبان الصراع العنيف بين الطرفين. كما أن أحدا من الإخوان المسلمين لم يشارك في محاولات الإغتيال التي تعرض لها (إسماعيل صدقي) وأركان الأنقلاب الديكتاتوري الذي تزعمه طوال النصف الأول من الثلاثينيات وكان أحد أعضاء (مصر الفتاة) هو الذي حاول أغتيال مصطفى النحاس عام 1937.

ولم يكن العنف ضد الإحتلال البريطاني في الأربعينيات قاصرا على الإخوان فباستثناء الشيوعيين الذين لا يؤمنون- من حيث المبدأ- بالعنف الفردي فقد كان اللجوء للعنف لإجبار المحتلين على الجلاء، أو على الأقل تنفيذ معاهدة 1936 والرحيل عن المدن الكبرى إلى قاعدة قناة السويس، يكاد يكون توجها عاما بين التيارات السياسية الجديدة- كالحزب الوطني الجديد ومصر الفتاة- فضلا عن كثير من المنظمات السرية الشبابية التي استلهمت تجارب المقاومة السرية ضد الإحتلال النازي لدول أوروبا وخاصة فرنسا، بل إن هذه الموجة قد شملت كذلك قواعد شبابية تنتمي إلى الأحزاب التقليدية ومنها (الوفد).

ولم يكن الإخوان وحدهم الذين غيروا في النصف الثاني من الأربيعينات اتجاه رصاصهم من صدور جيش الإحتلال إلى صدور المصريين، فالذي قتل (أحمد ماهر)- أول ضحية تسقط نتيجة لهذا التغيير- لم يكن إخوانيا بل كان من المنتمين لشباب الحزب الوطني، ولم يكونوا أصحاب نظرية هذا التوجه لأن صاحبها هو ضابط الجيش المفصول آنذاك (أنور السادات) الذي تعرف إلى مجموعة من الشبان يتزعمهم (حسين توفيق) كانوا يقومون بعمليات مقاومة سرية ضد ضباط وجنود ومؤسسات جيش الإحتلال ويمكنون له إنطلاقا من تصور يرى أن تطهير البلاد من عملاء الإحتلال وجواسيسه هو المقدمة الأولى للإنتصار عليه. وهو التيار الذي تواءم مع سعي القصر الملكي للثأر من خصومه من الوفديين وأسفر عن اغتيال (أمين عثمان) وعن محاولتين لاغتيال (مصطفى النحاس) زعيم الوفد.

وليس (حسن البنا) هو الذي أسس تيار التزمت في الفكر الإسلامي، إذ الحقيقة أن هذا التيار قد تأسس ضده ونشأ تمردا على قيادته وكان أول انشقاق عن جماعته اسفر عام 1937 عن تشكيل (جماعة شباب محمد) التي اتهمته بالقعود عن الإجتهاد وبالإكتفاء بمساندة ثوار فلسطين- الذين يجاهدون ضد الصهيونية- بالكلمات وليس بالقتال الفعلي وبمهادنة القوى التي تماطل في تطبيق الشريعة وبالتواطؤ مع الذين لا يحكمون بما أنزل الله وطالبته بالتخلي عن قيادة الدعوة أو اتخاذ موقف جهادي واضح يجابه الحكومة بأنها كافرة ويقاوم المنكر في المجتمع بالعنف, وكانت مصر الفتاة في سياق التنافس مع الإخوان هي التي ارتادت على الصعيد الحركي طريق مقاومة المنكر باليد حين قام انصارها عام 1939 بالهجوم على الحانات لتحطيمها والأعتداء على روادها وفي المرتين قاوم (البنا) هذا الإتجاه وأعلن انه خروج عن القوانين مهما كان رأيه في درجة إسلاميتها.

والذين يضعون فأس المسئولية عن العنف الديني الذي تفشى منذ ذلك الحين في أنحاء مختلفة من المنطقة العربية في رقبة (حسن البنا) يتجاهلون أن المسئول الأول عن ذلك هم الذين شجعوا بل تآمروا على إقامة دولة دينية في المنطقة عن طريق العنف، والذين سعوا إلى ذلك عن طريق هجرة استيطانية تحولت إلى أحزاب سياسية صهيونية علنية لكل منها جناح عسكري سري تتعاون جميعها في ممارسة العنف ضد أصحاب البلاد الأصليين من المسلمين والميسحيين لكي تطردهم منها وتحل محلهم.

وكان هذا التحدي الذي استجاب له (البنا) فاتبع نفس الطريقة ولكن لهدف مضاد وشرع- بمشورة المجاهدين الفلسطينيين- في تشكيل الجهاز الخاص للاخوان المسلمين ليكون بمثابة جناح عسكري للجماعة يجند طاقات الشبان الأكثر حماسا واستعدادا للتضحية من خلال دراسات فقهية حول نظرية الجهاد في الفقه الإسلامي وبرامج للتدريب العسكري للأسلحة والمتفجرات لكي يكونوا مؤهلين لمواجهة الغزو الصهيوني والاحتلال الاجنبي لبلاد المسلمين.
وبصرف النظر عن مدى صواب ذلك أو عدم صوابه فإن المسئول عن نشؤ العنف الديني في المنطقة ليس صاحب (رد الفعل) ولكنه صاحب (الفعل) الذي يملأ الدنيا الآن في بلاد الغرب صؤاخا ضد هذا النوع من العنف.

والشواهد التاريخية تؤكد أن معظم عمليات العنف التي قام بها الجهاز الخاص أو تلك التي قام بها قسم الوحدات الذي يضم ضباط الجيش وجنوده وضباط الشرطة من الإخوان ظلت في إطار الهدف الذي أنشئ من أجله الجهازان، وفي السياق نفسه لعمليات مشابهة قام بها أعضاء من فرق سياسية أخرى سواء بصفتهم الحزبية أو الشخصية إذ توجهت في الأساس تجاه جنود ومؤسسات جيش الإحتلال ثم بعد ذلك وحين تعقد الوضع بين الفلسطينيين و الصهاينة- في أعقاب صدور قرار التقسيم- توجهت ضد الممتلكات اليهودية ومع أن تحفظا قد يرد على عمليات من نوع نسف حارة اليهود أو محلات مثل (شيكوريل) و(أوركو) فإن الفظائع التي كان يرتكبها الصهاينة ضد الفلسطينيين تجعل وقوعها أمرا واردا وفضلا عن ذلك فقد تطوع عدد كبير من أعضاء القسمين ضمن أفواج المتطوعين العرب التي دخلت أرض فلسطين قبل أن تدخلها الجيوش العربية رسميا في 15 مايو 1948.

لكن الجهاز الخاص الذي كان قسما ذا استقلال شبه ذاتي له قيادته التنفيذية و تشكيلاته الخاصة ولوائحه المستقلة ولا يربطه عمليا بالجماعة سوى مجلس من المستشارين ورئاسة (حسن البنا) ما لبث بعد أن أتسعت عضويته وتعاظم نفوذه أن بدأ ينحو نحو مزيد من الإستقلال ونشأ لدى بعض قيادته وخاصة (عبدالرحمن السندي) نزوع للإنفراد باتخاذ القرار تذرعا بأن ضرورات التنفيذ تبيح محظور عدم استشارة المرشد العام!

ومن الإنصاف للرجل أن نقول بأن عمليات العنف التي قام بها الجهاز الخاص ضد مصريين في حياته لا تتجاوز ثلاثة هي قتل القاضي (أحمد الخازندار) بسبب أحكام قاسية أصدرها بحق بعض الذين قاموا بأعمال عنف ضد قوات الإحتلال- من أعضاء الجهاز ومن غيرهم- واغتيال رئيس الحكومة (محمود فهمي النقراشي) ردا على قراره بحل جماعة الإخوان ومصادرة ممتلكاتها وإعتقال قادتها وأخيرا محاولة نسف محكمة الإستئناف لإحراق الأوراق السرية للجهاز الخاص التي كانت قد ضبطت في سيارة جيب لتدمير أدلة الإتهام ضد قياداته وتأمين من لم يقع في أيدي الشرطة من أعضائه.

ولم يكن (البنا) طرفا في هذه العمليات الثلاث, فقد نفذت أولاها دون علمه و غضب غضبا شديدا لوقوعها ونفذت الثانية والثالثة بعد حل الجماعة وتفكك روابطها التنظيمية بسبب إعتقال قادتها ومطاردة الآخرين ووضعه هو نفسه تحت الرقابة بوليسية صارمة حالت بين الذين خططوا لهما وبين عرض الأمر عليه وحالت بينه وبين الإعتراض على التنفيذ بل إنه أعتبر الرصاصات التي وجهت (للنقراشي) قد أصابته هو نفسه ونظر إلى محاولة نسف محكمة الإستئناف باعتبارها تحديا له إذ كان يجري مباحثات سياسية لكي يلغي قرار الحل أبدى خلالها مرونة سياسية وصلت إلى حد أبدى فيه استعداده لأن يقصر نشاطها على الجانب الديني وحده ويتوقف عن التدخل في الشؤون السياسية.

ولم يكن استقلال الجهاز السري للإخوان برؤاه وعملياته بعيدا عن القوانين العامة لهذا النوع من الأجهزة بل يكاد يكون تكرارا لتجربة الجهاز السري لثورة 1919 الذي نشأ للقيام بعمليات عنف محسوبة ضد الإحتلال ومع أن الثورة قد حققت أهدافها فأعلن الإستقلال ثم الدستور وتولى زعيمها سعد زغلول رئاسة الوزارة فقد قامت مجموعة منه بإغتيال القائد البريطاني للجيش المصري وحاكم السودان العام فكانت النتيجة استقالة وزارة سعد وسحب الجيش المصري من السودان و تعطيل الدستور.

والحقيقة أن انشغال (البنا) بالحشد والتحريك والتنظيم على حساب ما كان محتما ألا يتأخر في القيام به وهو صياغة فقه إسلامي يستجيب لحاجات العصر وخاصة فيما يتعلق بالمسألة السياسية لم يؤد فقط إلى المخاوف التي أشاعها هذا الحشد في نفوس بقية الفرقاء على الساحة الإجتماعية والسياسية والمحلية والدولية ولم يسفر عن تعدد الرؤى داخل جماعته، بل وانعكس كذلك داخل الجهاز الخاص الذي قام بالعمليات الثلاث استنادا إلى اجتهاد خاص ببعض أعضائه لم ينظر إلى الإخوان المسلمين كما كان (البنا) ينظر إليها باعتبارها (جماعة من المسلمين) يجوز الخلاف معها بل نظر إليها باعتبارها جماعة المسلمين التي يتوجب حمل السلاح في وجه من يختلف معها.

ومن سوء الحظ التاريخي أن الذين توجهت إليهم رصاصات الجهاز الخاص للإخوان- إستنادا إلى هذا الفهم الخاطئ- لم يميزوا بين الرجل وبين الذين أساؤوا فهم أفكاره ووضعوها في سلة واحدة فاغتالوه! وفي ظنهم أنهم يقضون على العنف فإذا بهم يشعلونه في الأرض إذ أن المؤكد أنه لولا غياب حسن البنا لتغير وجه النصف الثاني من القرن العشرين عما صار إليه ولاختلف استقبالنا للألفية الثالثة عما نحن فيه.



نشر المقال عام 1999 في جريدة الشرق القطرية




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 22 ديسمبر 2017

عرب من المريخ





 لا تنتهي الأزمات العربية تقريباً، يكاد لا يمر شهر دون أزمة جديدة، وأحياناً عدد من الأزمات خلال الشهر الواحد، ومع تكرار الأزمات يتكرر اكتشاف حجم البؤس الكامن في عقول العرب الناتج عن التعرض لقرون من سيطرة الرجعية والاحتلال والاستبداد والقمع. يبدو بعضهم غير قادر على تصديق حجم الانحياز الأميركي لصالح إسرائيل ضد العرب، وكأنهم كانوا يعيشون في المريخ بلا أي اتصال مع الأرض خلال الخمسين سنة الماضية، ويبدي بعضهم استنكاره مما يفعله ترامب في ملف القدس وفي غيره من الملفات العربية والإسلامية، بينما الواقع أنه يفعل بوضوح وفي العلن ما كان يفعله سابقوه بطرق ملتوية أو في السر. بعضهم مندهش من "فيتو" الولايات المتحدة الأخير في مجلس الأمن ضد قرار حول القدس، بينما الأرقام تؤكد أنه من أصل 80 مرة استخدمت فيها واشنطن حق النقض في مجلس الأمن، كان 42 منها لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي، و31 منها ضد قرارات تخدم الشعب الفلسطيني. ووسط الهرولة العربية إلى التطبيع مع إسرائيل، تطالعنا أبواق الأنظمة بخطاب زائف يحاول تصوير إسرائيل باعتبارها واحة الحرية والديمقراطية، متجاهلين كل الجرائم التي يرتكبها الاحتلال يومياً في حق الفلسطينيين، وخصوصاً ضد الأطفال والنساء، كما يتجاهلون العشرات من فتاوى الحاخامات الصهاينة التي تعتبر المجاملات والتواصل مع العرب حراماً شرعاً، وتحظر تناول الطعام والشراب مع غير اليهود، أو تلك التي تبيح قتل العرب. في أزمة القدس الأخيرة، تحول البعض إلى أبواق سلطوية، يرفع راية حاكمه ويزعم أن له أفضالاً على أهل فلسطين وعلى القدس المحتلة، مقارنة بالحكام الآخرين، بينما الواقع أن حكام العرب طيلة القرن الأخير يتحملون قدراً كبيراً مما آلت إليه الأوضاع في فلسطين. بين وقائع البؤس العربي، أن بعضهم يحتفي بمواقف الطغاة الزائلين أمثال جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي وحسني مبارك، وحتى علي عبد الله صالح، ويرى أن مواقفهم كانت أفضل من مواقف الحكام الحاليين، رغم أن ما قدم إليه الطغاة السابقون أفضى إلى ما يفعله الطغاة الحاليون. عندما أصدر ترامب قراره، سكت كل حكام العرب عن انتقاد الرئيس الأميركي، حتى من انتقدوا القرار لم يأت أيهم على ذكر صاحبه. لما قصفت جماعة الحوثي اليمنية العاصمة السعودية الرياض بصاروخ باليستي تعالت الأصوات المنددة بجرائم الحوثيين، بينما التحالف الذي تقوده السعودية يقصف العاصمة اليمنية صنعاء يومياً، ويقتل الأطفال والنساء، ولا نسمع أحداً يندد أو يشجب عربياً.
يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة