الجمعة، 17 نوفمبر، 2017

دماء أطفال درعا


 قصة بداية الثورة في سورية غريبة بالنظر إلى مقدار غرابة الأوضاع الحالية، خاصة لو كنت ملماً بالوضع المخابراتي السوري السائد عند قيامها، والذي يتعارض بالكلية مع الثقافة والإبداع المتجذر في إحدى أبرز حواضر العرب على مدار التاريخ. الرائج أن الثورة تفجرت من مدينة درعا التي كانت تعد أحد معاقل النظام، وكان القائد الأمني فيها ابن خالة بشار الأسد. بدأت القصة يوم إعلان تنحي حسني مبارك عن حكم مصر، باتصال هاتفي بين طبيبة سورية شابة من درعا، وصديقتها، قالت فيه: "مبارك تنحى عقبال عندنا". لم تكد تمر ساعتان فقط إلا وكان عناصر الأمن في منزل الطبيبة للقبض عليها بعدما سجلوا جملتها العفوية عبر نظام المراقبة الذي يشمل كل مناحي الحياة السورية. في المعتقل تم تعذيب الطبيبة والتنكيل بها، وأجبرت على تقبيل الأرض أمام صورة لبشار. بعد يومين توجه وفد من وجهاء درعا إلى الأمن طلباً للإفراج عن الطبيبة. في مكتب المسؤول الأمني قوبل الوجهاء بصلف، وإن تم قبول طلبهم بالإفراج عن الطبيبة. في يوم تال، قررت مجموعة من الأطفال، لا يتجاوز عمر أكبرهم الرابعة عشر، الانتقام للطبيبة، فانتشروا في الشوارع والأزقة يكتبون على الحيطان "الشعب يريد إسقاط النظام" و"ارحل ارحل يا بشار". قام مخبرون بالإبلاغ عن أسماء الأطفال، فقبض عليهم من مدارسهم ومنازلهم، واقتيدوا إلى مكان مجهول خضعوا فيه للتعذيب. مجدداً، توجه وفد الوجهاء إلى الأمن طالبين الإفراج عن الأطفال. لكن الرد هذه المرة كان أكثر قسوة، حيث رفض المسؤول الأمني إطلاق سراح الأطفال، وسب الوجهاء وأسقط عمامة أكبرهم وداسها بحذائه، ليخرج الرجال غاضبين، وينتشر الخبر. بعد ساعات، احتشد بضع مئات المتظاهرين في الشوارع، يتقدمهم أهالي الأطفال المحتجزين، وكانت مطالبهم إطلاق سراح الأطفال والاعتذار عن الإساءة للوجهاء. أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين، فقتلت العشرات، فانتفضت درعا كلها في الشوارع. من درعا انتشرت مطالب الحرية في عموم البلاد، وصولاً إلى العاصمة دمشق، وفي المقابل فتكت قوات الأمن والجيش بالمئات ليسقط في الشهور الخمسة الأولى أكثر من ثلاثة آلاف قتيل. رغم هذه البداية العفوية للثورة، ورغم الإجرام غير المبرر في مواجهتها، ما زال بعضهم يكرر مقولات غبية منها، إنها كانت ممولة من الخارج، أو ليتها ما قامت. والنظر إلى مآلات الثورة لا يمكن معه تخيل قدرة النظام على وأدها بعد سنوات من محاولة إزالته التي كانت وشيكة لولا تدخل قوى إقليمية ودولية لإبقائه جالساً على كرسيه الملطخ بدماء السوريين.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 13 نوفمبر، 2017

محطات في حياة شادية: صوت مصر ونجمة الشباك الأولى





يضم رصيد النجمة المصرية شادية الفني نحو 700 أغنية، و118 فيلما، أولها "أزهار وأشواك" إخراج محمد عبد الجواد من إنتاج 1947. في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، أطلق على شادية لقب "نجمة الشباك الأولى"، اعتمادا على إيرادات أفلامها التي كانت تحقق أرقاما قياسية في صالات السينما مقارنة بغيرها من نجمات ذلك العصر. 

قبل تلك الفترة كانت الإيرادات تعتمد في الأغلب على أسماء الأبطال الرجال وليس البطلات، أو على البطولات المشتركة، لكن شادية غيرت الواقع السينمائي لتصبح الممثلات في سنوات لاحقة نجمات شباك يزاحمن النجوم الرجال، وكثيرا ما كان نقاد السينما في تسعينيات القرن الماضي يربطن الصراع المحتدم بين النجمتين نبيلة عبيد ونادية الجندي بالفنانة المعتزلة وقتها شادية. 

ويروي الناقد هشام لاشين في كتابه "شادية"، الصادر عن مهرجان القاهرة السينمائي سنة 1994، أنها كانت بمثابة الجواد الرابح لأي عمل تشارك فيه لدرجة أن اعتبر البعض أن تأشيرة النجاح لابد أن تأتي عبر شادية، كما فعل المطرب والمخرج اللبناني محمد سلمان عندما جاء إلى مصر، وكان جواز مروره للشهرة فيلمه معها "قدم الخير"، كما تكرر الأمر مع كارم محمود في "معلهش يا زهر" و"لسانك حصانك". وعندما تحول الملحن منير مراد للطرب وأراد دخول السينما، انطلق فوراً ليطلب من شادية مشاركته بطولة فيلميه "أنا وحبيبي" و"نهارك سعيد". 

وقال لاشين في الكتاب إنه "لم يشذ عن هذه القاعدة أحد، حتى عبد الحليم حافظ بكل جماهيريته في الغناء وقتها، حيث كانت بطاقة تعارفه السينمائية الأولى فيلماً مع شادية هو "لحن الوفاء"، وعندما ظهر المطرب كمال حسني ضمن تأشيرة النجاح من خلال شادية بمشاركتها فيلم "ربيع الحب" عام 1956، ووصل الأمر بنجم لامع مثل كمال الشناوي أن قدم معها أكثر من 30 فيلماً ليكونا بذلك أشهر ثنائي عرفته السينما العربية على مدار تاريخها". 

والشائع أن الشيخ متولي الشعراوي هو الذي طلب منها ألا تذهب لحضور التكريم الذي أعده لها مهرجان القاهرة السينمائي، قائلا لها "لا تعكري الماء الصافي"، لكن نقل عن ابن شقيقها خالد طاهر شاكر أن هذا لم يحدث، لكنه لم ينف أن الشعراوي كان وراء اعتزالها. 

ولا يعرف كثير من جمهور شادية عن مشاركتها في بطولة فيلم مصري ياباني تم تصوير أغلب أحداثه في القاهرة، وعرض لأول مرة مطلع سنة 1963، وهو فيلم "على ضفاف النيل"، للمخرج الياباني كونا كاهيرا. لكن لم يعرف ما الذي جعل المهرجان القومي للسينما يقرر في 2013 عرض فيلم "على ضفاف النيل" في حفل افتتاحه، مع احتفاء واسع ببطلته شادية ومنتجه المخرج الراحل حلمي رفلة. 

نسخة العرض لم تكن عظيمة، لكن الانبهار بمشاهدة الفيلم لأول مرة كان كافيا للتجاوز عن كثير من المشكلات، ربما كانت المرة الأولى التي تمتلئ فيها قاعة عرض لفيلم افتتاح المهرجان المحلي. 




بطل الفيلم الرئيسي هو الممثل الياباني إيشيهارا يوجيرو، ومعه مواطنته إيزومي إيشكاوا، لكن الفيلم يضم عددا كبيرا من الفنانين المصريين، بينهم إلى جانب شادية، كمال الشناوي وحسن يوسف ومحمود المليجي وصلاح نظمي ومحمود عزمي وزين العشماوي، والفنان وجدي العربي الذي كان وقتها طفلا. 

قصة الفيلم تم تفصيلها لتكون صالحة للتصوير في القاهرة، وتدور حول شاب متعدد العلاقات الغرامية يقرر والده الثري إرساله في جولة حول العالم ليتخلص من مشكلاته، لكنه يقع ضحية مشكلات أكبر بعد أن تتبدل حقيبة ملابسه في مطار بيروت بحقيبة أخرى تضم وثائق لها علاقة بخطة للثورة في إيران، وهي الواقعة التي تصل به إلى العاصمة المصرية التي يتعرف فيها على مطربة في أحد الملاهي الليلية تكشف له عن تفاصيل الأزمة التي أصبح طرفا فيها دون قصد، وتساعده على الخروج منها سالما. 

النسخة الوحيدة المتاحة لفيلم "على ضفاف النيل" على "يوتيوب" سيئة، وهي ناطقة باللغة اليابانية، والفنانون المصريون كانوا يتكلمون العربية، إلا أن أصواتهم تم دبلجتها إلى اليابانية، لكنها توفر مصدرا لمشاهدة الفيلم الذي لم يأخذ حقه من الشهرة، والذي يخلط كثيرون بينه وبين الفيلم الإنكليزي "جريمة على ضفاف النيل" من إخراج جون غويلرمن. 

في 1963، دخلت شادية في قطيعة طويلة مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهّاب، بسبب تصديها لحذف أغنية "بسبوسة" التي لحنها لفيلمها "زقاق المدق" لصالح أغنية "نو يا جوني نو" من ألحان محمد الموجي، بعد أن قرر المخرج حسن الإمام الاستغناء عن واحدة من الأغنيتين. كان رأي شادية أن حذف "بسبوسة" لا يضر بسياق الدراما بعكس الأغنية الثانية التي ترمز إلى سقوط البطلة في الخطيئة مع رواد الملهى الليلي من الجنود الإنكليز. 




لكن القصة الأكثر غموضا في مسيرة شادية تتعلق بقرارها الاعتزال وهي في أوج شهرتها، وبينما كانت بمسرحيتها الوحيدة "ريا وسكينة" تحقق إيرادات تفوق كل منافسيها، بمن فيهم نجم المرحلة عادل إمام، وهو الاعتزال الذي يربطه كثيرون بأغنية "خد بإيدي"، رغم أنها قدمت قبلها عددا من الأغنيات الدينية. 

في كتاب الصحافي سامي كمال الدين "سيرة شادية معبودة الجماهير"، تفاصيل عن قرار الاعتزال، والذي اتخذته عام 1986 بعد أزمة صحية قاسية، ومنه أن شادية "أعلنت أنها ستغني أغنية وطنية تقول كلماتها (علَّمينا يا مصر نسبَّح، لما عيونا تبص وتسرح، ونشوف صنعة رب القدرة في سماكي الزرقا ونخيلك، في النسمة الرايقة وفي نيلك) وكان عمر خيرت هو الذي سيلحن لها الأغنية". 

وسرد الكتاب تفاصيل عدد من أغنياتها الدينية: "أول أغنية دينية لشادية (قل ادعو الله) من تأليف زكي باشا الطويل، وتلحين ابنه الموسيقار كمال الطويل عام 1956 في فيلم (اشهدوا يا ناس) إخراج حسن الصيفي، وغنت عام 1971 (اللـهم اقبل دعايا) في المسلسل الإذاعى (نحن لا نزرع الشوك) لعبد الوهاب محمد وبليغ حمدي وإخراج محمد علوان" . 

وفي لقاء أجراه الصحافي المصري محمد تبارك مع الشيخ الراحل الشعراوي عن شادية، قال الشيخ الراحل إنه التقى بها أمام مصعد إحدى البنايات ولم يعرفها، فقالت له: أنا شادية، فرحب بها. فسأله الصحافي إنها اعتزلت الغناء بعد هذا اللقاء، فقال الشعراوي: "هذا يدل على أنها وجدت ارتقاء أسمى مما كانت فيه، وأن هناك نشوة ثانية أفضل من النشوة التي كانت تعيشها من قبل". 





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 11 نوفمبر، 2017

حكاية شاب سلفي




 كنت عائداً من عملي، مساء أحد أيام النصف الثاني من شهر أغسطس/آب 2013، فاستوقفني في الشارع. هو عشريني طويل اللحية يعرف نفسه بأنه "السلفي". يملك ويدير متجراً صغيراً في الحي الذي أعيش فيه. كان زائع العينين. قال لي إنه نجا للتو من موت محقق في اعتداء على مسيرة كان مشاركاً فيها إلى ميدان رمسيس.
 حاولت أن أفهم كيف تحوّل إلى النقيض مما كان عليه سابقاً. كان يكره التظاهرات والمسيرات، ويكرر مقولات شيوخه حول طاعة الحاكم وإن جلد ظهرك وسلب مالك.
بعد تنحي مبارك بأيام استوقفني، وسألني باعتباري كنت ممن اعتصموا في ميدان التحرير: ما الذي يجري في البلد؟ فقلت: كان مبارك فاسداً مستبداً، وكان يجب إزاحته من الحكم، ويكفي ما كان يفعله "أمن الدولة" في عهده بمن هم مثلك من الملتحين؟ اكتفى بهز رأسه، فتذكرت قناعاته الراسخة حول تحريم الخروج على الحاكم.
 حكى لي أنه تجاهل الاستفتاء على الدستور، رغم أن معظم أقرانه السلفيين كانوا ناشطين في الدعوة للتصويت بنعم، وأنه لم يصوت في انتخابات البرلمان لأنه لم يكن مقتنعاً بفكرة الانتخابات ولا بالديمقراطية.
لكن الانقلاب على مرسي شهد التحول الأكبر في حياة الشاب الهادئ الذي لم يشارك في تظاهرة طوال حياته. كان يذهب إلى اعتصام ميدان نهضة مصر يومياً. فاجأني قوله إنه لا يصدق أن الأربعاء الدامي فاته، في إشارة إلى يوم فض الاعتصام.
وقال إنه في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية اتخذ قراره بعدم التصويت لأي من المرشحين. لكنه في الجولة الثانية التي تنافس فيها محمد مرسي وأحمد شفيق، قرر التحول من التجاهل إلى المشاركة الفعالة دعما للمرشح المتدين مثله، قال إنه ذهب إلى صندوق الانتخاب لأول مرة في حياته لينتخب مرسي. بعد فوز مرسي بالرئاسة انقطع الشاب السلفي عن كل ما يتعلق بالسياسة مجدداً، وإن كرر مرات عدة أن مرسي كان مخطئاً في عدم التصدي للمؤامرة التي تحاك ضده.
  لم أتخيل أن يتحول هذا الشاب السلفي الرقيق إلى شخص يتحكم فيه الغضب، حاولت أن أهدئ من روعه، لكنه كان يتمتم بكلمات غير محددة حول ضرورة الانتقام. قلت إن الانتقام لن ينهي الوضع القائم وإنما سيزيد المشكلة تعقيداً. فأشاح بوجهه عني. قلت: لماذا لا تعود إلى سيرتك الأولى وتتجاهل السياسة. فرد: لست معنياً بالسياسة، وإنما بالقصاص لأصدقائي. قلت إن ما تقوله ليس صواباً وفق أصول الدين ولا وفق علوم السياسة.
تركته على وعد بأن نلتقي مجدداً لنستكمل نقاشنا، وطلبت منه أن يعود إلى بيته ليستريح، لكننا لم نلتق مجدداً. علمت بعدها أنه اعتقل في محيط مسجد الفتح في ميدان رمسيس.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 7 نوفمبر، 2017

لن أنتخب خالد علي مجددا





مطلع عام 2012، قرر المحامي الشاب خالد علي ترشيح نفسه لرئاسة مصر في مواجهة مرشحين كان هو أصغرهم سناً، ولما كان خالد ابن جيلي، وشريك ميدان، ومعبر عن أحلامنا في تمكين الشباب والتخلص من حكم "العواجيز"، الذي جثم على صدر بلادنا لعقود، قررت مع عدد من أصدقائي التصويت له في الانتخابات.
وقتها كانت الغالبية العظمى من الأصدقاء والزملاء منقسمة بين مرشحين آخرين؛ هما عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي.
وقتها لم يكن الخلاف السياسي يفرق الأصدقاء، كنا نجلس في مقاهي وسط القاهرة لنتناقش ونتجادل، كل منا يروج لمرشحه ويظهر عيوب المرشح المنافس الذي انحاز له صديق من بين الحضور، كانت أزهى عصور الديمقراطية بحق، رغم أننا كنا نسخر من المصطلح الذي تم إطلاقه زورًا وبهتانًا على العقد الأخير من حكم حسني مبارك.
في جلسة جمعتني برفاق التحرير، قررنا التخلص من الانحيازات والحديث بشكل منطقي، أذكر أن أحدهم واجهني بأن فرص خالد علي محدودة للغاية، وأن ترشحه يساهم في تفتيت الأصوات التي يمكنها أن تسهم في نجاح مرشح آخر من مرشحي الثورة، في مواجهة مرشح الإخوان ومرشح الجيش.

وقتها قلت للأصدقاء صراحة إن قناعتي أن أياً من المرشحين لا يملك فرصة، وأن مرشح "الإخوان" ومرشح الجيش/الشرطة، هما الأوفر حظاً، فرد أحد الحضور: ولماذا نجهد أنفسنا إذاً في دعم هؤلاء؟ أليس الأولى أن نختار أحد المرشحين الأوفر حظاً؟ فرد أحدهم: وهل توافق على أي من المرشحين الأوفر حظاً؟
ساد صمت قررت قطعه بهجوم مباغت على مرشحيهم، فقلت إن أبو الفتوح كمرشح لا فارق بينه وبين محمد مرسي وحازم صلاح أبو إسماعيل كمرشحين إسلاميين، وإن حمدين كناصري لا يفرق عندي كثيراً عن عمر سليمان وأحمد شفيق كمرشحين عسكريين.
لم يعجب كلامي الأصدقاء، وتوترت الجلسة التي كانت لطيفة، فقرر أحدهم أن يشن هجوماً مضاداً، وقال إن انحيازي لخالد علي أقرب إلى مقاطعة الانتخابات. قفزت الفكرة إلى ذهني فجأة، فقلت: أظن أنك على حق، هي مقاطعة ايجابية للانتخابات التي لا أتوقع أن تكون ديمقراطية تحت حكم عسكري قمعي.
حصل خالد علي على 124 ألف صوت في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، والتي انتهت إلى جولة إعادة بين مرشح الإخوان مرسي ومرشح العسكر شفيق، كان صوتي أحد الأصوات القليلة التي حصل عليها مرشح الشباب، وكنت فخوراً بأن حملته محدودة الموارد التي لا تحظى بأي دعم من أي فصيل في نظام الحكم استطاعت الحصول على هذا العدد من الأصوات الذي اعتبره كثيرون هزيلاً.
بعد الجولة الأولى عدت وأصدقائي إلى المربع الأول، إلى أي فريق سننحاز، فريق الإخوان أم فريق العسكر؟
عندها دبت بيننا خلافات واسعة، فريق أصر على ضرورة مقاطعة التصويت، وفريق أصر على تأييد أي شخص غير مرشح الإخوان، وفريق ثالث كنت ضمنه، أصر على تأييد أي شخص غير مرشح العسكر.
في الشهر التالي، كنت أحد من يهاجمون المرشح أحمد شفيق ليل نهار، لكنني لم أكن داعماً لمرسي كمرشح، لم أكن مقتنعاً بأي منهما، لكن الإخوان كانوا وما زالوا عندي أفضل من العسكر.
يوم التصويت، ذهبت إلى لجنة الانتخابات فوجدت العاملين في اللجنة يدفعون الناس دفعاً إلى التصويت لشفيق تحت سمع وبصر الشرطة والقضاة المشرفين على العملية الانتخابية، حتى إنني اختلقت أزمة مع أحدهم وهددته بفضحه إن لم يتوقف عن توجيه الناخبين.
عندما ذهبت إلى الصندوق للإدلاء بصوتي، أصابتني الحيرة، فأنا ضد شفيق قلباً وقالباً، لكني لست مقتنعاً بمرسي أيضاً. حملت ورقة التصويت وعدت أدراجي دون أن أدلي بصوتي، لتظل عملية تصويتي لخالد علي هي المرة الوحيدة التي أدلي فيها بصوتي في أي انتخابات مصرية.
في انتخابات ترشح السيسي للرئاسة، قاطع كل المرشحين السابقين المهزلة، إلا حمدين صباحي الذي استحق لقب "الكومبارس"، وقال خالد عنها إنها ليست انتخابات وإنما "مسرحية هزلية". كان هذا رأيي أيضاً. لكن عدداً من الأصدقاء عاشوا أوهام فوز حمدين في مواجهة العسكر والشرطة والثورة المضادة والنظام القديم.
خسر حمدين خسارة مدوية، لم يحصل حتى على نصف مليون صوت، في مقابل ملايين السيسي، وتفاخر السيسي بأنه خاض انتخابات ديمقراطية في مواجهة مرشح معروف سبق له خوض السباق، وبات حمدين محللاً صورياً لرئاسة السيسي.
قرر خالد علي الترشح للانتخابات الرئاسية 2018 في مواجهة السيسي، ولست أعلم ما الذي تغير في "المسرحية الهزلية" حتى يشارك فيها، أزعم أن الهزل زاد خلال السنوات الأربع التي حكم السيسي فيها البلاد بعد الانقلاب على كل مكتسبات الثورة، وأن خالد سيكون "الكومبارس" الجديد الذي يحلل الفترة الثانية من رئاسة السيسي بعد حمدين.
لهذا لن أنتخب المحلل الكومبارس.






يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 4 نوفمبر، 2017

اليونسكو والصحافيون ومشيرة



 احتفلت منظمة اليونسكو الخميس الماضي بـ"اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين"، بعد ثلاثة أسابيع فقط على إجراء انتخابات اختيار الأمين العام للمنظمة الأممية، وهي الانتخابات التي شهدت صراعاً عربياً محتدماً بين المصرية مشيرة خطاب والقطري حمد الكواري، لتنتهي بفوز الفرنسية من أصول مغربية أودري أزولاي. تقول اليونسكو إن 90 في المائة من حالات قتل الصحافيين حول العالم تمر من دون عقاب، وترصد مقتل 930 صحافياً في الفترة بين عامي 2006 و2016، في عام 2016 فقط، قتل منة وصحافيان. ووفقاً لتقرير المنظمة "الاتجاهات العالمية في مجال حرية التعبير وتنمية وسائل الإعلام"، فإن 94 في المائة من الصحافيين الذين قتلوا عام 2016، هم صحافيون يغطون أحداثاً محلية، ونصف حالات القتل وقعت في بلدان ليس فيها نزاعات مسلحة، وإنسبة الضحايا من الصحافيات ارتفعت من 5 في المائة عام 2006، إلى 10 في المائة عام 2016. في مصر التي خسرت مرشحتها لليونسكو، يعيش الصحافيون أوضاعاً مأساوية، حسب قول مقرر الأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية حق حرية الرأي والتعبير، ديفيد كاي، قبل أسبوع في نيويورك. وطالب كاي، السلطات المصرية بالتوقف فوراً عن ملاحقة الإعلاميين، معتبراً أن "أوضاع الصحافة والإعلام أيام حسني مبارك، كانت أفضل كثيراً مما هي عليه الآن. لقد بات الوضع مرعباً ومخيفاً في مصر. إنهم لا يلاحقون المعارضين فقط، وإنما أيضا أي صاحب رأي مختلف". ووثق تقرير للمرصد العربي لحرية الإعلام اعتقال 94 صحافياً في مصر، بينهم المصور الصحافي محمود أبوزيد "شوكان" الحاصل على جائزة اليونسكو لحرية الصحافة. جلست أتخيل أن المرشحة المصرية فازت بمقعد رئاسة اليونسكو، وكيف كانت ستتعامل مع حملة المنظمة الأممية تلك، بينما تضع التقارير الحقوقية الدولية مصر، جنباً إلى جنب مع الصين وسورية والعراق، على رأس قوائم انتهاك حقوق الصحافيين. تقول سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة لحرية التعبير وسلامة الصحافيين، كريستيان آمانبور، إن "الأخبار مليئة بتقارير عن زملائنا الذين يقتلون ويصابون ويسجنون في جميع أنحاء العالم، ويجب علينا كوسائل إعلام الاستمرار في القتال من أجل إنهاء الإفلات من العقاب". تخيلت مجدداً آمانبور تستضيف خطاب (كمديرة لليونسكو) في برنامجها التليفزيوني الشهير، وبينما مشيرة تتحدث عن آليات حماية الصحافيين من القتل والاعتقال والتضييق، تسألها المذيعة عن موقفها المخزي من إغلاق عشرات المكتبات المصرية قبل شهور قليلة على انتخابات المنظمة. قدّر الله ولطف.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 3 نوفمبر، 2017

قصة جماعة "أنصار الإسلام" التي تبنت مجزرة #الواحات




جروب الجماعة اللي اسمها "حراس الشريعة مصر الكنانة" اللي أعلنت النهاردة تبني مجزرة #الواحات اتفتح على "تليجرام" في 19 أكتوبر. والمجزرة كانت ليلة 20- 21 أكتوبر.


كل البوستات في الجروب قبل المجزرة تؤكد أن الجماعة تابعة لتنظيم القاعدة، بينها فيديوهات لأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة وأبو قتادة، وفيها احتفاء بعمليات جماعة الشباب في الصومال وغيرها.
وقت الكشف عن عملية الواحات. كان الجروب ينقل عن وسائل الإعلام مثله مثل كل الأشخاص العاديين، ولم ينشر أي معلومة خاصة او تفاصيل غير منشورة في وسائل الإعلام.


في اليوم التالي 21 كان ينشر أيضا أخبارا متداولة وفيديوهات التسريبات التي نشرتها قنوات ومواقع إخبارية.


مساء يوم 21 أكتوبر. نشر بوست يبارك فيه العملية بعد أن نشر نقلا عن مواقع إخبارية أسماء أفراد الشرطة المقتولين فيها.
على مدار الأيام اللاحقة تفرغ لنشر أخبار منقولة من وسائل الإعلام. ولنشر مبادرة "الصلح بين المجاهدين"، والدعاية لعمليات الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة حول العالم.




يوم 26 أكتوبر نشر بوست منقول حول النقيب محمد الحايس يتحدث عن التضارب في تصريحات الداخلية حول خطفه أو مقتله.
يوم 28 أكتوبر نشروا بوستات عن إقالة محمود حجازي من رئاسة الأركان وتعيين محمد فريد حجازي. ثم إقالة مدير الأمن الوطني ومدير أمن الجيزة. دون أدنى ذكر لعملية الواحات. رغم أن كثيرين ربطوا القرارات بالعملية.


الجمعة 3 نوفمبر. نشروا بيان جماعة تسمى "أنصار الإسلام" لم يذكروها سابقا في الجروب، وحتى في نشر البيان لم يذكروا ما الصلة التي تربطهم بها.
وجاء في البيان أن تلك الجماعة منفذة عملية الواحات. وأنها أسرت عددا من عناصر الشرطة ثم أطلقت سراحهم. وأن النقيب الحايس استسلم لها طوعا. ورغم أنهم أطلقوا سراح زملاءه إلا أنه ظل محتجزا لديهم بلا سبب واضح. وأنهم خسروا في العملية عنصرا واحدا. وأن الطيران الحربي شن هجوما عليهم لتحرير الحايس الذي لا نعلم سبب احتجازه لديهم. وأن الهجوم راح ضحيته أحد قادتهم ويدعى أبو حاتم وعدد من أفراد فرقته.



القصة كلها على بعضها كدا غريبة ومريبة جدا


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 28 أكتوبر، 2017

من حكايات المغفلين




 المُغَفَّلُ في "لسان العرب" هو الشخص الذي لا يملك الفطنة لمعرفة الحق من الباطل والصالح من الطالح والمنفعة من المضرة، وليس من التجني القول إن كثيراً من البشر هم "مغفلون"، والواقع أن هذا لا يتأثر في كثير من الأحوال بمستوى التعليم أو الوعي.
لما اشتعلت ثورة يناير في مصر، كان أغلب المشاركين فيها مغفلين لدرجة تصديق أنهم هزموا ما يطلق عليه "الدولة العميقة" في ثمانية عشر يوماً، وكان معارضوها أكثر غفلة لأنهم قاوموها رغم أنها كانت المخرج الوحيد لمشكلات تقبع فيها البلاد، ليكتشف الطرفان لاحقاً أن سذاجتهما انتهت بهما إلى السقوط في فخ الثورة المضادة. ولما اشتعلت الثورة في سورية واليمن وليبيا، كان المشاركون فيها مغفلين لدرجة تصديق أن الأنظمة الحاكمة، والأنظمة الداعمة لها إقليمياً وخارجياً، ستسمح لهم بتكرار السيناريو الذي جرى في تونس ومصر، على اختلاف المآلات في البلدين، ليكتشفوا لاحقاً أن سذاجتهم تلك انتهت بهم جميعاً إلى الحرب الأهلية التي لا زالت مستعرة.
ظل الغرب يروج لعقود أن النظام الحاكم في السعودية نموذج لكل ما يجب على دول الشرق الأوسط أن تتجنبه بسبب حكم الفرد ونشر التشدّد وغياب الحريات، وإن ظل كل هؤلاء المنتقدين مستفيدين من مشروعات يمكن اعتبارها رشاوى مقنعة. لكن الأغرب هو الشعب الذي ظل عقوداً يكرر الخطاب الرسمي المناهض للحريات والمتشح بمزاعم اتّباع تعاليم الدين، ثم لما قرر النظام شكلياً مجاراة النسق الغربي في بعض الأمور تحوّل الناس إلى تكرار الخطاب الجديد دون وعي.
يظن البعض أن الغفلة، التي يسميها البعض سذاجة، مرتبطة بغياب الوعي في الدول المذكورة، لكن السنوات الأخيرة كشفت لنا أن كل الشعوب في أنحاء العالم تعاني درجات من السذاجة تسمح للأنظمة الحاكمة بالتلاعب في مقدراتها. ظل الغرب يروج لسنوات أن نموذج الحكم القائم في كردستان العراق هو الأمثل في الشرق الأوسط، وأن على بقية دول المنطقة أن تحذو حذوه، فلما قرر إقليم كردستان ممارسة الديمقراطية للمطالبة بالاستقلال أدار العالم ظهره للأكراد واصطف مع الحكومة المركزية الفاشلة في بغداد. حتى في قلب أوروبا المتقدمة، أكدت وقائع استفتاء انفصال إقليم كتالونيا عن إسبانيا أن الشعب يتمتع بالسذاجة نفسها التي يتمتع بها أقرانه في الشرق الأوسط، وأنه يمكن أن نطلق عليهم وصف مغفلين.
لسنا وحدنا مغفلين إذن، فغالبية الشعب الأميركي مثلاً لم تكن تعرف أين يقع العراق لما بدأت حرب الخليج الأولى.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 21 أكتوبر، 2017

مصر العجيبة



يتفاخر الإعلام المصري بقدرة الجيش والشرطة على إحباط هجوم إرهابي في سيناء، وفي اليوم التالي تقع عدة هجمات على معسكرات وحواجز أمنية في عدة مدن بسيناء؛ تنتهي إلى مقتل 17 مصرياً بينهم 15 عسكرياً، وسرقة فرع أكبر البنوك المصرية في العريش.

 تذكرني تلك المأساة بكل الهراء المتكرر في الإعلام المصري عن قدرات جيشنا الخارقة وتدريبه المتطور، وصولاً إلى أسر عناصره قائد الأسطول الأميركي السادس، وفق أحد الإعلاميين، ثم قول قائد عسكري كبير فور تعيينه مسؤولاً عن تأمين سيناء قبل أكثر من عامين، إنه سيسلمها للمصريين "متوضية".
 باتت الأوضاع في مصر عجيبة، يكررون يومياً أن البلاد باتت في أحسن حال وأنها استعادت قدراتها الاقتصادية، بينما هي في الواقع "تشحت من طوب الأرض"، ولا تستطيع أن تعيش دون المعونات أو تستغني عن الديون، حتى أن من يدير هذا الفشل المقيم نفسه يعتبرها "شبه دولة" أو "وطن ضائع".
احتفى المجلس العسكري الذي كان السيسي أحد أعضائه، بثورة يناير في عدد كبير من بياناته الرسمية، واعترف دستور ما بعد الانقلاب بأنها ثورة، لكن أذرع النظام تواصل تكرار نغمة أنها "مؤامرة أميركية صهيونية إيرانية تركية قطرية".
يتحدثون عن تدفق السياح والاستثمارات، بينما الفنادق خاوية على عروشها، ورجال الأعمال المصريون ينقلون ثرواتهم إلى الخارج أو يتخلصون من مشروعاتهم في الداخل، والمعتقلات مكتظة بأصحاب الرأي من كل التيارات، ومنظمات أممية ودولية تهاجم "النظام القمعي الفاشي".
  قتل الجنود أمام مبنى التلفزيون "ماسبيرو" المتظاهرين المسيحيين، فطالب التلفزيون الشعب بضرورة التصدي لهم وحماية الجيش، ثم تحالف المسيحيون مع الجيش الذي سبق له قتلهم للإطاحة بالإسلاميين. كان الإعلام المصري يعزف نغمة واحدة وضعها عسكري جاهل، مليئة بنشاز منفر متكرر، لكن الأمر تطور كثيراً حتى أصبحنا "مسخرة"، وبات يضرب المثل بإعلام مصر الذي كان رائداً، باعتباره نموذجاً للهراء والكذب والتحولات.
وعندما تفشل كل المحاولات لتجميل الصورة القبيحة المفضوحة، يعودون مجدداً إلى تكرار المقولة العبثية "أحسن من سورية والعراق".
مازالوا يتحدثون عن القرار المستقل، و"كسرنا مناخير أوباما"، و"منيمين أميركا من المغرب"، وأن إسرائيل "تحسب لنا مليون حساب". بينما ترامب يفعل في مصر ما يشاء متى يشاء، والعلاقة مع إسرائيل "سلام دافئ"، ويعتبر الإعلام العبري السيسي "بطلا" بعدما انتهى من تهجير أهل سيناء من منازلهم، وإفراغ الشريط الحدودي من سكانه الذين يعتبرون خط الدفاع الأول، من أجل حماية أمن إسرائيل.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 13 أكتوبر، 2017

شأن داخلي


 جلسنا نحكي لساعة عن الشأن العربي، وتداعيات الصراعات، ونظريات المؤامرة، والتدخلات الخارجية في كل الشؤون العربية، وعن الروهينغا، وانفصال كتالونيا، وانفصال كردستان، وعن ترامب وميركل وتيريزا ماي. تطرقنا إلى كثير من الموضوعات، وتبادلنا العديد من الآراء التي لم تخل من اختلافات.

 في خضم الحديث طرحت وجهة نظري عن ما يجري في بلاده، فامتقع وبدا الغضب على قسمات وجهه. فجأة تحول حوارنا الهادئ المتزن، وقدرتنا على تبادل الرأي، إلى رفض كامل من جانبه لأي طرح أو رأي من جانبي، ثم عاجلني بأنه يرفض انتقاداتي، وأنه يعتبرها تدخلاً غير مقبول في شأن داخلي. حاولت أن أتجاوز غضبه من توجيه الانتقادات لسياسات بلاده، وبعضها انتقادات محقة، وقررت تحويل مسار الحديث من التركيز على تلك الانتقادات إلى هذا الذي سماه "الشأن الداخلي".
هذا المصطلح الذي بات البعض يستخدمونه لإنهاء أي حوار أو قمع أي نقاش، خصوصاً في فترات اشتعال الخلافات بين حكام البلاد، والتي باتت الشعوب طرفاً فيها، أو وقوداً لها، رغماً عنها. قلت إننا تحدثنا طويلاً عن بلدي، وإنني لم أغضب أو أنزعج من انتقاداته، وإن آلاف العرب يتحدثون عن مصر وأحداث مصر يومياً، وعادة ما أسمع منهم حكايات ونظريات وتحليلات لا علاقة لها بالواقع، ثم يكرر أغلبهم أن "مصر أم الدنيا"، وأنه من حق كل العرب الاهتمام بالشأن المصري لأن له تأثير مباشر على كل الشؤون العربية.
عاد صديقي مجدداً إلى هدوئه بعد أن كان يهم بالمغادرة غاضباً، وقال إن بعض المصريين أيضاً، يرفضون أن يتحدث الآخرون في شؤون بلادهم بزعم أنها شأن داخلي، وإنه يدرك أنه لا يفترض بنا (أنا وهو) أن ننساق خلف هذا النوع من المزايدات باعتبار أننا مهتمان بالشأن العربي. اتفقنا على أن هذا الذي يسمى "الشأن الداخلي" ليس إلا لعبة يستخدمها البعض للهروب من النقاش، أو إخفاء حقائق تسيء إلى بلده أو مواطنيه، وأن حدة النقد أحياناً تثير داخل الأشخاص نوعاً من العصبية القبلية، حتى لو كانوا ممن يفترض بهم محاربة هذا السلوك المعيب.
وقال صديقي إن الكثير من العرب يخشون الحديث عما يجري في بلادهم، حتى لا يتعرض، أو عائلته، لغضب الحاكم أو الطائفة أو الحزب، حتى لو أنه يعيش خارج البلد. قلت إنني أتفهم هذا جيداً، لكنني لم ولن أتفهم أن يتسبب هؤلاء المتعصبون في منع الآخرين من مجرد توجيه انتقادات لأحوال أو سياسات يدركون أنها ظالمة أو ذات تأثير سلبي.
أكملنا جلستنا بالحديث عن المتأهلين إلى كأس العالم لكرة القدم في موسكو، رغم أنه يعرف أنني لست من هواة مشاهدة مباريات الكرة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 7 أكتوبر، 2017

أجيال الشك


محمد الشاهد/ فرانس برس



حلت أمس ذكرى آخر حرب بين الجيوش العربية والاحتلال الإسرائيلي عام 1973، والتي كان هدفها تحرير شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية ومناطق عربية أخرى، وكان البعض يعتقد أن بإمكانها إنهاء احتلال فلسطين.

ورغم مرور 44 سنة كاملة على تلك الحرب، إلا أن الكثير من أسرارها لم يظهر بعد، وإن كنا عرفنا خلال تلك السنوات تفاصيل غير كاملة عن بعض ما جرى في المعركة التي استمرت ستة أيام متتالية، والمفاوضات والاتفاقيات التي جرت في السنوات التي تلتها، والتي انتهت بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة عام 1979.

درست قبل أكثر من عشرين سنة موضوعاً عن حرب أكتوبر/ تشرين الأول في كتاب التاريخ. كان أبي واحداً ممن شاركوا في الحرب، لكن الكثير من وقائعها ظلت غامضة. كل ما درسناه ركز على النصر المجيد للجيش، والشجاعة غير المسبوقة للجنود، واستعادة الكرامة والهيبة بعد الهزيمة في حرب 1967، والتي يصطلح على تسميتها بـ"النكسة".

وبقدر المعلومات المحدودة المبهمة في كتاب التاريخ عن الحرب وما جرى فيها، كانت صورة الحرب بالنسبة لجيلي وأجيال لاحقة هي تلك الماثلة في عدد محدود من الأفلام السينمائية التي أنتجت بعد الحرب، وكان شغلها الشاغل تجميل الأحداث أو اللعب على عواطف الشعب الممنوع عليه معرفة الواقع.

بمرور السنوات، تمكنت من قراءة مصادر متعددة ومتباينة حول وقائع الحرب، بعضها مصري، وبعضها أجنبي، ووثائق كان يتم كشفها سنوياً من جانب العدو، أو من جانب الولايات المتحدة التي كانت داعمة للعدو، ثم راعياً لعملية السلام، ولاحقاً أصبحت مقتنعاً بأن جزءاً كبيراً من المعلومات القليلة التي قيلت لنا عن تلك الفترة وما تلاها، كان كاذباً أو مزوراً، أو غير جدير بالثقة.

بعد مرور أكثر من أربعين سنة على آخر حرب عربية إسرائيلية حقيقية، أصبحت قناعتي أن مصر ربحت معركة عبور قناة السويس إلى شبه جزيرة سيناء، لكنها خسرت حرب تحرير سيناء، فباتت مضطرة لتقديم تنازلات مجحفة للعدو لاستعادة الأرض بالسلام المزعوم، وأن سورية خسرت المعركة والحرب معاً، وظلّ الجولان محتلاً حتى اليوم.

تغضب تلك القناعات هؤلاء الذين أسميهم "دولجية"، وهم السائرون في فلك النظام الحاكم أياً كانت أفعاله، هؤلاء يتهموننا بأننا "‫أجيال الشك".

لم نعد ننكر تلك التهمة، لأنها ليست تهمة بالأساس، ‫فالواقع أن العيب ليس فينا كأجيال ولدت بعد الحرب، وإنما في تعمد النظام مزج التاريخ والوقائع بالكذب والتزوير، وهذا لم يعد ينطلي علينا بسبب الروايات المتهافتة المتضاربة، وقدرتنا على الوصول إلى معلومات أكثر منطقية وتحديداً.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة