السبت، 28 سبتمبر 2013

التاريخ المجهول.. مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر والتدخل المصري السعودي الدامي في اليمن












ــــــــــــــــ


المقدمة 



عندما بدأ الشيخ عبد الله الأحمر، رئيس مجلس النواب اليمني، تعليمه في السابعة كان شقيقه الاكبر حميد وعمه غالب رهينتين لدي الامام يحيي، ملك اليمن بين 1904 ـ 1948، الذي كان يستخدم نظام الرهائن مع القبائل لضمان ولائها والحيلولة دون تمردها

ويقول الاحمر، في مذكراته التي تنشر القدس العربي الحلقة الاولي منها اليوم (ص 17)، ان تجمع قبائل حاشد كان معقل الأئمة، وموضع اعتمادهم الرئيس. ويروي شيخ مشايخ قبائل حاشد قصة وفاة امام اليمن المنصور عام 1904، وتقدم عدة علماء متنافسين لخلافته، قائلين ان يحيي يفتقد احد الشروط.

وعندذاك نهض الشيخ ناصر بن مبخوت، جد عبد الله، رافعا عصاه قائلا انها تسد الشرط الناقص، فبويع الامام يحيي لولاية اليمن، وكان بذلك للشيخ ناصر الدور الحاسم في ترجيح كفة الامام يحيي. لكن الود بين آل الأحمر والامام اعقبه غضب واعمال ثأر وانتقام مع الامام احمد الذي خلف والده عام 1948.
ويبلغ الشيخ عبد الله بن حسين الاحمر رئيس حزب التجمع اليمني للاصلاح المعارض الرابعة والسبعين، ورغم تقدم السن والمرض، فان الشيخ الذي تبندق في الخامسة عشرة يرفض نزع السلاح ، ويخوض معركة جديدة، لكن هذه المرة مع التاريخ، من خلال مذكراته هذه التي خص القدس العربي بحقوق نشرها.
ويبدأ الفصل الدامي في علاقة آل الاحمر والامامة مع الصرخة الكبري التي اطلقها الامام احمد عند عودته من روما، وقد استشعر الاخير عملا شارك فيه الشيخ حميد، شقيق الشيخ عبد الله، لتهيئة الرأي العام اليمني واعداده للتغيير. وكانت الامامة نظاما مغلقا، حاول تحصين نفسه بكل السبل لتجنب رياح التغيير.
وارعبت الصرخة الكبري عام 1955 كل من اسهم بالتبعئة للتغيير، وترتبت بسببها نتائج تراجيدية علي مصائر بعض شخصيات آل الاحمر، وفي مقدمتهم والده وشقيقه.
وقال الامام احمد في صرخته الشهيرة: لن يخيفني أخضر ولا أحمر، وهذا الفرس وهذا الميدان ومن كذب جرب وما عارض أحد أحمد إلا وشرخت رأسه بالسيف، واستشهد بأبيات قالها وكان شاعراً:
ماذا يريدونها لا دَرَّ دَرُّهُمُ
إن الإمامة لا يُطْوَي لها عَلَمُ
وقد انتشرت هذه الصرخة المدوية فأرعبت كل من كان يحس أنه قد أسهم بأي نشاط سواء من المشايخ أو من غيرهم.
ويصيف الاحمر انه كان في تلك الليلة متواجداً في صنعاء مع حميد ومعظم مشايخ القبائل لا سيما القبائل الشرقية والشمالية، فقد كان ولي العهد البدر انفتح علي المتنورين انفتاحاً كبيراً، وكان يعطيهم بسخاء، وعندما سمعوا تلك الصرخة المدوية خرج الكثير منهم فوراً من صنعاء والبعض تأخروا قليلاً وقام الأخ حميد باستدعاء كبار المشايخ الموجودين واجتمعوا في قبة المهدي، وطرح عليهم حميد أن الإمام قد عاد بعد غياب طويل ومرض وله حق علينا أن ننزل إلي الحديدة التي نزل فيها لنهنئه بسلامة العودة وفي ذلك أيضاً إشعار بأن الناس ليسوا خائفين وأن مشايخ القبائل عندهم مَنَعة ربما كان هذا أو شيء آخر كان يخطط له حميد.
وتعكس مذكرات شيخ مشايخ قبائل حاشد مرحلة انتقال اليمن من طور خالص الانتماء الي القرون الوسطي الي طور هجين تتصارع فيه الأزمة التقليدية والحديثة. انها ذكريات غنية بالتاريخ لرجل ينتمي الي احد اثري البلدان العربية تاريخا.


النشأة والتربية

 الشيخ عبدالله الاحمر احد فصول تاريخ اليمن الحديث. فليس بالامكان تقليب صفحات هذا التاريخ دون التوقف عند شخصه، واسرته، وقبيلته، في عهد الإمامة كما في الجمهورية. انه فاعلية سياسية واجتماعية كبيرة في العهدين

شيخ مشايخ قبائل حاشد، رئيس مجلس النواب ورئيس حزب التجمع اليمني للاصلاح المعارض، عبدالله بن حسين الاحمر، بلغ الرابعة والسبعين. ورغم تقدم السن، والمرض، فان الشيخ الذي تبندق في الخامسة عشرة، يرفض نزع السلاح ، ويخوض معركة جديدة، لكن هذه المرة مع التاريخ، من خلال مذكراته هذه التي خص القدس العربي بحقوق نشرها.

وهذه المذكرات سيرة رجل، بقدر ما هي سيرة بلد، تعكس شاشتها مرحلة انتقال اليمن من طور خالص الانتماء الي القرون الوسطي، الي طور هجين تتصارع فيه الأزمنة التقليدية والحديثة. وهي بذاتها علامة تحول او تغير: فمذكرات أسلافه كانت روايات شفاهية في الدواوين، بينما تميز عنهم بنقلها الي عصر التدوين.
انها ذكريات غنية بالتاريخ لرجل ينتمي الي أحد أثري البلدان العربية تاريخاً.

النشأة الأولي

ولدت في حصن (حبور) من بلاد (ظليمة) حاشد وهي ناحية من نواحي لواء حجة وتتبع الآن محافظة عمران التي أنشئت مؤخراً، وكان ميلادي في الأول من شهر كانون الثاني (يناير) سنة ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين ميلادية (1933م)، ولم يكن في تلك الأيام سجلات للمواليد، وكان البعض يسجل ميلاد أولاده في غلاف المصحف الشريف.
في هذه المنطقة كانت نشأتي الأولي في بيئة نظيفة نقية فيها الطهر والوداعة والتواضع، وفي معظم سنوات العمر الأولي كان والدي وعمي غالب يقضون معظم أوقاتهما في صنعاء عند الإمام يحيي للمراجعة في مشكلات اختلقتها لهم الدولة أو الإمام، ونحن في البيت الأطفال الصغار، أنا وأمثالي من أولاد العم يرعانا وكيل كان مع الوالد اسمه حمود بن أحمد اليتيم، رافق جدي ناصر ثم رافق الوالد وكان موضع ثقته وكان اعتماد الوالد عليه اعتماداً كلياً، فكان المسؤول عن رعايتنا، وعن إدارة البيت والأموال والمزارع.
وكانت بيئتنا بيئة مزارعين ولدينا أراضٍ زراعية كثيرة، وأذكر كيف كان بيتنا وهو بيت كبير أحواشه واسعة مليء بالعمال والرعاة والمواشي من كل أنواعها؛ الخيول والحمير والجمال والبقر والغنم، وكنا محتاجين لكل نوع من أنواع الحيوانات؛ فالحمير والجمال لنقل الحبوب وغيرها من المنتوجات الزراعية ونقل ما نحتاج إليه في الزراعة، والثيران لحراثة الأرض، والبقر والغنم للحليب والسمن والأكل، ولا زلت أذكر ذلك وكيف كنا سعداء.
وعندما بلغت سن السابعة أو الثامنة جاؤوا لنا بمدرس يعلمنا القراءة والكتابة والقرآن في البيت، وبدأنا بتعلم القراءة والكتابة أنا ومن هم في سني من أولاد العم، أما أخي حميد الذي يكبرني بسنتين ونصف، وهو الأخ الوحيد لي في تلك الفترة حيث لم يولد أخي الأخير يحيي إلا بعد ذلك (في شهر كانون الثاني ـ يناير سنة 1948م)، فقد كان ـ أي حميد ـ رهينة هو وعلي غالب الأحمر ـ وهو الابن الكبير لعمي غالب ـ لدي الإمام في حجة، وما بدأ قراءته الأولي إلا وهو رهينة.

ولا زلت أتذكر أول مدرس لنا واسمه السيد حسين الفخري، ولم يستمر معنا إلا أياماً قليلة فقط وهرب لأنه حاول أن يضربني فأخذت اللوح الخشبي الذي كنا نكتب به وضربته في رأسه وهربت، فترك تدريسنا بعد هذه الحادثة. وجاؤوا لنا بمدرس آخر بديلاً عنه وهو فقيه قبيلي اسمه محسن الصوتي من نفس المنطقة جوار حصن حبور الذي كنا فيه حيث لم يكن أحد منا صغيراً أو كبيراً ينزل المدينة أو يدخل السوق أبداً، وكان معنا مسجد في الحصن وقد نفعتني الصلاة في هذا المسجد الذي كنا نتعلم بجواره، وإذا كان الوالد متواجداً تقام الجمعة فيه وإلا فإن الجمعة تقام في المدينة التي كانت فيها مدرسة للتعليم كما هو حال التعليم في المدن.
ولا زلت أذكر عندما كان بعض طلبة المدينة يختمون قراءة القرآن حيث يطلعون إلينا مع أساتذتهم وقد لبسوا ملابس خاصة تدل علي أنهم قد أتموا حفظ القرآن مرددين الأناشيد حتي يصلوا إلي أبواب حوش البيت فنفتح لهم فيدخلوا لينشدوا أناشيدهم مثل (بلاد العرب أوطاني) من أجل أن نعطيهم بعض الريالات التي كان يعطيهم إياها الوكيل أو أي شخص كبير يكون متواجداً في البيت.
وأذكر كيف كان اهتمام الناس ـ المجتمع بأكمله ـ بالعبادات، كنا نصلي الفجر جميعاً الصغار والكبار، وبعدها لا ينام أحد حيث نجلس جميعاً نقرأ القرآن ـ الصغار والكبار والنساء اللاتي يحفظن القرآن ـ كل الناس تقرأ القرآن من بعد صلاة الفجر حتي شروق الشمس، ثم نتناول طعام الإفطار لتبدأ بعده الحركة والعمل في وقت مبكر، وكان النوم مبكراً أيضاً حيث لم تكن هناك سهرات طويلة في الليل وهذا ما كان عليه اليمنيون كلهم في ذلك الوقت.
بقينا في التعليم فترة بسيطة حيث يتوقف التعليم في ذلك الزمان عندما يتم الشخص قراءة القرآن، وبعد ختم القرآن يتعلم القراءة والكتابة وقليلا من العلوم الدينية والحساب لحاجات بسيطة جدًاً، وكان البعض بعد هذه الدراسة ينتقل إلي المدرسة العلمية وهم محصورون في بعض الأسر في المدن، وما بلغت الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري إلا وقد أصبحت مسؤولاً عن البيت والأموال حيث كان الفرد في ذلك الوقت يشعر بالمسؤولية مبكرًا. فقد يتحمل المسؤولية ويواجه مشاكل القبائل، وهو في سن الثالثة عشرة وبعضهم أقل وذلك بخلاف ابن المدينة.
وبالنسبة لي شخصياً فقد كان لدي شعور بالمسؤولية، وجدية كبيرة خاصة أن والدي كان غائباً عن البيت في معظم الأوقات، وكذلك عمي غالب وكان البيت، كما قلت مليئا بالمواشي، وأصبح لدي في ذلك الوقت مواش خاصة بي من البقر والغنم، فأصبحت مسؤولاً عن الأموال وتنقلت من حبور إلي منطقة الخمري بالعصيمات في حوث وإلي البطنة والعشة ودنَّان، وكنت أتنقل إلي قضاء حجة أو المناطق والنواحي التي لنا أملاك فيها من أجل التحصيل بعد موسم علاَّن إلي أن قامت ثورة 1948م وأنا في سن الخامسة عشرة.

تأثير الأب

توفي جدي ناصر بن مبخوت في سنة 1340هـ قبل مولدي بإحدي عشرة سنة وكان والدي عندما توفي أبوه في الثانية والعشرين من عمره.
كان الوالد ـ رحمه الله ـ يتسم بالحزم في تربية أولاده ومع عائلته ومع الناس، حيث كان شديداً جداً في التربية وفي كل الأمور التي يلزم فيها الشدة وكنا نهابه برغم أنه لا يتواجد في البيت إلا نادراً ومعظم أوقاته في صنعاء.
وعلي الرغم من أن اهتمامي لم يتجاوز محيط البيت والشؤون الخاصة إلا بعد 1948م، إلا أنني اكتسبت بعض الخبرة من الاختلاط بالناس الذين كانوا يتوافدون علي الوالد عندما يكون متواجداً في البيت من أجل قضايا صغيرة أو كبيرة واكتسبت معرفة بالقبائل وخاصة قبائلنا العصيمات وعذر وتوسعت هذه المعرفة أكثر فأكثر بعد 1948م، وتوسعت مسؤوليتي ولم تعد محصورة بشؤوننا فقط بل أصبحتُ مسؤولاً علي قبائلنا بالأخص العصيمات لأن الوالد سجن بعد 1948م وأيضاً الأخ حميد.
ومن الأشخاص الذين كان لهم أيضاٌ أثر في حياتي وعمري لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة النقيب محمد علي بدوي فارع الذي قدم سنة 45 م أو 46م من عدن مشياً علي الأقدام متنكرًا ومتخفياً، مرسلاً إلي الوالد من الأستاذ أحمد نعمان والشهيد محمد محمود الزبيري وجماعتهم الوطنيين. وكان الوالد في منطقة أخري من مناطقنا فبقي هذا الرجل عندنا في الحصن في غرفة خاصة متخفياً حتي عاد الوالد، وقد اعتبرت وصول هذا الرجل وانفرادي به وسماعي إليه وإلي الكثير من قصصه قبل عودة الوالد في غيبته غزواً سياسياً مبكرا بالنسبة لي أتاني من عدن.
والنقيب محمد بدوي من أبرز الأسر في العصيمات، وكان في جيش الإمام في تعز، وقد فر إلي عدن بعد فرار الأستاذين الكبيرين النعمان والزبيري ودخل في حزبهما وعمل تحت قيادتهما، وقد استمر في عدن مع الأحرار حتي قيام ثورة الدستور سنة 48م وخرج مع الأستاذ النعمان والمجموعة التي معه حين ألقي القبض عليهم في محافظة ذمار وسِيقوا جميعا مكبلين بالسلاسل إلي سجن نافع في محافظة حجة، وظل النقيب محمد علي بدوي في السجن سبع سنوات ثم أطلق سراحه مع غيره، وبقي في مقام الإمام أحمد في تعز تحت الإقامة الجبرية حتي قيام ثورة سبتمبر، وغادر تعز بعد ذلك واتجه إليّ في الشهر الأول من الثورة وأنا في القفلة وشارك في القتال وأصيب بإصابات بالغة في جبل عزًان فوق منطقة القفلة، وبعد أن عاد من رحلة العلاج من مصر واصل معنا القتال دفاعا عن الثورة التي ساهم في خلقها حتي توفاه الله جندياً مجهولا فقيراً وأولاده من بعده فقراء غير معروفين، وعندي اثنان من أحفاده، فهذا الشخص المجهول هو الذي زرع في شخصيتي الحسّ السياسي والوطني من وقت مبكر.

آل الأحمر والأئمة: الصراع والوفاق

زعامة أجدادي بيت الأحمر علي حاشد قديمة ولكن ليس لدي مسلسل تاريخي إنما محطات متفرقة عن ذلك، والذي أعرف عنه هو زعامة الشيخ علي بن قاسم الأحمر الجد التاسع للأسرة في المائة بعد الألف من الهجرة (1100هـ). كان لجدي علي بن قاسم نفوذ كبير وشخصية قوية جداً والتفاف حاشد حوله كان قوياً وكان له أتباع من قبائل بكيل ولدينا تهجير حتي من قبائل أرحب ونهم ما بالك من قبائل ذومحمد وذوحسين وسفيان والقريبين منا. أما نفوذه فكان علي مناطق لواء حجة أكثر لأن جميع قبائلها من حاشد نسباً، وإذا برز شخص كبير من آل الأحمر فكان يمتد نفوذه إلي مناطق لواء حجة التي تسمي حاشد الغرب الذين هم من أولاد غريب بن جشم بن حاشد الأكبر، ومنهم الشرفين وبلاد أسلم وكعيدنة وحجور الشام والأهنوم وكل قبائل قضاء حجة التي منها بني قيس وكُحلان وشرس وبني العوام ومبين والظفير وغيرها. أما حاشد المشرق فهم العصيمات وبني صريم وخارف وعذر وبني جديلة وظليمة وعمران وهمدان وسنحان وبلاد الروس وغيرهم ممن ينتسبون إلي قبائل حاشد وهم أولاد مالك بن جشم بن حاشد.
والجد الأكبر علي بن قاسم هو الذي كسب أموالاً في مناطق لواء حجة، وما كان كسب جدي ناصر إلا تكملة لما كسبه علي بن قاسم الأحمر، وقد انقرضت تلك الأموال وقد أمتلك بعض حصونها مثل حصن القاهرة في المحابشة، وحصن قلعة سَنجر في حجة، وحصن شيعان في كحلان، وحصن الغطريف في بني العوام وغيرها.
وكان له ـ كما قلنا ـ نفوذ قوي وعندما اختلف مع الإمام المنصور حسين ابن الإمام القاسم دعا حاشدا وبكيلا ضد الإمام بعد محاولات كثيرة لإصلاح ما كانوا ينشدون إصلاحه من الفساد من جانب الإمام ولكنه لم يستجب، وهنا بدأ الصراع حيث قام رجال حاشد وبكيل بقيادة علي بن قاسم الأحمر وزعماء من مشائخ بكيل بمحاصرة صنعاء وأحاطوا بها إحاطة جيوش، لكن الإمام استطاع أن يخترق بعض قبائل بكيل فانسحبوا وهذا مذكور في كتاب (نشر العرف) لزبارة.
وبعد ذلك استمر علي بن قاسم الأحمر في الحصار ورأي أن الأمور مهيأة ليتصالح معه فكلف الإمام وساطة ظلت تتردد عليه إلي أن وصلوا إلي نقاط حلول لم يأت بعدها إلا الندم واتفقوا علي عقد اجتماع مع الإمام في بير الشائف خارج سور صنعاء، وقد دبر الإمام الخدعة حيث جاؤوا إلي الخيمة التي نصبها الإمام ليلتقي معهم بعد أن اتفقوا علي أن يأتي جدي بمجموعة قليلة والإمام يخرج من صنعاء، وعندما دنا موعد الاجتماع بين الإمام وجدي علي بن قاسم الذي كان منتظراً في الخيمة التي نصبت لهم وتقرر الاجتماع فيها، وصل الإمام بحصانه إلي خارج الخيمة بغتة، وأدخل رجاله إلي الخيمة فقتلوا جدي داخل الخيمة وهرب الإمام هو ومن معه من مكان اللقاء ودخلوا صنعاء.
هذه حلقة من حلقات الصراع بين آل الأحمر وبعض الأئمة، أما الوضع العام أو الدائم تقريباً فقد كان الولاء للأئمة لا سيما عندما يكون هناك غازٍ أجنبي سواء الأتراك أو من سبق الأتراك من الملوك الذين تواجدوا في بعض مناطق اليمن.
وبعد علي بن قاسم الأحمر لم تظهر شخصية كبيرة لعدة أجيال، إلي أن جاء ناصر بن مبخوت في أيام الإمام المنصور فاستعاد المكانة التي كانت لعلي بن قاسم أو بعضها، وفي عهده جاءت غزوات الأتراك فتبنَّي مع قبائل حاشد مناصرة الإمام ومطاردة الأتراك، وقد حاول الأتراك من خلال الرسائل تحييد جدي ناصر بالإغراءات المالية وطلب وصوله إليهم للتفاهم ومنحه الأمان إلا أن شكوكه بالأتراك ظلت قائمة رغم المراسلات المتبادلة والأيمان المغلظة منهم ألاَّ يمسه سوء.
ولمَّا تم الصلح بين الإمام والأتراك المسمي صلح دعان 1326هــ 1911م بدأ الخلاف بين الإمام يحيي وجدي ناصر بن مبخوت ومن معه من حاشد وغير حاشد.

الخلاف بين جدي والإمام يحيي

الخلاف كان بعد اتفاقية دعان؛ بين الأتراك العثمانيين، وبين الإمام يحيي بن محمد حميد الدين، لأن جدي ناصر بن مبخوت كان له الدور الكبير في مطاردة الترك وفي الدفاع عن الإمام و دولة الإمام، وقد اعتبر جدي ناصر ومشائخ من حاشد وبكيل الاتفاقية التي تمت مع الأتراك طعنة بالنسبة لهم ونكثا بالعهد أو النهج الذي كانوا يناصرون الإمام علي أساسه، وهو أنهم يدافعون عن الدين وعن الخلافة الإسلامية المتمثلة في الإمام والإمامة.
والذي استثارهم أن الإمام كان يحرضهم ضد الأتراك ويدعوهم إلي قتالهم لأنهم كما كان يقول: بغاة وكفار وأعداء الله، إلي حد أنه كان يقول للناس وبعض أبواقه إن من قتل تركياً دخل الجنة، وهناك رسائل بين الإمام يحيي وجدي ناصر يصف فيها الإمام الأتراكَ بأعداء الله والمقاتلين لهم من حاشد بالمجاهدين. وفي ليلة وضحاها بعد أن أبرم الصلح مع الأتراك دون أخذ رأيهم أو استشارتهم، أصبح يعلن للناس أن هؤلاء إخواننا المسلمون والناس لا يعلمون ما يجري في تركيا وما هو جار من عدوان علي الخلافة التي مركزها إسطنبول، حيث لم تكن هناك وسائل إعلام أو نحوه ليعرف الناس ما يجري في العالم.
من هنا بدأ الخلاف حادًا مما دفع جدي ومشائخ حاشد وبعض مشائخ بكيل من أرحب وذو حسين وبيت الشايف، وبني ردمان، وسفيان إلي التوجه لمناصرة الإمام الإدريسي ضد الأتراك الذي ظل يحاربهم في تهامة السواحل ولم يتصالح معهم، واستمر البعض في مناصرة الإدريسي حتي بعد خروج الأتراك، ضد الإمام يحيي في بعض المناطق لفترة قصيرة حتي انتهت دولة الإدريسي، وعندما أصبحت الحرب بين الإمام يحيي والإمام الإدريسي كان موقفهم لا يزال مع الإدريسي. أما جدي ومن معه من المشائخ فإنهم لم يقطعوا صلتهم بالإمام أو يوجهوا ضده أي حرب أبداً، وكانوا يقولون: إمامنا الذي ولاه ربنا لكنه خان وإذا كان هذا إمام الزيدية فذاك إمام الشافعية هذا إمام وذاك إمام والكل ساده من آل الرسول، هكذا كان رأيهم لكن ولاءهم في مناطقهم ظلَّ مع الإمام وفي ساحة القتال مع الإدريسي حتي تقهقرت دولة الإدريسي وانهارت وتمكن الإمام من بسط نفوذه علي بعض المناطق التي كان يحكمها الإدريسي والجزء الشمالي من تهامة اليمن، أما مناطق مخلاف السليماني وما إليه، فقد أصبحت الآن جزءاً من المملكة العربية السعودية.

عهد الإمام يحيي

بعد خروج الأتراك ودخول الإمام يحيي صنعاء ظل الإمام يجامل جدي ناصر بن مبخوت ويحترمه ويتجنب أي إساءة إليه أو إلي حاشد، وهناك العديد من الرسائل الموجهة إليه توضح ذلك، إلي أن توفي جدي وحاشد علي ما كانوا عليه أنصارا لا رعايا، وهذا هو الفرق، فالولاء للإمام موجود ـ ولكن هناك فرقاً بين أن يكونوا أنصارا أو رعية وقد كانت حاشد وبعض قبائل بكيل أنصاراً لا سيما حاشد فهم الذين آووا ونصروا الإمام يحيي والإمام المنصور ومن قبلهما من الأئمة، فحاشد كانت معقل الأئمة ومناطق انطلاقتهم وحاشد هم من عملوا علي حماية الأئمة من كل غازٍ حتي عندما حاول الأتراك أن يقتحموا شهارة كان اعتماد الإمام علي حاشد، ورغم أن قبائل أخري من بكيل كانت تأتي لمناصرة الإمام إلا أن الاعتماد الرئيسي كان علي حاشد.
وعندما توفي الإمام المنصور سنة 1322هـ اجتمع العلماء في القفلة، وهي منطقة في حاشد، لاختيار إمام جديد، وكان هناك أكثر من عالم يرشح نفسه للإمامة وينافس الإمام يحيي وبدأ العلماء يناظرون ويوازنون بين الإمام يحيي ومنافسيه؛ فقالوا: الإمام يحيي مستوفٍ شروط الإمامة عدا شرط واحد، فكان الدور الحاسم لجدي ناصر بقوله: هذا هو الشرط الناقص، وأشار بيده إلي عصاه، فتمت مبايعة الإمام يحيي، وهكذا فقد كان جدي ناصر هو المرجح لعملية اختيار الإمام يحيي ولعب دوراً كبيراً في ترجيح كفته، وظل الإمام يحيي يحترم جدي ناصر ويراعي هيبته ومكانته وماضيه وأدواره، ولهذا ترك حاشد علي ما هم عليه أنصارًا إلي أن توفي جدي ناصر سنة 1340هـ، وبعد وفاته بدأ الإمام يحيي يرسل جيوشه علي حاشد وأول ما بدأ به عقب وفاة جدي مباشرة بتقليص نفوذ أولاد ناصر بن مبخوت في قضاء حجة في المناطق التي كان لهم فيها نفوذ والتي كانت مصدر إمكانياتهم وتموينهم، فقد كانت كثير من أسواق مناطق قضاء حجة ملكهم، وكانت بعض هذه المناطق تدفع الزكاة إليهم إضافة إلي امتلاكهم لحصون كان فيها مجاميع من عساكر الوالد وأعمامي والذين كان أكبرهم عمي ناصر بن ناصر.
وبدأت المضايقات ومحاربة أولاد ناصر بن مبخوت في لواء حجة بقيادة سيف الإسلام أحمد الذي كان والياً للواء حجة وهي منطقة نفوذه، وحصلت معارك كثيرة ومتكررة كبيرة وصغيرة وفي مواقع متعددة: في سوق الأمان، في نجرة، في قلعة سنجر في بني موهب في حجة. وبعدها جاءت حركة شيبان، وشيبان هذا كان مسؤولاً للإمام في حجة، وكان له اتصالات بالإدريسي الذي كان بالقرب من حجة سنة 1339هـ تقريباً، فاستدعاه الإمام يحيي وحبسه فقام أخوه السيد محسن شيبان ومعه الوالد قبل وفاة جدي بالهجوم علي حجة واحتلوا قاهرة حجة. وأعتقد أن سيف الإسلام أحمد كان خارج حجة أو في صنعاء لكن كان علي حصون حجة عساكر من حاشد من خارف ومنهم الشيخ يحيي بن سرحان المحجاني في حصن نعمان والشيخ محمد غالب القديمي في حصن آخر.
ابتدأ الهجوم من الوالد والسيد محسن شيبان ومن معهم من العصيمات علي القاهرة حتي احتلوها، واستمرت الحرب بالمدافع ما بين حصن نعمان الذي فيه المحجاني ومن معه من خارف وبين شيبان والوالد الذين سيطروا علي قاهرة حجة، وتحرك سيف الإسلام أحمد من صنعاء إلي حجة وأرسل الإمام يحيي وساطة لا أدري قبل أو بعد وصول أحمد، وانسحب الوالد وشيبان ومن معهما من القاهرة بسلام بموجب الواسطة واتجهوا إلي بلاد العصيمات.
وبعدها بفترة حصل بين عمي ناصر بن ناصر وبين سيف الإسلام أحمد حوادث كثيرة، حيث خرب حصوننا، فنكف (= دق طبول الحرب لطلب النصرة والمساعدة) الوالد وعمي ناصر بين حاشد وأرحب، ونزلوا بجيش لاحتلال حجة حتي وصلوا منطقة نيسة، وهم في طريقهم إلي حجة التي هي الهدف من النكف، فاعترضهم بعض عساكر الإمام بقيادة عامل منطقة نيسة فاحتربوا معهم وكان ذلك بإيعاز من الإمام يحيي بهدف عرقلة عمي ناصر ومن معه حتي يرتب سيف الإسلام أحمد أموره في حجة، وكان أحمد غير مستقر في حجة إذ كان يتردد كثيراً بين صنعاء وحجة.
المهم أن هذه الحادثة استنفدت شيئاً من قوة الوالد وعمي ناصر، لكنهم تمكنوا من احتلال حصن نيسة وقتلوا العامل واستولوا علي ما فيه من الحبوب وكانت كل مراكز الإمام مملوءة بالحبوب، التي كانت تعتبر أكبر غنيمة للناس في ذلك الوقت. المهم التهي الجيش، والإمام يحيي كما هي عادته، كان يرسل وساطات بينه وبين عمي ناصر أو الوالد، وكانت الوساطة التي أرسلها هذه المرة من العلماء الكبار والمشائخ الذين كانوا أنصار الإمام ثم استغني عنهم وأهملهم وهم سيوف الإسلام: محمد بن محسن المتوكل والسيد أحمد بن قاسم حميد الدين وسيف الإسلام أبو نيب ابن الإمام شرف الدين الهادي، والشيخ حزام بن عبدالله الصعر والشيخ راجح بن سعد وغيرهم، وقد وصل هؤلاء للصلح بين عمي ناصر وسيف الإسلام أحمد وذبحوا العقائر أمام عمي ناصر والذين معه في رفع المطرح أي من أجل رفع الجيوش وعلي شرط أن الإمام يتوقف عن الاعتداء علي مناطق وحصون آل الأحمر، فارتفعت الجيوش ووافق عمي علي هذا الأساس.
بعدها لا أدري ما الذي حصل بين عمي الذي كان كبير الأسرة، وكان حاد الطبع، وبين الإمام، مما أدي إلي خروج جيش كبير علي حصن حبور في ظليمة والذي كان المعقل الرئيسي لجدي ناصر وأولاده وحاصروا الحصن وضربوه بالمدافع وكان الحصن قد أخلي من العائلات وأخذوها إلي العصيمات، واستمر الحصار فترة وقد كان المبرر في خروج الجيش علي حصن حبور وعلي حجة أن أهل هذه المناطق هم رعية الإمام فلماذا تظل السيطرة لأولاد الشيخ ناصر بن مبخوت فيها، وكل ما كان يحصل من نزاع بين الإمام وعمي ناصر وإخوانه في مناطق قضاء حجة هو تحت هذا المبرر كما حصل من قبل في نجرة من حرب وخراب قلعة سنجر التي كانت أحد معاقل آل الأحمر.
وفي هذه الفترة أو بعدها خرج الجيش أيضاً علي حاشد العلو وبالذات علي بني صريم وخارف والعصيمات ـ أعتقد سنة 1343هــ من أجل سبب بسيط كان يمكن تلافيه، لكن مشائخ حاشد تعنتوا، والإمام يحيي وجدها فرصة ليخرج الجيش عليهم، وكانت البداية قريتين من عيال سريح والقريتان مجاورتان لحاشد، اختلفوا مع الشيخ راجح بن سعد الذي كان الإمام يدعمه والقريتان هما قرية المَطْرَد التي آخت بني صريم وقرية صُرَبَات التي آخت خارفاً، فاحترب عيال سريح وبني صريم وخارف من أجل القريتين، وكان الإمام يدعم عيال سريح، وقد حاول الشيخ راجح بن سعد أن يتوسط في هذه القضية لكن حاشد رفضوا وساطته، فخرج الجيش علي حاشد بالمدافع ودارت معارك وبدأ الجيش بضرب قري الظاهر الأعلي وهي: يشيع والعقيلي وبيت العرمزة والعذرات وغيرها، وكان تركيز الإمام علي بني صريم قبل غيرها، لأن فيها مدينة خمر التي تعتبر عاصمة حاشد وهَجَرْها (= محل الاحترام الذي لا يجوز الاقتتال فيه)، وبسقوطها يسهل علي الإمام السيطرة علي بقية قبائل حاشد، واستمرت المعركة، ولم يحتلّ الإمام أي قرية من القري إلا بعد قتال وضرب بالمدافع، والوالد وعمي غالب هم قادة المعارك، أما عمي ناصر فقد كان مشغولاً بمراكز نفوذنا في قضاء حجة وكان هذا بداية 1344هـ. واستمر الإمام بعدها يوجه الجيش بعد الجيش ويُهزمون مرة تلو الأخري، فكان أول جيش بقيادة الشريف عبدالله الضُمين وآخرها بقيادة عبدالله الوزير حتي احتلوا مدينة خمر وبعدها دارت معارك حول خمر وعلي أبواب خمر بيت المشرقي وغيره، وعمي غالب كان هناك، وكان معنا مدفع واحد قاوموا به إلي أن وصل جيش الإمام إلي الجراف بعد خمر، والوالد وعمي ومن معهما انسحبوا من بني صريم ونزلوا العصيمات، فأمر الإمام يحيي قادة الجيش بالتوقف وأخذ الرهائن من بني صريم وخارف ودخلوا تحت الطاعة.
واستمر الوضع ثلاث سنوات تقريباً، وفي شهر ذي القعدة أو ذي الحجة من سنة 1346هـ تقدم سيف الإسلام أحمد من حجة حيث بدأ بعِذَرْ، وبعدها العصيمات السفلي، وتوجه للعصيمات العليا التي بيوتنا فيها، حاول الصعود إليها من حوث لكنه ما استطاع فاتجه علي وادعة، وابتدأ الحرب من اتجاه وادعة علي حوث وحول حوث، واستمر المد والجزر عدة أشهر إلي شهر محرم أو صفر من سنة 1347هـ، حتي أرسل الإمام يحيي وساطة للصلح مع أبناء ناصر مبخوت وأبي معهم، نفس الشخصيات التي أرسلها في المرة السابقة لأن لهم لدي حاشد مكانة وقبولاً.
وتوصلت الوساطة إلي إنهاء الصراع علي شرط أن لا تدخل الجيوش بلاد العصيمات العليا نهائياً وأن الوالد وإخوانه يعلنون ولاءهم للإمام ويسلمون ويأتون بالرهائن.
وبعد أن حصحص الحق وأصحابنا استسلموا، قال لهم كبيرهم عمي ناصر بن ناصر : قدو الصدق يا أصحابنا ؟ أي: هذه إمكاناتكم وقدرتكم؟ قالوا: نعم، قال: أما أنا يحرم عليَّ مواجهة سيف الإسلام أحمد أو أبيه وتحرم عليَّ البلاد بكلها. وخرج إلي السعودية.
كان مع عمي والوالد جيش من برط من ذو محمد وذو حسين، ظلوا معهما وقاتلوا حول حوث بقيادة الشيخ علي حسين بن مهفل وناجي بن أحمد الشائف ومعهم مئات من أصحابهم، قاتلوا حتي تمت المصالحة بين الإمام وأولاد ناصر بن مبخوت، وكانت الذخائر والحبوب والفلوس وكل المتطلبات من الوالد وإخوته للمقاتلين، إلي أن انتهي كل شيء حتي ان الشيخ علي بن يحيي بن سيله وكان ممن ذهب مع الوالد إلي وادعة، عندما وصل مع الوالد وعمي غالب ومشائخ العصيمات العلو إلي سيف الإسلام أحمد في وادعة، وكان سيف الإسلام يعرفهم جميعاً، فقال سيف الإسلام أحمد: زدنا عليكم ياشيخ علي، قال الشيخ علي بن يحيي وهو يضحك: والله ما زدت علينا ولو كان في امريش حب ما رأيت من هذه الوجوه وجهاً لكن غلبنا الجوع، وكان هناك مدفن كبير للحبوب اسمه أمريش.
بعدها ارتفعت الجيوش وبقي الوالد مع سيف الإسلام أحمد، ثم دخلوا صنعاء وسلموا رهينتين للإمام علي الوالد وعمي وهما عمي الصغير عسكر بن ناصر وابن عمي حمود ناصر بن ناصر، أما بقية العصيمات فقد أخذ من كل فخذ رهينة، وظلوا معظم أوقاتهم في صنعاء حيث كان الإمام يحيي يختلق لهم قضايا ومشاكل كثيرة مثل: أخذتم من حق الدولة الزكاة، أو عند ناصر بن مبخوت فلوس، أو عندكم ميراث لبيت صوفان، أو عندكم ميراث لبيت شويل، وهم أنساب جدي، حتي انتقل كوكيل للعمات يطالب لهن بالورث. وما كانت تنتهي مشكلة إلا وابتدأ بمشكلة أخري، وآخرها أدخلنا في مشاكل علي مال مع ناس لم يكن لهم أي حق.
ورغم أنه لم تعد هناك أي مقاومة من قبلنا بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانتهي كل شيء سنة 1347هـ، إلا أن العداء والإيذاء والتغريم من قبل الإمام وأولاده ظل مستمراً، وظل والدي وعمي في صنعاء بما يقتضي ذلك من مصروفات لهم ولمن معهم في الشريعة بشأن القضايا التي كان يختلقها لهم الإمام، إضافة إلي مصاريف الرهائن، وهذا أدي إلي خسائر كبيرة تكبدها الوالد وعمي غالب.

ثورة 1948م

عندما قامت ثورة 1948 وقُتل الإمام يحيي، كان عمي غالب في الحج، أما الوالد فكان في البلاد، وسيف الإسلام الحسن كان هناك، حيث كان معه مشاكل في القفلة، وقد ألزم سيف الإسلام الحسن الوالد أن يحرك القبائل لمناصرة ولي العهد أحمد، وهو توجه إلي حوث وانتقل منها إلي خمر ثم إلي ريدة ومن ريدة إلي عمران التي استقر فيها يحرض الناس ويجمع الجيوش إلي صنعاء من حاشد وغير حاشد.
أما الإمام أحمد فقد قبض علي أخي حميد حيث أخذوه من سوق الأمان رهينة في حجة، وأرسل رسالة للوالد مفادها أن ابنك عندنا والمطلوب منك تحشد الحشود ضد الثورة، والوالد تباطأ في جمع الناس، ولم يكن مقتنعاً بالبديل حتي ان أحد الذين كانوا ملازمين للوالد وهو الشيخ عبدالله بن حسين فيشي قال لي: عندما وصل الخبر للوالد عن طريق عسكري من صنعاء برسالة من القائمين بالثورة فتح الوالد الرسالة وإذا الخبر أن من قام بالخلافة بدلاً عن الإمام يحيي هو السيد عبدالله أحمد الوزير، وبحسب كلام الشيخ فيشي أن الوالد لما قرأ الرسالة قال : والله إنهم أسوأ من بيت حميد الدين وبيت حميد الدين أشرف من هؤلاء فلا حول ولا قوة إلا بالله، كنا ننتظر الفرج فإذا بها تأتي بما هو أسوأ.
ولهذا ما كان مقتنعاً بما تم، ولا متحمساً أيضاً لإجهاض ما هو حاصل، فانتقل ببطء من القفلة إلي العشة في يوم، ومن العشة إلي حوث يومًا أو أكثر، ومن حوث إلي خمر في يومين أو ثلاثة أيام، ومن خمر إلي ريدة، ومن ريدة إلي عمران والحسن يستعجله وكان الحسن قد تمكن من حشد الناس حتي من حاشد ودفعهم إلي صنعاء مع غيرهم من القبائل.
وما وصل الوالد عمران إلا والثورة قد سقطت، وعندما دخل صنعاء لم يعد معه إلا العصيمات، هكذا كان موقف الوالد متباطئاً حتي يتبين له كيف ستصبح الأمور، لكن الإمام أحمد الذي كان في حجة كما ذكرنا أخذها نقطة علي الوالد أضيفت إلي ما سبق من الضغائن السابقة ضده.
وعندما قامت ثورة 1948م كنت في الخامسة عشرة من عمري وقد تبندقت ـ أي سلم لي الوالد بندقية، وعادة القبائل يقولون لمن يحمل البندقية (تبندق) ـ وحاولت أن أدخل مع القبائل الذين دخلوا صنعاء وكان لدينا الصغار ما بالك بالكبار شيء من النشوة والفرح بالثورة ضد الإمام لما كنا نعاني مما كان الإمام يمارسه من الظلم والضغط علي الوالد والعم والأسرة بأكملها، كنا فرحين جداً وأذكر أنه كان عندنا بعض كبار السن من العسكر ومنهم وكيلنا واسمه علي زايد الدقيمي كانوا في حزن شديد علي الإمام، ومنهم من كان يبكي عليه ونحن الصغار في فرح ونشوة وكنا ندخل معهم في جدل




عهد الإمام أحمد

بعد أن فشلت ثورة 1948م وكان موقف الوالد ـ كما ذكرنا سابقاً ـ متباطئاً في الاستجابة لطلب الإمام أحمد، دخل إلي صنعاء متأخراً ومعه مشائخ العصيمات وعدد قليل من بني صريم وخارف، وبعد ثلاثة أشهر تقريباً استدعي الإمام أحمد الوالد، فنزل الوالد ومعه مشائخ وعقال العصيمات وعدد قليل من مشائخ بني صريم وخارف وعذر إلي تعز، وقد استقبلهم الإمام أحمد في تعز استقبالاً جيداً وصافحهم فرداً فردا وأمر بتسكينهم.
وبعد عدة أيام اختلق الإمام أحمد مبرراً بسيطاً لحبس الوالد، حيث كان الشيخ (باقي بن ناصر النقيب) من أصحاب العصيمات وكان معظم أوقاته مع الوالد، وكان الإمام أحمد يعلم أنه كان وكيلاً للوالد في بعض القضايا التي كانوا يختلقونها، ولما قامت ثورة 1948م كان الشيخ باقي في صنعاء وكيلاً للوالد في قضية اختلقها له الإمام يحيي مع السيد محمد عباس المتوكل، وكان الشيخ باقي تربطه علاقة صداقة مع بعض المشائخ المؤيدين للثورة، وقد أيد الثورة مع الكثيرين ممن أيدوها من صنعاء. وبعد فشل الثورة خرج من صنعاء يتوجس خيفة بعد أن ألقي القبض علي مؤيدي الثورة وقتل منهم من قتل وسجن الآخرون، فكان خروجه واختفاؤه مبرراً للإمام أحمد ليقوم بسجن الوالد حتي يأتي بالشيخ باقي وفعلاً تم حبس الوالد تحت هذه الذريعة، وقال الإمام لبقية المشائخ الذين كانوا مع الوالد مثل عبدالله فيشي وأبو شوصا هذه مصاريفكم وسيروا ابحثوا عن الشيخ باقي النقيب، فقال له أحد المشائخ: لماذا تبحث عن باقي وهو بدوي في الجبال لا يتبعه أحد؟
وخرج من بقي من المشائخ ومعهم أوامر للبحث والقبض علي باقي النقيب وعندما وصل المشائخ المكلفون بالقبض علي باقي إلينا في الخمري جمعنا معهم جيشاً من العصيمات وتقدمنا علي قبيلة ذو خيران التي ينتمي إليها باقي. وصلنا إليهم، فقالوا لنا: الشيخ باقي لم يصل إلي هنا وقد اختفي منذ أيام ولا ندري أين ذهب، فتفرقنا في أودية ذو خيران وشعابها حتي وصلنا وادي الوشخ عند الشيخ علي بن ناجي اللعصة والشيخ هادي بن أحمد الزجر والشيخ علي بن صالح خميس والشيخ صالح بن علي بن مطري وجلسنا عندهم خطاط (اي باقون بينهم وعليهم مؤونتنا من الاكل والشرب) مصممين عليهم أن يأتونا بالنقيب مهما كان الأمر، وكانوا يستحون منا ويذبحون لنا الذبائح وقالوا لنا أنه قد هرب وكان فعلاً قد هرب ودخل السعودية وكان الناس في ذلك الوقت يدخلون بدون جوازات.
وبعد مرور فترة وإصرار الإمام أحمد علي استبقاء الوالد حتي نوصل له الشيخ باقي، فكرنا في الدخول إلي صنعاء بعقائر وذبحها فوق قبر الإمام يحيي حتي نستعطف الإمام أحمد لإطلاق سراح الوالد، وفعلاً تحركنا من حصن حبور باتجاه صنعاء عبر السودة والصرارة وعمران حتي وصلنا قرية القابل بعد ثلاثة أيام سفراً، وحينما علم سيف الإسلام الحسن نائب الإمام في صنعاء أرسل لنا مبعوثاً إلي القرية لكي يبلغنا بمنعنا من الدخول إلي صنعاء وتنفيذ فكرة العقير فعدنا أدراجنا.
وبعدها بأشهر قررنا التوجه إلي مقام الإمام أحمد في تعز للمراجعة ومعنا عدد من الأقارب والوالد لا يزال في السجن التحفظي في مقام الإمام في غرفة خاصة من مرافق القصر وعين عليه اثنين من حرسه كحراس ومرافقين له وكان يصرف له الأكل من مطبخ الإمام مع خمسة ريال فرانصي (تسمية محلية لريالات ماريا تريزا النمساوية) يومياً، وبعد سنه كاملة من المراجعة وتقديم العقائر ومعنا عدد من مشائخ القبائل الذين كانوا في مقام الإمام، وافق الإمام أحمد أن يعطيه رخصة لزيارة البلاد شريطة أن أبقي أنا بدلاً عنه، فخرج الوالد وكانت رخصته ثلاثة أشهر فقط وكنا نجدد الرخصة إلي أن بلغت سنة.
وعند عودته إلي تعز أقيمت له حفلات الضيافة من قادة الجيش البراني والنظامي والحرس الملكي ومن الشيخ يحيي المحجاني ولا بد أن ذلك الاحتفاء وحفلات الضيافة كانت بمباركة الإمام لغرض في نفسه.
وبعدها رجع الوالد إلي معتقله في تعز في قصر صالة وبقيت سنه تقريباً أراجع علي حميد حتي استخرجنا أمراً من الإمام إلي المسؤولين في حجة بأن يرخصوا له لمدة ثلاثة أشهر ليتزوج، وسافرت من تعز إلي حجة وكان حميد حينها محبوسًا في حصن مسور ولم نلتق مع حميد إلا في الأشمور عند أخوالي، وتوجهنا قبل عيد الأضحي بأسبوع إلي الخمري وفعلاً تزوج حميد في العيد ولم نلبث سوي شهرين أو ثلاثة أشهر وإذا بالأمر من الإمام إلي نائب حوث محمد ساري لإلزام حميد ليعود إلي سجنه فجاؤوا لحميد وأنا كنت أحصد الدخن والذرة في البطنة فذهبت لأودعه وإذا به يقول لي : لقد قررت أن لا أعود إلي حجة وأري أن تعز أفضل فما رأيك؟ قلت: توكل علي الله.. وصل حميد إلي تعز، وقد أصبح شخصية أخري حيث كان قد استفاد في سجن حجة من العلماء والأساتذة والمفكرين (عشرة علماء وأساتذة أو أكثر كانوا في سجن حجة ومعهم طالب واحد) الذين أعطوه كل ما معهم فما خرج من حجة إلا وقد أصبح مفكراً وأديباً وسياسياً ثائراً وقد أصبحت طموحاته كبيرة وتفكيره في شيء أكبر.
وأول ما قابله الإمام رحب به وبدلاً من أن يذهب به إلي السجن استبقاه في القصر بالعرضي في المقام الذي يجلس فيه أولاد الإمام والأمراء من بيت حميد الدين، وكان يحضر جلسات المقيل مع الإمام التي كان يحضرها العلماء والأمراء في العرضي أو في صالة فمكنه ذلك من الالتقاء بالمشائخ الكبار من جميع أنحاء اليمن وبالمفكرين والعلماء والأساتذة، وكان القاضي عبدالرحمن الإرياني يقوم بدور الزعيم الروحي، كما بدأ حميد يبني علاقات فيها مع العلماء ومع الأمراء من بيت حميد الدين وحاول الارتباط أكثر بالبدر حيث كانت قضية ولاية العهد موجودة وتبناها حميد مع القائمين بهذا الدور. استمر حميد منذ أن وصل تعز مع الإمام أحمد الذي بدأ يقربه منه حتي أنه عندما طلع صنعاء لاستقبال الملك سعود سنة 1954م أخذه معه وأسكنه عنده في بستان الخير، وعندما عاد إلي تعز عاد حميد معه وبعدها سافر الإمام إلي جدة وأخذه معه. وعندما قامت حركة الثلايا في 1955م كان حميداً موجوداً مع الإمام وكان مناصراً له في إحباط انقلاب الثلايا؛ لأن تلك الحركة لم تكن معروفة للناس ولم يخطط لها ولم تكن معروفة أهدافها، فكان من الطبيعي أن يقف حميد ضدها، كما وقف ضدها القاضي عبدالرحمن الإرياني والأستاذ أحمد محمد نعمان الذي تحرك من الحديدة إلي حجة مع البدر وخطب خطبة في الناس مطالباً بالوقوف ضد الذين قاموا بالانقلاب.

تعبئة للتغيير

أما الوالد فقد ظل خلال هذه الفترة تارة في الإقامة الجبرية وتارة يرخص له الإمام بالخروج وعندما قامت حركة الثلايا كان الوالد في البلاد، وبعدها بفترة طلبوا الوالد فنزلت أنا تعز بدلاً عنه وحميد كان هناك أيضاً، وسافر حميد البلاد وأنا موجود في المقام وعاد وأنا موجود، وكانت العلاقة بين الوالد والإمام قد تحسنت من خلال حميد. أما بالنسبة لي فقد كانت نظرة الإمام نحوي جيدة من خلال بقائي تلك المدة الطويلة وأنا أراجع لدي الإمام وأدخل عليه من أجل الوالد، وكذلك عندما بقيت بدلاً عنه ما كان يسمع عني شيئاً يسوؤه منه. المهم أن علاقة حميد توطدت مع الإمام وأولاده وبالذات ولي العهد البدر الذي أصبحت ثقته بحميد كبيرة، لأنه كما قلنا قام بدور كبير في أخذ البيعة لولي العهد، تلك البيعة التي ظلت تتفاعل علي مدي سنين، وبعدها ارتبط حميد بالبدر وكان البدر يظهر لحميد كل احترام وتقدير، وعندما سافر الإمام أحمد للعلاج في روما سنة 1958 كان حميد والوالد متواجدين في تعز في مقام الإمام، كان الوالد في إقامته الجبرية وحميد ضمن حاشية الإمام وجلسائه من العلماء والمثقفين، فرأي الجميع أنها فرصة لعمل شيء وبدأوا التحضير، وكان دور حميد أبرز دور وحركته أكثر من غيره وضوحاً وشجاعة واحتواؤه لمشائخ القبائل من أجل التغيير، وقد كان عند الناس وحميد والمجموعة أن الإمام لن يعود فهو إما يموت أو يطول بقاؤه هناك. وعندما استقر البدر في صنعاء بعد سفر الإمام أحمد استدعي حميد للبقاء معه، والوالد طلب من ولي العهد السماح له بالذهاب إلي البلاد، فأفرج عنه وسافر من تعز إلي صنعاء بنية التوجه إلي البلاد، وقبل أن يعود إلي البلاد كان العسكر قد قاموا بحركة احتجاجية بسبب المعيشة الصعبة وضآلة المرتبات والمعاملات القاسية وخربوا بيت القاضي يحيي بن أحمد بن حسين العمري، (وهو ابن أخ القاضي عبد الله بن حسين العمري الذي كان رئيس وزراء الإمام يحيي وقد قتل مع الإمام يحيي في منطقة حزيز في الضواحي الجنوبية للعاصمة صنعاء) وكانت حركة العسكر المشار إليها هي من أجل مطالب بسيطة حيث لم تكن حركتهم سياسية ولا منظمة أبداً فطلب البدر من الوالد أن يقوم بدور لتهدئتهم وفعلاً ذهب الوالد لهؤلاء العسكر في العرضي وهم قبائل فهدأهم، كما قمنا نحن بتجميع القبائل في حاشد استعداداً للدخول إلي صنعاء لدعم ولي العهد إذا اقتضت الحاجة وكان ذلك بطلب من ولي العهد، وقد أرسلت للوالد رسالة إلي صنعاء تشرح استعدادنا.
عاد الوالد إلي البلاد وحميد بقي مع البدر فترة، ثم استأذنه بالذهاب إلي البلاد ليقضي إجازة العيد ويتزوج الثانية، فقد كنا مهيئين لزواجه بابنة عمي في العيد فأذن له البدر، وأثناء العيد قام العسكر بحركات جديدة في صنعاء وفي تعز، إذ ادعوا أن بيت الجبري أخذوا حقوقهم وقتلوا اثنين إخوة منهم، وحتي في مدينة إب قام العسكر بمثل هذه الحركات، مما جعل البدر يتخوف منهم فعلاً وكتب لنا ولغيرنا من مشائخ القبائل أن نعجل بدخولنا صنعاء، وخلال شهري ذي الحجة ومحرم توافد مشائخ القبائل علي صنعاء من كل مكان، وفتح البدر خزانة الدولة وكان يصرف لهم ولقبائلهم بسخاء واستغل حميد الفرصة بتواجد المشائخ الذين أقبلوا من كل مكان ومعه الشيخ سنان أبولحوم، والقاضي أحمد السياغي الذي كان رئيس المجلس النيابي ومشائخ آخرون فقاموا بتوعية هؤلاء المشائخ وتعبئتهم وتهيئتهم للتغيير، وقد لعب القاضي عبدالسلام صبرة دوراً عظيماً حيث مثل القاسم المشترك أو همزة الوصل بين المشائخ والعلماء والمثقفين والضباط واستمر المشائخ علي هذا الحال والبدر يهيئ لهم الفرصة إلي أبعد الحدود وكان مطمئناً أنه محل رضي لدي المشائخ لأنه قد أبدي استعداده للتغيير وفعلاً كان يعد بهذا.

الخلاف مع الإمام أحمد

أثناء غياب الإمام أحمد في روما كان قد جعل له مخبرين ممن كانوا مرتبطين به ارتباطاً مصيرياً من السادة الأشراف والقضاة والضباط والمشائخ، وكانوا يوافونه بكل شيء ويربطون ما يجري من تحركات برأس حميد ويؤكدون للإمام أن كل هذه الحركات المتزعم لها فعلاً هو حميد بن حسين الأحمر والسياغي، ويبدو أنه كان يغيظهم ما رأوا من شعبية حميد والتفاف المشائخ حوله، حتي انه عندما وصل مع مشائخ لواء صعدة استجابة لطلب ولي العهد البدر جري له استقبال كبير إلي الحصبة أو شعوب، ودخلوا بعرضة كبيرة وهو فوق الحصان وتم إطلاق الرصاص في الهواء وحتي الزغاريد من النساء والناس يزملون تجاهه بمختلف الزوامل.
كل هذا جعلهم ينقلون الأمور إلي روما مضخمة للإمام ضد حميد ومن جملة ما نقل إليه أنه عندما استقبلوا حميد كانوا يرددون في زواملهم:
سلام ياحاشد ويا صُبَّة بكيـل ** من بعد هذا تسمعون اخبارها
إمامنا الناصر ومن بعده حميد ** سبحان من ردَّ العوايد لاهلها
وأنه وراء هذه التجمعات وقد أصبح مهيئاً نفسه للزعامة فأصبحت القناعة لدي الإمام أحمد وهو لا يزال في روما أن حميد هو المحرك الرئيسي وبعده القاضي السياغي فلم يعد حقد الإمام علينا كما كان في الماضي من أجل الزعامة القبلية فقد أصبح علي شيء آخر، فحركة حميد حركة من أجل التغيير، وهذا شخص بدأ ينازعه ملكه، هكذا ردد الإمام هذه النغمة علي حميد وعلي الوالد وعلي الأسرة وكل من كان معنا ليرتكب تلك المآسي بعد رجوعه من روما حيث طرد من طرد واعتقل من اعتقل من المشائخ الذين كانوا حول حميد، وطارد المشائخ من كل قبيلة من دهم وبرط (بيت أبورأس) ونهم وخولان وأرحب ومراد وسحار وحاشد، وخرب بيوتهم في كل مكان، وعمي سنان أبو لحوم هرب، وأرسل الجيوش لهدم بيوتنا وإتلاف أشجار البن في حجة وانتهي بقتل الوالد وحميد والشيخ عبد اللطيف بن راجح لأنه كان له علاقة بحميد، وأنا كنت في مقامه في السخنة أراجع، وانتهي الأمر بحبسي. هذا ما واجهناه من الأئمة إلي أن قامت الثورة.

عودة الإمام أحمد من روما

عاد الإمام أحمد من روما بداية علي متن طائرة وعندما وصلت الطائرة فوق البحر الأبيض المتوسط قرر الإمام أحمد العودة إلي روما والسفر بحراً؛ لا أدري هل وصلته معلومات معينة؟ أم أنه كان يتوجس خيفة من عبدالناصر فقد أشيع أن عبدالناصر كان عازماً علي حجز الإمام في القاهرة.
المهم أنه عاد من الجو وركب علي الباخرة إلي الحديدة وقد استقبله الرئيس عبدالناصر في قناة السويس ودخل له إلي الباخرة ليدعوه لاستضافته لكنه رفض وواصل المسير إلي الحديدة، وما إن وصل الحديدة، حتي أطلق تلك الصرخة المدوية والخطاب المجلجل الذي أسماه الصرخة الكبري والذي هدد فيه وتوعد وقال: لن يخيفني أخضر ولا أحمر، وهذا الفرس وهذا الميدان ومن كذب جرب وما عارض أحد أحمد إلا وشرخت رأسه بالسيف واستشهد بأبيات قالها وكان شاعراً:
ماذا يريدونها لا دَرَّ دَرُّهُمُ
إن الإمامة لا يُطْوَي لها عَلَمُ
وقد أذيعت هذه الصرخة المدوية فأرعبت كل من كان يحس أنه قد أسهم بأي نشاط سواء من المشائخ أو من غيرهم.
كنت في تلك الليلة متواجداً في صنعاء مع حميد ومعظم مشائخ القبائل لاسيما القبائل الشرقية والشمالية، فقد كان البدر كما قلنا قد انفتح لهم انفتاحاً كبيراً، وكان يعطيهم بسخاء وكل شيخ كان معه مجموعة من أصحابه، وعندما سمعوا تلك الصرخة المدوية خرج الكثير منهم فوراً من صنعاء والبعض تأخروا قليلاً وقام الأخ حميد باستدعاء المشائخ الموجودين للاجتماع في قبة المهدي، واجتمع كبار المشائخ وطرح عليهم حميد أن الإمام قد عاد بعد غياب طويل ومرض وله حق علينا أن ننزل إلي الحديدة التي نزل فيها لنهنئه بسلامة العودة وفي ذلك أيضاً إشعار بأن الناس ليسو خائفين وأن مشائخ القبائل عندهم مَنَعة ربما كان الهدف هذا أو شيئًا آخر كان يخطط له حميد.
وافقوا جميعاً ولم يعترض إلا الشيخ عاطف المصلي قائلاً : أبداً لا يصح نزول المشائخ هكذا مباغتة بدون أخذ موافقة مسبقة من الإمام، ورأي بأن نكتفي ببعث برقية للإمام فقط، فقال حميد: من الطبيعي إذا أخذنا رأي الإمام أن الإمام سيقول لا وسيمنعنا من النزول ولهذا ليس هناك داع للاستئذان، ولا ضرورة أيضاً للبرقية، ننزل نسلم علي الإمام كما هي العادة، فالناس قد تعودوا أن يزوروا الإمام في المناسبات وهذه أكبر من أي مناسبة أخري.
وافق المشائخ كلهم علي رأي حميد وكان منهم مشائخ من خولان وبرط متحمسين وأقوياء، لكن الشيخ عاطف أبرق للإمام باسمه، يعني كمعلومة، وكان الإمام فور وصوله قد عزل السياغي وكلف السيد علي زبارة كنائب له، كما كان من قبل، وقد أبرق للنائب علي زبارة أن يبلغ جميع المشائخ الموجودين في صنعاء بسرعة خروجهم منها وأنه لا داعي لنزول أحد منهم إلي الحديدة، وعند وصوله صنعاء سيطلبهم وحذرهم وأنذرهم بهذا، فبلغ زبارة المشائخ وأول من بلغ حميد، التقي الوالد والأخ حميد والشيخ سنان والمشائخ المترابطين ترابطًا عضويًا ورأي الوالد أن أنزل أنا برسالة منه إلي الإمام.
فحملت الرسالة ونزلت إلي الحديدة، وما وصلت إليها إلا وقد خرج الإمام إلي السخنة فلحقته وسلمت عليه واستقبلني استقبالاً طيباً، وسلمته رسالة الوالد وفيها ترحيب بالإمام واعتذار عن عدم نزوله لأنكم تفضلتم وأعفيتمونا من النزول لزيارتكم وقد أرسلت الولد عبدالله لزيارتكم بالنيابة عني... الخ سلمته الرسالة وتكلمت معه وقبل عذر الوالد وقال لي : جوب لوالدك أنه ليس هناك مانع أن يعودوا إلي بيوتهم وليس هناك ضرورة الآن لوصولهم إلي هنا. وجلست في مقام الإمام كما هي العادة ضمن الحاشية،وعندما كانوا يخرجون أخرج معهم.

إلقاء القبض على حميد

لم يمض علي وجودي مع الإمام في السخنة سوي أسابيع، وإذا به يستدعيني ويسمعني تهديدًا ووعيدًا ضد الوالد وحميد ويطلب مني إبلاغهم بسرعة وصولهم حيث إن البالغ لديه أنهم يقومون بتشجيع القبائل علي التمرد وتعبئتهم ضد الإمام، كتبت للوالد ولم يكتف الإمام بكتابي، فكتب لنائبه في صنعاء أن يبلغ الوالد عن طريق نائبه في حوث محمد ساري، كما بعث الوالد ببرقية من السودة يعتذر عن الوصول وأنه مشغول بالثمرة فرد الإمام عليها بخطه مفيداً بأنه ما كان يحسن تأخر الوالد بعد الطلب، ثم أعقب بجواب ثانٍ في نفس البرقية بسرعة الوصول للمراجعة.
وقد شرحت أنا أيضاً برسالة بخطي للإمام ظروف الوالد في البلاد وصحته. لكن الإمام لم يقبل العذر وهدد وتوعد وجهز الجيش ليخرج علي مناطقنا، وصلتني برقيات من الوالد، أن نكرر المراجعة للإمام وجمعنا المشائخ الذين كانوا هناك وجئنا بعقائر تلو العقائر وزوامل بعد زوامل نترجي الإمام في إيقاف الجيش وإعطاء المهلة للوالد، ولكن الإمام كان يصر علي وصوله ويهدد وكنت قد وصلت إلي مرحلة اليأس في تراجع الإمام عن قراره بعد أن حاولت معه بكل الوسائل، حتي إنه في يوم من الأيام أذن لي ودخلت عليه ومعي صهرنا السيد ناصر الغيلي ذبحنا العقائر وطرحت جاهي وقبلت ركبته وحاولت أستعطفه لكنه رد عليَّ بكلام أقسي من الحجارة وقال : قسماً ما أبقي رأسًا من بيت الأحمر ولا أترك بيتاً إلا وهدمته ولا أترك شجرة بن إلا وقلعتها، كتبت للوالد وحميد بهذا وحذرتهم وأنه لا فائدة أبداً بعد قسم الإمام. وبعثت بالرسالة مع الشيخ علي شويط الذي أخذها وتوجه فوراً مع سيارة البريد من الحديدة إلي صنعاء ومن صنعاء أخذ موتور سيكل وخرج إليهم ووصل في نفس اليوم الذي وصل فيه الجيش، ووصلت الرسالة للوالد لكنه تجاهل ولم يقرأها، وكان مطمئناً ويحسن الظن بالإمام فبالنسبة له فهو رجل كبير السن وما أساء إلي الإمام بشيء، وبالنسبة لحميد الذي عليه العين الحمراء فقد سافر من البلاد متجهاً إلي بيحان عبر الجوف ومأرب.

الوالد رفض المقاومة

أما الوالد وعند وصول الجيش إلي حوث فلم يكن خائفاً إلا علي حميد، وقد كان مطمئناً أن حميد قد اتجه شرقاً لدي أهل برط وأن قبائل برط سوف يتجاوبون معه، وخاصة أن هناك نخبة من المشائخ فعلاً كانوا مع حميد، وأنه إما أن يظل عندهم فترة أو أنهم سيخرجونه. أما بالنسبة له فقد كان مطمئناً لأنه ما قام بأي حركة، وبمجرد أن وصل الجيش ومعه المدافع رأي الوالد أنه لو حصلت مقاومة فسيحل الخراب والدمار، وكان الناس في العصيمات متحمسين ومصممين علي الوالد أن لا يدخل صنعاء وأنهم علي استعداد أن يقاتلوا علي مناطقهم، وفعلاً لو أنهم قاتلوا لربما تراجع الجيش، فلم يكونوا جادين لو وجدوا مقاومة، لكن الوالد رفض وقال لهم: لا أريد أن أعرضكم للخطر فحاشد العلو خارف وبني صريم فتحوا بلادهم ما تبقي إلا أنتم. وأصر علي أن يدخل صنعاء خاصة بعد أن أرسل البدر القاضي علي بن عبدالله اليدومي والشيخ عبدالله بن يحيي بدر الدين وأعطي الوالد وجهاً وأماناً أن يدخل عليه صنعاء، ولكن بعد أن دخل الوالد صنعاء بدأ الإمام بأخذ المشائخ كلهم وسجنهم وخرَّب بيوتهم.
وبعد إلقاء القبض علي حميد وذهاب الوالد إلي دار البشائر لدي ولي العهد البدر، رجعنا بالأغنام والأبقار إلي أبواب الإمام نترجاه في رفع الجيش ووقف الخراب وقلع الأشجار ووقف سجن المشائخ. وكان معي عمي غالب أثناء مراجعتنا للإمام لكن الإمام لم يتفاهم معنا ولم يقبل رجاءنا أبداً وقال لنا عبدالملك العمري: لقد شغلتم الإمام عودوا إلي بلادكم، قلت له : لن أرجع وحميد مسجون وأبي في قصر البشائر. أما عمي غالب فتعب وعاد إلي البلاد وأنا بقيت في مراجعة يومية للإمام.

فشل خطة اغتيال الإمام

أثناء هذه الفترة كانت هناك خطة للقيام بشيء ضد الإمام في السخنة، وكنا ننتظر لتنفيذ الخطة وصول سعيد حسن فارع (إبليس) صاحب الحجرية، من صنعاء ومعه القنابل، وكان سعيد فارع من أعضاء جبهة التحرير في عدن، وكان معه سيارة ومكتبة في الحديدة، لم تكن هناك قنابل إلا مع عبدالله اللقية الذي كان أمين مخازن الكلية الحربية، ذهب إليه فأعطاه ثلاث قنابل ونزل والمعنيون بالعملية قد تواصلوا من صنعاء وكانت العملية مخططاً لها من قبل، وعمي سنان هو الذي يتعاون معنا ويدفع بالعناصر المعنية من صنعاء، وهناك مراسلات من الوالد ومن حميد للشيخ سنان في هذا الاتجاه نشرها في الجزء الأول من كتابه (اليمن حقائق ووثائق عشتها)، كما كنت أنا علي اتصال ومراسلة معه ووجهت له عدة رسائل حول الموضوع. وكان هناك محمد القيري وعبدالولي القيري ومجلي القيري ومحمد أحمد الحباري وعلي أبو لحوم ومن حاشد: عبده كامل وعلي ناصر شويط وقاسم القطيش، وأناس من برط: حمود ابو راس وعبدالله مرشد المعالم وغيرهم، ومن سحار: حمود مجلي وحيدر الصربي ومن مراد كلهم متواجدون في السخنة ما كانوا منتظرين إلا سعيد حسن.
ووصل سعيد حسن إلي السخنة ومعه رسالة من حسين المقدمي وأمين عبدالواسع نعمان ورزمة منشورات لنوزعها إذا تمت العملية، وسلمها لي وقال لي الوديعة مخبأة في دكان، وقال لي أيضاً أنه معه رسالة إلي محمد يحيي منصر صاحب الزرانيق الذي كانت له علاقة بالسيد حسين المقدمي ومحمد عبدالله هبة، وكان تاجراً من بيت الفقيه، وقال سوف أمرٌّ علي محمد يحيي منصر ووالده لأن معهم رسالة من المقدمي كما أن بينهم وبينه كلامًا : قلت له: لا تذهب إليهم فقد أصبحوا الآن من عكفة الإمام، وأنا كنت قد جسيت نبضهم من قبل وقالوا لي: إن الإمام قد أخذ عليهم عهوداً، لكنه ما قبل نصيحتي وذهب إليهم وأعطاهم الرسالة وأفشي لهم السر، فقبضوا عليه وذهبوا به للإمام.
كنت قد تواعدت معه علي أن نلتقي بعد العصر، وأنا سوف أذهب للأشخاص الذين كانوا معنا في السخنة علي أن نلتقي جميعاً بعد عصر ذلك اليوم إلي سائلة الوادي لنتدارس الخطة، وكان الأمر سهلاً وميسوراً تماماً، فقد كان الإمام سيخرج ليواجه الناس، ولم يكن هناك ازدحام أو أسوار أو شيء، خرجت علي الموعد بعد العصر، وبينما أنا في الطريق إذ لقيني أحد أفراد العكفة فقال لي اليوم قبضوا علي واحد كان معه قنابل، الملعون ابن المعلون، كان يريد يقتل الإمام. فقلت له: الله أكبر عليه من هو هذا الكلب؟ قال: واحد من الحجرية قلت: وأين هو؟ قال: هو ذاك مربوط في الكاوش (عنبر العساكر). قلت: لا بد لي أن أذهب لأراه وأتأكد من شخصيته، نظرت إليه فعرفت أنه هو، فانسحبت ثم عدت أبحث عن الناس الذين كان لديهم خبر أن نلتقي معهم لأقول لهم إن الخطة قد فشلت والرجل قد ألقوا القبض عليه وضربوه حتي أخبرهم أين القنابل وذهبوا فأخذوها من صاحب الدكان وهو من التربة.
اجتمعت معهم في المساء وأخبرتهم أن الخطة قد فشلت، قالوا: إذاً نخرج من السخنة، ونتوكل علي الله فالإمام سوف يلقي القبض علينا جميعاً، وهو يعرفنا جيداً، وأين نتجه؟ قالوا: نتجه البلاد ـ مناطقهم ـ ونمر من الطرق المعروفة وغير المعروفة حتي نصل خولان، وأهل خولان كانوا مصممين علي الانتفاضة، وقاموا بحركات أفضل من حاشد، قلت لهم: أنتم توكلوا علي الله أما أنا فلا، لأن حميد محبوس في قلعة الحديدة والوالد موقوف في دار البشائر في صنعاء.
بيت القيري والذين من مراد وغيرهم كلهم رحلوا حتي وصلوا بلادهم، بعدها خرجت عليهم جيوش ما عادوا إلا بتعهدات ولم يحتبسوا ولكن بعضهم خربت بيوتهم ـ مثل بيت القضاة ـ قضاة السهمان ـ وبيت الزايدي رغم أنهم قاتلوا أكثر من غيرهم أما أنا فبقيت حتي قرر الإمام سفك الدماء.

مقتل الوالد وأخي حميد

عندما قرر الإمام سفك الدماء وعقد العزم علي قتل الوالد والأخ حميد أمرني بالذهاب من السخنة إلي الحديدة. وقد طلبني عبد الملك العمري سكرتير الإمام وقال لي: إن الإمام قد أمر بأن تدخل الحديدة عند حميد ولن تدخل السجن وحميد سوف يطلقه من السجن ويخرجه إلي عندك، والوالد قد طلبه من صنعاء لتلتقوا جميعاً في الحديدة، قلت له: ما الذي جعل الإمام يتغير هكذا، لقد بقيت هنا من أجل المراجعة أما وقد أمرتم بدخولي الحديدة ومنعتموني من المراجعة فأرجو أن تسمحوا لي أسافر البلاد، ولم يجب علي العمري، ودخل علي الإمام ثم عاد إلي وقال : عد إلي مكانك وانتظرني إلي قبل المغرب حتي أري جواب الإمام، دخلت محل إقامتي وبعد المغرب إذا بالعمري يرسل لي أن آتيه فجئت إليه فقال لي : الإمام لم يسمح بسفرك وقال لا بد أن تدخل الحديدة.
ركبت مع العمري في سيارته وتحركنا الحديدة وقد شعرت بالقلق واليأس وقلت في نفسي: ما يدخلني الإمام الحديدة إلا وقد نوي شراً، وكانوا قد أخذوا الوالد علي متن طائرة من صنعاء إلي الحديدة وأبلغوا الإمام بوصوله. وبعد استبقائه في القلعة لفترة وجيزة أمر الإمام بنقله إلي حجة، وحميد أخذوه من حبس القلعة في الحديدة إلي حجة.
وصلت الحديدة فسألت أين الوالد؟ قالوا يبدو أنه خرج السخنة، وربما أنكم اختلفتم معه في الطريق قليلاً، ثم قالوا لي: يقول لك الإمام انزل إلي عند حميد في القلعة، نزلت ووصلت القلعة ولم أجد حميد، وفي اليوم الثاني قتلوا حميد وعبداللطيف بن قايد راجح، والوالد خبأوه في سجن لا يعلم عنا شيئاً ولا يدري أين حميد ؟ وهل لا زال حياً أم قتلوه؟ ويبدو أنهم أبقوا قليلاً علي الوالد ترقباً لحدوث أي رد فعل من حاشد قد يحدث عند قتل حميد، بينما كانوا قد أخضعوا القبائل وسجنوا من سجنوا ولم يعد هناك أي رد فعل.

اعتقالي

تركوني في الحديدة قرابة اثني عشرة يوماً مغلقاً عليَّ، ثم قرروا نقلي إلي سجن المحابشة حيث أمر الإمام بحبسي مع السيد هاشم عبادي ومحمد أحمد جرانع وسجن المحابشة لم يكن سجناً للسياسيين، وكان المسؤولون هناك والموظفون وكذلك مشائخ البلاد والقبائل كانوا كلهم طيبين معي، وكان خبر قتل الوالد وحميد قد انتشر وهم متعاطفون معي، وعندما وصلت إلي المحابشة أدخلوني بني هبة بزامل لأن شيخهم كان هو المستلم لي من الحديدة وفي السجن والناس اصطفوا يتفرجون عليّ بعطف، وكنت أري بعضهم يبكي.
أطلعوني من الحديدة إلي سجن المحابشة في سيارة واحدة مع السيد محمد هاشم عبادي ومحمد أحمد جرانع، وهذان الرجلان كانا مسجونين من أجل أولادهما الذين كانوا نشطاء سياسياً وقبلياً، وقد ظل جرانع معنا قرابة عام وأطلقه الإمام ولما وصل تعز قتلوه بيت الدهبلي لأن ابنه قتل الدهبلي وهو تاجر من ماوية، والسيد هاشم عبادي بقي معي في السجن حتي مات قبل الثورة بسنة، وكان رجلاً كبير السن في الثمانين من عمره تقريباً وكان ناقماً علي الإمام والإمامة، رغم أنه كان من شيعة الإمام وإنما سجن من أجل ابنيه عبد الله ومحمد هاشم اللذين كانا فعلاً ثائرين وسياسيين.
وبقيت في سجن المحابشة قرابة ثلاث سنوات حتي قامت ثورة السادس والعشرين من ايلول (سبتمبر) سنة 1962م




الثورة والخروج من المعتقل

أعتقد أنني وأولاد العامل في المحابشة كنا أول من علمنا بخبر قيام الثورة، فعند نشوب الثورة خرجت في الصباح ومعي زيد جحاف ومجموعة من الشباب في نزهة إلي حصن القاهرة، ومررنا من أمام بيت إبراهيم جحاف، وإذا بالراديو مفتوح بالصوت العالي فسمعنا منه الأناشيد وعلي المداني الساكن في المنزل يومئ لنا أن نمر عليهم، دخلنا البيت وإذا بالراديو يذيع أناشيد حماسية وبعدها سمعنا القرارات الجمهورية وتلك القصيدة المجلجلة للشاعر محمد الشرفي التي يقول في مطلعها:
أنا الشعب زمجرة من رعود
وأنشودة في شفاه الخلود
إذا احتدمت ثورتي فالطغاة
بقايا رمادٍ علي كل بيد
أضمد جرحي بجرح جديد
وأمضي لإرساء فجر جديد

رجعنا فوراً ولم أعد للسجن، بل دخلت مقر العامل وعنده بعض المشائخ والموظفين، وهم مجتمعون، دخلت بينهم، قالوا: ما هو الرأي؟ قلت ابعثوا برقية تأييد هذا من مصلحتكم وهذا واجب إنها ثورة ثورة.
أما الشيخ علي هبة، الذي كان مدير الحبس، فكان يصيح هذه ليست ثورة هذه ليست إذاعة صنعاء إنها إذاعة صوت العرب والله ما تمت، ولا يتحكم بنا ابن موزع البريد حق مصر (يقصد أن أبا جمال عبدالناصر هو موزع بريد).
وبعد العصر حيث كنت مهيئاً نفسي للسفر جاءت برقية من الرئيس عبدالله السلال إلي العامل بإطلاق سراحي وإبلاغي بأن أعجل بوصولي، وإذا بالشيخ علي هبة الذي كان مسؤولاً علينا يقول: من هو هذا السلال؟ قلت له: سواء جاء إطلاق من السلال يا شيخ علي أو لم يجيء، لست متوقفاً، الصباح إن شاء الله أسافر وأنت متجمل ومذكور عندي بالخير، فلا تضيع الجمالة والمعروف، فقال: إذن أنت بكرة (غداً) ضيفي وبعد صلاة الجمعة تتوكل علي الله.
أمسيت في تلك الليلة ومعي ناجي ماتع، وكان مأمور صحة للتلقيح في المنطقة، وفي تلك الليلة ما تركنا ننام من الحماس والفرحة، وكان معنا راديو وليس هناك إلا إذاعة لندن نستمع منها الأخبار، وفي منتصف الليل إذا بالأخبار تذكر أن البدر خرج من بين الأنقاض، وكنت قد أويت إلي فراشي أريد أن أنام وإذا بناجي ماتع يهزني (قم بالله) استمع لندن والراديو مفتوح في فراشي قلت له: إنني أسمعها، وإذا بها تؤكد أن البدر تمكن من الخروج من بين الأنقاض سالماً وتوجه إلي جبال حجة المنيعة، ويقال إن الأمير الحسن قد توجه من أمريكا إلي المملكة العربية السعودية ومنها إلي نجران، هكذا بالتفاصيل، فقال ناجي: والله لو يسمع مشائخ الشرفين بهذا الخبر لقبضوا عليك وسلموك هدية للبدر، قلت له: لا تخف ليس معهم راديوهات.
وفي الصباح تحركت وأخذت معي (الَرسَم) وهم حرس السجن، وقالوا لي بالنسبة للطريق إلي حجة تعتبر غير مأمونة لأنها جبال وفيها قبائل شرسة وليس لنا إلا تهامة وهو ما استحسنته. وصلت عبس ظهراً يوم الجمعة وما أن علم مواطنو عبس ومشائخها بوصولي حتي خرجوا في استقبالي استقبالا شعبيا كبيرا وسرنا جميعا متجهين إلي منزل الشيخ عثمان محجب ثواب شيخ البلاد وأقاموا عند بيت الشيخ ثواب حفلا خطابياً ثم انتقلنا إلي بيت الحكومة وقابلنا فيها عامل عبس الكبسي وعنده القاضي يحيي الشامي الذي كان مسؤولاً عن قضاء المحابشة والسيد حسين عبد العزيز المتوكل أحد أبرز الشخصيات في بيت المتوكل والأستاذ صالح محسن صعصعة إثر وصوله من سجن وشحة، وقال لي المتوكل: أنا رفيقك أينما سرت. وبعدها سمعنا بقرارات من إذاعة صنعاء فيها إعدامات كان أبرزها إعدام السيد يحيي بن محمد عباس المتوكل رئيس الاستئناف، فاعتذر حسين المتوكل عن مرافقتي، كما لقيت في عبس يحيي جحاف وعبدالوهاب الشهاري وقلت لهم: سافروا معي، وما وصلنا الحديدة إلا يوم السبت عصراً، حيث تعطلت بنا السيارة في الطريق. استقبلونا في الحديدة استقبالاً جماهيرياً كبيراً، حيث كان المسؤول فيها هو العميد محمد الرعيني، كما استقبلنا عبد الله الصيقل الذي حشد الشباب والمثقفين والشعراء وأقام لنا حفلاً كبيراً ومأدبة عشاء.
أمسينا في الحديدة وتحركنا في الصباح إلي صنعاء، لم تكن هناك سيارات لنقل الأفراد، وكانت هناك السيارات الكبيرة التي كانت تنقل الذخائر إلي صنعاء، ركبت في إحدي هذه السيارات، ووصلنا صنعاء عصراً وتوجهت رأساً إلي السلال في القيادة في العرضي، وكان الزبيري قد وصل من القاهرة صباح ذلك اليوم الأحد وقال لي السلال: إن الزبيري في القصر الجمهوري أريدك أن تزوره هو والقاضي عبدالرحمن الإرياني، ذهبت إليهما وفي المساء خرجت من القصر الجمهوري وعدت إلي السلال، فقال لي: اذهب إلي الإذاعة ووجه كلمة للشعب فأصحابكم لا يزالون محتارين والبدر لايزال يتنقل بين القبائل. ذهبت للإذاعة ووجهت كلمة حماسية وثورية دعوت فيها قبائل حاشد وغيرهم للالتفاف حول الثورة والجمهورية والدفاع عنها.

الانتقال إلي الميدان

أنا في الحقيقة كان همي مرتكزاً علي الجانب القتالي للدفاع عن الثورة وترسيخها، ولهذا بدأت فوراً بعد وصولي صنعاء ولقائي بالزبيري والإرياني بالإعداد للدفاع عن الثورة، وقد أعطاني السلال ذخيرة وعدداً من البندقيات (قرابة مئة بندقية شيكي)، وأعطاني أنا بندقية (جرمل) وألف ريال (فرانصي) (ماريا تريزا) وكان معي قرابة خمسمئة ريال مما كان يأتيني من قيمة البذور، كما أنه كان معي في السجن مصروفي اليومي من الإمام، وأعطانا السلال كذلك مدافع وعدداً من المدرعات المزودة بالرشاشات وأخرج معي سرية من فوج البدر، مدربين تدريباً جيداً، ومجموعة من الضباط منهم العميد يحيي المتوكل والعميد محمد عشيش، والعميد محمد الوسع وغيرهم.
تحركنا يوم الاثنين وأمسينا في خمر، وفي يوم الثلاثاء خَرَجَتْ حاشد من كل قرية كالجراد المنتشر منتشين نشوة كبيرة، لا أحد يستطيع وصف مشاعرهم فرحاً بوصولي وكان يوم وصولي بالنسبة لهم مثل يوم العيد، جيشناهم وتحركنا بعد البدر ولم ندخل البيت في الخمري ولم نر العائلة أبداً.
هرب البدر بعدها إلي الخوبة، ويبدو أنه كان ينوي أن يدخل من هناك إلي السعودية ويسافر إلي أي بلد، لكن السعوديين أوقفوه ومنعوه من الدخول وقالوا له: ارجع قاتل وهذا السلاح واندفعت وراءه قبائل كثيرة ما كان يمر من منطقة إلا ويلحقون بعده عدة قبائل مسلحين، و عادوا يقاتلون من الخوبة، وكان أكثر الذين قاتلوا معه من مناطق لواء حجة، حجور والشرفين وقضاء حجة ومسور. ونحن تحركنا في بداية الأمر علي أساس أن نحول بينه وبين الهروب وكنا نريد أن نلقي القبض عليه أو نقتله، ولا أذكر أنه كان معه أحد من الأمراء. أما القبائل فقد كان معه مشائخ من بيت المصلي مثل راجح المصلي ومشائخ الجبل وغيرهم وواحد من مشائخ عمران من بيت الصعر ومشائخ من همدان مثل الشيخ محمد حسين ناجي وغيره ومن مشائخ مسور ومن مشائخ قضاء الطويلة وبعض القبائل من الطويلة وجبل يزيد نزلوا بمجاميع كبيرة لحقوا وراء البدر علي أساس ينصرونه علي احتلال حجة، لكنهم تأخروا وما وصلوا إلا وقد هزم البدر وعندما وجدوا أنفسهم قد تأخروا عن نصرة البدر غيروا موقفهم ودخلوا حجة بزوامل علي أنهم مع الثورة يطاردون البدر، ثم قرروا أن يطاردوا البدر إلي المحابشة مع الشيخ علي بن ناجي الشائف الذي كان مسجوناً.

أهم المعارك مع البدر

أول ما رجع البدر من الخوبة، بعد أن سلحه السعوديون ودفعوه مع القبائل بدأ القتال في المناطق القريبة من الخوبة، وقد حدثت فيها معارك كثيرة في الجمَّا وفي الملاحيط، وقد تمركز البدر هناك في مناطق حزة تحت جبل رازح وفي المروة في وادي خلب وكانوا يزودونه بالسلاح والمؤن، وكان يوزع علي القبائل السلاح ويصرف لهم فلوسًا وذخائر ويوجههم بأن يتقدم كل علي بلاده يخرج الجمهورية منها في المناطق التي دخلتها الجمهورية. وأول ما أخرجوا القوم الذين في حصن وشحة أهم حصن في السلاسل الجبلية واستولوا ـ أي الملكيين ـ علي الحصن بعد حرب وقتال، وظلوا فيه قرابة شهر وتركوا بعضهم هناك، ثم اتجهوا علي كشر وحجور، ثم اتجهوا نحو المحابشة وكانت قوة الجمهورية فيها، وخاضوا فيها معارك كثيرة ثم اتجهوا نحو حجة واحتلوا مناطق في لواء حجة، وكانوا يحاصرون حجة بين الحين والآخر.
وقد وجه إلينا الإمام المخلوع البدر رسالة ترغيب وترهيب يشير فيها إلي أعمال المستعمرين الفراعنة وأذنابهم ـ علي حد تعبيره ـ ودور المقاومة الملكية ضد الكفرة، ويدعونا إلي مناصرته والقتال في سبيل الله والدين والوطن والعِرض...الخ ثم يشترط علينا فتح البلاد أمام الجيوش المنصورة وتسليم رهائن الجهاد ويتوعد بأنهم رجال قتال وحربٍ إذا أردنا البقاء علي الباطل.
أما بالنسبة للجهة الشمالية لواء صعدة فقد احتلوا ـ أي الملكيين ـ رازح وما كان فيها أحد من الجمهوريين واحتلوا ساقين وكان فيها عدد قليل من حاشد الذين دخلوا مع الشهيد الشيخ محمد غثاية أحد مشائخ البلاد وتجارها حاصروه وقتلوه مع أطفاله، وكان أصحابنا قلة هناك، ومعهم ابن عمي الشهيد محسن غالب والشيخ يحيي حمود عاطف، أخرجوهم في وجوههم حتي وصلوا صعدة واشتعلت الحرب في كل مكان في المناطق التي كانت فيها عساكر من الحكومة أو وصلت إليها الجمهورية، أما التي لم تكن الجمهورية قد وصلتها فتمردوا وما بقي معهم إلا حاشد بكاملها التي كانت في المواجهة إلا عذر فإن فائد الدوحمي وأصحابه من أول يوم رفضوا الجمهورية.
وظللنا في القتال مع عذر وأول مرة اكتسحناهم حتي وصلنا وشحة وبعد أن جاءتهم الإمدادات والمسلحون أيضاً ممن لحق بالبدر، هاجمونا إلي القفلة، وأغلبهم كان قتالهم لنا عن عقيدة وتشيع، ومن ناحية ثانية كان ذلك التمرد نتيجة لما حصل وما كانوا يسمعون به من القتل والإعدامات في صنعاء التي تمت أول الثورة حيث كانت هذه عاملاً رئيسياً لقتالهم ضد الثورة.
استمررت في القفلة أدافع عنها علي أساس أنها المركز المتوسط الذي نستطيع التوجه منها إلي هنا وهناك.. واستولينا علي مدينة شهارة المعقل الرئيسي والتاريخي للإمامة بعد حرب شديدة، وبقينا فيها فترة حتي جاء السلاح للبدر إلي الأهنوم وتمكنوا من إخراج عساكر الجمهورية من شهارة وأسروا الشيخ هادي عيطان الذي كان قائد الجمهوريين حينها في شهارة.
وخلال هذه السنة جرت معارك كثيرة لكنها ليست معارك مشهورة أو كبيرة مثل حجة أو صعدة فأهم المعارك كانت معارك الدفاع علي حجة وعلي صعدة، وسنتحدث عنها لاحقاً. أما شهارة فقد سقطت بسرعة وهي لم تكن علي درجة كبيرة من الأهمية برغم أنها معقل من معاقل الأئمة لأنها رأس جبل ليس له أهمية كبيرة كما أنها ليست علي طرق رئيسية وليست محافظة وبقاؤها في أيدينا أو سقوطها في أيديهم لا يترتب عليه هزيمة أو نصر مثل صعدة أو حجة.
كانت القوة التي معنا أغلبها قبلية فعدد الجنود الرسميين كان قليلاً جداً ومعظمهم علي الأسلحة الثقيلة. وقد أرسل لنا الرئيس السلال سرية صاعقة من الجيش المصري وكان قائدهم المقدم أحمد حلمي وقد مكثوا معنا أكثر من سنة ونصف وكانوا مقاتلين شرسين وشجعاناً. وأذكر في معركة قريبة من القفلة خرجت والمقدم أحمد حلمي لمطاردة الملكيين الذين هاجمونا إلي حصن القفلة وقد طاردناهم من واد إلي آخر وكنا نتمترس بالمتاريس للرماية عليهم، إلا المقدم أحمد حلمي فقد وقف بدون متراس يطلق النيران وكان بجانبي فشددته من ثيابه للجلوس في المتراس فرد علي: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. ولم يقتل من هذه السرية أثناء وجودهم معنا إلا بضعة جنود فقد كنا نعتبرهم ضيوفًا علينا ونتقدم أمامهم في كل المعارك. ثم انتقلت من القفلة بعد ما أفسدوا عذر وأصبحت الحرب بعدها حرب دفاع، طلعت خمر وتحركنا شمالا ويمينا ودارت معارك في حبور ظليمة وغيرها وفككنا الحصار عن صعدة مرات كثيرة بالجيش الذي من حاشد.
وفي سنة 1964 خرج الزبيري إلي خمر لطلب دخولنا مع جيش من حاشد لفك الحصار عن صنعاء حيث كانت طريق صنعاء تعز مقطوعة وقد قتل العميد أحمد بن أحمد الكبسي أحد قادة الثورة، وصنعاء محاصرة من جهة الشرق والجنوب، وبلاد الروس وسنحان وبني مطر مميلكين، ولم يعد معنا إلا طريق الحديدة ونحن مصرون ومدافعون عنها دفاعاً كبيراً، دخلنا نفك الحصار عن صنعاء سنة 1964 وقد بدأت فيها إرهاصات كبيرة ورسائل كانت توزع، والرئيس السلال علي ما أعتقد كان في إجازة، والطريق مقطوعة علي صنعاء فدخلنا بجيش كبير من حاشد والقاضي الزبيري في مقدمتنا وعندما وصلنا صنعاء خططونا (= وزعونا علي منازلهم للاقامة والاطعام) فوق أهل صنعاء ستة أو سبعة أيام.
ثم خرجنا إلي سنحان ومعنا مجاهد أبو شوارب نفك الطريق وكان ذلك في شهر رمضان وخططنا الجيش في المنطقة القريبة من صنعاء حزيز وما جاورها، وبدأنا نحاول في مناطق بلاد الروس وشرق سنحان أن نتفاهم مع أهلها مباشرة فكتبنا إليهم والأمير عبدالله بن الحسن في سيان، فجاء إليه مشائخ سنحان الذين كتبنا لهم يحاولون إبعاده فقال: ما أخرج من سيان إلا علي ظهري. ونحن ومشائخ المناطق الشرقية من سنحان، منهم علي مقصع وبيت مقولة والشيخ علي حمزة، قسمنا الجهات ووزعنا الجيش في ثلات اتجاهات وهجمنا فجرا بهجوم كبير علي سيان والمناطق الشرقية التي فيها الأميرعبدالله بن الحسن ومن كان معه من خولان ومن غيرهم، وأهل سنحان منهم من كان راضيًا ومنهم كارهاً ما دخلنا إلا بحرب.
وقد تقدم مجاهد أبو شوارب ومعه مجاميع عسكرية جمهورية منهم الرئيس علي عبدالله صالح الذي كان يقود دبابة، اتجهوا من الوسط وراء منطقة حزيز حتي حاصروا قرية سيان من الجنوب جوار بيت الأحمر، وما أن ظهروا علي سيان حتي بدأ علي عبدالله صالح يرمي بالدبابة إلي داخل سيان وبعدها هرب عبدالله بن الحسن ولم يصمد كما كان يقول لن يخرج من سيان إلا علي ظهره.
وأنا والجيش الذي كان معي تقدمنا علي بيت الشاطبي وفي اتجاه قرية سيان من الشرق وقرية شعسان وشيعان لنقطع الطريق علي عبدالله بن الحسن، لكنه هرب ومن معه باتجاه خولان، وبعدها رجعنا علي بلاد الروس وكاتبنا لهم وتفاهمنا معهم والذين رفضوا التفاهم وتمسكوا بموقفهم تقدمنا عليهم واحتربنا معهم نصف يوم أو ساعات، وفتحنا الطريق من نقيل يسلح، والأهالي تعاونوا معنا بحكم العلاقات وفككنا الطريق وانتهي كل شيء في سنة 1964م.
وبعد عيد رمضان إذا بالاستنجاد من حجة يأتي حيث حاصرها الملكيون فقال لي المشير السلال : أكملوا (الجمالة) والمعروف وتوكل علي الله إلي حجة، فأخذنا معنا جيشاً من سنحان ومن بلاد الروس واتجهنا نحو حجة فتحنا طريق حجة وفككنا الحصار واستمررنا نقاتل ونصفي مناطق حجة، وقد سقط فيها عدد كبير من الشهداء حوالي مئة شهيد في قضاء حجة أذكر منهم الشيخ صالح بن ناصر فتح والشيخ شعلان الغبيسي والشيخ حسين بن حسين شاوش والشيخ خماش بشير.
بقينا أشهرا وجاء الرئيس جمال عبد الناصر إلي صنعاء في نيسان (إبريل) 1964 ونحن في محافظة حجة، وطلبوني أطلع صنعاء فقلت لن أنزل من حجة والمعركة قائمة إذا أراد فليزورنا إلي حجة، وطبعاً كان هناك تنسيق بيننا وبين القوات المصرية وهم ما كانوا ليطمئنوا إلا في المعارك التي معهم فيها قبيلة حاشد، أما الآخرون فكانوا يكسرون رؤوسهم، وعندما كان المصريون يدخلون مناطق حاشد كانوا يعتبرون أنفسهم في بيوتهم.

أول منصب: وزير الداخلية

أنا في الحقيقة كان لدي عزوف كبير عن الانشغال بالقضايا السياسية قبل أن تترسخ الثورة وينتهي العمل الميداني، وكان همي وجهدي كله من أول يوم في الثورة يتمركز في الجانب القتالي ومحاربة أعداء الثورة والمعارضين لها والعمل في الميدان للدفاع عن الثورة وترسيخها، كان هذا همي وشغلي الشاغل ولم يكن عندي نزوع إلي العمل في المجال السياسي أو الاشتغال به أبداً. ولكن أبو الأحرار القاضي محمد محمود الزبيري والقاضي عبدالرحمن الإرياني والأستاذ أحمد محمد نعمان والأستاذ عبدالملك الطيب والقاضي عبد السلام صبرة وغيرهم من العناصر المثقفة من الرعيل الأول الذين كان لهم أدوار سياسية قبل الثورة وبعدها، هم الذين دفعوني إلي هذا الميدان رغماً عني، وأقنعوني وأقنعوا الكثير من العناصر الذين كان دورهم مقتصراً علي الميدان من المشائخ والعسكريين.
كان هذا في منتصف سنة 1964م، وهي السنة التي تعينت فيها وزيرًا للداخلية في حكومة حمود الجائفي، وهي الوظيفة الشائكة والصعبة في ذلك الوقت لأن معظم الأمور الداخلية مرتبطة بها وقد دخلت في هذا المجال إلي جانب الأساتذة والعلماء لكني لم أترك العمل في الميدان القتالي أو العسكري. فقد واصلت القيام بالدور الذي تحملته علي عاتقي للدفاع عن الثورة أنا ورجالي وفي مقدمتهم العميد مجاهد أبوشوارب الذي كان ساعدي الأيمن والقادة الميدانيون من مشائخ حاشد، فمنهم من قضي نحبه واستشهد في المعارك ومنهم من لا يزال حياً مثل علي حميد جليدان وحمود عاطف والشيخ علي شويط والشيخ مشلي القائفي والشيخ عبدالله فيشي والشيخ حسن مهدي النفيش والشيخ حزام جخدم.
استمر عملي الميداني علي ما كان عليه، وأسهمت بالعمل السياسي بالدور الذي كان يفرضه علي الواجب وبما كان يوجهنا به الزعماء الذين اقتنعت بآرائهم وقيادتهم وفي مقدمتهم القاضي محمد محمود الزبيري والقاضي عبد الرحمن الإرياني والأستاذ أحمد نعمان رحمهم الله وإن كان الدور الأكبر للأستاذ الزبيري الذي كان هو المؤثر علي الجماهير.

قبائل جمهورية واخري ملكية

كان أبناء حاشد الذين كنت أقودهم في المعارك هم جيش الثورة، لأنه لم يكن هناك جيش رسمي، فالجيش النظامي الإمامي تشتت بعد قيام الثورة والضباط والحرس الوطني الذين شكلوه فيما بعد كانوا أحداثاً غير مجربين والبعض منهم كانوا يرمون بهم في المعارك فقتل منهم من قتل وهرب من هرب، فكانت قبائل حاشد هم جيش الدفاع عن الثورة مع من كان يشارك من القبائل الأخري، من أصحاب المشائخ الجمهوريين مثل ذو محمد بقيادة العميد عبدالله دارس وقبائل الحداء بقيادة المشائخ بيت القوسي وبيت البخيتي والشيخ سنان أبولحوم، ومن كان معه من قبائل نهم المجمهرين والشيخ أحمد عبدربه العواضي والشيخ سالم الحميقاني والشيخ أحمد ناصر الذهب ومن معهم من مشائخ البيضاء وغيرهم مثل الشيخ أحمد علي المطري والشيخ حمود الصبري والشيخ محمد أحمد القيري والشيخ نعمان بن قائد بن راجح والشيخ علي عبد الله عنان والشيخ علي محسن باشا والشيخ علي صغير شامي والشيخ صالح بن ناجي الرويشان والشيخ أحمد صالح دويد والشيخ أحمد محسن النيني والشيخ عبد الخالق الطلوع والشيخ عبد الله علي الصوفي. لكن هؤلاء كانوا يأتون عندما تطلبهم الدولة للقتال في منطقة من المناطق لفترة معينة. أما حاشد فقد كانوا أشبه شيء بالجيش الرسمي جيش الدفاع المستمر الذي تحمل مسؤولية الدفاع عن الثورة ونذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر: الشيخ يحيي صالح زمام، الشيخ علي بن علي الغزي، الشيخ أحمد حمود حرمل، الشيخ حزام أبو ذيبة، الشيخ علي شعلان الغزي، الشيخ حمود الغاوي، القاضي علي مطهر الرضي، الشيخ عبده كامل، الشيخ ناصر الشيبري، الشيخ صالح بن سرحان المحجاني، الشيخ محمد صالح زياد، الشيخ هادي البارق، الشيخ عبد الرحمن القديمي، الشيخ حسين عطيفة، الشيخ ناصر بوتج، النقيب أحمد محمد الأحمر، الشيخ سنان المسمري، الشيخ هزاع ضبعان، الشيخ فرج بن يحيي العرمزة، الشيخ علي حزام البصلاني.
وفعلاً كان الشعور لدي قبائل حاشد مشائخ وأفراداً أنهم مسؤولون عن حماية الثورة وأن الثورة ثورتهم، وهذا الإحساس تولد لدي حاشد نتيجة لما أصيبوا به عندما استشهد الوالد والأخ حميد وما نالهم من الإهانة والمعاناة، كل هذا أوجد عندهم شعورا أن الثورة ما قامت إلا كرد فعل رسمي وشعبي لما حدث وأن من أهم عوامل قيامها هو ما حلَّ بحاشد ومشائخها، وانطلاقاً من هذا الإحساس والشعور أصبحت لديهم قناعة أنهم مسؤولون عن حماية الثورة وأن ذلك يهمهم ويخصهم أكثر من غيرهم.
وهذا الفهم كان موجودا لدي بعض الذين كانوا يحاربون الثورة من القبائل الأخري، حيث كانوا يعتبرون أن الثورة هي ثورة حاشد ولهذا كانوا يحاربونها علي أساس أنهم يحاربون حاشد أكثر مما يحاربون الجمهورية.
وكان يطلق علي أفراد القبائل الذين قاتلوا مع الثورة سواء من حاشد أو من القبائل الأخري الجيش الشعبي وكانت الحكومة تزودنا بالدعم والسلاح ولكن بأشياء قليلة وإمكانيات بسيطة وخاصة في بداية الثورة وإن كان هذا الدعم قد تطور فيما بعد.
فبالنسبة لحاشد مثلاً في بداية الثورة قاتلوا عدة أشهر بدون رواتب من الحكومة، وكان أهل كل قرية يتحملون نفقة الأشخاص الذين يذهبون للقتال مع الثورة ويفرقون فيما بينهم معاشات لهؤلاء المقاتلين.. هكذا في كل قري حاشد. وأما السلاح فمعظم الذين قاتلوا في بداية الثورة كانوا يأتون بأسلحتهم الشخصية القديمة التي كانت موجودة معهم من قبل الثورة، وهي من أنواع مختلفة وكانت الأسلحة التي تأتي من الحكومة قليلة جداً في بداية الثورة، بل ان عدداً كبيراً من مقاتلي حاشد كان سلاحهم من الملكية! لأنهم عندما قامت الثورة كانوا في السعودية وخرجوا مع بيت حميد الدين إلي نجران وإلي المناطق الشرقية وسلحوهم، وكانوا يرسلونهم إلي المناطق التي فيها قتال وكانوا عندما يصلون إلي المنطقة التي أرسلوهم إليها يتركونها ويتجهون إلينا أينما كنا. في يوم واحد وصل إلينا ثمانمئة مقاتل مسلحين كلهم ونحن في القفلة كانوا قد سلحوهم في نجران ووجهوهم لاحتلال صعدة بقيادة بيت حميد الدين وهم من بني صريم وخارف والعصيمات وكان في مقدمتهم الشيخ حمود عاطف وقد ضربتهم الطائرة وهم في بلاد وائلة وقتل منهم ثلاثة أو أربعة علي أساس أنهم مقدمون علي صعدة وعندما اقتربوا من صعدة اتصلوا بقيادة الجمهورية في صعدة ثم دخلوها واتجهوا إلي عندي للقفلة.
وحقيقة لقد كانت هناك أدوار كبيرة لكثير من المشائخ لا أستطيع أن أحصيهم جميعاً فهناك مشائخ من لواء إب كانوا يأتون بجيوش جرارة ويقاتلون في المحابشة وفي المناطق الشمالية وفي معارك صنعاء سبق ذكرهم.
والمشائخ الجمهوريون من خولان الذين ذكرتهم رغم أن قبائلهم ومناطقهم كانت مع الملكية إلا أنهم أسهموا وكل يقدم ما يستطيع وكل شيخ جمع ما استطاع جمعه من الرجال ودخلوا بهم صنعاء واتجهوا للقتال حيث أمرتهم الحكومة سواء في جهة كوكبان أو في مسور أو في ثلاء أو السودة.
والشيخ محمد أحمد الحباري الجمهوري المعروف في أرحب كان له دور كبير في معارك الدفاع عن الثورة برغم أن أرحب مثلها مثل خولان ونهم، القبائل المشهورة كانوا مع الملكية وقاتلوا معها أما بالنسبة لمناطق الحداء والبيضاء فقد كانوا جمهوريين.
ومن مشائخ قيفة أيضا الشيخ عبدالله أحمد الجبري حيث كانت لهم صولات وجولات في معارك الدفاع عن الثورة في مناطق كثيرة، وقبائلهم معهم جمهوريون والشيخ أحمد العواضي ومشائخ لواء البيضاء الرصاص والشيخ صالح بن حسين الوهبي وغيرهم ومشائخ من مراد كانوا جمهوريين وكانوا يأتون بجيش من أصحابهم برغم أن مناطقهم لم تكن موالية مئة في المئة للثورة وكذلك القردعي وعلي ناصر طريق كانوا يأتون بأعداد من أصحابهم إلي صنعاء ليساهموا في معارك الدفاع عن الثورة في المناطق الشمالية والغربية.
وهناك قبائل لواء صعدة قبيلة سحار ومشائخها لهم أدوار كبيرة في الدفاع عن الثورة والتضحية من أجلها في مقدمتهم الشيخ عبدالله بن علي مناع وأولاده محمد بن عبدالله وفيصل بن عبدالله والشيخ فيصل الصربي والشيخ فائد مجلي والشيخ قايد شويط وقبائلهم كان لهم أدوار كبيرة وآل الشائف أسهموا بدور كبير في الدفاع عن الثورة أولهم الشيخ علي بن ناجي الشائف (رحمه الله) ثم الشيخ ناجي بن عبد العزيز الشائف ثم الشيخ حمود بن ناجي الشائف أسهموا في الدفاع عن الثورة في ميادين كثيرة أما ذو محمد فموقفهم أقوي ومشائخهم كلهم كانوا مع الجمهورية في مقدمتهم القائد الميداني العميد عبدالله دارس والشيخ أمين أبورأس علي رأس قبيلة ذو محمد




الحلقة الرابعة


مذكرات الشيخ الأحمر: صراعات بين الجمهوريين وسط المعارك مع الملكيين


الخلاف مع السلال ومصر

الخلاف مع السلال والوجود المصري في اليمن ابتداءً ـ كما قلت سابقاً ـ من سنة 1964 بين السلال والمصريين من جهة والزبيري ومن سار علي نهجه، سواء في حياته أو بعد مماته من جهة أخري، فالخلاف مع المصريين والسلال بعد استشهاد الزبيري وبعد مؤتمر خمر لم يكن جديداً بل هو امتداد للخلاف السابق، لم يكن الخلاف مع المصريين لوجودهم ولا مع السلال لشخصه وإنما كان خلافنا معهم لسياستهم ونهجهم وممارساتهم، فالمصريون جاؤوا إلي اليمن للدفاع عن الثورة عسكرياً، وهذا ما طلب منهم ورحبنا به لكنهم لم يقتصروا علي هذا الدور الذي جاؤوا من أجله بل أصبحوا مهيمنين علي كل شيء، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة وهذا هو أساس الخلاف معهم، ونحن نطالبهم بالكف عن التدخل في الجوانب السياسية والمالية والاجتماعية والثقافية وأنه يجب أن يقتصر دورهم علي الجانب العسكري، وحين زار المشير عبدالحكيم عامر اليمن في آب (أغسطس) 1965م في محاولة من المصريين لتهدئة الخلافات وجمع الصف الجمهوري، وجه إلينا المشير عامر رسالة يؤكد فيها استمرار الدعم المصري لليمن وأهمية نبذ الخلافات والصراعات في تلك الفترة الحرجة وضرورة أن تقوم وحدة وطنية بين أبناء اليمن المخلصين للقضاء علي أعداء الثورة، منوهاً إلي موقف الرئيس جمال عبدالناصر وتأكيده للدعم العسكري لليمن وكذا الجهود الداعية للسلام، وخلافنا مع السلال كان بسبب ممارسته الخاطئة واستسلامه للمصريين وقد كان خلافنا معه بين مد وجزر فتارة تخف حدة الخلاف وتارة تزداد خاصة عندما كان السلال يصر علي رأيه هو والمصريين ويرتكبون حماقات غير مقبولة مثل تلك الحماقات التي ارتكبوها سنة 1966 واقترفوا تلك الجرائم التي ابتدأت باحتجاز رجالات الدولة في مصر زعماء ثورة اليمن وقادتها وحكومة الجمهورية العربية اليمنية بكامل أعضائها وقادة الجيش والزعماء السياسيين الأوائل: الإرياني والنعمان وغيرهما وما أعقبها من ممارسات داخل اليمن من اعتقالات وقتل وسحل رجالات الثورة وقادتها والمشائخ الجمهوريين والمناضلين والزج بهم في سجون صنعاء وتعذيبهم وقتل وسحل الزعيم محمد الرعيني أحد أبرز الضباط الأحرار الذين فجروا الثورة ومن معه من الضباط والمشائخ أمثال: هادي عيسي والشيخ أحمد النيني والشيخ علي محسن هارون ومن معه. وخلال الفترة الممتدة بين مؤتمر خمر وبعد استقالة حكومة النعمان، حاول الرئيس السلال استمالتنا معه والخروج عن إجماع الصف الجمهوري بضرورة إصلاح مسار الثورة، وقد حرر إلينا رسالة شرح فيها الأوضاع وأثني علي دور قبيلة حاشد في الدفاع عن الثورة. ولم يدرك أن تدخل المصريين والاستسلام لهم في إدارة شؤون الدولة هو من الأسباب الرئيسية للخلاف معه.

مؤتمر الطائف

لم تمض إلا أشهر قليلة بعد تشكيل حكومة مؤتمر خمر برئاسة الأستاذ أحمد محمد نعمان حتي حصل رد الفعل من المصريين والسلال بمضايقة الحكومة والعمل ضد قراراتها واستدعائها إلي القاهرة وحصل ما حصل من التهديد من الرئيس عبدالناصر للأستاذ احمد محمد نعمان رئيس الوزراء ومن ذلك اعتراض عبد الناصر علي تعيين الأستاذ محسن العيني وزيرا للخارجية ولأنه بعثي، وحينما أكد له النعمان أنه ليس بعثيا، رد عبد الناصر بقوله: لا تستطيع تقنعني نثرا ولا شعرا أن العيني ليس بعثيا وقد بعث إلينا القاضي عبدالرحمن الإرياني برسالة يشرح فيها ما تم في اللقاء وكذا تهديدات عبدالناصر، مما أدي إلي استقالة الحكومة أو إقالتها وكل شيء مدون أكثر مما أتذكره، وكان رد الفعل علي هذه الممارسات أن ذهب عدد من المشائخ الجمهوريين إلي الطائف عن طريق بيحان وعدن حينما كان هناك الوجود البريطاني والسلاطين ووصلت وفود المعارضة إلي بعض الدول العربية ومنها الوفد الذي ترأسه القاضي عبدالرحمن الإرياني الذي قام بزيارة الكويت وسورية ومصر وغيرها في 21 ايار(مايو) 1965م، وقد بعث إلينا القاضي الإرياني برسالة بعد عودته يشرح فيها ما تم في الزيارة.
وفي هذه الأثناء عقد مؤتمر الطائف في 12 آب (اغسطس) 1965م بين مشائخ وزعماء من الصف الملكي والمشائخ الجمهوريين المعارضين للمصريين والسلال ومنهم النقيب سنان أبولحوم والشيخ أحمد علي المطري والشيخ علي بن ناجي القوسي والشيخ ناصر علي البخيتي والعميد مجاهد أبو شوارب والشيخ أحمد ناصر الذهب والشيخ نعمان بن قائد بن راجح والشيخ حسين أحمد القردعي ومشائخ بيت القيري مثل الشيخ عبد الولي القيري وغيرهم من كبار مشائخ الجمهورية، وخرج المؤتمر بقراراته المعروفة والتي كان منها قرار إنهاء الملكية، وإنهاء دولة السلال، وقيام دولة في اليمن تشمل الجميع ما عدا بيت حميد الدين والسلال.
ولم يكن هذا المؤتمر يمثل الحكومة، كما أن معظم المشائخ الذين حضروا المؤتمر ووقعوا اتفاقية الطائف بمجرد عودتهم إلي صنعاء أعلنوا تراجعهم عن الاتفاقية وأعلنوا ذلك في الإذاعة، ومنهم علي بن ناجي القوسي والشيخ أحمد علي المطري ومجاهد أبو شوارب.

مؤتمر حرض

ما أن علم الرئيس عبدالناصر بوجود مجموعة قوية من الصف الجمهوري من الذين حضروا مؤتمر الطائف والتقوا بالملك فيصل ومسؤولين في المملكة واتفاقهم مع قادة الصف الملكي من غير بيت حميد الدين من المشائخ والمثقفين وإعلان ما تم الاتفاق عليه إلا وبادر إلي جدة ليعقد مؤتمراً مع الملك فيصل ويخرجا بنفس القرارات التي خرج بها مؤتمر الطائف من إلغاء بيت حميد الدين، وإلغاء النظام الملكي، وإلغاء دولة السلال، وإقامة دولة في اليمن تشمل الجميع وقالوا: إلغاء الماضي الأسود والحاضر الدامي. واتفق عبدالناصر مع الملك فيصل علي عقد مؤتمر في حرض يضم وفدين أحدهما جمهوري والآخر ملكي، باستثناء السلال وبيت حميد الدين، ويعلنون الاتفاقية باسمهم ويطبقونها، وفعلاً تم عقد مؤتمر حرض المعروف في 26/11/1965م وتشكلت وفود الفريقين، الوفد الجمهوري برئاسة القاضي عبد الرحمن الإرياني، ومعه الأستاذ أحمد محمد نعمان، وأنا معهم، والشيخ أحمد علي المطري، والعميد محمد الرعيني، والعميد علي سيف الخولاني، والدكتور حسن مكي، وعدد من ضباط الثورة ومشائخ وعلماء وتجار الجمهورية، والوفد الملكي برئاسة السيد أحمد محمد الشامي الذي كان وزير الخارجية للملكيين، وعضوية عدد من المشائخ الملكيين الكبار منهم الشيخ ناجي الغادر، وحامس العوجري، وصلاح المصري، وغيرهم، ومن المثقفين مثل محمد عبد القدوس الوزير، وعلي عبدالكريم الفضيل، وغيرهم. جاء الوفد الملكي وهو مقتنع بما تم الاتفاق عليه بين عبدالناصر والملك فيصل حيث كان علي اتصال واتفاق مع الأخوة في المملكة العربية السعودية لكننا في الوفد الجمهوري أتينا ولم يكن بيننا اتفاق مع المصريين علي هذا ولم يبلغونا به وبمجرد ما أبلغونا رفضنا، وهو ما أدي إلي فشل المؤتمر، وكان في المؤتمر فريق ثالث من الصف الجمهوري سمي بالقوي الثالثة يضم بيت الوزير، والشيخ نعمان بن راجح، والنقيب سنان أبو لحوم، وهؤلاء كانوا من المؤيدين لقرارات الطائف. كان التصور الذي لدينا أنه عند وصولنا إلي حرض أن الذي سيتم فيه هو إتاحة الفرصة للتفاهم بين قادة الجمهورية وقادة الملكيين من مشائخ وغيرهم وإزالة الوحشة والتوتر أولاً ثم الاتفاق علي استيعاب عدد كبير من المشائخ الكبار والعلماء والمثقفين من الصف الملكي في أجهزة الدولة، وكنا علي استعداد لتقديم بعض التنازلات وإعطائهم بعض الفرص ليصبحوا شركاء معنا في الدولة.
وعندما وصلنا إلي حرض تلاقينا جميعاً بقلوب مفتوحة وصدور رحبة وتبادلنا القصائد والزوامل الشعبية الأخوية المعبرة، والكلمات الودية أثناء افتتاح المؤتمر ومنها كلمة القاضي عبدالرحمن الإرياني والتي عبر فيها عن روابط الأخوة بين اليمنيين مستشهداً بقول الشاعر:
إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها تذكرت القربي فسالت دموعها
ومن الزوامل المعبرة التي كانوا يرددونها زامل قاله الشيخ حامس العوجري وهو من كبار قادة الصف الملكي يقول فيه:
سلام يا اللي أنت لي وأنا لك
من دون الأقصي والبعيد
إذا صـلح حــالي وحالك
ما همنا رأي البعيـــد
وكان هذا فعلاً هو الشعور المشترك لدي الجميع (إذا صلح حالي وحالك).
وأول رد فعل لهذا التقارب كان من المصريين والسعوديين بأن فرقوا بيننا فبعد أن كنا جميعاً، الوفد الملكي والجمهوري، في مخيم واحد إذا بهم في صبيحة يوم من الأيام يفصلون الملكيين عنا ويفصلوننا عنهم ويعملون أسلاكاً شائكة!! كانت صفتهم الرسمية مراقبين ولكنهم في الحقيقة كانوا هم المرتبين للمؤتمر والمشرفين والمسيرين له، كانت اللجنة المصرية برئاسة اللواء عبدالعزيز سليمان و الفريق أول محمد فوزي، والسعودية برئاسة الدكتور رشاد فرعون مستشار الملك فيصل.
واستمر المؤتمر ثلاثة أسابيع أو أكثر كنا نلتقي يومًا ونتوقف يومين أو ثلاثة أيام، وكنا نطلب أشخاصاً جددًا من صنعاء وعندما قطعنا شوطًا في المفاوضات إذا بالقادة المصريين في لجنة السلام المصرية السعودية يبلغوننا حرفياً بالشيء المطلوب منا الموافقة عليه وهو ما اتفق عليه عبد الناصر والملك فيصل وقالوا لنا وقد اجتمعنا في خيمة كبيرة إن الرئيس عبد الناصر يزف إليكم تحياته وينقل إليكم تعليماته وتوجيهاته وهو أنه قد تم الاتفاق والمطلوب منكم الموافقة علي ماتم الاتفاق عليه وهو إنهاء الملكية وإقصاء بيت حميد الدين وإقصاء السلال وقيام دولة تسمي دولة اليمن نظامها نظام جمهوري ودستورها دستور الجمهورية وقوانينها قوانين الجمهورية ما عدا الاسم ويشترك في هذه الدولة كل اليمنيين الملكي والجمهوري.. هذه تعليمات عبدالناصر. ولا أدري في نفس اليوم جاؤوا لنا بالتهديد أو في لقاء آخر عندما رفضنا، وأعتقد أنه في يوم آخر عندما رفضنا هذا المقترح والتهديد هو (إذا لم توافقوا علي هذا فالجمهورية العربية المتحدة سوف ترفع يدها ودعمها مادياً وعسكرياً عن اليمن وتترك صنعاء للقبائل الملكية يدخلونها ويذبحون الصف الجمهوري من أكبر واحد حتي أصغر واحد).
بعد أن سمعنا ما قاله الوفد المصري سكتنا ولم يتكلم إلا القاضي عبدالرحمن الإرياني بحكمته قائلاً لهم: سمعنا ما قلتم وما نقلتموه عن الرئيس عبدالناصر وهو الذي لا نتوقعه ولا نتصور أن تكون هذه هي قناعة الرئيس جمال عبدالناصر الذي عمل وعمل وقدم وضحي من أجل اليمن وينتهي المشوار بهذا، هذا الذي لا نتصوره ولا نريده، وعلي كل حال اتركوا لنا فرصة نتشاور فيما بيننا.
تركوا لنا فرصة لا أدري يومين أو ثلاثة أيام، اجتمعنا خلالها نستشف آراء بعضنا البعض وإذا بنا نفاجأ بمجموعة صغيرة داخلنا تتبني استسلاماً كاملاً وتريد إقناعنا بأنه ليس أمامنا إلا التسليم بما يراه الرئيس جمال عبدالناصر وبتوجيهاته التي نقلت إلينا وإلا فماذا بوسعنا أن نعمل؟ لسنا قادرين أن نقف علي أقدامنا بدونهم إذا نحن تحديناهم، نحن نعرف ظروفنا وقدراتنا فبدون الوجود المصري لا نستطيع أن نعمل شيئًا، ولهذا ليس أمامنا إلا الموافقة علي هذا أو المواجهة إذا تراجعوا عنا.
وكنت أول من حمل عليهم قبل القاضي عبد الرحمن الإرياني، وقلت لا يمكن أن نقبل هذا الرأي وهذا التوجيه أبداً، ونحن علي استعداد للاستماتة والدفاع عن الجمهورية فإذا أصر المصريون علي موقفهم وانسحبوا فسنعمل ونعمل ونقاتل في الجبال والوديان وحتي في شوارع صنعاء، وسنقاتل وسط صنعاء حتي بالجنابي، ورفعت جنبيتي. فشد هذا الموقف القاضي الإرياني الذي رد عليهم أيضاً حتي أسكتناهم، وفي اليوم الثاني اتصل القاضي عبد الرحمن الإرياني بالفريق حسن العمري حيث كان السلال قد أصبح مجمداً والعمري هو الذي يسير الأمور في صنعاء بعد أن أنضم إلي صفنا ضد السلال.
وفي اليوم الثالث وصلت إلي حرض طائرة تقل الفريق العمري وبعض الضباط والمشائخ والمسؤولين، واتفقنا علي هذا الرأي والتقينا باللجنة العربية حسب الموعد وأبلغناهم بموقفنا، لم نبلغهم بالتهديدات، لكن القاضي رد عليهم ببرود وحكمة ونحن سكتنا، قام الوفد المصري بإبلاغ عبد الناصر بهذا الموقف ولم يمض أكثر من يومين أو ثلاثة أيام إلا وعبد الحكيم عامر يعلن في تصريح بثته الإذاعة أن القوات المصرية ستبقي في اليمن عشرين سنه، وأبلغوا الجانب السعودي بالموقف الجمهوري، وانتهي المؤتمر ونحن لا زلنا في حرض، وكأنهم كانوا يجسون نبضنا لأنهم اعتبروا أن الذين حضروا مؤتمر حرض متفقين مع الذين حضروا مؤتمر الطائف. وفشل المؤتمر وعدنا نتقاتل في كل جبل وبقينا في ميدان المعركة العسكرية، وبعد فترة
عاد السلال حيث كان مجمدا في القاهرة.

القاهرة تعتقل الحكومة اليمنية!

بعد هذا الموقف من جانبنا وفشل مؤتمر حرض كنا علي يقين أن السعودية لا بد أن تشد أزر الملكيين وتدعمهم ولا بد أن نستعد لذلك، سافر الفريق العمري مع وفد إلي مصر ليلتقي بمسؤولين روس كانوا في زيارة للقاهرة، ليطلب منهم سلاحًا وإذا بالمصريين يقنعون السوفييت أن لا يعطونا شيئاً إلا عن طريقهم ولهذا حصل بيننا وبين المصريين خلاف كبير، وكان الفريق العمري مستاءً جداً من الموقف المصري، فقالوا: إن هذا ليس أداتنا وليس أمامنا إلا السلال واتخذوا قراراً بإعادته ووصل السلال من القاهرة يوم 21 آب (اغسطس) 1966م ودخل صنعاء من المطار بحراسة دبابات وقوات مصرية، وكنا متضامنين مع الفريق العمري ونحن الذي واجهنا الموقف في مؤتمر حرض واخترنا هذا الخيار، ورفضنا التعاون مع السلال وعقدنا مؤتمرات صغيرة في صنعاء، ورأي القاضي الإرياني وآخرون أنه لا بد من التحرك واتخاذ إجراءات مناسبة، فقرر القاضي السفر إلي مصر للالتقاء بالرئيس عبد الناصر والتفاهم معه حول الوضع والظروف ونجح في إقناع الجميع للسفر، بينما كان الفريق العمري غير راض عن هذا.
وبالنسبة لي لم أكن راضياً عن هذا، وقلت لهم أخرجوا الي مدينة خمر لنقيم جمهورية هناك، أو تفرقوا بين القبائل، والشيخ علي بن ناجي القوسي قال: نحن في الحداء مستعدين نستضيف ونحمي الثوار، فرفض القاضي هذا وذاك وأصر علي السفر للقاهرة لإحراج عبد الناصر دولياً.
سافر القاضي والنعمان والفريق العمري الذي لم يسافر إلا مكرهاً وكان يتوقع شراً، وحصل ما حصل ولم تحرج الجمهورية العربية المتحدة ولم يحرج عبد الناصر ولم يبالوا بشيء بل اعتقلوا الدولة بأكملها (دولة تعتقل دولة!) في 16/9/1966، اعتقالاً فظيعاً لأنها عاملتهم بعد أن اعتقلتهم معاملة مواطنيها المتهمين ولم تعاملهم حتي علي أنهم من مواطنيها السياسيين، مارست معهم التعذيبات، الحبس الانفرادي في زنزانات ومنعت اجتماعهم، أو وصول الصحف إليهم أو أي أخبار يسمعونها أو أي زائر يزورهم، ومارسوا معهم الأراجيف، والضغوط السياسيـة والإرهابية.
وهنا في صنعاء عملت قواتهم مثلما عملوا وزادوا من القتل والسحل والتعذيب كما ذكرنا،اعتقلوا القاضي عبد الله بن عبد الوهاب الشماحي من كبار العلماء، والقاضي ناصر الظرافي وكانوا يضربونهم واستعملوا معهم وسائل تعذيب بشعة حتي مع كبار السن، وفجروا بيت الأستاذ عبد الملك الطيب بالألغام في وضح النهار، ودخلوا البيوت ونهبوها، وعندما كان المصريون والسلال يهجمون علي الناس إلي بيوتهم لاعتقالهم كان الخائفون من الاعتقال يهربون إلي بيتي في حي الأبهر في صنعاء، وكنت أجمع ثلاثة أو أربعة منهم ليركبوا معي في سيارتي ومعي سيارة مرافقة فوقها رشاش وأخرج بهم من صنعاء وأوصلهم منطقة المعمر شمال صنعاء، ومجرد أن أصل نقاط التفتيش وسيارتي المرافقة فوقها رشاش يفكون نقاط التفتيش وأوصلهم إلي المعمر ثم أرجع إلي صنعاء وهكذا يومياً.
أول من خرج عبدالملك الطيب، وعبد الله الصيقل، ومعه علي الضبة وعلي الضحياني، والمشائخ كلهم، الشيخ أحمد علي المطري لم يستطع الخروج لأنهم كانوا يتآمرون عليه وجاءني وعملت معه مثل ما عملت معهم أركبته معي وأخرجته إلي بني مطر مسقط رأسه، وعلي أبولحوم أخرجته إلي منطقة خشم البكرة وعدداً كبيراً لا سيما من الضباط مثل عبد الكريم السكري، وحسين السكري، وأحمد الرحومي، وعلي بن علي الجائفي، وعبد الكريم المنصور، وصالح العريض، وعلي النعامي، وعتيق الحداء، وهاشم صدقة، وعبد الله الراعي، وحمود بيدر، ومحمد المطري، ومحمد مرغم، وغيرهم، أعتقد أكثر من عشرين ضابطاً من ضباط الثورة وعدد أقل من المدنيين أبرزهم عبد الملك الطيب.
وقد بقيت في صنعاء بسبب هؤلاء المستهدفين أدافع عمن أستطيع الدفاع عنه وكنت أتردد علي السلال والمصريين يومياً للدفاع عن المستهدفين من رجالات الجمهورية، وأثناء ذلك وصل عبد السلام صبرة من القاهرة وجاء إلي بيتي رأساً أرسله القاضي عبد الرحمن الإرياني وبعلم المصريين وصل إليَّ يحمل رسالة شفوية من القاضي الإرياني يخبرني أن الجماعة كلهم اعتقلوا في القاهرة ويشرح لي كيف قوبلوا هناك وكيف زجوا بهم جميعاً في السجن، ولم يسلم من الاعتقال إلا القاضي عبد الرحمن الإرياني وحسين الدفعي وعبد السلام صبرة الذين وضعوا تحت الإقامة الجبرية، ثم وصلتني رسالة أخري خطية من القاضي الإرياني يطلب مني أن نجمع الناس ونتخذ الإجراءات للضغط هنا من أجل الإفراج عن المعتقلين وأن جميع المعتقلين سيبقون في القاهرة ولايعتزمون العودة لليمن أو تحمل أي مسؤولية وأشار إلي موقف جزيلان والسلال المعارضين لإطلاق المعتقلين مستغرباً موقف السلال.
كانت رسالة القاضي بعد أسبوع أو أقل من دخولهم معتقلات عبدالناصر ولم نعلم بخبر اعتقالهم إلا من عبدالسلام صبرة حيث لم تكن هناك تلفزيونات وصحف وغيرها مثل اليوم، وبقيت هكذا أخرج الناس من صنعاء وأدافع عنهم ما استطعت، وأخرجت بعض الناس من الحبس، الرعيني لم يعتقلوه إلا بعد خروجنا من صنعاء رغم أني حذرته.

فترة خمر

كان أصحابنا يأتون إليّ يعاتبونني لماذا لا أخرج من صنعاء؟ قلت لهم: لن أخرج منها هرباً أبداً حتي يأتي الله بمبرر لخروجي، وقد قيض الله سبحانه وتعالي مبرراً لخروجي من المصريين حيث قرروا ضمن ما أسموه سياسة الانكماش سحب قواتهم من ريدة وعمران وذيفان وغيرها من المناطق الشمالية، فدعوني ذات ليلة إلي القيادة لمقابلة الفريق طلعت حسن قائد القوات المصرية فذهبت إليه فقال لي: جاءتنا أوامر من مصر بسحب قواتنا من المناطق الشمالية وأنا دعوتك لتتسلم المواقع قبل أن تسقط في أيدي الملكيين، قلت في نفسي ـ منك يا الله ـ وقال: عليك أن ترتب أمورك وتتحرك في الصباح إن شاء الله، قلت له: مرحباً أطمئن، نريد كذا وكذا، فحرر أوامر بطلباتنا حتي الفلوس والذخيرة، أخذت منه الأوامر وسلمتها للعميد يحيي كامل ليكمل المعاملة، ولم أكلم السلال خشية أن يثنيهم عن هذا الرأي.
خرجت من القيادة وأبلغت من كان من قبائل حاشد في صنعاء ومجاهد أبوشوارب كان يدرس في الكلية الحربية، فجاء إلينا في الليل، جمعنا السيارات وكان معي في البيت الكثير من البنادق والذخائر وأيضاً رشاشات وبوازيك، حملنا كل ما معنا في سيارات أصحابنا من قبيلة حاشد الموجودين في صنعاء وجمعنا أصحابنا من حاشد أكثر من مئة وخمسين تقريباً.
وفي الصباح ذهبت إلي السلال وقلت له: القائد المصري يطلب مني الخروج لاستلام المواقع التي انسحبوا منها وطلبنا منه جهاز لاسلكي وأعطاني هذه الورقة لتحول أنت فيها الجهاز لأنه لا يوجد معهم، لم يظهر لي الرئيس السلال شيئاً، ومجرد أن خرجت من عنده أرسل عبدالله جزيلان إلي القيادة المصرية، واتجهت فوراً ومعي أصحابنا من حاشد واتجهنا من بيتنا في الأبهر جميعا نحو القيادة فالطريق من ـ باب السباح ـ ودخلنا من الشارع المؤدي إلي القيادة، أصحابنا وقفوا بباب القيادة ودخلت ومعي أربعة أو خمسة من العسكر المرافقين، حيث كان يسمح لي بدخول المرافقين إلي باب المكتب، ثم دخلت علي القائد المصري ليصرف الفلوس والذخيرة التي حولها بالأمس، وإذا بجزيلان عنده ويبدو أنه كان قد بدأ معه الحديث لعرقلة خروجي، فكلفت شخصين لاستلام الفلوس والذخائر في تلك اللحظة واستلمنا كل شيء إلا جهاز اللاسلكي.
وقبل ذلك كان معي رجل كبير في السن اسمه حسن علي المحجاني همس في أذني قائلاً: اخرج يا ابني لا تبق هنا والله إني خائف يعملوا فيك مثل ديك رمضان، قلت له: ما له ديك رمضان يا عم حسن؟ قال: يخلوه (يتركوه) يوقظهم من النوم طوال رمضان ويوم العيد يذبحوه.
تحركنا من صنعاء قبل الظهر في موكب كبير ووصلنا ذيفان حيث لم يكن هناك طريق إلي عمران وكانت القوات المسلحة المصرية المنسحبة إلي جربان والجائف وإلي ذيفان قد سدت الطريق ولم نكن نمر إلا بمحاذاة الطريق حتي وصلنا ذيفان وآخر القوة المصرية هناك ومعهم العميد أحمد عبد الفتاح العيسوي قائد المناطق الشمالية وكان معنا أوامر إليه أن يترك لنا بعض الأشياء التي نحتاجها، ذهبت إليه وهو في خيمة فاعتذر قائلاً والله لم يعد لدينا شيء فقد حملنا كل ما معنا ولم أجيء أنا إلا راجلاً.
لم نغادر ذيفان إلا عند غروب الشمس لأن الطريق كانت مزدحمة ومسدودة علينا. وصلنا ريدة بعد المغرب وواصلنا المسير إلي خمر وكانت الطريق وعرة جداً.
وبعد أسبوع إذا بالقيادة المصرية يطلبون مني العودة إلي صنعاء قلت لهم: لا أستطيع فالمناطق التي انسحبتم منها ستفلت من أيدينا، لكنهم لم يقتنعوا وأصروا علي أن أعود إلي صنعاء واستمروا يرسلون الرسائل إلينا وكذا الرسول بعد الرسول من الضباط المصريين الذين كانت تربطني بهم علاقات طيبة كانت تقلهم طائرات هيلوكبتر إلي خمر، أذكر منهم العميد احمد حلمي، وبعد ذلك أرسلوا صالح بن ناجي الرويشان وبعده مطيع دماج وبعده الشيخ عبد الخالق الطلوع وغيرهم، وعندما يئسوا قصفونا بالطائرات، وإحدي الضربات كانت جوار بيت المشرقي إلي بيت الوادعي وضربت بيوتاً وقتلت أنفساً وأخري ضربت في الطريق جوار خمر وخلفت إصابات، وقالوا اعتبروها غلطة ما دروا أين ضربوا! تحملنا وضبطنا أنفسنا والتف الناس حولنا، جاءنا المشائخ الجمهوريون من كل مكان حتي ان الشيخ محمد الغشمي لم يتمكن من المجيء إلينا إلا هرباً وأقمنا جمهورية في خمر، ولم يكن هناك جيش منظم بل كان جيش الدفاع من حاشد هم المتواجدين في مدينة صعدة وحجة للدفاع عنها وحمايتها واستمروا فيها رغم أن السلال والمصريين قطعوا مرتباتهم وتمويلهم واستمررنا نمولهم بالطعام والمعاش من خمر وقد صبروا وتحملوا لشعورهم بالمسؤولية واقتنعوا بأن نعطيهم (30%) مما كانت الدولة تعطيهم من مرتبات، وكنا نرسل لهم طعاماً ودقيقاً من خمر، وبقينا نحافظ علي مدينتي حجة وصعدة خوفاً من أن تسقطا في أيدي الملكيين فهما من المدن الكبيرة. وبقينا في حجة ندافع عنها، وصعدة كانت تدور المعارك حولها وبقينا صامدين رغم الظروف الصعبة التي كنا نمر بها.
حاول الملكيون في هذه الفترة أن يحاورونا لكنهم لم يجدوا منا سوي الرفض، حتي أنهم أرسلوا لنا شنطة مليئة بالذهب مع الشيخ عبدالله حامس العوجري والسيد عبد القادر بن محمد من نجران، ووصلوا إلي منزلي في خمر بسيارة صالون أمريكية كانت تسمي عبلة، وجمعنا الناس حتي امتلأ بهم حوش المنزل من الضباط والمشائخ من حاشد وغيرهم وأخرجنا الذهب أمامهم ورديناها لهم ورفضنا أي مساومة، ونحن في أمس الحاجة، وفي هذه الفترة في خمر بعثنا عددًا من البرقيات لعبد الناصر وللقيادة في صنعاء من أجل المعتقلين في مصر واستمرت وفودهم أيضاً من أجل دخولي صنعاء، وأخيراً وبعد أن يئسوا وشعروا بالخطأ بعدما اتضح لهم موقف السلال الذي راهنوا عليه أبلغوني بأن القائد المصري طلعت حسن يرغب أن يلتقي بي شخصياً في أي مكان أريده ليبلغني ما جاء من عبد الناصر، وافقت علي ذلك، والتقينا بهم في منطقة جربان مفترق الطريق المؤدية إلي محافظة عمران ومعي قرابة أربعة آلاف رجل جاؤوا من كل مكان حتي من القبائل التي لم يكونوا معنا.. جمهوريون من عيال سريح وأرحب وغيرها خرجوا بموكب كبير جداً وملأوا الجبال بأكملها وكان آخر موقع للمصريين في ذلك الوقت في منطقة ضروان.
التقينا مع الفريق طلعت حسن قرب ضروان وجلسنا داخل سيارة وعدد من الإخوان محيطون بالسيارة وتعاتبنا وتفاهمنا وحملناه ما ينقل لعبد الناصر مركزين علي الزعماء والمسؤولين المعتقلين في مصر وأنه بعد أن يطلق سراحهم ويعودوا إلي صنعاء سوف ندخل صنعاء فوراً وتنتهي المقاطعة ويزول الإشكال وبدون ذلك ستظل الإشكالية قائمة.
عاد طلعت حسن بعد هذا اللقاء وقد تكون لديه انطباع يختلف تماماً عما كان عنده في السابق، وأبلغ عبد الناصر أن الناس كلهم ضد السلال، وأن الناس مع عبدالله بن حسين الأحمر ومن معه، فالشعب كله اختلف مع السلال وجماعته، طلبوا جزيلان بعد ذلك إلي مصر، ولم يعد إلي اليوم، وكأنه كان هو المتحمس أكثر من السلال، وقد أوفي طلعت حسن بما اتفقنا عليه مثل إعادة التمويل والمعاشات التي كانت مقطوعة للمرابطين في صعدة وحجة وشيء من مستحقات الماضي، والسجناء الذين كنا نطالب بإطلاق سراحهم وآخرين بعودة معاشاتهم وقضايا أخري




حصار السبعين يوماً

منذ قيام الحركة في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) إلي 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 67م ، وأنا شخصياً في عمل متواصل، فقد حملت علي عاتقي العبء الثقيل وهو الترتيبات العسكرية للحفاظ علي صنعاء وعلي الطرق المؤدية إليها ، وكنت قد رافقت آخر قائد مصري راحل عن اليمن وهو القائد عبد القادر حسن إلي ميناء الحديدة، ثم عدت من الحديدة وباشرت العمل من باب الناقة إلي صنعاء بوضع الترتيبات لحماية الطريق وأخذت التعهدات من المشائخ واعتماد معاشات بنظرهم للعسكر من أصحابهم حتي ضمنت هذه الطريق في البداية واطمئننت أني قد نجحت فيها، وإذا بها تختل من بني مطر حيث تنقطع الطريق من سوق بوعان إلي الصباحة، أما من سوق بوعان إلي الحيمة وإلي حراز وإلي الحديدة فقد ظلت الطريق مفتوحة إلي نهاية الحصار.
كان الخلل من بني مطر، وكذلك الحال بالنسبة لطريق تعز فقد أخذنا الضمانات من أجل حمايتها ورتبنا المواقع حتي بدأت الحرب وإذا بالمناطق تتساقط موقعاً تلو آخر كما تتساقط الأوراق، وخذلونا حتي من كنا نثق بهم من قبائل سنحان وبلاد الروس، حيث قطعوا الطريق وحدثت أهم معركة في شعسان وجبل حروة الذي كان أصحابنا ـ حاشد ـ متمركزين فيه، وهو أخطر جبل في جهة خولان بالنسبة لسنحان ونقيل يسلح بالنسبة لبلاد الروس.
دافعنا عن هذه المناطق وقاتل رجالنا فيها باستماتة وسقط فيها شخصيات كبيرة وبارزة.
كما أن السوريين كانوا يشاركون بالطائرات وقاتلوا معنا بأنفسهم وأيضا طيارون روس مع أن السفارة الروسية أغلقت بصنعاء، والمصريون انسحبوا لأنهم رأوا أن صنعاء سوف تسقط، ولم يتبق إلا السفارتان السورية والصينية وهما اللتان ثبتتا معنا داخل صنعاء، بينما انتقل الآخرون إلي تعز، أو غادروا اليمن.

أحداث أغسطس 1968

لم يمض أسبوع تقريباً منذ عودتنا من الحديدة مع الشيخ هادي عيطان والمشائخ الذين انضموا للجمهورية، حتي انفجر الموقف في الداخل بين عبدالرقيب عبد الوهاب رئيس الأركان ومحمد صالح فرحان قائد سلاح المشاة وحمود ناجي قائد المظلات وعلي مثني جبران قائد المدفعية من جهة والفريق حسن العمري القائد العام ومن معه من الجهة الثانية.
وبدأت الشرارة الأولي للمواجهة عندما قام الفريق العمري باعتقال علي مثني جبران قائد المدفعية، وخرجت أنا والقاضي عبدالسلام صبرة إلي المطار الجنوبي الذي أصبح ميدان السبعين حيث كانت ترابط فيه قوات المدفعية لأنني كنت مرابطًا هناك، وكان لا يزال من أصحابنا من حاشد مجموعة قليلة في المطار لطمأنتهم ولنقول لهم إن علي مثني سوف يخرج، وقبل أن أصل إليهم لاأدري من نبهني وقال لي: لا تذهب أنت بل سوف نذهب نحن مع القاضي عبدالسلام صبرة إليهم وأنت انتظر هنا في أسفل المطار، وصلوا إليهم وهم في حالة غضب وتوتر شديدين فلم يخرجوا معهم بنتيجة، بعدها حاول مجاهد ومجموعة من المسؤولين (حسين الدفعي، حسن مكي، ومحسن العيني) وساروا لعبد الرقيب في العرضي وحصل بينهم ما حصل من الخلاف، ولم يخرج مجاهد إلا هرباً من مكتب عبد الرقيب بعد أن قفز من شباك المكتب والآخرون اعتقلوهم. ورجع مجاهد إلي عندي وما وصل إلا وهم يضربون بالمدافع من العرضي وأول ما ضربوا بيتي الذي في الأبهر وبعده بيت عمي سنان أبو لحوم وغيرها من البيوت،كما خربوا بيت القاضي عبد الله اليدومي المجاور لنا ولا يزال إلي الآن .
حزمنا أمورنا بسرعة وجمعنا حاشد المتواجدين في صنعاء وبجانبنا العقيد علي أبو لحوم وأصحابه وشاركوا معنا مشاركة فعالة وجهزناهم ورتبناهم لحماية قصر السلاح والإذاعة وسور صنعاء. وأحمد شايف القديمي ومجموعة استلموا السور والبيوت المجاورة للدائر (السور) في بستان شارب وباب اليمن وغيره إلي السائلة. وبعدها البيوت، بيت زبارة وفندق المخاء، ولم تكن هناك عمارات كثيرة وأرسلنا مجموعة للإذاعة ودارت معركة حامية الوطيس استمرت ثلاثة أيام تقريباً، وإذا بالفريق العمري عندما سمع المدافع يتصل بي هاتفيٌا يطلب وقف الحرب قلت له: لقد قلت لك من قبل تدارك الأمور لا تفجر الموقف معهم.
وكان مما زاد من غضبهم ودفعهم للمواجهة ما وصلهم من العمري عندما كان البعض يقولون له إنهم سوف يفجرون الموقف فكان يرد عليهم مستهزئاً بعبد الرقيب وجماعته قائلاً: لن يفعلوا شيئاً إنهم أضعف وأعجز من أن يعملوا شيئاً وكان يطلق عليهم عبارات بذيئة. قلنا له: أما الآن ليس هناك وقف للحرب يا فندم كان ينبغي عليك أن تتدارك الأمور قبل أما الآن فإن الموقف علينا.
وأثناء الثلاثة الأيام الأولي للحرب تقدم الملكيون المحيطون بصنعاء بقيادة قاسم منصر قبل قصة انضمامه للجمهوريين وهجموا علي جبل نقم من شرق العاصمة فاستنجد بنا الجنود الذين كانوا في جبل نقم من أصحاب عبدالرقيب فتواصلنا بالتلفون مع عبد الرقيب وطلبة الكلية الحربية والتقينا واتفقنا علي وقف الحرب بيننا وإرسال مجموعة للدفاع عن نقم،وهم علي حميد جليدان ومجموعة من حاشد وعبد الرقيب ومجموعة من الصاعقة والمظلات صدوا هجوم الملكيين علي جبل نقم واستمروا في معركتهم مع الملكيين حتي هزموهم وأبعدوهم من جبل نقم عند طلوع الشمس، وبعدها رجع كل إلي موقعه وعادت الحرب بيننا من جديد، وقد قتل في هذه المعركة المؤسفة خلال الثلاثة الأيام أكثر من الذين قتلوا في حصار السبعين بأضعاف مضاعفة، ففي أحد المساجد في صنعاء القديمة قتل اثنان وسبعون رجلاً بدانات الهاون وهم يؤدون صلاة الظهر عندما قصفوا المسجد.
كانت هذه المواجهة بين الجمهوريين واليساريين الذين كانوا يستهدفون اليمن بأكملها وحاولوا قلب نظام الحكم والاستيلاء علي صنعاء لينسقوا مع الجبهة القومية الحاكمة في عدن حيث كان قد مرت سنة علي استقلال الجنوب واستيلاء الجبهة علي الحكم وهناك اتصالات وتنسيق سابق بينهم !! وهذا ما حصل في آب (أغسطس) بإيجاز، حيث كانت الحرب بين القوي اليسارية والجمهوريين وانتصر فيها الصف الجمهوري.

هروب الإمام البدر

بعد أن خسر الملكيون آخر مواقعهم في بعض مناطق سنحان وبلاد الروس عادوا مرة أخري بقيادة الإمام البدر نفسه بعد أن تلقي دعماً وتمويلاً من المملكة علي أساس يحتل مدينة حجة وإذا استعادوا حجة فبإمكانهم أن يستعيدوا المناطق التي خرجوا منها.
خرج البدر ليستقر في المحابشة وتوافد عليه الناس من هنا وهناك وكان الأخ عبد الوهاب الشهاري رحمه الله الذي عمل معي من أول الثورة هو همزة الوصل بيننا وبين تلك المناطق لأن المحابشة منطقته وكان يعلم أيضاً أن البدر من عناصر بيت حميد الدين السلميين وكلنا نفهم هذا. قام بزيارة البدر إلي مقر إقامته فوق المحابشة وقال له: أنا مرسل من الشيخ عبدالله إليك يقول لك أنه يعلم أنك رجل عظيم ورجل سلم فإذا لديك الرغبة بالخروج من اليمن أو أي شيء ترغب فيه فسوف يضمنه لك. فقال البدر: أريد رسالة من القاضي عبد الرحمن الإرياني والتزامًا وعهدًا من الشيخ عبدالله أنهم لا يخدعوني وأريد طائرة تقلني من عبس أقرب منطقة إلي خارج اليمن لكن بصورة سريعة فالناس يدفعوني دفعاً نحو حجة والمناطق المجاورة لها وأنا مضطر للاستجابة لمطالبهم.
جاء عبد الوهاب إلينا وأخذ منا الرسالة والالتزام والعهد وعاد للبدر لكنه لم يصل هناك إلا وقد تحرك البدر نحو حجة فقال له البدر: لقد تأخرت قليلاً ولم أستطع أن أقنع الناس فدفعوني للزحف علي حجة. وقد بعث إلينا برسالة للتثبيط يؤكد فيها رغبته في الصلاح وجمع الشمل.
طوق البدر ومن معه علي حجة وكان المحافظون عليها ـ من أول الثورة ـ هم رجال حاشد سواءً قبل الحصار أو بعده حتي في أيام المصريين كان يوجد في حجة أثناء حصار الملكيين لها جيش من حاشد بقيادة حمود عاطف وعلي صلاح ومعه سرية أو سريتان من لواء الوحدة والمحافظ محمد عبدالله الكحلاني وهو قائد محنك وشجاع، اجتمع هؤلاء القادة الثلاثة ورتبوا أوضاعهم واستعدوا للصمود والدفاع عن المدينة وتوزعوا وتولي كل واحد منهم مسؤولية الدفاع عن جهة من جهات المدينة وحفر كل واحد منهم قبره في مترسه، فلما ضاق الخناق واشتد عليهم جهزنا العميد مجاهد مع قوم من حاشد لفك الحصار علي المدينة، وأنا خرجت بقوم طريق ثلاء وشبام وكوكبان لمناوشة الأمير علي بن إبراهيم الذي كان في الطويلة حتي لا يقطعوا الطريق علي مجاهد ويحولوا بينه وبين الوصول إلي حجة، وفعلاً ظنوا أنني متقدم في اتجاههم فتوقفوا استعداداً للمواجهة معي ومجاهد تحرك حتي وصل منطقة كحلان ليواصل توجهه إلي حجة وكان أمامه حصن جرع وهو حصن مهم بالنسبة للطريق وكان فيه السيد محمد عبدالله أبو منصر قائد قوات الملكية والذي وصله الخبر أن مجاهد وصل بقوم علي كحلان متوجهاً إلي حجة فاتصل به بالجهاز الذي كان يستخدمه الجنود أين ستتجه؟ قال مجاهد: حجة
قال: ومن أين ستمر؟
قال مجاهد: من أي مكان المهم أنا متجه إلي حجة.
قال: بعيد عليك حجة تجاهك رجال.
قال: ونحن رجال.
واستمر الكلام بينهم لينتهي بالتهديد والسباب، حيث قال السيد محمد عبدالله أبو منصر لمجاهد: إذا وصلت حجة من فوقنا فأنا كذا وكذا؟! ورد عليه مجاهد بكلام أشد منه. وفي الليل جهز مجاهد القوم وهجموا علي الحصن وطردوا أصحابه واحتلوا تلك الجبال وتسهَّلت لهم الأمور ونزلوا حجة وفكوا الحصار عنا وعاد البدر إلي المحابشة لفترة ثم خرج من المحابشة إلي المملكة العربية السعودية وقد بعث إلينا محافظ حجة محمد عبدالله الكحلاني برسالة حول خروجهم.

البرلمان والدستور الدائم

كان تشكيل مجلس وطني أو مجلس شوري أو نيابي هو هاجس الرعيل الأول من الوطنيين من قبل الثورة، وعندما قامت الثورة كان من أهم المطالب التي كان يطرحها ويطمح لها الشعب ورجال الدولة هو تشكيل المجلس الوطني.
وقد تكون مجلس شوري في السنوات الأولي للجمهورية، وكان مقره بيتاً مع ساحته من بيوت أسرة بيت حميد الدين في شارع 26 سبتمبر، وبنيت القاعة في نفس المكان الحالي للمجلس وكان ذلك عام 1964 تقريبا، واشرف علي بناء القاعة الأستاذ أحمد محمد نعمان الذي ترأس ذلك المجلس ويعد ذلك المجلس نواة للمجلس الوطني فيما بعد.
وقبله كان قد تم تشكيل مجلس الشيوخ، وهو أقل منه شأناً واقل صلاحية وأكثر عددا وكان نواة أيضاً للمجلس الذي كنا نطمح إليه ومجلس الشيوخ لم يعمر طويلاً. ولم يتخذ أي مهام وهكذا فتكوين المجلس الوطني لم يأت من فراغ و إنما كان امتدادًا لما كان قبله، فعندما خرجنا منتصرين من حصار صنعاء سنة 1968م، وأعلنت بعض القبائل التي كانت مناوئة للنظام الجمهوري ولاءها ولم يبق إلا مناطق قليلة في الشمال والشمال الغربي والشرقي وبعض مناطق الجوف، رأي القاضي عبد الرحمن الإرياني والقيادة السياسية ورجالات الدولة أنه أصبح من الضروري تشكيل مجلس وطنـي لتكتمل بنية الدولة ومؤسساتها فتم تشكيل المجلس الوطني من (45) شخصاً بالتعيين، وقد روعيت فيه حرية التمثيل للمناطق، والقوي والفئات الاجتماعية في اليمن فدخل في هذا المجلس عدد من العلماء والتجار والشباب والسياسيين والمثقفين والأغلبية من المشائخ البارزين والموالين للجمهورية من معظم مناطق اليمن، حتي المناطق التي لم تكن قد أصبحت خاضعة للدولة، تم تمثيلها بالمشائخ الذين كانوا موجودين في صنعاء وكانوا مؤيدين للثورة ومدافعين عنها منذ قيامها.
وأستطيع أن أقول إن أعضاء المجلس كانوا نخبة اليمن ومنذ أن تشكل المجلس كان من أفضل وأدق ما يكون، واجتمع المجلس لأول مرة في آذار (مارس) 1969 وحضر الجلسة الافتتاحية القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري وهو رائد الديمقراطية وكبار رجال الدولة وكان المجلس يضم بعض ضباط القوات المسلحة والأمن. وفي الجلسة الافتتاحية ترأس الجلسة الأولي أكبر الأعضاء سناً وهو السيد العلامة العظيم عبد القادر بن عبدالله، وكان أكبر الموجودين سناً وفضلاً وعلماً لإدارة الجلسة كما هي العادة، وفتح باب الترشيح لرئاسة المجلس وقد ترشحت لرئاسة المجلس وترشح غيري، ولم أعد أتذكر كم كان عدد المرشحين، وقرأ رئيس الجلسة أسماء المرشحين وتم التصويت، حيث صوتوا بالإجماع علي انتخابي رئيساً للمجلس وبعدها تم انتخاب النواب ـ أعتقد كان الأستاذ محمد الخادم الوجيه وربما شخص آخر ـ وأمين عام للمجلس ـ محمد سعيد قباطي ووضعنا لنا لائحة داخلية لنظام عمل المجلس، وقد بعث إلينا الأستاذ أحمد محمد نعمان رسالة تهنئة بالمناسبة يشرح فيها سعادته بذلك وأن تكوين المجلس هو استجابة لمطالب الأحرار ورجالات اليمن.
وقبل تعيين المجلس الوطني كان هناك دستور مؤقت وهو دستور مؤتمر خمر كان معمولاً به وتكوين المجلس و إجراءاته تمت طبقاً للدستور والقوانين التي كانت سائدة.
وقد قام المجلس الوطني بمسؤولية كبيرة ودور عظيم، لأن الشعور بالمسؤولية كان موجوداً في ذلك الوقت عند جميع رجال الدولة، وحتي عند الموظف العادي وأفراد الشعب، كانت هناك نزاهة وصدق وكانت أي مؤسسة أو شخص يكلف بمسؤولية معينة كان يؤديها بأمانة وصدق وبحماس وإيجابية ونزاهة، وكان للقاضي الإرياني رحمه الله والقيادة دور في ذلك حيث كان حريصاً علي المجلس وقراراته، وأهم منجزات المجلس هو إعداد الدستور الدائم الذي استمدت مواده من الشريعة الإسلامية والقرآن والسنة وهو مفخرة للمجلس الوطني ومفخرة لليمن، وقد أعدته شخصيات يمنية من العلماء والقانونيين وتلقينا الرسائل والملاحظات الكثيرة منهم علي ذلك، حتي المفكر والأديب أحمد محمد الشامي بعث إلينا برسالة حول الدستور وما ينبغي أن يكون عليه واستعنا بالقاضي عبد الرزاق السنهوري لإبداء بعض الملاحظات الفنية فقط وقد أبدي السنهوري إعجاباً كبيراً بالجهد الذي بذله اليمنيون لإعداد ذلك الدستور.
كما قام المجلس بسن قوانين كثيرة ـ بعضها كانت تأتي المجلس كمشاريع من الحكومة والأخري كان أعضاء المجلس يتولون صياغتها و إعدادها، وقد ظلت هذه القوانين هي المعمول بها لفترة طويلة.
كما كان من أعمال المجلس أيضاً الرقابة علي أعمال الحكومة، فبالرغم من أن المجلس كان معيناً إلا أنه كان يؤدي دوره كمجلس منتخب وكانت الحكومة متجاوبة وخاضعة للرقابة بشكل كامل وأفضل مما بعد بكثير جداً جداً، لقد كان هناك شعور بالتكامل بين أجهزة الدولة المختلفة بدءًا بالمجلس الجمهوري ومجلس الوزراء والمجلس الوطني حتي المؤسسة العسكرية كان الجميع شركاء في كل المهام وكان همّ الجميع هو حماية الثورة ودعمها وترسيخ الأمن والاستقرار في البلاد.
وفعلاً كان هناك أمن واستقرار في المناطق الخاضعة للدولة لم يوجد له نظير. كانت أحكام الشريعة الإسلامية تنفذ في كل الجرائم، قطع يد السارق وجلد السكران والزاني كان يتم علناً في الميادين وتذاع هذه الأحكام، أما أحكام القصاص الشرعي فقد كانت تنفذ دون تأخير، وكان يلقي القبض علي القاتل في أسرع وقت ممكن ويسجن ويطبق عليه الحكم الشرعي، وكان يقبض علي المرتكب للجرائم الأخري في الوقت الذي كانت المجالات مفتوحة للهروب وكان المواطنون يؤدون زكاة أموالهم بكل صدق وأمانة من تلقاء أنفسهم، لكن لأن الشعور بالمسؤولية لدي العسكري والضابط والشيخ والمواطن فقد كان يلقي القبض علي المجرمين فوراً، وبرغم أن السرقة كانت قليلة جداً لكن نفذت أحكام الحدود في عدد كبير في تلك السنوات. ولم توجد أحداث التقطعات لا في المناطق الجمهورية ولا الملكية.
أدي المجلس دوره بحماس وإيجابية، وعندما تم إضافة عدد كبير من الشخصيات الملكية بعد المصالحة الوطنية عمت الفرحة والسرور والغبطة أعضاء المجلس واستقبلوهم بصدور مفتوحة ومشاعر فياضة، و بهم اكتملت لحمة الشعب وترسخت وحدته، ووجودهم كان يعتبر تكملة لترسيخ وجود الدولة وبسط نفوذها، وكان الأشخاص الذين دخلوا للمجلس من مشائخ القبائل التي كانت غير خاضعة للجمهورية علي مستوي عالٍ من المسؤولية لا يقلون عن الموجودين في المجلس منذ بداية تشكيلة.

المصالحة واعتراف السعودية بالجمهورية

بعد خروج المصريين من اليمن وفشل الملكيين في إسقاط صنعاء وهزائمهم المتوالية في المناطق التي كانوا يسيطرون عليها وآخرها حجة وصعدة، يئس السعوديون من إمكانية عودة الملكية، فتفاهموا مع مجموعة من المعارضين ـ وهم شخصيات جمهورية وبعض الملكيين ـ علي مشروع حل للخروج من الأزمة يتم التفاهم بشأنه مع حكومة صنعاء، وجاء بهذا المشروع الأستاذ محمد أحمد نعمان (الابن) إلي صنعاء في الأشهر الأخيرة من سنة 69م. وعلي أساس أن تكون أول خطوة للخروج من الأزمة أن يلتقي وفد ملكي وآخر جمهوري في أثينا، وعرض النعمان (الابن) هذا المشروع علي القيادة السياسية وعلي رأسهم القاضي عبد الرحمن الإرياني، الذي قال للأستاذ محمد أحمد نعمان وكنت معه: اذهبوا واجتمعوا مع الضباط والشباب واعرضوا عليهم المشروع.
و اجتمعنا في نادي الضباط القديم الذي بجانب دار السعادة ـ التوجيه المعنوي حالياً ـ وعندما عرض الأستاذ محمد نعمان المشروع غضب بعض الضباط وهجم حسين الدفعي وزيد دماج علي الأستاذ محمد أحمد النعمان ومعه عبدالكريم الكتف وعلي العاضي، فعملت علي فك الاشتباك وإخراج الأستاذ من الاجتماع وإنقاذ النعمان من هؤلاء، وعاد النعمان خائباً وسافر إلي بيروت التي كان قد استقر فيها عدد من الملكيين والجمهوريين المعارضين ومنهم والده الأستاذ أحمد محمد نعمان. بعدها بحوالي شهرين تقريباً تلقيت دعوة رسمية لزيارة العراق بعد ثورة البعث فيها، فتوجهت علي رأس وفد كبير من أعضاء المجلس الوطني ولم تكن الرحلات الجوية آنذاك مباشرة إلي بغداد حيث توجهت إلي القاهرة ومن القاهرة إلي بيروت التي مكثنا فيها حوالي ثلاثة أيام إذ كان موعد الوصول إلي بغداد لا يزال متأخرا بعض الوقت وفي بيروت التف حولي الإخوة الملكيون والجمهوريون الذين كانوا متواجدين هناك وعلي رأسهم الأستاذ أحمد محمد نعمان ومن الملكيين أحمد محمد الشامي ويحيي المضواحي وأحمد الباشا والإخوان من بيت الوزير.
قالوا لي: أنت الذي تستطيع أن تتبني مشروع الحل فلا أحد سوف يزايد عليك ولا يستطيع أحد أن يهددك والمسؤولون في المملكة مهيأون للقبول بالحل وجمعوني بالعقيد علي الشاعر الذي كان ملحقاً عسكرياً للمملكة في بيروت. اجتمعنا به واتصل بالأمير سلطان وكلمه بالموضوع، فوافق الأمير سلطان علي أي حل تقترحه هذه المجموعة لأنه كان متفاهمًا معهم، وهؤلاء قد أصبحوا لا ملكيين ولا جمهوريين ـ فلا الملكي متشدد ولا الجمهوري متشدد فهو موافق علي كل الحلول.
سافرت العراق ثم رجعت عن طريق بيروت ولم أعد إليهم إلا وقد وصلتهم التعليمات من الأمير سلطان بالموافقة علي لقاء يتم بعد شهر ونصف بين وفد من الجمهوريين ووفد من الملكيين في حرض أو جيزان أو أي مدينه حدودية يمنية أو سعودية علي أن تتوقف الحرب التي لم تعد آنذاك إلا في حجة وصعدة فقط وإنهم سوف يصدرون تعليماتهم للملكيين بوقف الحرب وعدم الهجوم أو احتلال أي منطقة أو شبر واحد علي أن نلتزم نحن بمثل ذلك، وقد التزمت أنا بهذا والتزموا به وحددنا موعداً بعد شهر ونصف للقاء وفد من الملكيين والجمهوريين للاتفاق علي المصالحة.
وغادرت بيروت أحمل هذا الحل، ودخلت القاهرة ومعي أعضاء الوفد في أواخر شهر كانون الاول (ديسمبر) 1969م قبل عيد الأضحي بيومين أو ثلاثة نقضيها في القاهرة ونعود إلي اليمن بعد العيد لكننا لم نصل القاهرة إلا والبرقيات من القاضي الإرياني عبر سفارتنا في القاهرة ـ تجاهنا ـ عجّل بالوصول فغادرت القاهرة يوم 9 ذي الحجة، بطائرة مصرية ـ ولم أصل إلي مطار صنعاء إلا والقاضي عبد السلام صبرة نائب رئيس الوزراء ينتظرني عند سلم الطائرة، وقابلني بوجه مكفهر جداً، سألته: مالك ؟ هل هناك شيء؟ قال: صعدة سقطت.
لقد سافرت العراق والفريق العمري سافر مصر لزيارة عائلته في القاهرة وقضاء إجازة العيد معهم ونحن مطمئنون فالوضع كان مستتباً في صعدة بعد أن استلم الجيش المواقع التي كانت بقيادة مجاهد والجيش الشعبي من حاشد ولا أدري كيف فكر بعض الضباط وسحبوا القوات المسلحة بالرغم من أنه لم يكن هناك حرب سوي مناوشات بسيطة تعود عليها الجيش يومياً، لقد غادروا مواقعهم وتركوا حتـي بعض الدبابات التـي لـم يحـافظ عليهـا إلا الحـاج محمد صـوفان الذي كـان المسؤول المالـي للجيش في تلك المناطق، وكذلك ناصر طواف، والمجموعة القليلة التي كانت معه من حاشد.
وبعد انسحاب الجيش بيومين لم يكن الملكيون يتوقعون أي رد فعل أو هجوم فأنا بالعراق والعمري في مصر وقد سجل ذلك محمد الذهباني في قصيدته الشعبية المشهورة:
سقطت صعدة علي العمداء
بعدما سالت دماء الشهداء
والشيوخ والجيش والعقداء
بالألوف لا إله إلا الله
وقد شرح فيها الأمر إلي أن قال:
الفريق ســار يـزور مرتــه وابن الأحمر العــراق دعتـــه
سقطــت صعدة لا إلـه إلا اللـه
اتجهت مع القاضي عبد السلام صبرة فوراًً لمقابلة القاضي عبد الرحمن الإرياني وجاء الفريق العمري، وشرحت لهم ما تم في بيروت وأننا قد اتفقنا علي وقف الحرب وان لا يحتلوا أي منطقة أو حتي شبر واحد ونحن كذلك فقالوا الآن صعدة سقطت ! قلت وأين الجيش؟ قالوا: الجيش في بلاد سفيان وقد خرج من صنعاء من الضباط و المشائخ من يوقفهم هناك في الحرف والجبل الأسود والمدّرج.
قالت لهم: عليكم أن تحاولوا تنظيم الجيش وبقاءه في الحرف والمواقع التي هو فيها فنحن قد اتفقنا علي إيقاف الحرب ومحاولة استعادة صعدة معناها أن نخسر ما اتفقنا عليه وقد لا نستطيع استرجاعها بسهولة. قال القاضي الإرياني: لن نحاول استرجاعها أبداً واخرج ثبت القوم في أماكنهم.
بتُّ تلك الليلة في صنعاء وصليت العيد وخرجت مباشرة إلي خمر وصلت خمر. فهدأت الناس، ونزلت الحرف لتثبيت المواقع وطمأنتهم أنه ليس هناك عودة للحرب وعليهم أن يثبتوا في أماكنهم وتبين أنه عند سقوط صعدة لم تكن التعليمات قد وصلت للملكيين من السعودية، علي أساس أن وقف الحرب لا يتم إلا بعد أن أرجع اليمن حسب ما اتفقنا عليه، وبعد رجوعي إلي اليمن جاءتهم التعليمات ولم يعد هناك أي هجوم علي أي منطقة سواء من جانبنا أو جانبهم في صعدة أو غيرها.
وبينما نحن نفكر بوضع مشروع المصالحة والمدينة التي سنلتقي فيها إذا بالأقدار تتهيأ من أرحم الراحمين وذلك بإعلان منظمة المؤتمر الإسلامي بعقد مؤتمر لوزراء خارجية الدول الإسلامية في جدة في 26/3/1970، قلنا جاءت منك يا الله، اللقاء إذن هناك. توجه وفد رسمي برئاسة رئيس مجلس الـوزراء ووزير الخارجية محسن العينـي وأنا رئيس المجلس الوطنـي عضو في الوفد، فمن أجل اليمن ليست هناك حساسيات وقد بعث إلينا القاضي عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري رسالة يكلفنا فيها بالمشاركة في الوفد، ووصلنا إلي جدة ونحن دولة غير معترف بها وليس معنا سفارة في المملكة فلا تزال سفارة الملكية في جدة هي المعتمدة. وما وصلنا إلي المطار إلا وهم في استقبالنا مثل غيرنا من الوفود وأعلامنا فوق السيارة التي ستقلنا إلي قصر الضيافة الذي نزلت فيه جميع الوفود، ووصلنا قصر الضيافة وعلم الجمهورية العربية اليمنية مرفوع هناك، مثل غيره من الدول الإسلامية، وعندما أنهي المؤتمر جلساته، التقينا بالأمير سلطان ووزير الخارجية ومسؤولين آخرين. أما الملك فأظن أننا لم نقابله، واتفقنا علي الاعتراف بالجمهورية ولم تعد هناك مقاطعة، وعلي أن نعمل لهم ما يحفظ ماء الوجه وهو قبول عدد من العناصر البارزة من الجانب الملكي في أجهزة ومؤسسات الدولة الجمهورية بدءا من المجلس الجمهوري وما دونه من المؤسسات في الدولة. وتم تحديد الأعضاء المطلوب قبولهم في مؤسسات الدولة مثل: أحمد محمد الشامي عضواً في المجلس الجمهوري ومجموعة وزراء في الحكومة ومجموعه أعضاء من المشائخ في المجلس الوطني واثنين أو ثلاثة محافظين ومثلهم سفراء، اتفقنا علي هذا وحددنا الموعد ثلاثة أو أربعة أشهر، وعملنا بيننا وبينهم شفرة للتواصل و أعطانا الأمير سلطان جهازاً لاسلكياً للتواصل استلمه محسن العيني.
وعدنا لليمن بهذه النتيجة الطيبة التي تمت تحت قبة المؤتمر الإسلامي والتي أخرجت البلد مما كانت فيه من المأساة، وتكفل الأستاذ محسن العيني بالتوضيح للشباب المتحمسين وإقناعهم والفريق العمري تكفل بإقناع الضباط وأنا بإقناع العلماء والمشائخ ووضحنا لهم كل شيء.
وعند انتهاء المدة المحددة أبلغونا بوصول المجموعة الذين سيتم استيعابهم في أجهزة الدولة وعلي رأسهم السيد أحمد محمد الشامي ـ عن طريق جيزان وان الطائرة سوف تنقلهم من جيزان إلي عبس وعلينا أن نكون في استقبالهم في عبس وهذا الذي تم.
ذهبت أنا والشيخ سنان والمشائخ وبعض الضباط والمسؤولين، واستقبلنا القادمين من المملكة في عبس واتجهنا إلي الحُديدة ومن الحُديدة إلي صنعاء في 22 ايار (مايو) 1970. وفي نفس الليلة صدرت القرارات الجمهورية بتعيينهم.
واستتبت الأمور بعد المصالحة، وتحسنت العلاقة مع المملكة ولم يتشددوا علينا بعدها في أمر من الأمور، فقد اقتنعوا بان الملكيين لم يعودوا قادرين علي أي شيء وأن عودتهم أصبحت من المستحيل، كما اقتنعوا بأن المصريين الذين كانوا يقولون إنهم ما دعموا الملكيين وحاربوا الجمهورية إلا بسببهم قد ساروا وانتهي الوجود المصري في اليمن.
أما أمراء بيت حميد الدين الذين كانوا في الأطراف فقد سحبتهم المملكة واعتبرتهم لاجئين سياسيين، ولم يتبق إلا واحد من أولاد الحسين في الجوف ظل فترة ورفض أن يخرج وهم يطلبونه من السعودية وظل أهل الجوف يحمونه وقد استمر خمسة أو ستة أشهر بعد المصالحة ولمَّا يئس خرج براً. وقد وصلتني رسالة من القاضي عبد الله الحجري الذي كان سفيراً لبلادنا في الكويت يشرح لنا فيها كيف أن الإخوان في المملكة حريصون علي إنهاء المشكلة وأن الأمير سلطان بن عبدالعزيز قد اجتمع بأسرة حميد الدين وحذرهم من التدخل في شؤون اليمن بعد المصالحة.
بعد استكمال الترتيبات الجديدة تم تشكيل وفد برئاسة الفريق العمري وضم محسن العيني وأنا واحمد الشامي وعددًا كبيرًا من المشائخ والعلماء والوزراء وتوجهنا إلي جدة، وصلنا والبدر يسكن في بيت جوار دار الضيافة الذي أنزلونا فيه وقد سافر البدر في اليوم الثاني وغادر المملكة إلي لندن التي عاش فيها حتي توفاه الله والآخرون كفلتهم المملكة بعوائلهم ومن يرتبط بهم حتي اليوم.
التقينا في جدة بالملك فيصل وكبار المسؤولين في المملكة، وكانت السعودية قد أعلنت اعترافها بالجمهورية في نفس اليوم الذي وصلنا فيه جدة واتفقنا علي كل شيء. كان ذلك في 27/7/1970. وقال لنا الملك فيصل: نحن قد ساهمنا في تخلف اليمن وخرابه، أما الآن فنحن علي استعداد أن نساهم في عمران اليمن حتي لو تقاسمنا الرغيف نصفين لكننا لم نستغل هذا الاتجاه، لان القاضي عبد الرحمن الارياني رحمه الله ما استطاع أن يهضم السعوديين أو يبتلعهم وبسبب هذا العناد الذي كان عنده حرمنا أشياء كثيرة لمصلحة البلاد. بينما محسن العيني الذي لم يكن منفتحا مع السعوديين إلي حد بعيد كان عنده القابلية والاستعداد



الحلقة السابعة:
مذكرات الشيخ الأحمر: الرئاسة الثانية للبرلمان 1971 (7 ـ 10)
ــــــــــــــــــــ



انتخابات مجلس الشوري

بعد أن انتهت مدة المجلس الوطني المحدد بعامين من آذار (مارس) 1969 إلي آذار (مارس) 1971، جري انتخاب مجلس الشوري وتقسيم النواحي إلي دوائر انتخابية. وكانت بعض النواحي الصغيرة تدمج مع بعضها في دائرة واحدة، مثلاً في لواء حجة نواح ٍ صغيرة، في الشرفين ضمت ناحيتين وبعضها أكثر من دائرة واحدة، وكان مجموع الدوائر (159) دائرة منها (128) بالانتخاب والباقي بالتعيين بموجب الدستور الذي أعطي لرئيس الدولة حق تعيين 20% من أعضاء المجلس وكانت فكرة التعيين بتلك النسبة عظيمة لما يترتب علي التعيين من فرص لرفد المجلس بالعناصر الكفوءة المؤهلة.
انتخب أعضاء المجلس بالتزكية ـ انتخابات غير مباشرة ـ وهي طريقة سليمة جداً وقريبة إلي الطريقة الإسلامية ـ الطريقة الشوروية التي أقرها الإسلام طريقة أهل الحل والعقد، حيث تشكلت لجنة عليا للانتخابات وتألفت لجان فرعية تحت إشراف المحافظين ونزلوا إلي كل عزلة وكل قرية، وكانت قري كل عزلة تجتمع وتختار شخصاً يمثل العزلة، وكانوا يصوتون له بدون صناديق برفع الأيدي، وبعد أن يختار شخص من كل عزلة يجتمع هؤلاء إلي مركز الناحية ويختارون منهم شخصاً يكون عضو مجلس الشوري. وكان الاختيار معظمه يتم بالإجماع حيث كانوا يتنازلون لبعضهم البعض وإذا لم يتم الإجماع فبالأغلبية، وبعدها يجتمع هؤلاء المنتخبون من النواحي إلي اللواء ويعلن عنهم وبالنسبة لي فقد انتخبت عن دائرة من دوائر حاشد من لواء حجة (ظليمة).
كانت هناك مناطق سنة 1971 لا تزال غير خاضعة خضوعاً تاماً للجمهورية رغم أن الحرب قد انتهت والمملكة العربية السعودية قد اعترفت بالجمهورية لكنهم كانوا شبه متمردين في هذه المناطق فكان يجتمع المشائخ والأعيان في مركز المحافظة وينتخبون ممثلهم في المجلس، وعندما أُعلنت أسماء الأعضاء في المجلس تحدد يوم افتتاح المجلس.
وحضر الجلسة الافتتاحية رئيس المجلس الجمهوري وأعضاء المجلس ورئيس الوزراء والقادة. وفي هذه الجلسة كالمعتاد عين من يترأس الجلسة الأولي وهو أكبر الأعضاء سناً وكان شيخًا من صبر هو الشيخ أحمد عبدالغني سعيد أبو عبد الرحمن، ترأس الجلسة وبدأت الجلسة وبدأت طلبـات الترشيـح لرئاسة المجلـس ونوابه، رشحـت نفسـي لرئاسة المجلـس. وكما في المجلس الوطني حصلت في هذا المجلس علي أغلبية كبيرة (138 صوتاً من 159). وتم انتخاب نواب رئيس المجلس حيث حصل الأستاذ محمد الرباعي علي عدد كبير من الأصوات تلاه الأستاذ يوسف الشحاري الذي حصل علي أصوات أقل مما حصل عليها الرباعي. كما تم انتخاب الأستاذ عبد السلام خالد كرمان أمينًا عاماً للمجلس وكان القانون يعطي الأمين العام أن يكون شريكاً مع رئيس المجلس ونوابه في إدارة الجلسة ومن مكتب المجلس. كان معظم الفائزين في المجلس من المشائخ، كما ضم المجلس بعض العلماء والمثقفين والتجار والعسكريين بعضهم تم انتخابهم وبعضهم عينهم رئيس الدولة بموجب الدستور الذي أعطاه هذا الحق من أجل سد النقص بالكفاءات والمتخصصين والشخصيات الكبيرة.
قام مجلس الشوري بدوره خير قيام حيث كان يضم ـ كما كان المجلس الوطني ـ نخبة من أبناء المجتمع سواء الذين تم انتخابهم لمن هو اقدر وأفضل أو من تم تعيينهم من قبل رئيس المجلس الجمهوري وكان أهم عمل للمجلس إقراره للدستور الدائم الذي حصل حول مشروعه خلاف بيني وبين القاضي عبدالرحمن الإرياني حول بعض بنوده، فقد كانت بعض القوي اليسارية تضغط باتجاه جعل الدستور غير معبر عن إرادة الشعب، وقد بعث إلينا القاضي الإرياني رسالة يطمئننا فيها إلي أنه سوف لن يوافق علي شيء لا فائدة منه.
لم يثر انتخاب مجلس الشوري في اليمن اهتمام الدول المجاورة والدول العربية أو يؤثر علي علاقة اليمن بها حيث لم تكن الحساسية والدعايات الكاذبة موجودة في ذلك التاريخ كما هو اليوم، ولم تكن التدخلات الخارجية وتصدير الديمقراطية الغربية التي تصدرها أمريكا الآن إلي بلادنا وغيرها من البلدان موجودة وتستخدم للأغراض السياسية فقط. ولم يكن انتخاب مجلس الشوري تطبيقاً للديمقراطية الغربية فالذي كان يوجد فعلاً هو الديمقراطية اليمنية الإسلامية الحقيقية وهي أفضل من ديمقراطية اليوم وأصدق.
وكان هناك حس ديمقراطي لدي القيادة السياسية للدولة، والحقيقة أن القاضي عبد الرحمن كان بطبيعته وفكره ديمقراطياً، وكان هناك التزام وتطبيق للديمقراطية والفصل بين السلطات أكثر من اليوم.
وقد تمتعت اليمن في تلك الفترة لا سيما في البداية 1970 ـ 1971م بالأمن والاستقرار وكانت أفضل فـترة عاشتها اليمن وكـان الشعب يعيش فرحة ونشوة الأمن والاستقـرار والتئام الصف.

اليسار وبداية الخلاف
مع القاضي الارياني

كان الناس في خير وأمان إلي أن بزغ قرن الشيطان من عدن سنة 1972، وبدأت الخلافات مع الجنوب ومع التيارات اليسارية التي ظهرت من بين التراب بدعم وتشجيع النظام في عدن والأنظمة العربية الموالية لموسكو، ودخلت اليمن في مأساة ومحنة أعظم مما عشناه في سنوات الحرب مع الملكية.
ذلك العهد هو عهد مشؤوم ـ كما يقولون، فالزخم اليساري يكاد يكون هو السائد في المنطقة، مصر وسورية والعراق وليبيا وغيرها بدعم وتوجيه من الاتحاد السوفييتي الذي كان في أوج عنفوانه وسطوته، وأي قوي غير سائرة في هذا الفلك فهي قوي رجعية، فالمملكة العربية السعودية رجعية، والذين ليسوا في فلك اليسار عملاء، وكان المد لصالح التيار اليساري، ولم نكد نتمتع بالهدوء والراحة بعد اعتراف المملكة العربية السعودية حتي ظهر الشيطان، ودخلنا في محنة الشيوعية، وأتعبونا الذين كانوا داخل الشمال أكثر مما أتعبنا النظام الشيوعي الموجود في عدن ـ من خلال التمرد وأعمال التخريب التي كانوا يقومون بها.
وقد تمكنوا من التغلغل في أجهزة الدولة مثل وزارة الداخلية والإعلام والتربية وكل الوزارات وحتي في قيادة الجيش. وأصبحنا في جهاد ومعارك داخل الدولة وخارجها مع النظام الحاكم في عدن، مررنا بظروف صعبة جداً والقاضي الإرياني رحمه الله كان بداية الأمر صاحب موقف قوي من هذه التيارات وبعدها ضعف جداً أمام التيارات الهدامة لأن عناصرها الموجودة في أجهزة الدولة وجميع مؤسساتها أضعفوا من كان من حوله حتي من كان داخل بيته أضعفوه ـ كان تراخي القاضي وإتاحة الفرصة من قبله لهذه التيارات تعشعش وتفرخ وتقوي تحت مظلته هو أول الخلاف بيننا وبينه، وكان من نتائج هذا الخلاف تقديم القاضي عبد الرحمن الإرياني استقالته للمجلس الجمهوري أكثر من مرة، وكنا وكل الحريصين علي استقرار اليمن نتجاوز المعوقات وندعم استمرار القاضي الإرياني رغبة فيه لمكانته وورعه وزهده. وقد بعث إلينا برسالة يطلب فيها عدم ترشيحه للرئاسة وأنه لن يرشح نفسه و يعتبر القول بعدم وجود البديل انتقاصاً للشعب اليمني.
أما الأستاذ محسن العيني صاحب الفكر البعثي، فقد أصبح مرجعًا وعند القاضي الإرياني من أعقل الناس وكان متبنيا لذلك الفكر ومشجعًا للتيار ويقود التوجهات اليسارية وهو رأس الحكومة و أصبحنا في بعض الفترات في معركة حتي معه وكنا نواجهه ويهرب.
ووقف الحريصون علي هذا البلد ضد هذا التيار، وكان القاضي عبد الله الحجري الذي كان في ذلك الوقت سفيراً لبلادنا في دولة الكويت صاحب موقف معارض للتيارات اليسارية وهو ما جعل مجلس الشوري ـ الذي كان فيه عدد كبير ضد تصاعد هذا التيار ـ يستدعونه لانتخابه عضواً في المجلس الجمهوري لأنهم يعرفون صرامته وإيمانه برغم امتعاض القاضي الإرياني وغيره سواء في مجلس الوزراء أو حتي بعض أعضاء مجلس الشوري الذين كانوا يعارضون انتخابه عضواً في المجلس الجمهوري لكن الأغلبية كانوا مع ترشيحه.
وفعلاً كان وجوده في المجلس الجمهوري قوة ودعماً للصالحين والمصلحين لمواجهة التخريب والمخربين الأشرار ـ كما أن الشيخ محمد علي عثمان عضو المجلس الجمهوري كان ضد تصاعد هذا التيار، إنما لم يكن يواجه بقوة ـ كان يعارض ويرفض أشياء ثم يتوقف ـ أما القاضي عبد الله الحجري فكان صاحب مواجهة باستمرار.
لقد كنت المتصدي لهذا التيار وكان الحريصون علي البلد وعلي العقيدة ومواجهة هذا الهدم يتعاونون معي وأنا أتحمل أعباءهم وحمايتهم أيضاً.

معركة قصر السلاح ومقتل الشيخ أحمد العواضي


بدأت القصة حينما كان الشيخ أحمد عبد ربه العواضي في طريقه الي محافظة تعز وكان العواضي محافظا لها. وقد توقف قليلاً في بير عبيد في ضواحي العاصمة صنعاء وذلك لإصلاح إطارات سيارته. فمرت في الطريق العام سيارة تاكسي محملة بالركاب وقادمة من محافظة إب. ونتيجة لسرعة السيارة الأجرة فقد تطايرت الحجارة وأصابت العواضي إحداها في رأسه، فما كان من الحرس المرافق للمحافظ العواضي إلا إطلاق النيران علي السيارة ومن فيها.
وقد قتلوا من قتلوا وجرحوا من جرحوا، وأسعف القتلي والجرحي إلي المستشفي. وحينما وصل الشيخ أحمد العواضي إلي المستشفي أيضاً للمجارحة، حاول الأمن أن يقبض عليه لكنهم لم يتمكنوا، وعاد العواضي إلي منزله في ميدان التحرير. وقد كلفني الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني بأن أذهب إلي العواضي مع الشيخ أحمد علي المطري لكي نقنعه بأن يسلم نفسه للدولة. وقد رحنا وخرج في وجهنا إلي الحبس الإحتياطي التابع لوزارة الداخلية. وفي المساء تحركت قوات المدرعات لأخذه من الحبس الاحتياطي لأن أحد قتلي حادث السيارة الأجرة كان من ضباط المدرعات. حينها أمر الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني بنقل العواضي إلي سجن القلعة حفاظًا علي حياته. وفي القلعة حصل منه ما حصل من تمرد وقتل الأبرياء داخل السجن. وقد جاء المقدم محمد أبولحوم إلي رئيس الجمهورية وأبلغه بالوضع والتمرد فأطرق الرئيس برهة ثم تلا قوله تعالي (بلي من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته). وبدأ الجيش المحاصر لسجن القلعة بقصف المكان حتي وصلت القذائف إلي مخازن الأسلحة داخل سجن القلعة، فانفجر المكان بمن فيه محدثاً دويًا هائلاً وانتهي كل شيء.

الحرب مع الجنوب

بدأت الخلافات مع الجنوب قبل اندلاع الحرب في 22 ايلول (سبتمبر) 1972 بأشهر عندما تبنوا تصدير الثورة وشجعوا عناصرها وخلاياهم وعصابتهم داخل جهاز الدولة في الشمال وفي المناطق التي أشعلوا الحرب فيها وكانوا يمنّونهم بأن الأمور مهيأة لسيطرتهم علي البلاد.
وعندما انفجر الموقف بيننا وبينهم في ايلول (سبتمبر) 1972، كان موقفنا قوياً وصفنا لا يزال متماسكاً نوعاً ما، فالخلايا اليسارية رغم تغلغلها في أجهزة الدولة إلا أنها لم تكن قد أحكمت سيطرتها ولا تزال عناصرها في الدولة متسترة.
وأول طعنة حصلت هي اتفاقية الوحدة في القاهرة في تشرين الاول (أكتوبر) 1972 التي تمت بين الأستاذ محسن العيني وعلي ناصر محمد، فقد سافر محسن العيني من صنعاء بتعليمات واضحة يوقع علي اتفاقية الوحدة بما فيها وكل ما فيها من ثغرات واستسلام وضياع، وبعد هذا عاد إلي اليمن ليأخذ الموافقة من المجلس الجمهوري ومجلس الشوري وقد عارضت الاتفاقية وعارضها أيضا محمد علي عثمان وإبراهيم الحمدي ـ نائب القائد العام ـ لكن القاضي أصر وأعلن الموافقة بدون الرجوع لمجلس الشوري. وأصبح الخلاف مع القاضي ومحسن العيني معاً، وقد التقينا بالقاضي الإرياني وشرح لنا فيها المبررات لقبول الاتفاقية وذلك لتهدئة الموقف، وأوضح أن الوحدة هدف تاريخي لا يجوز رفضه لكي نمنح البعض شرف الشهادة من أجلها وأن الاتفاقية يمكن إجراء التعديلات عليها.
استطعنا أن نزحزح محسن العيني وخرج من اليمن ولم تكن الحكومات تدوم طويلاً، فالأستاذ أحمد نعمان ترأس الحكومة فترة وأعلن الإفلاس، وبعد اتفاقية طرابلس كلف القاضي عبد الرحمن الإرياني القاضي الحجري بتشكيل الحكومة سواء بقناعة أو بدون قناعة ولم يكن ذلك باتفاقنا معه لمواجهة اتفاقية الوحدة بعد أن أصبحت أمراً واقعاً لا سيما بعد ما سافر القاضي إلي ليبيا وصدر بيان طرابلس المعروف.
استمررنا من عام 1973 إلي عام 1974 ونحن في صراع مؤدب مع القاضي إذ كنا نكن له كل تقدير واحترام وأبوَّة وتقديس ـ في محاولة لإقناعه بتحديد مواقفه ضد التيار اليساري.

تصاعد الخلاف مع الارياني

تصاعد الخلاف مع القاضي الارياني بعد أن أفلتت الأمور نهائياً وأصبحت قوي التخريب والتيارات اليسارية هي المهيمنة في أجهزة الدولة والمحبطة لكل شيء، وقد وجهنا عدة رسائل للقاضي الإرياني وكذلك للقائد العام للقوات المسلحة محمد الإرياني نحذر فيها من توسع التخريب والممارسات التخريبية في المناطق الوسطي دون جدوي.
وفي تلك الأيام لم تكن هناك تكتلات حزبية معلنة والحزب الوحيد الذي كان له كوادر في الجيش والمثقفين هو حزب البعث الذي كان له أدوار مشرفة في بداية الثورة وفي حصار السبعين، إلا أن الخلاف الذي كان يحصل لم يكن علي أساس أنه خلاف أيديولوجي وإنما خلاف من أجل مواقف فبرغم اقتناعنا بالقاضي عبدالرحمن الإرياني وتمسكنا به وتقديرنا له كزعيم وطني سياسي وروحي، برغم هذا كله إلا أننا رأينا الأمور قد تسيبت فعلاً، والتيارات اليسارية التي كانت خلاياها في الشمال حتي داخل الحكومة، وان لم تكن معلنة نفسها كتنظيمات وأحزاب سياسية، أحاطوا بالقاضي وأفسدوا كل شيء، في الوقت الذي كان النظام الشيوعي في عدن يحضر ويعمل للإجهاز علي النظام في صنعاء، وأصبحت طوابيره السرية داخل أجهزة الدولة والقوي المتمردة في المناطق الوسطي وغيرها تزحف فعلاً وترتكب كل الجرائم ونحن في صنعاء مفككون ورئيس الدولة يهادن هذه العناصر.
وأصبحنا في موقف دفاع ضعيف أمام القوي اليسارية والغزو الفكري والعسكري الذي ينطلق من عدن، وقد حاولنا أن تكون لدينا استراتيجية لمواجهة هذا التيار وهذا الزحف، استراتيجية للتخلص من هذا السرطان الموجود في عدن والذي كنا قادرين علي استئصاله سنة 1972 بداية الحرب وقبل اتفاقية القاهرة التي أجهضت كل شيء، ولكن دون جدوي، فأصبحنا تائهين في حيرة والقاضي أصبح حجر عثرة أمام محاولات التصدي لهذا المد الخطير وتضاءل الأمل جداً، إن لم يكن انتهي في قدرة القاضي علي الإصلاح وتغيير مواقفه واتخاذ مواقف جادة، حتي عندما كنا نصل معه في بعض المواقف إلي عتاب كان جوابه لنا (أَيٌّ هكذا خلقت) بمعني أنا هكذا، ومن هذا المنطلق أصبح التغيير ضرورياً، واتخذ الأخوان في قيادة الجيش مواقف قوية وصريحة علي رأسهم العقيد إبراهيم الحمدي وكان أكثر الضباط تحدياً، وكان له بالفعل مواقف قوية ومعلنة وواضحة وصريحة من التخريب والمخربين ومن التيار اليساري قبل أن يصبح رئيساً، وكان هناك أيضا العميد مجاهد أبو شوارب، والعقيد علي أبو لحوم، والعقيد محمد أبولحوم.
كانت الوحدات الرئيسية في الجيش بأيديهم كذلك سلاح المدرعات كان يتبعهم وقادته كانوا معهم، والشيخ سنان أبو لحوم كان عنده طاقة وحركة قوية جداً ومؤثرة فينا جميعاً ـ كنا جميعاً أنا ومن معي من المشائخ وقادة الجيش نسترشد برأيه، وكان هو أكثر من دفع إلي حسم الموقف، ورغم أننا جميعا كنا نحترم القاضي لكن مصلحة البلد ومواجهة الخطر بحزم وقوة جعلتنا نرجح جميعا الحرص علي الوطن واتفق الجميع علي التغيير.

انقلاب 1974

تم التخطيط لحركة 13 حزيران (يونيو) 1974م وأنا في زيارة للصين وما رجعت من الصين إلا وقد أعدوا العدة، الجيش والشيخ سنان أبو لحوم، والشيخ أحمد المطري رحمه الله حيث لم يكن يعارض للشيخ سنان رأياً، والعميد مجاهد.
كانت الأمور قد أصبحت سائبة فعلاً والأوضاع متوترة، وكان الموقف في تلك الفترة يتطلب أن تكون قيادة البلاد حازمة، فالحرب مستعرة في المناطق الوسطي والمناطق تسقط في أيدي عصابات التخريب منطقة بعد أخري بمعني أن مضمون التغيير هو انقلاب عسكري لكن من أجل تجنب بعض الصعوبات أو بعض المضاعفات، وما يتطلبه الانقلاب من أشياء سياسية، طُبع بهذا الطابع وهو أن يستقيل القاضي والمجلس الجمهوري يستقيل وفي نفس الوقت رئيس مجلس الشوري يستقيل، وتسلم الأمور إلي القيادة العسكرية كما يحصل عند إعلان حالة الطوارئ وتجميد الدستور. فكان المرشح لقيادة البلاد هو إبراهيم الحمدي لأنه كان يشغل أعلي منصب بين العسكريين المتفقين معنا علي التغيير فهو نائب القائد العام، وكان أكثرهم قدرة سياسية كما كان بيت أبو لحوم يستضعفونه ويعتقدون أنه في أيديهم.
استدعوني للاجتماع في بيت سنان أبو لحوم وابلغوني بالرأي الذي اتفقوا عليه، والذي قد أصبح قراراً بانتظار عودتي للموافقة عليه أو رفضه، فإن وافقت توكلنا جميعاً علي الله وتحملنا المسؤولية وان رفضت فإنهم سيتخلون عن المسؤولية ويغادرون البلاد ويحملوني مسؤولية ما تصل إليه الأمور لأن الأوضاع قد تردت وأنا المتزعم للخلاف مع القاضي فأتحمل المسؤولية.
وضعوني أمام أمر واقع وموقف محرج، وقالوا إن القاضي نتيجة الخلاف الذي أتصدره ضده قد أصبح ضدنا وقد أصبحت معه قوة في الجيش والأمن لا يستهان بها ونحن وإياه في سباق إما أن نسبقه أو يسبقنا! هكذا هولوا الموقف كثيراً، وصادف أن محمد الإرياني القائد العام وقريب الرئيس والمتزعم للقوة العسكرية التي يعتمد عليها القاضي كان غائباً عن البلاد وكذلك العميد حسين المسوري رئيس الأركان أحد أنصار القاضي الإرياني كان غائباً أيضاً في زيارة للأردن وهو من العناصر التي لو كانت موجودة كان يمكن أن يعارض هذه الحركة، فبغياب هؤلاء كانت الفرصة مهيأة وأي تردد مني سوف يفوت الفرصة ويجعلنا في موقف دفاع ضعيف وسوف أتحمل مسؤوليته وهم منهم من سيقدم استقالته ويخرج أي منطقة ومنهم من قد يترك البلاد ويسافر، هذا ما تم في بيت سنان أبو لحوم الذي كان الطاقة المحركة للحركة.

والخلاصة أنني لم اشترك في أي تخطيط لكنني وافقت بشروط، وهو أن لا تسقط قطرة دم وان لا يساء إلي القاضي الإرياني أي أساءة. والحقيقة لم يكن أحد يتبني أن يصاحب الحركة عنف وأيضاً أن تكون الفترة الانتقالية مدة محدودة، التزموا بكل الشروط واتفقنا علي هذا وعلي أساس أنني أبلغ القاضي الإرياني بتقديم استقالته لأنني رئيس مجلس الشوري وقد وجهت إلي القاضي الإرياني رسالة قاسية قبل حركة يونيو بيوم واحد حملته مسؤولية ما يجري وناشدته بالله وبضميره أن يفكر في مخرج للبلاد من الكوارث وهي الرسالة التي أدت إلي استقالته. وخرجت إلي خمر وأنا أؤكد لهم أن لا تحصل أي فوضي أو تسقط قطرة دم وجاءني إلي خمر الأستاذ أحمد نعمان ومعه الشيخ سنان أبو لحوم، والشيخ المطري ليراجعوني بالعدول عن مطالبة القاضي بالاستقالة ولم يكن لدي الأستاذ نعمان أي علم بالاتفاق الذي تم، أما النقيب سنان أبو لحوم فقد كان الرأس المدبر وفي نفس الوقت جاءني وسيط!! لم يكن لهذه الوساطة أي جدوي واضطر القاضي أن يقدم استقالته، وأرسلت لي إلي خمر وتمت إجراءات الانقلاب في 13 حزيران (يونيو) 1974 بسهولة لأن القاضي لم يكن من الحكام الذين يتمسكون بالكراسي حتي تسقط الضحايا وكان يقول قبل الحركة وأثناءها عندما بلغ (أنا لا أرضي علي نفسي أن يسفك من اجل بقائي في الكرسي دم طائر دجاج ما بالك بدم إنسان لا اسمح لنفسي بهذا أبدا)، وقد بعث إلينا القاضي الإرياني برسالة من اللاذقية بعد شهر من حركة يونيو تعكس ذلك الزهد وصفاء النفس وعدم الحرص علي التمسك بالكرسي مهما كان الثمن، وأوضح أنه كان يود الخروج من المسؤولية بطريقة سلمية ديمقراطية لتكون أسوة لمن بعده وتجنب اليمن مزالق الصراعات. استلمت استقالة القاضي الإرياني وحررت الرد المعروف والمتفق عليه لإبراهيم الحمدي وقدمت استقالتي معها وقد وقع فيها مخالفة في الإجراءات الدستورية حيث لم يُدع مجلس الشوري للانعقاد بحيث أقدم استقالتي أمام المجلس، وهذا كان رأي الشيخ الوالد سنان بإلحاح كبير عليّ وكانت الأمور سريعة ومفاجئة وكان هناك تعاطف من العناصر المثقفة في حزب البعث الممثل في سنان أبو لحوم وإخوانه ومجاهد أبو شوارب وأيضاً يحيي المتوكل وأعضاء مجلس القيادة الذي شكل الأغلبية لحزب البعث، وقد تأكد دور البعث عندما استدعي فوراً الأستاذ محسن العيني من الخارج لتشكيل الحكومة و هو ما لم يتفق عليه مسبقاً، وقد فوجئت بوصول محسن العيني بطائرة خاصة ـ أعتقد من جيبوتي ـ وأرسلت من خمر رسائل احتجاج وقلت هذا يعني أن هناك طبخة مسبقة وان الوضع الجديد سيكون قيادة بعثية، وجري أخذ و رد وخرج مجاهد يقنعني والتقيت أنا ومجاهد وإبراهيم الحمدي إلي المعمر وأوضحوا لي الأمر، وأقنعوني، وكان لي موقف معارض من التيار البعثي والناصري لكن التيار الناصري كان ضعيفًا ـ حتي إبراهيم الحمدي كان له موقف من البعث وفعلاً لم يستمر معهم إلا قليلاً وأزاحهم. وعندما أقال الحمدي محسن العيني من رئاسة الوزراء ـ كنت في ذلك الحين علي وفاق مع الحمدي، وأنا الذي طرحت له اسم الأستاذ عبد العزيز عبدالغني حيث لم تكن معرفته به قوية، وكان الحمدي قد كلم محمد جباري أنه يريد شخصًا فيه من المواصفات كذا و كذا.. وجباري وأظن محمد الرباعي هما من نصحاني بشخصية عبد العزيز عبد الغني.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة