الاثنين، 27 يونيو، 2016

محمد خان.. الناجي الوحيد من جيل النكسة




في مطلع الألفية الثالثة، بدأ عدد من صنّاع السينما المصرية البارزين بالهجوم على موجة السينما الجديدة، والتي بات يطلق عليها لاحقاً "سينما الشباب"، متّهمين إياهم بالسطحية وتقديم أعمال بعيدة عن هوية المجتمع المصري.
في تلك الفترة، كنت حاضراً إحدى ندوات "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، والتي جمعت عدداً من المخرجين المصريين البارزين، على المنصة وفي القاعة، وكانوا – للمفارقة - من جيل واحد؛ حيث بدأ معظمهم العمل بالسينما في نهاية الستينيات، في أعقاب هزيمة 1967، والتي يطلَق عليها في الإعلام المصري اسم "النكسة".
شن مخرج كبير السن من على المنصة هجوماً حادّاً على الأفلام الجديدة التي قال إنها "بلا لون أو طعم أو هوية"، مذكّراً بعدد من أفلامه المعروفة وأخرى لمخرجي جيله، وفور انتهاء كلمته الطويلة الحادة، دوّى تصفيق في القاعة المكتظّة بالشباب، من سينمائيين وصحافيين، فلما التفتُ إلى مصدر التصفيق، وجدتُ أن المصفّقين هم ثلاثة مخرجين من جيل المتحدّث.
طلبت التدخّل على المنصّة، ولما أتيح لي الكلام، انتقدتُ المخرج وجيله الذي قرّر أن يعاير صنّاع السينما الشباب بالمستوى الرديء لأعمالهم، وقلت له: متى كان آخر أفلامك؟ متى كان آخر أفلام كلّ من ذكرت أسماءهم؟ كيف تهاجم صنّاع السينما الشباب بينما لم يُعرض لك فيلم على مدار الأعوام الخمسة عشرة الأخيرة، وعدّدت له أسماء مجموعة من مخرجي جيله الذين استدل بهم في المقارنة، والغائبين عن دور العرض، مثله، تماماً.
سيطر الوجوم على القاعة للحظات، قبل أن أكمل مداخلتي التي قلت فيها، أيضاً، إن ما يردّده المخرج الكبير عن نفسه وعن جيله من مبرّرات لتوقّفهم عن العمل؛ يعد جريمة في حق السينما والجمهور، الذي يدّعي، هو وجيله، أنهم حريصون على أن تُتاح لهم فرصة متابعة أفلام جيدة بدلاً من الأفلام الرديئة من وجهة نظرهم.
من بين تلك المبرّرات أنهم لا يجدون نصوصاً جيّدة، وأنهم لا يجدون منتجين يتحمّسون لأعمالهم، وأن تراجع الإنتاج الحكومي أصاب عدداً كبيراً من المخرجين بالبطالة، وهي تبريرات، وإن كان فيها جانب من الحقيقة، إلا أنها تبدو مسوّغاً لكل متكاسل، وليس لفنان حقيقي.
بدأت بعض الهمهمات، وبدا بعض الكبار يتميّزون غضباً، فقرّرت أن أنجو بنفسي بسرد مثال واقعي، فقلت إن عاطف الطيب رحل باكراً، ولو أنه حي بيننا لما استسلم لتلك المبرّرات الرائجة وواصل صنع أفلامه الجيدة بدلاً من جلد "أصحاب الأفلام الرديئة". ثم أضفت بالقول إن استسلامكم لما تقولون إنه مشكلات نجا منه أحد أفراد جيلكم، هو محمد خان الذي قرّر أن يواصل العمل مواجهاً تلك الظروف، وقدّم أفلاماً جيدة تناسب روح العصر وتطرح موضوعات يهتم بها الجمهور، خصوصاً الشباب الذين هم الشريحة الأكبر من متابعي السينما.
انتهت مداخلتي، ومعها الندوة الساخنة، وشهد ما بعدها جدلاً أوسع مما كان فيها، حيث تحوّل الأمر إلى مواجهة مباشرة بين الجيل القديم والشباب.
بعدها بأيام، قابلت خان في أروقة المهرجان، لم تكن بيننا معرفة وثيقة، لكني فوجئت به يستوقفني ويسلّم عليّ بحرارة ويشكرني على ما قلته في "ندوة العواجيز"، كما أسماها، موضّحاً أن عدداً من الزملاء حكوا له تفاصيل ما حدث فيها.
وجدتها فرصة لتوثيق معرفتي بمخرج أحب أفلامه، فدعيته إلى الجلوس لتبادل أطراف الحديث، فوافق.
في لقائنا، الذي امتد نحو عشرين دقيقة في فندق مخصّص لضيوف المهرجان، فوجئ بتوصيفي لجيله من مخرجي السينما المصرية بأنهم "جيل مخرجي النكسة". ورغم رفضه الوصف الذي اعتبره مهيناً، إلا أنه طلب مني، ببساطته المعهودة، أن أشرح له أسباب وصفي، فقلت إن النكسة أثّرت في جميع أبناء جيله بأشكال مختلفة.
راح يعدّد لي أسماء أشخاص قال إنهم كانوا مشاريع مخرجين مهمّين؛ لكن النكسة قضت على مستقبلهم تماماً، قبل أن ينتقل بي إلى أزمة أكبر لم أكن منتبهاً إليها، وهي سيطرة الحكومة على الإنتاج السينمائي من خلال مؤسّسة السينما الرسمية التي اختار عدد كبير من أبناء جيله أن يصبح موظّفاً لديها، يحصل على راتب شهري مجز، سواء عمل أم لم يعمل، ما تسبّب في تدمير مواهبهم.
قبل نحو عامين من لقائنا، كان خان قد أنجز فيلم "كليفتي"بطريقة الديجيتال، وهي التقنية التي كان يهاجمها أبناء جيله بقسوة، ويعتبرونها تدميراً لصناعة السينما، بينما قرّر هو أن يخوض غمار التجربة وأنتج الفيلم على نفقته، وكان يُعرض له حينها، فيلم "بنات وسط البلد"، محقّقاً إيرادات كبيرة، رغم أنه ينتمي إلى سينما الشباب، وكان منتجه شركة "السبكي" التي بات اسمها مرتبطاً بأفلام تجارية يعتبرها مخرجو جيله "رديئة".
راح يحدّثني عن فيلمه الجديد، وهو "في شقّة مصر الجديدة"، وقال لي إن نجاح "بنات وسط البلد" كان سبباً مباشراً في حصوله على عروض عدة لإنتاجه، عكس ما كان عليه الوضع في السابق، مكرّراً أن ما يقوله أقرانه من أنهم لا يجدون من يتحمّس لإنتاج أعمالهم غير صحيح. علّقتُ قائلاً إن المبدع، كما تعلّمنا، لا ينتظر أن يدق المنتج بابه، وإنما يسعى لإيجاد منتج لفيلم، فقال: "طبعاً، وغير كدا استهبال، وهم بيستهبلوا فعلاً".


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 20 يونيو، 2016

الاثنين، 13 يونيو، 2016

حدث خطأ في هذه الأداة