الجمعة، 18 أغسطس، 2017

تهمة العداء للنساء




فور أن ينطق رجل بما يخالف الداعيات إلى تحصيل حقوق المرأة، يتهم بأنه معادٍ للنساء، أو راغب في بقاء الأوضاع الذكورية الظالمة، حتى لو كان في ما يقوله شيء من حق أو منطق، وحتى لو كان بين النساء من يتفق معه. لنتّفق أولاً أن تحصيل حقوق النساء ليس مفيداً لهن فقط، وإنما تترتب عليه فائدة المجتمع العربي كله، وفي المقابل، فإن تغييب الأنظمة الحاكمة لحقوق المرأة لا يبرر الاتهامات النسوية الرائجة، والتي أرى أنها باتت تشمل الابتزاز، فالأصل أن كثيراً من حقوقنا جميعاً ضائعة، رجالاً ونساء. مؤخراً، أقرّ الأردن قانوناً يمنع إفلات المغتصب من العقاب في حال اتفق مع ضحيته، أو أسرتها، على الزواج منها، وقبل يومين أقرّ البرلمان اللبناني نفس المنطق، وقبلهما أقرّ المغرب نفس الأمر، لكن تلك التشريعات لم تتعرّض لواقع رفض المغتصبة تقديم شكوى خشية من نظرة المجتمع، وكذلك إجبار الأسرة للمغتصبة على الزواج من مغتصبها لإخفاء الفضيحة، وهو ما ينسف الهدف من القوانين. في تونس، اقترح الرئيس السبسي قبل أيام، مساواة النساء بالرجال في الميراث، وإمكانية زواج المسلمة من غير المسلم، وتحوّل الأمر إلى جدال شائك، وفي رأيي أن الجدال كان الهدف من المقترح بالأساس. لاحقاً بات من يرفض المقترحين متهماً بمعاداة حقوق النساء، فضلاً عن الرجعية والتخلّف، ثم انتقلنا إلى رفض تدخل غير التونسيين في شأن داخلي؛ بما يخالف كل نظريات حرية الرأي، خصوصاً في قضية ذات أبعاد دينية، وعلى الرغم من أن الأمر ما زال مقترحاً يمكن رفضه. يعلم أي مسلم يمتلك قدراً من الثقافة الدينية أن هناك حالات ميراث نصيب المرأة فيها أكبر من الرجال، وكل المسلمين يقرّون أن زواج المسلمة من غير المسلم محرم بنصوص دينية، قد يتجاوزها الزواج المدني. لكن كل ذلك يعتبر رجعية بالنسبة لبعض الناشطات النسويات اللاتي يتعامل بعضهن مع مقترح السبسي باعتباره قانوناً. لم تفترض إحداهن رفض المقترح في حال طرحه على استفتاء شعبي، أو أن يعارضه البرلمان، ولا أعرف ماذا يمكن أن يفعل دعاة حقوق المرأة بنساء عربيات رافضات مساواتهن بالرجال. إن قلت للناشطات النسويات إنه كان متوقعاً قبل إلهاء الناس بتلك القضايا الخلافية، أن يقضي السبسي على البطالة المتفشية، أو يستعيد حقوق المظلومين، أو يعمل على تطوير البنية التحتية في الريف، يعتبرونك ضدهن، وإن قلت إن المقترح سياسي وليس حقوقياً، أو أنه جزء من دعاية انتخابية، ويستغل حقوق النساء للتعمية على الفشل الحكومي، فأنت عندها ضد السبسي وضد المرأة معاً. في المحصلة يبقى إرضاء المرأة العربية بعيد المنال.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

السبت، 12 أغسطس، 2017

تفاخر العرب بالتاريخ




يتبارى العرب في التفاخر بتاريخهم، فيحفظ العربي عن بلاده أو قبيلته أو مدينته، أو حتى قريته، قصصاً ليدلل بها على أهميتها بين جيرانها، حتى وإن كانت القصص وهمية، أو تضم مبالغات غير منطقية، وهكذا كثير من تاريخ العرب المحفوظ. 

كثير من الشعر الجيد لشعراء العرب الفحول، قبل الإسلام وبعده، كان يطغى عليه التفاخر القبلي، اعتماداً على أن التبارز بالمفاخر كان مصاحباً للتبارز الحربي المستمر. 

ولا يختلف الواقع العربي حالياً عما كان عليه أيام الجاهلية، فالتبارز بالتاريخ والتفاخر بالوقائع، وإن كانت زائفة، أمر رائج في الثقافة العربية، ويصعب أن يجتمع عدد من العرب من جنسيات مختلفة دون أن تلمح تلك النزعة إلى التقليل من شأن الآخرين أو التسفيه منهم ومن تاريخهم. 

حضرت أخيراً واحدة من تلك السجالات بين صديقين أحدهما مصري والآخر عراقي، وتركزت حول أي البلدين صاحب حضارة أقدم وأكثر تأثيراً في تاريخ البشرية. 

قال الصديق العراقي إن بلاده صاحبة ثمانية آلاف سنة حضارة، فغضب الصديق المصري مؤكداً أنه استولى على مقولة رائجة حول حضارة السبعة آلاف سنة المصرية ونسبها إلى العراق، وقال الصديق المصري إن المصريين القدماء علّموا العالم قبل أن ينتشر العلم، فرد الصديق العراقي غاضباً أن أجداده في بابل هم من اخترع الكتابة، وأن أول من كتب كان النبي إدريس المولود في بابل، قبل أن ينتقل إلى مصر وينشر العلم فيها. 

ثم قال العراقي إن بلاده حكمت العالم القديم لقرون، فرد المصري إن التاريخ يشهد للدولة المصرية القديمة بأنها كانت أقوى إمبراطوريات الأرض بلا منازع. 

كنت أتابع السجال بصمت، ولم أقرر التدخل إلا عندما وصل الصديقان إلى التبارز حول وقائع تتعلق بفترة حكم جمال عبد الناصر في مصر، وصدام حسين في العراق. 

قلت للصديقين إن أجدادنا في البلدين لم يستفيدوا كثيراً من قوة الدولة وقت أن كانت قوية، وإن الحاكم في البلدين على مدار التاريخ كان يحكم الشعب باعتباره إلهاً أو ممثلاً للإله على الأرض، وبالتالي كان أجدادنا لا يملكون إبداء الرأي في أي من شؤون البلاد. 

هدأ السجال قليلاً، فبدأت أذكّر الصديقين بأوضاع مصر والعراق الحالية البائسة، وكذا ما عاشه البلدان طيلة قرون من انحدار على كل المستويات، وفترات احتلال طويلة، مقارنة بفترات الحضارة العظيمة البائدة. 

على مقربة منا، كان شاب خليجي يجادل أحد أقربائه في بلد خليجي آخر عبر الهاتف، وكانت مفاخرات الماضي أيضاً حاضرة في النقاش المحتدم بين الشابين، ما جعل أحدهما يعتبر التفاخر بالماضي الضائع الشيء الوحيد الذي يجمع العرب حالياً.
يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الثلاثاء، 8 أغسطس، 2017

أخر أيام الست زينات صدقي





ظلت بعيدة عن الأضواء والكاميرات أكثر من خمس سنوات، عندما تذكرها المخرج نيازي مصطفي في عام 1975 لتشارك بدور صغير (أم إبراهيم الخادمة) في فيلم «بنت اسمها محمود» قصة وسيناريو بهجت قمر وحواره، أمام سهير رمزي وسمير صبري ومحمد رضا وسمير غانم وهالة فاخر وسهير الباروني وسلامة إلياس.
عرض الفيلم وشاهده الرئيس محمد أنور السادات بالصدفة، فيما كانت أمامه إلا ورقة بأسماء الفنانين الذين سيتم تكريمهم في عيد الفن الأول، فهاتف الدكتور رشاد رشدي، مدير أكاديمية الفنون:

= يا دكتور رشاد. أنا قدامي الكشف بتاع الفنانين اللي هيتكرموا في عيد الفن الشهر اللي جاي.
- أيوا يا فندم... والأسماء كلها عليها إجماع.
= إجماع من مين... وإزاي فنانة كبيرة زي زينات صدقي اسمها مش موجود.
- زينات صدقي!
= أيوا يا دكتور زينات صدقي. دي فنانة كبيرة ولسه عايشة بينا ولازم تتكرم بالشكل اللائق... اسمها يتحط جنب اسم تحية كاريوكا ونجوى سالم.

لم تصدق زينات نفسها والدكتور رشاد رشدي يبلغها بنفسه، كأنما أعاد إليها روحها التي فقدتها منذ سنوات، وراحت تستعد كأنها عروس تستعد ليوم زفافها. ظلت لمدة أسبوعين تقوم بتجارب على اللقاء، وكل يوم ترتدي فستاناً من خزانة ملابسها، لترى فيه نفسها وكيف ستبدو، وفي الليلة السابقة على التكريم، لم يغمض لها جفن، حتى إنها اضطرت إلى تناول قرص منوم لتنام.
لم تصدق زينات نفسها وهي تقف على خشبة المسرح وجمهور الحضور يصفق لها بشكل مبالغ فيه، بمن فيهم رئيس الجمهورية نفسه، حتى اقتربت منه وصافحته وهو يناولها شهادة التقدير:

= مبروك يا ست زينات... أنت تستحقي تكريم عالمي.
* يبارك لي في عمرك يا ريسنا يا رافع رايتنا.
= أنت مش عايزة حاجة... أؤمري.
* اللي كان في نفسي حصل خلاص لما قابلتك يا ريس.
= عموما أنا قررت لك معاش استثنائي... وأي حاجة تانية.

بعد تكريم السادات لها عاشت زينات أياماً من السعادة لم تذق طعمها منذ سنوات طويلة، غير أن سعادتها لم تدم طويلاً، عندما دخلت عليها حفيدتها عزة مصطفى وهي تصرخ وتبكي:

= حليم مات يا نانا... حليم مات.
* إيه... بتقولي إيه؟ أنت بتخرفي.
= والله الإذاعة بتقول إن عبد الحليم حافظ مات في لندن.
* حسرة قلبي عليه... من يومه ابن موت. يا خسارة شبابك يا حبيب قلبي.

ظلت زينات ترتدي الأسود وتقيم الحداد على حليم 40 يوماً، ولم تبعدها عنه سوى حفيدتها عزة عندما ألحت عليها للخروج معها، ولم تكن ترفض لها طلباً، فقررت الذهاب لتناول الشاي معها في حديقة «غروبي» في وسط القاهرة، وهالها ما رأته من التفاف الجماهير حولها في الشارع وداخل المحل وبأعداد غفيرة. حتى إن مدير المحل اضطر إلى طلب شرطة النجدة خوفا من تحطيم الجماهير للمحل.
على رغم صعوبة الموقف فإنها شعرت بسعادة غامرة لتكريم الجماهير لها، وضاعف من سعادتها تكريم من نوع آخر عندما أحضرت لها رئاسة الجمهورية دعوة خاصة من رئيس الجمهورية يدعوها فيها لحضور عقد قران قرينته جيهان على محمود نجل المهندس عثمان أحمد عثمان، لتذهب بصحبة نادرة ابنة شقيقتها:

= نورت الفرح يا ست زينات.
* منور بيك... ومصر كلها منورة بيك يا أبو الأنوار والكرم كله.
= خدي يا ست زينات... دا الرقم الخاص بتاعي... في أي وقت عايزة أي حاجة كلميني... واعملي حسابك إنك إن شاء الله هتطلعي الحج الموسم اللي جاي.

ذلك كله ما كانت تتمناه من الدنيا، فلم تستطع أن تصف سعادتها عندما أعلن لها السادات عن قرب تحقيق هذه الأمنية، التي على رغم حاجتها الشديدة إليها، فإنها لم تطلبها بسبب عزة نفسها، وهو السبب نفسه الذي جعلها لا تطلب من الرئيس العلاج على نفقة الدولة بعد إصابتها بمرض «المياه على الرئة» لتتدهور حالتها بسرعة رهيبة خلال ثلاثة أشهر فقط، وأصرت على عدم الاتصال بالرئيس:

* مش عايزة الريس يعرف. ولو حد قال له من ورايا... أنا هشرب شريط البرشام دا كله وأخلصكم مني. أنا عارفة أنه خلاص... هي دي النهاية... ما لوش لازمة العلاج... دي نهاية الرحلة. مش عايزة حد يزعل ولا حد يعيط. أنا عشت طول عمري بحاول أضحكم... مش عايزة آجي في الآخر وأبكيكم... سيبوني أرتاح. بس قبل ما تمشوا... أنا ليا أمنية أخيرة. أنا نفسي في الكريز.

كانت هذه آخر أمنية لها... قبل أن تفارق روحها جسدها المنهك في الثاني من مارس 1978، وقبل أشهر قليلة من تحقيق أمنيتها بحج بيت الله الحرام... لتدفن إلى جوار والدتها في المقبرة التي بنتها في حياتها وكتبت عليها: «لا تنسوا قراءة الفاتحة على روح زينب محمد سعد».

* في القصة كثير من المبالغات، وبعض الوقائع المنسوبة للسادات غير حقيقية.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

توقيف شاب سعودي بسبب رقصة محظورة بزعم علاقتها بالمخدرات



أعلنت لجنة مكافحة المخدرات في السعودية، اليوم الثلاثاء، القبض على إعلامي ومُنشد سعودي شاب لمخالفته القوانين التي تحظر أداء رقصة "الداب"، والتي تعتبرها السلطات السعودية رمزا لتعاطي مخدر الحشيش.
وكان الإعلامي والممثل عبد الله الشهراني (23 سنة) أدى الحركة الأشهر في رقصة "الداب" قبل أيام في مهرجان بالطائف، وسط صيحات استحسان من عشرات الحاضرين، لكن انتشار فيديو للواقعة على مواقع التواصل أثار جدلا واسعا، قبل اعلان القبض عليه.
وقال الأمين العام للجنة مكافحة المخدرات، عبد الإله بن محمد الشريف، في تصريحات لوسائل إعلام سعودية، إن "اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات والمديرية العامة لمكافحة المخدرات ترصدان وتتعاملان مع أي مخالفات لأنظمتهما وتعليماتهما، وهما تركزان حاليا على الجوانب التثقيفية والوقائية"، مضيفا أن "حركة (داب) "ظهرت عام 1970، في الولايات المتحدة، وأطلقها مروجو ومدمنو المخدرات، ويقصد بها استنشاق أبخرة الحشيش التي تصيب متعاطيها بالهلاوس".
وأوضح الشريف: "حذرنا سابقاً من تقليد الحركة، والتحذير واضح وصريح، تقليد الحركة يخالف تعليمات ومعايير اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات، وسنتخذ الإجراء بحق مَن يطبقها".


واعتذر المنشد الشهراني عن هذه الحركة، وكتب على حسابه الرسمي على "تويتر" أنها كانت "عفوية وغير مقصودة"، لكن كثيرين شنوا حملة هجوم واسعة عليه عبر وسم (#متسابق_بدايه_يروج_لرقصه_الداب)، وذكروا بحملة سابقة شنها نشطاء سعوديون على برنامج للمواهب في قناة "بداية" التي كانت سببا في معرفة الجمهور بالشهراني بعد أن فاز بالمركز الأول في البرنامج.


ويرجع البعض اسم DAB إلى لفظة عامية شائعة في الأحياء الشعبية الأميركية ترمز إلى مقدار عشرين جراما من الحشيش أو الماريوانا، ما يربط الرقصة عادة بتجارة المخدرات، لكنها باتت شائعة في السنوات الأخيرة بعد أن كرر عدد من مشاهير كرة القدم آداءها في الملاعب، ما يجعل آلاف الشباب حول العالم يقلدونها.


وباتت رقصة الداب أكثر انتشارا بعد أغنية ذائعة لفريق "ثلاثي ميجوس" الأميركي نهاية 2016، وانتشرت لقطات لنجوم كبار في عالم كرة القدم يؤدونها بعد إحراز أهدافهم مثل نيمار دا سيلفا لاعب باريس سان جيرمان، وبول بوجبا لاعب مانشستر يونايتد.وتداول ناشطون سعوديون فيديو للمطرب السعودي رابح صقر يؤدي نفس الحركة في أحد حفلاته، استهجانا للقبض على الشهراني.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 4 أغسطس، 2017

أيام في تبليسي






 ألقى ابني ورقة كانت في يده على الأرض خلال سيرنا، فلحق بنا شاب كان يجلس بالقرب، وطلب منه بهدوء وأدب أن يعود ليلتقط الورقة، وأن يحتفظ بها حتى يجد مكاناً مخصصاً للقمامة حفاظاً على نظافة المكان.
شكرت الشاب على أسلوبه المهذب، وقمت بالتقاط ما رماه طفلي بعفوية، بينما كان يختلجني شعور ارتكاب جريمة بحق المكان. 
كنا أعلى قمة جبل "كزبيجي" خارج مدينة تبليسي عاصمة جورجيا، يرتفع الجبل نحو 500 متر عن سطح البحر، وهو مزار طبيعي ساحر يرتاده عشرات آلاف الأشخاص سنوياً، وفي أعلى نقطة من القمة دير مسيحي يقصده آلاف يومياً، بعضهم يختار الصعود إلى الدير سيراً على الأقدام بدلاً من استخدام السيارات المتوفرة عند نهاية الطريق المعبد بمقابل مالي زهيد، وهي رحلة قصيرة لكنها وعرة جداً كونها، بالكامل، صعوداً عبر طرق غير ممهدة.
تعمل شبكة الهاتف الجوال أعلى القمة، وتتوفر حمامات نظيفة، ومكان واحد صغير يبيع المياه وبعض العصائر. عدا تلك الخدمات المحدودة، يمكن اعتبار المكان بدائياً تماماً.
أثارني الأمر فسألت مرافقنا المحلي، فقال إن هذا مقصود للحفاظ على الطبيعة من التلوث البشري، ثم استدرك أن طبيعة الدير تفرض ذلك، رغم أن الدير لم يعد مكاناً للرهبان وإنما مجرد مزار سياحي.
توفر القمة للزوار بانوراما للمدينة الصغيرة الجميلة التي تحتضنها الجبال من كل الاتجاهات. أينما نظرت لن ترى إلا اللون الأخضر الزاهي من أدنى السفح حتى قمة الجبل، وتتخلل المشهد منازل صغيرة قليلة متناثرة، وقطعان الخيول والماشية والأغنام ترعى بحرية، مشهد يبعث الراحة في النفوس ويزيل ما علق بها من تلوث بصري.
بعد ساعات من المتعة الجبلية عدنا إلى تبليسي مجدداً، وهي مدينة تحتفظ ببنايات تاريخية وشوارع ضيقة وسيارات قديمة على غرار القاهرة وبغداد ودمشق وبيروت، ومستوى دخل مواطنيها محدود لا يمكن مقارنته بالدوحة أو دبي أو الكويت، أو حتى تونس والرباط.
كثير من العواصم العربية التي زرتها يمكن اعتبارها أكثر فخامة من عاصمة جورجيا، لكن تبليسي تمتاز بمستوى نظافة وأمان تحسد عليهما، على الرغم من تاريخ طويل من الاضطرابات التي عاشتها البلاد، ورغم موقعها بين دولتين كبيرتين سبق لهما حكمها لفترات طويلة، هما تركيا وروسيا، وقربها من بلدين عربيين مشتعلين هما سورية والعراق، وكذا إيران، وكلها بلدان صدرت إليها آلاف النازحين على مدار السنين.
يؤكد مرافقنا المحلي أن موجات النزوح من دول الجوار منحت بلاده خليطاً مميزاً من الأعراق التي جعلت كثيراً من العرب يقبلون عليها بعد أن اعتمدت خطة سياحية طموحة.
يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 30 يونيو، 2017

نفوس متناقضة




عن العربي الجديد


لم يتمكن أحد من فهم طبيعة النفس البشرية، وربما لن يتمكن أحد، فنفوس البشر أكثر تعقيداً من كل ما في الكون، كما أن الأحداث التي يصنعها البشر فيها من التعقيد ما لا يمكن تفسيره في أغلب الأحيان.

في روايته "قرية ظالمة"، كتب محمد كامل حسين، "ألا فاعلموا وعلموا الناس، أن من الأوثان التي يعبدونها ما ليس حجارة ولا أصناماً، وسيصنع الناس لأنفسهم أصناماً ليست من الحجارة يعبدونها من دون الله، فيضلون بها ضلالا أبعد من ضلال عبادة الأصنام، وسيسمونها مبادئ، وسيضفون عليها م
ن الإجلال ما يزيد على إجلالهم الضمير، وسيقدمون حياتهم قرباناً على مذابحها. كل ذلك تضحية لأوثان يعبدونها، وكلما قضي على معبود مما يخلقون صنعوا غيره ونبذوا الأول".

وفي "الأشجار واغتيال مرزوق" كتب عبد الرحمن منيف: "لولا السجائر لاشتعل العالم بالحرائق. يجب أن يحرق الإنسان شيئاً ما"، وكتب في روايته "النهايات": "كيف يمكن للبشر أن يصمتوا بهذا المقدار، ولهذه الفترة الطويلة؟ كيف يستطيعون نسيان جميع الكلمات والأصوات التي بدأوا بها الحياة وهم ينقذفون من الأرحام".

وفي المتناقضات كتب ماركيز في "الحب في زمن الكوليرا"، يقول "إذا كنا قد تعلمنا شيئاً معا من الحكمة، فإنها تأتي إلينا عندما نصبح غير قادرين على القيام بشيء"، وكتب في "مائة عام من العزلة": "بعد سنوات عديدة من مواجهته الإعدام رميا بالرصاص، لم يبق في ذاكرته إلا كيف أخذه والده بعد ظهر يوم بعيد لاكتشاف الجليد"، وكذا "ما يهم في الحياة ليس ما يحدث لك، ولكن ماذا ستتذكر، وكيف ستتذكره".

وحول الأسئلة المكررة، كتب كازانتزاكس في "زوربا اليوناني": "لماذا. لماذا؟ ألا يستطيع المرء أن يفعل شيئا دون لماذا؟".

وقدم مارتن باغ في روايته الفلسفية الساخرة "كيف أصبحت غبيا" نظرية مختلفة: "الذكاء عاهة، تماماً كما يعلم الأحياء أنهم سيموتون، في حين لا يعلم الأموات شيئا. أعتقد أن كون المرء ذكيا أسوأ من أن يكون أحمق، لأن الشخص الأحمق لا يفهم، في حين أن الشخص الذكي وإن كان متواضعا أو وضيعا مرغم على ذلك".

وتبقى رائعة جورج أورويل "مزرعة الحيوان"، أحد أبرز محاولات تشريح النفس البشرية، ومنها "اتفق أصحاب المزارع على أن يلجؤوا إلى كثير من المبالغة والتهويل، وحتى إلى الكذب والافتراء، لكي تقتنع حيواناتهم أن الثورة التى قامت بها تلك الحيوانات الطائشة كانت وبالا عليها، وأن الحيوانات العاقلة يجب أن تقف إلى جانب أصحاب المزارع"، ومنها أيضا "بما أن الثورة ستتحقق في نهاية المطاف، فما الفرق بين أن نعمل من أجل حدوثها أو لا نعمل؟".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

مع قرب انتهاء المهلة... 3 سيناريوهات للأزمة الخليجية





أحمد المصري- الأناضول

مع قرب انتهاء المهلة التي منحتها كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر لتنفيذ مطالبها، تبرز 3 سيناريوهات متوقعة في ضوء الرفض المرتقب للمطالب من الدوحة التي تعتبرها غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ وانها مجرد ادعاءات بدون أدلة، وكذلك في ضوء تهديدات الدول الأربع المتواصلة للدوحة من مغبة الرفض .
السيناريو الأول وهو الراجح وقوعه تشديد الحصار على قطر مع فرض حزمة عقوبات جديدة.
السيناريو الثاني وهو التصعيد العسكري، وهو سيناريو مستبعد، إلا أنه يستخدم كورقة ضغط من الدول المقاطعة كوسيلة ضغط نفسي، إما بالتصريح أو التلميح.
السيناريو الثالث وهو الوصول لاتفاق لحل الأزمة، وهو أمر يبدو مستبعدا في الأفق القريب، في ظل استقراء ثبات المواقف الحالية لأطرف الأزمة.
وكانت الأزمة الخليجية قد بدأت في 5 يونيو/حزيران الجاري، حين قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر، وفرضت الثلاث الأولى عليها حصاراً برياً وجوياً، لاتهامها بـ"دعم الإرهاب"، وهو ما نفته الأخيرة.
وبضغط دولي، قدمت الدول الأربع مساء يوم 22 يونيو/ حزيران الجاري إلى قطر، عبر الكويت، قائمة تضم 13 مطلبًا لإعادة العلاقات مع الدوحة، بينها إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر، واغلاق قناة "الجزيرة"، وأمهلتها 10 أيام لتنفيذها، وفق الوكالة البحرينية الرسمية للأنباء.
وهي المطالب التي اعتبرت الدوحة أنها "ليست واقعية ولا متوازنة وغير منطقية وغير قابلة للتنفيذ".

ومع انتهاء المهلة منتصف ليل الأحد القادم، يتوقع أن تسير الأزمة في اتجاه واحد من 3 سيناريوهات:

السيناريو الأول

تشديد الحصار وعقوبات جديدة:
تشديد الحصار على قطر مع فرض حزمة عقوبات جديدة وهذا هو ليس السيناريو الراجح وقوعه فحسب، بل ان المتتبع لتسلسل الأزمة، يصل لإستنتاج أن الدول المقاطعة لقطر، تدفع بالأمر دفعا، نحو هذا الاتجاه.
فرغم أن العالم كان يترقب قائمة مطالب الدول الأربع ، لتكون خطوة باتجاه حل الأزمة، إلا أن الاعلان عن قائمة المطالب نقل الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيدا، لأكثر من سبب، أبرزها طبيعة المطالب التي وصفها مراقبون انها "تعجيزية" وتنتهك "سيادة" الدوحة.
ويبدو ان الدول الأربع كانت تريد ان تلقي الكرة في ملعب قطر، لتحملها المسؤولية عن استمرار الازمة في حال رفضها، وهو ما أدركته الدوحة من الوهلة الأولى، وعبر عنه لاحقا وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني في تصريحات للتليفزيون العربي مساء أمس الخميس قال فيها أن : "المطالب الثلاثة عشر لدول الحصار قدمت لكي ترفض".
ومن هنا جاء الرد القطري – رغم رفضه قائمة المطالب على الصعيدين الرسمي والشعبي- غير متعجل، وأعلنت الخارجية القطرية أنها تعكف على بحث هذه الطلبات والأسس التي استندت إليها لغرض إعداد الرد المناسب بشأنها وتسليمه لدولة الكويت.
ولكن في خطوة جديدة بدا أنها قطعت الطريق على أي محاولة لإيجاد مقاربة لحل الأزمة عبر التفاوض لتخفيض سقف المطالب، أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بعد مرور 5 أيام من المهلة (الثلاثاء الماضي ) أنه "لا تفاوض مع قطر بشأن قائمة المطالب ويجب تنفيذها كاملة".
وأعقب ذلك سلسلة تصريحات لوزير الخارجية القطري اعتبر فيها أن ما تقدمت به دول الحصار هو مجرد ادعاءات بدون أدلة، مشيرا إلى أنه "إذا كانت هناك ادعاءات فيجب أن تكون مدعمة بأدلة ومن ثم تأتي المطالب".
وشدد على "أن المطالب يجب أن تكون واضحة وقابلة للتنفيذ أما غير ذلك فهو أمر مرفوض".واعتبر أن تقديم مطالب غير قابلة للتفاوض عدم احترام للقانون الدولي .
ويبدو واضحا من تطور الأحداث أن الأمور تدفع دفعا نحو تشديد الحصار على قطر، وبينما كان الحديث في الأيام الخمسة الأولى من المهلة ، عن تهديدات لقطر بالعزلة من تلك الدول، تطور الأمر النصف الثاني من المهلة، إلى تلميحات بتجميد عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي، وفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية عليها.
وهو ما عبر عنه عمر غباش سفير الإمارات في روسيا خلال مقابلة مع صحيفة الجارديان نشرت قبل يومين قال فيها ان "هناك بعض العقوبات الاقتصادية التي يمكننا فرضها تجرى دراستها في الوقت الحالي".
وأضاف "يتمثل أحد الاحتمالات في فرض شروط على شركائنا التجاريين وإبلاغهم بأنهم إذا أرادوا في العمل معنا فعليهم أن يحددوا خيارا تجاريا".
وبين إن إخراج قطر من مجلس التعاون الخليجي "ليس العقوبة الوحيدة المتاحة".
في السياق نفسه ، نقلت مجلة "الأهرام العربي"، المصرية الحكومية ، عبر موقعها الإلكتروني، عن "مصادر عربية رفيعة" (لم تسمها)، ان العقوبات التي تنتظر قطر بعد النتهاء المهلة، تشديد المقاطعة الاقتصادية، وتجميد عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي، وتجميد ودائع قطر في الدول المقاطعة( دون أن يتم الإعلان عن حجم تلك الودائع).


السيناريو الثاني

التصعيد العسكري:
السيناريو الثاني وهو التصعيد العسكري، ورغم ان هذا السيناريو مستبعد، كونه يحتاج ضوء أخضر من أمريكا للمضي قدما فيه، إلا ان شبح هذا السيناريو يخيم على المنطقة، ويستخدم كورقة ضغط تستخدمه الدول المقاطعة كوسيلة ضغط نفسي، إما بالتصريح تارة كما سبق أن لوح به وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة في تغريدة له حمل فيها الدوحة مغبة التصعيد العسكري في المنطقة، او عبر الإيحاء بإمكانية تنفيذه تارة أخرى عبر تسريب أخبار توصل هذا الايحاء دون تاكيدها أو نفيها.
وفي هذا الصدد ، قالت مجلة "الأهرام العربي"، امس الخميس، إن الدول الأربعة المقاطعة لقطر تعتزم إنشاء قاعدة عسكرية في البحرين، ما لم تستجب قطر، خلال 72 ساعة، لمطالب الدول الاربع.
وأشارت إلى أن الخطوة ستمثل أول وجود عسكري مصري متقدم وثابت في منطقة الخليج.
ولم يصدر أي تعقيب رسمي من الدول الأربعة على ما ذكرته المجلة. 
وهذا السيناريو مستبعد في ظل عدم وجود ضوء أخضر أمريكي، وقد أكد وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إنه تم "الاتفاق مع واشنطن على ضرورة البحث عن حل سلمي للأزمة الخليجية".


السيناريو الثالث

 الوصول لاتفاق لحل الأزمة:
وهو أمر يبدو مستبعد في الأفق القريب- ما لم تحدث مفاجأة في مواقف أحد الطرفي الأزمة- وخصوصا في ظل استقراء المواقف الحالية التي تؤكد ان كل طرف ماض في موقفه وثابت عليه بقوة.


خيارات الدوحة لمواجهة سيناريوهات الأزمة

تمضي الدوحة في مواجهة الأزمة وسيناريوهاتها المتوقعة على اكثر من صعيد، ضمن محور ثابت أعلنته وهو أن الحوار هو الخيار الاستراتيجي لها بحل الأزمة مع استعدادها لمناقشة وبحث أي طلبات لا تنتهك سيادتها.
- وبالتوازي مع هذا المبدأ المعلن تتحرك الدوحة على أكثر من مسار، على الصعيد الدبلوماسي ( عبر تحركات وجولات وزير خارجيتها المتواصلة لشرح موقف بلاده من الأزمة).
- على الصعيد الحقوقي ( عبر قيام اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر بعقد مؤتمرات تكشف الانتهاكات الحقوقية للحصار وإعلانها أنه تعتزم مقاضاة الدول المقاطعة لقطر على تلك الانتهاكات وطلب تعويضات من المتضررين).
- على الصعيد الاقتصادي نشطت قطر في تأمين الاحتيجات الغذائية لمواطنيها والمقيمين بها والبحث عن بدائل على المدى الطويل لسد احتياجاتها من مختلف المجالات وتدشين خطوط ملاحية جديدة لتعزيز تجارتها الخارجية، والبحث عن أسواق جديدة.
وكان علي شريف العمادي وزير المالية القطري قد أوضح في تصريحات خاصة لقناة سكاي نيوز البريطانية أن قطر لا تواجه تحديات على صعيد حركة التصدير ولا حركة الموانئ أو المطارات قائلاً: "نحن ما زلنا نشغل رحلات إلى أكثر من 150 وجهة ولا تزال سعة مرفئنا تتخطى الـ5 ملايين حاوية مع خطوط شحن مباشرة إلى غالبية الدول الأجنبية ولدينا تعاملات تجارية مع أكثر من 190 دولة ولن نتأثر بخسارة 3 أو 4 دول على الصعيد التجاري".
وبيّن العمادي أن دولة قطر تستورد المواد الغذائية من أكثر من 100 دولة وخسارتها لأربعة منها يمكن تعويضها، مشدداً على أن شحنات الغاز القطري لم تتأثر منذ بدء الحصار.
- على الصعيد الإعلامي نشطت قناة الجزيرة ذات التاثير الكبير في القيام بحملة اعلامية تولت فيها توضيح الموقف الرسمي لقطر من جانب، والرد على الشائعات التي تستهدفها من جانب اخر، وتوجيه هجمات مضادة للدول المقاطعة لقطر من جانب ثالث، كما نشط الإعلام المحلي ممثلا في تليفزيون قطر والصحف المحلية في القيام بدور مساند للجزيرة لتحقيق نفس الأهداف مع التركيز على الرسائل الموجهة للداخل.
- أما على الصعيد الشعبي فظهر التفاف واضح من قبل الشعب القطري تجاه قيادته وحكومته ودعم لمواقفها.
هذا ما نجحت الدوحة بالفعل في مواجهتها من الحزمة الأولى من العقوبات أو المرحلة الأولى من الحصار، وهذا ما ستستند عليه قطعا في المرحلة الثانية من تشديد الحصار ، حال تحقق السيناريو الثاني، مع وجود أوراق أخرى لديها لم تستخدمها حتى الآن أبرزها ملف الغاز.
وينقل خط الأنابيب دولفين من حقل الشمال القطري نحو ملياري قدم مكعب يوميا من الغاز الطبيعي إلى الإمارات وسلطنة عمان. وتلبي إمدادات الغاز القطري، نحو 30 بالمائة من احتياجات الإمارات التي تستخدمه في توليد الكهرباء.
وسبق أن أكدت قطر أنها لاتريد الضرر للشعب الإماراتي الذي سيتأثر بانقطاع الكهرباء عنه نتيجة توقف امدادات الغاز القطري"، مؤكدة ان الشعب الإماراتي لا ذنب له فيما يحصل.

وفي كل الأحوال فإن تصعيد الأزمة لن يكون في مصلحة جميع الأطراف، والحل هو حوار مباشر، يدفع إلى مقاربة بين اطراف الازمة تحقق السيناريو الثالث عبر التوصل لحل يجنب المنطقة الكثير من المخاطر المقبلة عليها في حال استمرار الأزمة.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 26 يونيو، 2017

هل أصالة مدمنة فعلا؟







لم يفاجئني اتهام المطربة السورية أصالة نصري بتعاطي مخدر الكوكايين، ليس عندي ما يثبت التهمة أو ينفيها، لكن علاقتي بالوسط الفني على مدار أكثر من 15 عاماً، تجعلني لا أنفي التهمة عنها بالمطلق، خصوصاً أنني عرفت أصالة خلال عملي، وتابعت عن كثب كثير من مشكلاتها الشخصية والفنية التي كان بعضها مثار جدل طويل.
لكنني ما زلت أحاول البحث عن أسباب منطقية لعدة أمور غامضة، في الواقعة الأخيرة التي تعرضت لها أصالة، في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، فبعضها عبثي إلى درجة أنه لا يمكن تقبلها.
لن أطيل في جدلية السياسة الرائجة حول ضبط أصالة، وإن كانت تستحق، فأصالة مطربة سورية مقيمة منذ سنوات في مصر، ومتزوجة من المنتج والمخرج الفلسطيني طارق العريان، وكانت ضد نظام بشار الأسد منذ انطلاق الثورة في 2011، ورغم أن النظام في مصر ليس ضد نظام بشار، إلا أنه لم يتعرض لها مطلقاً.
يردد بعض أصدقائنا في لبنان أن قوات التأمين في مطار بيروت خاضعة بشكل ما لسيطرة حزب الله، لكن حزب الله فصيل حكومي وليس تنظيماً مارقاً في لبنان، كما هو تصنيفه في بعض الدول العربية. يدعم حزب الله نظام بشار سياسيا وعسكريا، وبالتالي فإنه ضمن المعسكر الذي تعاديه أصالة.

وهل يمكن اعتبار هذا السياق مؤشراً على إمكانية تلفيق تهمة حيازة مخدرات لفنانة بحجم أصالة؟ ربما يكون هذا مقبولاً، وهو ما اعتمده من يمكن تسميتهم "أولتراس أصالة" لنفي التهمة عنها، بالإضافة إلى الشك في قدرة الأجهزة الأمنية في أي مطار على ضبط علبة صغيرة تضم غرامين من الكوكايين ضمن حقيبة مساحيق تجميل خاصة بفنانة شهيرة.
بداية، تتعامل أجهزة المطارات مع النجوم بشكل مختلف عن طريقة تعاملها مع المسافرين العاديين، كما أن تدقيق حقائبهم يكون أبسط كثيراً عن غيرهم، في هذه الحالة ينبغي أن يكون هناك بلاغ أو معلومة مسبقة أن أصالة تحمل معها مخدرات للتدقيق في حقائبها بهذا الشكل، أو أن تكون النظرية الخاصة "بدسّ المخدرات في الحقيبة" صحيحة.
في المجمل، عرف العالم كثيراً من النجوم المدمنين على الخمور والمخدرات، وبعضهم قتله الإدمان أو دمر مسيرته الفنية وحياته، لكن معظمهم حافظ على التوازن بين العمل والإدمان.

بعض المشاهير يعرف عنهم تعاطي المخدرات خلال انهماكهم في أعمال جديدة، ويقول بعضهم إنها تمنحه الصفاء والتركيز وتزيد من قدرته على الإبداع. شائع أن مطرباً سورياً كبيراً مدمن على الكحول وأنه يتعاطى أنواعاً مختلفة من المخدرات، ومعروف عن مطرب مصري آخر، أنه لا يعتلي المسرح للغناء إلا بعد تدخين الحشيش، عدا عن عدد من الفنانين العرب، الذين ضُبطوا تحت تأثير الخمر أو ضبط مخدرات بحوزتهم مرات عدة، بل إن بعض الفنانين المشاهير سجنوا لفترات بتهم تتعلق بحيازة مخدرات. الراحلان سعيد صالح ومجدي وهبة والممثلة الشابة دينا الشربيني كأمثلة.
لا يمكن فصل واقعة أصالة الجديدة عن كثير من الوقائع السابقة، خصوصاً أن أصالة كما يعرفها كثيرون، شخصية متوترة وعصبية، لكن هذا أيضاً أمر طبيعي بالنسبة لأمثالها من النجوم الذين يعيشون حياة صعبة، في ظل انتهاك متواصل لكل تفاصيل حياتهم الشخصية.
وحالة أصالة النفسية متفاقمة، على غرار غيرها من أبناء الفنانين الذين سلطت عليهم الأضواء في مراحل مبكرة من حياتهم، والذين شهدت حياتهم منعطفات كبيرة، شخصياً وفنياً، ويمكن دائماً مقارنتها بحالات شريهان أو منة شلبي أو أنغام كأمثلة.
من تابع سيرة أصالة يعرف منحدرات كبيرة شهدتها حياتها، فهي ابنة الفنان السوري مصطفى نصري، وولدت بعيب خلقي يؤثر في حركتها ويظهر خلال سيرها. بدأت أصالة الغناء في مرحلة مبكرة من طفولتها، وأصبحت نجمة سريعاً بسبب صوتها القوي المميز، ورعاية والدها لها، لكنه مات عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها، وعندها توقفت لعدة سنوات عن الغناء تحت تأثير الحزن الشديد، ثم عادت للغناء بدعم من زوجها الأول أيمن الذهبي، الذي تزوجته قبل أن تكمل الثانية والعشرين من عمرها، وظلا معاً نحو 15 سنة متصلة، وأنجبت منه ابنتها شام وابنها خالد.
كانت مرحلة انفصالها عن الذهبي فارقة في مسيرتها، خاصة أن الطلاق لم يتم بهدوء، وعملت وسائل الإعلام طويلا على كشف تفاصيله الصغيرة والكبيرة، ثم تبع الطلاق زواج سريع بعد نحو عام واحد، من زوجها الحالي طارق العريان، والذي أنجبت منه توأماً هما آدم وعلي في 2011.
ولا يمكن أن نتجاهل في السياق الشخصي المشكلات التي أثارها شقيقها أيهم، والتي اعتبرها كثيرون فضائح شخصية كشفها عن شقيقته، وكذا محاولات استخدام شقيقتها الصغرى أماني للإضرار بها.
في ظل كل تلك المشكلات الشخصية والتقلبات العائلية، حافظت أصالة على مسيرة فنية شبه ثابتة، وقدمت ألبومات غنائية بشكل دوري، وحققت ألبوماتها نجاحات كبيرة، لكن ذلك لا يعني أن مشكلاتها الشخصية ليست ذات تأثير على استقرارها النفسي، بل على حياتها بالكلية. ربما كان كل ذلك مبرراً كافياً لتعاطي الكوكايين، إن كانت التهمة حقيقية.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 16 يونيو، 2017

إنهم يستحقون السيسي


كنت منذ اليوم الأول، ضد إطاحة الرئيس المنتخب، لأنني كنت أرى أبعاد الثورة المضادة التي لا تستهدفه وحده، وإنما كل الاستحقاقات التي حققها المصريون عندما ثاروا على منظومة الفساد المالي والإداري والأمني والعسكري، التي كان يجلس على قمتها المخلوع حسني مبارك.
كنت أتوقع المستقبل المظلم الذي تعيشه مصر الآن، قمع وقتل وتقسيم، وإهدار ثروات البلاد في صفقات غاز المتوسط، واتفاقية سد النهضة الإثيوبي، وصولاً إلى التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، أو بالأحرى بيعهما.
كانت خطة إطاحة الرئيس المنتخب تسير على قدم وساق، من دون أن تبذل إدارته أو حتى جماعته شيئاً لإيقافها، لم يكن يخطر ببالي في الأشهر الأخيرة من حكم محمد مرسي، وقوع هذه المجازر الجماعية.
ما حدث كان أقسى من كل الكوابيس، لكنني أحد من صَدَمَتهم بقسوة أكبر حالة الشماتة، والتحريض على مزيد من الدم من جانب أشخاص كانوا قبلها ينتحبون على دماء بضعة أشخاص سقطوا برصاص الشرطة في عهد مرسي.
منذ اليوم الأول لعزل مرسي، في انقلاب عسكري مكتمل الأركان، كنت أصر على أنه لا ضرورة لعودة مرسي إلى الحكم، مهما كانت المبررات التي يسوقها بعض أنصاره كدليل على ضرورة عودته لإسقاط كل الكوارث التي أحدثها السيسي.
كان ومازال الأهم أن تقوم الثورة، وأن يعود الثوار الحقيقيون، وليس نشطاء الثورة الذين ناموا في سرير العسكر، ولا أشك أنها ستقوم، ليس لإعادة مرسي إلى الحكم، ولكن للقصاص من كل من قتل المصريين، سواء في ذلك من قتلوهم بالرصاص أو من قتلوهم بتعليم فاشل ورعاية صحية متدنية وحقوق ضائعة في الداخل والخارج، وكذا من قتلوهم بقبول حكم فاسد قاتل.
قاد السيسي انقلاباً عسكرياً، وحذّر قلة من أنه سيقود البلاد إلى الهاوية، وهؤلاء اتهموا بالخيانة والعمالة وتم التحريض عليهم من أشخاص يدّعون الحرص على الديمقراطية ويزعمون الوطنية.
حكم السيسي أكثر من ثلاث سنوات أوصلت البلاد إلى الحضيض، كان يبشر بأنها ستكون "أد الدنيا"، ثم قال إنها "شبه دولة"، وأشار إلى أنها "طابونة"، وزعم أن أهلها "فقراء أوي"، وعليه الآن، وكذا كل من أيدوه، أن يتحمّلوا التبعات.
أذكر أني كتبت في هذا المكان، قبل ثلاثة سنوات: "تذكروا، عندما يفشل السيسي، وسيفشل قريباً، وعندما تخرجون مجدداً إلى الشوارع تنادون بإسقاط النظام، وستفعلون إن عاجلاً أو آجلاً، تذكروا أن الحكم العسكري لم يجعل أي بلد في العالم دولة محترمة، وأن هتاف (الشعب والجيش يد واحدة) أطلقه العسكر، وأن من سينادي مجدداً بحكم عسكري سيكون خائنا".

إلى أن نلتقي في ميدان التحرير.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الخميس، 15 يونيو، 2017

لهذا اختارت مخابرات السيسي برلمانه.. تيران وصنافير مصرية






من صفحة الموقف المصري على فيسبوك

وإحنا بنشوف مهازل وعار البرلمان، طبيعي نفتكر من الأصل هوا اتشكل ازاي؟ 
 اللي حصل مش مجرد توجيه سياسي زي تفصيل قانون الانتخابات، لكن بنتكلم عن تحكم من المنبع.
في مارس ٢٠١٦ نشر الصحفي حسام بهجت Hossam Bahgat تحقيق مُطول عن تفاصيل تكوين البرلمان. في التحقيق بنشوف ازاي تكونت قائمة "في حب مصر" وحزب "مستقبل وطن" باجتماعات في قصر الاتحادية وفي مقر المخابرات العامة، والعملية أدارها بشكل صريح ظباط بالمخابرات الحربية والعامة مذكورين بأسمائهم، ومن أهمهم رائد المخابرات الحربية أحمد شعبان، اللي رغم انخفاض رتبته اكتسب أهميته لأنه مساعد اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس السيسي اللي كان بيتابع بنفسه كل التفاصيل.
 ورغم إن عدد محدود من النواب المحترمين فازوا على مقاعد فردية، لكن ده لا يغير أن المنافسة كانت فاقدة للعدالة والمصداقية، والغالبية العظمى اختارتهم الأجهزة بالاسم. 
 عشان كده أيدوا بيع الجزيرتين، وأيدوا قبلها كل قرار أمرهم بيه اللي عينهم.
 التحقيق منشور بموقع مدى مصر اللي تم حجبه، عشان كده هنا هننقل نصه مع بعض الاختصار.

**هكذا انتخب السيسي برلمانه**

في أول أيام العام الجاري نشر حازم عبد العظيم، المسئول السابق في حملة ترشح المشير عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية ما أسماه “شهادة حق في برلمان الرئيس“، تضمنت تفاصيل كشفت لأول مرة عن دور جهاز المخابرات العامة في تشكيل قائمة “في حب مصر”... 
تلقى عبد العظيم اتصالاً في شهر يناير ٢٠١٥٥ “من أحد المساعدين المقربين لرئيس الجمهورية، ربما يكون الثالث في الرئاسة…وكنا سويا في حملة الرئيس وقال لي إنه يريد مقابلتي لأمر هام جدا في الاتحادية“.

وفي اجتماع لاحق في نفس الشهر بقصر الاتحادية قال هذا المساعد لعبد العظيم “…نحن نؤسس لقائمة جديدة للدخول للبرلمان وستكون أنت أحد المؤسسين لهذه القائمة”. وقلت: قائمة الجنزوري! وقال: لا. قائمة الجنزوري لن تستمر. ولكن القائمة الجديدة بها أعضاء كانوا على قائمة الجنزوري. ثم اتصل بي في نهاية يناير وقال لي إن أول اجتماع للقائمة سيكون في جهاز المخابرات العامة يوم الثلاثاء 3 فبراير 2015. واندهشت! وقلت لماذا جهاز المخابرات العامة؟ قال لي معلهش أول اجتماع لازم يكون هناك”.

عن هذا الاجتماع كتب عبد العظيم في شهادته ما يلي:

“التاريخ: الثلاثاء ٣ فبراير ٢٠١٥ – الساعة السابعة مساءا
 المكان: قاعة اجتماعات داخل جهاز المخابرات العامة المصرية في دور أرضي
 الغرض من الاجتماع: الإعلان عن قائمة انتخابية جديدة لخوض انتخابات مجلس النواب
 الحضور: على رأس الطاولة وكيل من الجهاز مع أربعة من رجال المخابرات (ثلاثة منهم شباب بين الـ30 والـ40 عاما) وعلى الطرف الآخر مستشار قانوني مقرب جدا من الرئيس والده عضو مجلس النواب من المعينين - أحد المساعدين في مكتب الرئيس برئاسة الجمهورية وهو صاحب الدعوة لي بالحضور - والباقون حوالي 15 من الشخصيات العامة المؤسسة لهذه القائمة وكنت أحدهم. 
 من كان يدير الجلسة ويوجهها هم وكيل جهاز المخابرات من ناحية والمستشار القانوني من ناحية أخرى. تم توزيع أوراق على جميع الحاضرين بها اسم القائمة ووثيقة مبادئ تعبر عن القائمة الانتخابية الجديدة! وكانت “حب مصر”…هي المولود في هذا الاجتماع! نعم داخل جهاز المخابرات العامة المصرية. وسبب حضوري الاجتماع كان بناءً على دعوة موجهة لي من رئاسة الجمهورية”. 
(...)
*****

نحو قائمة "وطنية" 

“…تضمن الدولة سلامة إجراءات الاستفتاءات والانتخابات وحيدتها ونزاهتها، ويحظر استخدام المال العام والمصالح الحكومية والمرافق العامة…في الأغراض السياسية أو الدعاية الانتخابية”
—الدستور المصري، المادة ٨٧

حصل “مدى مصر” من مصدرين منفصلين على معرفة وثيقة بمجريات اجتماع الثالث من فبراير 2015 على قائمة الحاضرين الذين دعاهم مساعد رئيس الجمهورية لهذا الاجتماع التأسيسي بمقر المخابرات: 
 سامح سيف اليزل، ضابط المخابرات السابق والذي سيتم تعيينه فيما بعد منسقاً للقائمة، ومحمود بدر، أحد مؤسسي حركة تمرد التي كانت قد أطلقت مبادرة إسقاط محمد مرسي من الرئاسة في 2013، ومحمد بدران، رئيس حزب “مستقبل وطن” والرئيس السابق لاتحاد طلاب مصر، وطارق الخولي، القيادي المنشق عن حركة 6 إبريل، والجبالي المراغي، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وأسامة هيكل، وزير الإعلام الأسبق في فترة حكم المجلس العسكري، ومقدم البرامج أسامة كمال، والسيد محمود الشريف، نقيب الأشراف الذي سيتم انتخابه لاحقاً وكيلاً لمجلس النواب، وعماد جاد، الباحث السياسي والقيادي السابق بحزبي المصري الديمقراطي ثم المصريين الأحرار، وطاهر أبو زيد، وزير الرياضة الأسبق. وكانت السيدة الوحيدة بين الحاضرين هي آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر.

كافة الحضور ترشحوا فيما بعد على قائمة في حب مصر، وحصلوا بالطبع على مقاعد في مجلس النواب الحالي، باستثناءين هما حازم عبد العظيم، الذي أعلن لاحقاً انسحابه من القائمة، وأسامة كمال الذي قرر بعدها التفرغ لعمله الإعلامي، رغم أن الاجتماع شهد تكليفه متحدثاً رسمياً باسم القائمة. وفي نهاية شهر فبراير أطلق كمال برنامجاً جديداً على فضائية القاهرة والناس بعنوان “سيادة النائب” لتقديم المرشحين المحتملين وبرامجهم للناخبين.

أدار الاجتماع مسئول أشارت إليه المصادر باسم “اللواء إيهاب” وعلم بعض الحاضرين- الذين التقوه يومها للمرة الأولى- لاحقاً أنه وكيل جهاز المخابرات العامة اللواء إيهاب أسعد. وشاركه في تسيير أعمال الاجتماع المحامي محمد أبو شقة، الذي كان قد شغل منصب المستشار القانوني للحملة الرئاسية بتوكيل قانوني من السيسي في2014.
(...)

*****

ضباط الاتصال

“…أكد السيد الرئيس في أكثر من مناسبة أن الدولة تقف على الحياد من كل القوائم وكل المرشحين ولا تتدخل ولا تدعم أيا منهم…ومن هنا نؤكد لحضراتكم أن الدولة ما زالت وستظل تقف على مسافة واحدة من الجميع، ولم ولن تدعم أي قوائم أو أشخاص.”

—المكتب الإعلامي للسيد رئيس جمهورية مصر العربية، المصري اليوم، 4 مارس 2015

كشفت المعلومات التي حصل عليها “مدى مصر” أن المساعد الرئاسي الذي وجه الدعوة للمشاركين في اجتماع 3 فبراير 2015 هو الرائد أحمد شعبان، ضابط المخابرات الحربية الذي لعب الدور الأبرز في تشكيل قوائم المرشحين الموالين للنظام سواء على مقاعد القائمة أو المقاعد الفردية، والذي يعمل معاوناً لصيقا للواء عباس كامل مدير مكتب السيسي في قصر الاتحادية الرئاسي.

لا توجد الكثير من المعلومات المنشورة حول الضابط شعبان، ولكنه اسم معروف في الأوساط الحزبية والإعلامية بوصفه حلقة الاتصال مع رئاسة الجمهورية وخاصة مع اللواء عباس كامل، كاتم أسرار السيسي وأقرب المقربين إليه. وتقتصر الإشارات السابقة إلى اسم شعبان على عدد محدود للغاية من الأخبار والتقارير الصحفية وأعمدة الرأي.

عمل شعبان في السابق مديراً لمكتب المتحدث باسم القوات المسلحة، وفور انتخاب السيسي رئيساً للجمهورية في يوليو 2014 تم انتداب شعبان من وزارة الدفاع إلى مكتب الرئيس، بصحبة كل من اللواء عباس كامل والعقيد أحمد علي، الذي اختفى عن المشهد بعدها بوقت قصير ليصبح شعبان الرجل الثاني في الاتحادية والذراع اليمنى لعباس كامل. 
 تأكد هذا فيما بعد في عدد محدود من مقالات الكتاب الموالين للنظام والتي تضمنت أحياناً تعليقات عابرة تشيد بدوره في التواصل بين الرئاسة والإعلام، مثل مي عزام التي كتبت في المصري اليوم عن ” الرائد أحمد شعبان الذي يعرفه شباب الإعلاميين وشيوخهم، فهو الوسيط بين قصر الاتحادية والإعلاميين…مهمة الرائد الشاب اللبق الذي اختاره الرئيس شخصيا الاتصال برجال الصحافة والإعلام”، وغادة شريف التي أشارت في الصحيفة نفسها إلى شعبان بوصفه “شخص يتسم بالذكاء الخارق… الذكاء المهني والذكاء الاجتماعي، وهما أشد ما يميز الرائد شعبان، وأضف لهذا أدبه الجم واهتمامه الشديد بعمله وتركيزه فيه وهو ما جعله جديرا بثقة الرئيس”، فضلاً عن إشارات مقتضبة حول دور شعبان في هندسة مبادرة “شباب الإعلاميين” الذين يتواصل معهم السيسي في عدة ملفات، من بينها فحص أسماء الشباب المحبوسين بموجب قانون التظاهر ليصدر السيسي قرارات بالعفو عنهم.

كان اللافت أن مخرجات اجتماع الثالث من فبراير، وأسماء بعض المدعوين إليه، بل وموعد المؤتمر الصحفي المخطط لليوم التالي تم تسريبها جميعاً قبل ساعات من انعقاد الاجتماع إلى جريدة اليوم السابع المقربة للأجهزة الأمنية (...).

لم يكن من قبيل المصادفة انفراد اليوم السابع بمخرجات الاجتماع ونشرها قبل أن يعلم بها المشاركون في الاجتماع. فأحد الشباب الحاضرين للاجتماع كان ياسر سليم، الذي قدم نفسه بوصفه ضابطاً سابقاً بالمخابرات العامة ما زال يعمل حالياً بصفة مدنية لصالح الجهاز. سيتولى سليم فيما بعد منصب المنسق الفعلي لقائمة حب مصر، خلف واجهة المنسق المعلن للقائمة اللواء سيف اليزل. كما سيبرز اسم سليم إلى العلن على مدى الشهور التالية كأحد القائمين الرئيسيين على تشكيل المشهد الإعلامي المصري لصالح الجهاز خلف واجهة شركة إعلامية تدعى “بلاك أند وايت”.

فقبل بضعة أشهر من انعقاد الاجتماع، في منتصف 2014، أعلن السيد سليم حصول شركته على كافة الحقوق التسويقية الحصرية لجريدة وموقع اليوم السابع داخل وخارج مصر بالشراكة مع شركة “بروموميديا”. وفي نهاية عام 2015، قامت شركة سليم “بلاك أند وايت” بشراء كامل أسهم موقع “دوت مصر”. 
 وكشف أحد ملاك أسهم الموقع لـ”مدى مصر”-شريطة عدم ذكر اسمه- أن الممولين الإماراتيين (وهم الملاك الفعليون للموقع) اتصلوا به وبكافة الشركاء الاسميين في أوراق الشركة وتم تكليفهم بنقل أسهمهم لياسر سليم وشركائه بعد أن تقرر “نقل ملكية الموقع وإداراته للمخابرات العامة المصرية مباشرة في ضوء تعثر الموقع مهنياً ومالياً” بعد الوفاة المفاجئة لمؤسسه عبد الله كمال في منتصف 2014. 
 وفي الشهر ذاته أعلن التلفزيون المصري توقيع تعاقد مع “بلاك أند وايت” لإنتاج برنامج “توك شو” يومي بعنوان “أنا مصر”. ومع انتشار الهمس ثم التصريح بالتساؤلات حول كون البرنامج الجديد- الذي انطلق في يناير من العام الجاري- من إنتاج جهة سيادية، اضطر رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون عصام الأمير إلى التصريح للصحف بأن “الشركة الراعية ليس لها علاقة بأي جهات سيادية”.

ولم يكن ياسر سليم هو الرابط الوحيد بين صحيفة اليوم السابع وبين المسئولين الأمنيين القائمين على تشكيل القائمة. ففي مطلع 2015 أيضاً أعلنت الصحيفة “انضمام الكاتب الصحفي (ابن الدولة) إلى قائمة كتابها” بعمود يومي. وعلم “مدى مصر” من مصدر رفيع بهيئة تحرير اليوم السابع أن الكاتب المجهول خلف الاسم المستعار هو ذاته الرائد أحمد شعبان. 
 ويبدو أن المعلومة انتشرت سريعاً بشكل واسع في الأوساط الصحفية، ففي مايو 2015 تعرضت صحيفة الوطن لمصادرة عددها الورقي اليومي، وكان السبب مقالاً كتبه مساعد رئيس التحرير علاء الغطريفي بعنوان “الضابط…ابن القصر يكتب” أشار فيه إلى شعبان دون أن يسميه، فكتب “أن يكتب ضابط من القصر كلمات في صحيفة لإحساسه بأن قائده لا يجد من يدافع عنه مسألة تدعو إلى المرارة وتؤشر إلى حالة السيولة، فكأن المؤسسة تبحث عن أصدقاء، رغم أنها جاءت بتأييد شعبي غير مسبوق”.

في صباح اليوم التالي لاجتماع المخابرات، انعقد المؤتمر الصحفي بالفعل للإعلان عن القائمة بفندق سونستا في 4 فبراير بحضور المشاركين في الاجتماع وأعلن فيه سامح سيف اليزل عن إطلاق القائمة. وفي وقت لاحق من نفس الأسبوع عقد القائمون على القائمة مؤتمراً أخر بفندق الماريوت أعلنوا فيه عن دفعة جديدة غير مكتملة من أسماء مرشحيها. 
 عن هذا المؤتمر كتب حازم عبد العظيم في شهادته “بعد ذلك في فندق الماريوت…لا أنسى عندما كانت تأتي الأسماء لسامح سيف اليزل بالتليفون من أحد افراد المخابرات وهو شاب كان حاضر في جميع الاجتماعات وساعتها كنا بنسمع هذه الأسماء لأول مرة على مرأى ومسمع الجميع اثناء العشاء الفاخر!” وذكر بعض من حضروا مؤتمر الماريوت أن الضابط المقصود لم يكن سوى السيد ياسر سليم.

ورغم تكليف سليم بأعمال التنسيق اليومي للقائمة، فإن دور الضابط أحمد شعبان لم يتوقف بالكامل. كشف عن ذلك شاب من إحدى محافظات الوجه القبلي في مقابلة مع “مدى مصر”، ذكر فيها أنه كان أحد الأسماء المرشحة لخوض الانتخابات على قائمة حب مصر كممثل عن إحدى التكتلات المشاركة فيها. يقول الشاب: “في نفس يوم مؤتمر الماريوت [8 فبراير] اتصل بي الرائد أحمد شعبان وقال لي احنا عارفين أنك شاب كويس وبتحب البلد بس مش هينفع تبقى معانا في القائمة لكن أوعدك هتنزل فردي وهننجحك”.

تلقى الشاب ذاته، وفقاً لشهادته لـ”مدى مصر” اتصالاً لاحقاً من الرائد شعبان يطلب مقابلته بعد إعلان تأجيل الانتخابات في الشهر التالي في ضوء حكم القضاء بعدم دستورية بعض مواد قانون الانتخابات الخاصة بعدالة تقسيم الدوائر الانتخابية. “ذهبت لمقابلته في نهاية مارس [2015] في الاتحادية. مكتبه على الشمال بعد ما تطلع سلالم بوابة القصر. لقيته شاب صغير في السن أسمر ورفيع ولابس بدلة رمادي وقال لي إن هو كمان صعيدي، من مركز ببا بني سويف. واستمر الاجتماع 3 ساعات إلا ربع.” 
 يضيف المرشح المستبعد: “سألته هل حضرتك مسئول عن الانتخابات؟ قال لي أيوه يا سيدي. فقلت له أنا خايف على البلد دي لأن كل شيء ماشي بالوسائط والرشوة وشرحت له اعتراضاتي على بعض الأسماء المعلن ترشيحها على قائمة حب مصر. فوجئت أنه بيوافقني على كل اللي باقوله وطلب مني اقتراح أسماء تانية لشخصيات وطنية لتضمينها في القائمة في ضوء تأجيل الانتخابات فاقترحت بعض الأسماء وفي نهاية الاجتماع حلف بالطلاق إني لازم أدخل القائمة”.

لم ينجح الشاب الصعيدي في النهاية في الحصول على مكان في التشكيل النهائي للقائمة، حيث وقع الاختيار على اسم آخر من الكيان الذي ينتمي إليه. لكنه قبل استبعاده شارك في اجتماعات القائمة التي انتقلت للانعقاد في مقرها الرسمي بحي التجمع الخامس، ويتذكر: “ياسر سليم كان بيحضر معانا الاجتماعات على أنه ضابط مخابرات وهو منسق القائمة. بعدها فوجئنا بظهور صوره في الجرايد على أنه رجل أعمال بيفتتح مطعمه الجديد في وسط البلد”. وبالفعل فقد نشرت اليوم السابع في يوليو 2015 خبراً بعنوان “بالصور.. نجوم المجتمع يحتفلون بافتتاح مطعم “باب الخلق” مع رجل الأعمال ياسر سليم.”

لم يستجب أي من السيد أحمد شعبان أو السيد ياسر سليم لعدة اتصالات ورسائل من “مدى مصر” تطلب تعليقهم على محتويات هذا التحقيق.

*****

عقبات في الطريق

“والحق أنكم وصلتم إلى مقاعدكم تلك نتيجة لانتخابات برلمانية تمت في مناخ آمن وأجواء شفافة شهد لها العالم كله بذلك، وكانت نتائج هذه الانتخابات تعبيرا جليا عن إرادة الشعب المصري العظيم”
— من خطاب رئيس الجمهورية أمام مجلس النواب، 13 فبراير 2016

فور الإعلان عن تشكيل قائمة في حب مصر في مطلع 2015 انطلقت الانتقادات العلنية من القوائم والأحزاب المنافسة أو الراغبة في الانضمام إلى “قائمة السيسي” مع توسيع حصة مقاعدها في القائمة. وتصاعدت الانتقادات وحروب التصريحات والبيانات حتى وصلنا إلى اللحظة التي لم يعد فيها من غير المألوف أن تصدر صحيفة يومية كالشروق بتقرير عنوانه “الأمين العام لحزب المؤتمر: الأجهزة الأمنية شكلت قائمة في حب مصر”.

لكن الهجوم الأبرز قاده السيد البدوي رئيس حزب الوفد... أصدر السيد البدوي بياناً رسميا باسم حزب الوفد في 13 فبراير 2015 جاء فيه بمنتهى الوضوح: “كنا على ثقة من قدرة قوائمنا الثلاث على الفوز لقوة مرشحيها وحسن تمثيلهم لمكونات القائمة من محافظات إلى أن فوجئنا بأن قوائم في حب مصر قد تم اختيار أعضائها بمعرفة بعض الأجهزة السيادية في الدولة”.
(...)
 الأمر نفسه عبر عنه نجيب ساويرس، مؤسس وممول حزب المصريين الأحرار... ففي مقاله الأسبوعي بجريدة أخبار اليوم في ديسمبر 2015 كتب ساويرس مبرراً موقف حزبه: “وافقنا على مضض على الدخول في قائمة في حب مصر حتى لا نتهم بشق الصف في ظروف صعبة تمر بها بلادنا، ولكن هل يعقل أن يتم تحزيم البرلمان بائتلاف تحت أي مسمي حتى ولو كان دعم الدولة؟”.

مصدر القلق الحقيقي للقائمين على القائمة كان حيال قائمتين منافستين بالتحديد: أولاهما قائمة تحالف الجبهة المصرية بزعامة أحمد شفيق رئيس حزب الحركة الوطنية، وثانيهما حزب النور، فكلاهما نجح قبل إغلاق باب الترشح في التقدم بمرشحين على كافة مقاعد الدوائر الأربعة المخصصة للقوائم.

جاء الحل في صورة حكم الدستورية العليا ببطلان بعض مواد قوانين الانتخابات في 1 مارس 2015، ليتنفس معاونو الرئيس الصعداء، ويعودوا إلى لوحة الرسم من جديد لإعادة ترتيب صفوفهم بعد أن تأجلت الانتخابات.

أحد أقرب معاوني شفيق والذي يحتل منصباً قيادياً في حزب الحركة الوطنية الذي يرأسه المرشح الرئاسي السابق، قال في مقابلة مع “مدى مصر”- اشترط فيها عدم ذكر اسمه- إن حزبه والتحالف الذي أنشأه الحزب كان جاهزاً للمنافسة بقوة على مقاعد القوائم، لكن عدة عوامل أطاحت بطموحات شفيق وتحالفه. 
(...)
 الأزمة المالية والهجمات الإعلامية أدت لانسحاب عدد من أقوى المرشحين الذين كان تحالف شفيق قد أعلن أسماءهم قبل تأجيل الانتخابات، “بعضهم فهم الرسالة وبعضهم جاءته تعليمات مبطنة أو صريحة بالانضمام لمستقبل وطن وحب مصر”، يضيف المسئول الحزبي، “لدرجة أن نائب رئيس حزبنا علي مصيلحي نفسه نزل الانتخابات وكسب كمستقل بعد ما قرر عدم استخدام اسم الحزب”، في إشارة إلى الوزير السابق والقيادي بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في عهد مبارك. “قبل الانتخابات بشهر ونص الفريق [شفيق] توقف عن متابعة الانتخابات وقال لنا خلاص game over“، يختم المسئول.

تحرك غير بعيد تم اعتماده أيضاً مع حزب النور السلفي الذي كان قد حصل على ربع مقاعد البرلمان في انتخابات 2011. أحد أبرز قياديي الحزب ذكر لـ”مدى مصر” أن “النظام فوجئ بإعدادنا لأربع قوائم على الأربع دوائر بكامل أسماء المرشحين المسيحيين والأعضاء الاحتياطيين. لذلك لم نفاجأ عندما تقرر تأجيل الانتخابات”. 
 بعدها ببضعة أشهر، يقول القيادي السلفي إن الحزب “بدأ يتلقى رسائل، بالأساس من اللواء عباس [مدير مكتب السيسي] للمهندس جلال مرّة [أمين عام حزب النور]”. كانت فحوى رسائل مكتب الرئيس، وفقاً لشهادة القيادي السلفي “من نوع إحنا والله خايفين عليكم، مش كل أجهزة الدولة متقبلاكم، حاولوا تبعدوا عن الاستفزاز، وهكذا. فهمنا الرسالة لأن الدولة عموماً وبعد 3 يوليو [2013] تحديدا اعتادت عدم التعامل معنا بالتصريح والاكتفاء بالرسائل المبطنة”.

من هنا، ومع إعادة فتح باب الترشح في سبتمبر 2015، أعلن حزب النور طواعية الانسحاب من دائرتي الصعيد وشرق الدلتا، والاكتفاء بقائمتين بدلاً من أربعة، “منعاً لاستفزازهم” كما يقول القيادي. 
(...)
 لكن الحاجة ظلت قائمة لتدعيم مقاعد القوائم بعدد غير قليل من المقاعد الفردية من أجل الاقتراب من الأغلبية البرلمانية المريحة، وهو الدور الذي تقرر أن يلعبه حزب مستقبل وطن.

*****

حزب شباب الرئيس

“حزب مستقبل وطن يؤمن كل الإيمان بأن أمن الوطن وسلامة أراضيه هما الأولوية الأولى والمطلقة لدى كل المصريين”
–الصفحة الرسمية لحزب مستقبل وطن.

(...)
 من أجل تتبع صعود الحزب لابد من العودة إلى شهور سابقة على إشهاره رسمياً، وبالتحديد إلى 15 ديسمبر 2013 حين شهدت دار الأوبرا المصرية إطلاق ما يسمى “حملة مستقبل وطن” بحضور 1500 شاب بهدف “دعم الوطن في هذه المرحلة التاريخية التي يمر بها” وبحضور مسئولين كبار في الدولة من بينهم مصطفى حجازي، المستشار السياسي لرئيس الجمهورية المؤقت وقتها عدلي منصور.
(...)
 أحد الأعضاء المؤسسين لحملة مستقبل وطن، كان رئيساً لاتحاد الطلاب بإحدى الجامعات الإقليمية، وصار من المقربين إلى بدران الذي كان قد اعتمد على دعمه في انتخابات اتحاد طلاب مصر. كشف هذا الطالب في مقابلة مع “مدى مصر”- بشرط عدم ذكر اسمه أو محافظته- تفاصيل مثيرة عن المجريات داخل الحملة تشير بمنتهى الوضوح إلى علاقتها العضوية بالدولة ومسئوليها الأمنيين منذ اللحظة الأولى لإطلاقها.

يذكر المصدر أن فكرة مفوضية الشباب أخذت في التراجع بعد عدد من الاجتماعات التي شارك فيها بشأن إنشائها، ثم اختفت تماماً وظهر بدلاً منها مقترح تحويل الفكرة إلى حملة شبابية غير رسمية. واكتشف المصدر فيما بعد أن سبب التحول كان إدراك مسئولي الدولة الجدد أن إنشاء مفوضية رسمية سيخضعها لقوانين الدولة والرقابة على ميزانيتها، بعكس الحملة غير الرسمية التي لن تخضع لأي تنظيم قانوني أو رقابة. 
 ويضيف المصدر: “بعد أن جمعنا عدداً من الأسماء المقترحة لعضوية مفوضية شباب، بدران قال لي إن القيادة السياسية شايفة من الأفضل إطلاق حملة تشبه تمرد. اجتمعنا وحددنا أسماء مقترحة للحملة زي (شباب مصر) و(المستقبل بإيدينا) و(المستقبل لينا). بعدها فوجئنا أن اسم الحملة هو (مستقبل وطن) بدون ما حد يعرف مين اقترح الاسم ده”. وكانت هذه الاجتماعات تعقد بفندق فيرمونت بمصر الجديدة.

كانت التكليف الأول للحملة بعد أقل من شهر على إطلاقها هو حشد الناخبين للتصويت لصالح الدستور الجديد في يناير 2014. تم تعيين الناشط الطلابي مسئولاً للحملة في محافظته، ليبدأ في اكتشاف حقيقة الحملة التي يقول إنه لم يكن يعرفها في البداية: “كان بيجيلنا فلوس كتير للإنفاق على الحملة بدون أي قيود. استأجرنا مقر في أرقى شوارع المحافظة وأنفقنا كتير على تأسيسه وكان عندنا تمويل شهري أكبر من أكبر أحزاب المحافظة”.

كان بدران يرسل له الأموال في صورة سائلة على دفعات “بلغت أحيانا 20 ألف جنيه ونسخ من الدستور الجديد وكراتين عصير” مع مندوب لم يكن المسئول الإقليمي يعرف اسمه.

في أحد الأيام المبكرة لحملة دعم الدستور طلب بدران من مسئول المحافظة أن يذهب إلى مكتب المخابرات الحربية في عاصمة المحافظة لمقابلة ضابط بالاسم (قرر “مدى مصر” عدم نشر اسمه لحماية هوية المصدر). عندما ذهب الناشط المحلي في الموعد ودخل إلى مكتب الضابط أصيب بالذهول. كان هو نفس المندوب اللي بيوصل لي الفلوس، يقول الناشط، مضيفاً أن الضابط “بدأ يكلمني عن الحملة وأن المخطط هو ترشيح أعضاء منها لمجلس النواب بعد كده وأعطاني رقمه وطلب مني عدم الإعلان عن هذا الاجتماع أبداً. ومن بعد الاجتماع ده بقت الفلوس بتوصل لي بشيكات موقع من بدران باسمي مع مندوب من المخابرات الحربية وتوقف الضابط عن الحضور بنفسه لتوصيل الفلوس”. أحد هذه الشيكات، تلقاها عشية اليوم الأول للاستفتاء على الدستور في يناير 2014، وكان الشيك الصادر عن البنك الأهلي المصري بقيمة 150 ألف جنيه.

كان مسئول الحملة في المحافظة يُكلف أحيانا بتنظيم مسيرات أو وقفات لدعم الجيش أو الشرطة أو إدانة الإرهاب، ويقول “كان بيجيلي في حدود 15 أو 20 ألف جنيه من نفس الضابط لتنظيم كل مسيرة وكانت المحافظة بتبعت لنا شباب من بتوع مراكز الشباب ووزارة الشباب والرياضة عشان يشاركوا وكل واحد بياخد 100 جنيه في المسيرة”.

إلى جانب ذلك، كان أعضاء مستقبل وطن الذين يثبتون كفاءتهم يحصلون على وعد بإعفائهم من الخدمة العسكرية الإلزامية بعد إنهاء دراستهم الجامعية. أحد قيادات اتحاد الطلاب بجامعة إقليمية روى لـ”مدى مصر” أنه عندما ذهب إلى المنطقة العسكرية لإنهاء أوراق تجنيده طلب مقابلة ضابط بالاسم، وفقاً لتعليمات من بدران، وأن الضابط التقاه وأنهى إجراءات حصوله على تأجيل خدمته العسكرية لمدة عام، حصل بعده على إعفاء نهائي من التجنيد.

لم يكن بالحملة متطوعون بالمعني التقليدي. فالمسئول الإقليمي يقول إن مقر الحملة التي كان يرأسها في محافظته كان يعمل به موظفون حكوميون كانت المحافظة تمنحهم إجازات تفرغ للعمل بالحملة تحت مسميات بيروقراطية مختلفة.

التكليف التالي بعد إقرار الدستور كان البدء في جمع توكيلات موثقة بالشهر العقاري من الشباب في كل محافظة لمطالبة السيسي بالترشح لمنصب رئيس الجمهورية. يقول المسئول “طلبوا منا ألف توكيل من كل محافظة. التوكيل كانت رسوم استخراجه 15 جنيه لكن كنا بندفع لكل واحد يعمل توكيل 50 جنيه لتشجيع الناس. كان فيه حملات تانية في المحافظة بتنافسنا على إصدار توكيلات أكتر. حملة اسمها (مصر بلدي) مثلا كانت بتدفع في التوكيل الواحد 300 جنيه”.
(...)

المرة الوحيدة التي تواصل فيها المنسق الإقليمي مباشرة مع شعبان كانت مساء اليوم الأول للاقتراع في الانتخابات الرئاسية. يقول “جالي مكالمة من رقم برايفت وقال لي أنا الرائد أحمد شعبان وطلب مني أخلي التليفون مفتوح تاني يوم الساعة 9 الصبح عشان هيجي لي مكالمة من رقم برايفت برضو”. يقول المصدر إنه علم من منسقي الحملة في محافظات أخرى أنهم تلقوا نفس التنبيه، ما دفعه للاعتقاد بأن مكالمة الصباح كانت جماعية وربما كانت رسالة مسجلة. 
 في التاسعة تماماً تلقى منسقو المحافظات المكالمة الموعودة وكان الصوت على الجانب الآخر من الخط هو المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي. “المكالمة كانت غاضبة وكلها زعيق بسبب أن الناس ما نزلتش اللجان في أول يوم خالص. قال لنا أنا مشغل معايا عيال؟ فين الإقبال؟ شدوا حيلكم أكتر مش عايزين نندم أننا اعتمدنا عليكم. عايزين كل الناس تنزل النهارده. وهكذا. حاولنا طول اليوم نشجع الناس تنزل بس ما حدش كان متحمس. في نهاية اليوم قرروا يمدوا التصويت يوم تالت والناس فجأة ظهرت بعربيات وأوتوبيسات والتصويت ارتفع بس برضو بدرجة قليلة”.

(...)
 جاءت الإشارة الرسمية الأبرز لقرب الحزب من السيسي في حفل افتتاح تفريعة قناة السويس في أغسطس 2015، عندما ظهر بدران واقفاً بجوار السيسي على مركب المحروسة أثناء افتتاح القناة. كان هذا الظهور أول إعلان رسمي مبطن برعاية الدولة للحزب وقرب رئيسه من رئيس الجمهورية، وهو ما انعكس بقوة في رأي المراقبين واللاعبين السياسيين على قرار عدد من المرشحين لانتخابات مجلس النواب الانضمام للحزب والنزول باسمه في الانتخابات، فضلاً عن تشجيع كبار رجال الأعمال على تمويل الحزب باعتبارها تكليفاً رئاسياً، وباعتبار مستقبل وطن هو حزب الرئيس الفعلي.

جاءت الإشارة التالية بشأن الرعاية الرسمية لبدران لاحقاً في شهر أغسطس أيضاً، حين كتب الصحفي أحمد رفعت مقالاً في العدد الأسبوعي لجريدة الصباح بعنوان “كيف تصبح طفلا للرئيس في تسع خطوات”، انتقد فيه مواقف بدران التي أدت لصعوده السريع ليقف بجوار السيسي في افتتاح القناة. رفض القائمون على مطابع الأهرام طباعة عدد الجريدة بعد تدخل جهة أمنية غير معروفة، واضطرت الجريدة لحذف المقال من نسختها المطبوعة قبل أن يسمح بطباعة عددها الذي صدر متأخراً. وصلت الرسالة للجميع بأن بدران قد أصبح فوق النقد.
(...)
 مثل بدران، كان أشرف رشاد عضواً بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في مسقط رأسه بمحافظة قنا، قبل أن يعلن استقالته من الحزب بعد الثلاثين من يونيو 2013. لكن علاقتهما تعود إلى ما قبل الثورة، حيث كان رشاد أيضا رئيساً لاتحاد طلاب جامعة أسيوط في 2010، واحتضن بدران بعد ثورة يناير وكان داعمه الرئيسي للحصول على مقعد رئيس اتحاد طلاب مصر. 

“مدى مصر” التقى رشاد مؤخراً بمقر الحزب الفخم بمصر الجديدة، وهي نفس الفيلا متعددة الطوابق التي كان قد تم تخصيصها لحملة مستقبل وطن قبل إشهار الحزب... يجلس رشاد- البالغ من العمر 31 عاماً- مرتدياً جلباباً صعيديا على مكتب يحمل صورة لبدران مع السيسي، وخلفه على الحائط بورتريه مرسوم لبدران. يقول “علاقتي بمحمد [بدران] أبوية وباعتبره ابني البكري وهو مشروع عمري”، رداً على سؤال بشأن سر الاختفاء المفاجئ لسلفه وتنصيبه بديلاً له دون مقدمات، على خلفية شائعات ترددت بشأن خلاف نشأ بينهما بشأن الانضمام لائتلاف دعم مصر في مجلس النواب والذي رفضه بدران وأيده رشاد. يصر رشاد أن سفر بدران كان مقرراً قبلها بعام كامل، ويقول إنه يدرس علوم الإدارة والاقتصاد والسياسة في “جامعة بروكلين”.
(...)
 لكن المفاجأة هي أن رشاد أنه لم ينكر العلاقة الوثيقة لحزبه بجهاز المخابرات الحربية بالذات. فحين سألناه لماذا تذكر المخابرات الحربية كلما ذكر حزب مستقبل وطن أجاب بمنتهى الوضوح: “لأننا في وقت ظهورنا في 2013 كانت المخابرات الحربية لاعب أساسي في الساحة السياسية بعد ثورة ٣٠ يونيو ومن بين كل قيادات الدولة كانوا أكثر من تحمس لنا ودعمونا وساعدونا في التواصل في المحافظات خاصة على مستوى القيادات التنفيذية”.

*****

مصارين البطن تتعارك

(...)
 كانت الخطوة الأولى في تنفيذ هذه المهمة هي صياغة قانون انتخابي يضمن عناصر ثلاثة: هيمنة للمرشحين الفرديين على حساب القوائم الحزبية ليكون برلماناً أقل تسييساً من سابقه؛ ونسبة مخصصة لقوائم مغلقة تحصل في حالة فوزها على كافة المقاعد بصرف النظر عن نسبة الأصوات التي حصلت عليها القوائم المنافسة، على عكس نظام القوائم النسبية المعتمد في برلمان 2012 والذي ضمن لكل قائمة عدداً من المقاعد يتناسب مع عدد الأصوات التي حصلت عليها؛ وأخيرا أن تشكل المقاعد المخصصة للقائمة كتلة مضمونة من النواب المؤيدين للرئيس يمكن لها، بعد إضافة مقاعد المرشحين الفرديين الموالين للرئيس، أن تنتج أغلبية مريحة من ثلثي أصوات النواب أو أكثر. 

مع تولي المخابرات العامة مسئولية تشكيل ودعم قائمة “في حب مصر” وتولي المخابرات الحربية دور تأسيس ودعم حزب “مستقبل وطن”، ترك ذلك شعورا بالاستبعاد، وربما الضيق، لدى قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، وهو الضلع الثالث في مثلث أجهزة الأمن السياسي في البلاد.

كان جهاز أمن الدولة (قبل تغيير اسمه إلى قطاع الأمن الوطني) قبل ثورة يناير هو المسئول الأساسي عن هندسة المشهد السياسي والبرلماني والتواصل مع الأحزاب والنواب بالعصا والجزرة حسب الاحتياج. وفي المقابلات التي أجراها “مدى مصر” مع لاعبين سياسيين كثر تواترت الإشارات إلى شعور قيادات الأمن الوطني بأن الاضطراب الذي تشهده الساحة السياسية والبرلمانية حاليا يرجع إلى تهميش دورهم واستبدالهم بمسئولين أمنيين من أجهزة أخرى لا يملكون أي خبرة سابقة في إدارة الانتخابات أو توجيه البرلمانات.

فعلى الرغم من النجاح الظاهري الذي حققه اللاعبون الأمنيون الجدد بفضل جهودهم الحثيثة والمنسّقة، بدءاً من حصول قائمة “حب مصر” على كافة مقاعد القوائم، ومرورا بتحولها إلى “ائتلاف دعم مصر” داخل المجلس بعد ضم أغلب الأحزاب والمستقلين الموالين، وانتهاء بانتزاع مقعد رئيس المجلس للدكتور علي عبد العال- مرشح “حب مصر” عن دائرة الصعيد وأستاذ القانون الذي نال المنصب بعد توليه صياغة قوانين النظم الانتخابية منذ 2014- فإن مسئولي الرئاسة والأجهزة “السيادية” انتهى بهم الأمر إلى نيل عقاب لم يتوقعوه: حصل النظام على أكثرية دون أغلبية، وأصبحت وسائل الإعلام تحفل كل يوم بأخبار تستعرض فشل قيادات الدولة والبرلمان والأجهزة في السيطرة على مئات النواب الذين تم اختيارهم بعناية على أساس وحيد هو الولاء للنظام الحالي دون أن يجمعهم أي شعور بالتقارب الأيديولوجي أو الالتزام الحزبي أو حتى المصلحة المشتركة.

(...)
 بعض أعضاء المجلس الحالي ذكروا لـ”مدى مصر”- بشرط عدم ذكر أسمائهم- أن صراعات النفوذ بين الأجهزة الأمنية الثلاثة ليست بعيدة عن هذا الأداء المخيب لآمال النظام حتى الآن. أحد النواب قال إن أعضاء المجلس أصبحوا ينتظرون مداخلات النائب عبد الرحيم علي ليعرفوا توجهات قطاع الأمن الوطني، وهي التوجهات التي تأتي عادة في مواجهة مداخلات سامح سيف اليزل وأسامة هيكل المعبرة عن رأي المخابرات العامة، بحسب النائب، الذي يشير إلى أن هذا التوتر تعبر عنه أيضاً المواجهات الإعلامية بين جريدة البوابة لصاحبها عبد الرحيم علي في مواجهة جريدة اليوم السابع وثيقة الصلة بجهازي المخابرات.

بعض هذه التوترات كان قد بدأ في الظهور في مرحلة التحضير للانتخابات قبل انعقاد المجلس بأشهر. فمنسق مستقبل وطن في محافظة الوجه البحري يقول إن محمد بدران كلفه باقتراح أسماء من محافظته لترشيحهم على قوائم الحزب قبل الانتخابات بعام كامل، في أكتوبر 2014، ليتلقى بعدها اتصالاً من مفتش الأمن الوطني بالمحافظة ليملي عليه بعض الأسماء التي يتوجب أن يرسلها لبدران في القاهرة. ويضيف “بعدها كلمني مدير فرع المخابرات الحربية وطلب مني حذف بعض الأسماء من القائمة قبل إرسالها، وأحد هذه الأسماء كان الأمن الوطني هو اللي قال لي أحطها في القائمة. بعدين طلبوني لأول مرة أروح مكتب المخابرات العامة في [عاصمة المحافظة] وسلموني قائمة تانية بأسماء مختلفة. كل جهاز كان بيدفع مرشحيه”.

وبالمثل، فإن القيادي الشبابي من محافظة الصعيد الذي تم استبعاده لاحقاً من قائمة حب مصر ذكر لـ”مدى مصر” أنه كان كلما عاد من أحد اجتماعات تشكيل القائمة في القاهرة يتلقى اتصالا من مفتش الأمن الوطني بمحافظته ليسأله عن تطوارت تشكيل القائمة: “كل مكالمة بنفس المحتوى، إيه الأخبار؟ مفيش تطورات؟ كان بيكلمني بس عشان يعرف آخر أخبار القائمة. واضح أنهم مكانوش بيكلموا بعض”، يضيف القيادي متعجباً.

هذه الصراعات المكتومة بين الأجهزة ينتظر أن تأخذ منحى جديداُ في الأشهر القادمة، مع اقتراب موعد عقد انتخابات المجالس المحلية للمرة الأولى منذ ثورة يناير والتي ستسفر عن انتخاب 55 ألف عضو في أنحاء الجمهورية. فبعض الأعضاء السابقين بحزب مستقبل وطن قالوا لـ”مدى مصر” إنهم يجري التواصل معهم حالياً للانضمام لكيان يدعى “جبهة شباب مصري“ التي يدعمها الأمن الوطني لتصبح بديلا عن حزب مستقبل وطن الخاضع لسيطرة المخابرات الحربية (...).

*****
التحقيق من موقع مدى مصر: http://bit.ly/2tn6lsi Mada
لتجاوز الحجب: https://hide.me/en/proxy
نص شهادة د.حازم عبدالعظيم: http://bit.ly/2sqMwTQ
كل ما تحتاجه عن حملة الضغط على النواب: http://bit.ly/2reYX5Q



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة