السبت، 10 نوفمبر 2018

نقاب وبكيني

في أواخر 2012، جمعني نقاش جاد بصديقة سابقة حول أسباب رفضها لبقاء الرئيس المنتخب الذي كان يحاول حكم مصر وقتها محمد مرسي، كنت متفقا مع ضرورة معارضته، لكني لم أكن حينها أفهم مبررات الكراهية، خصوصا وأننا كنا بعد الثورة  نحاول التخلص من ميراث طويل من الضغائن المتبادلة الذي زرعه في المجتمع النظام السابق.
تجادلنا حول المشكلات، فلم تستطع أن تقنعني بأي تبرير، لا سياسيا ولا اقتصاديا، إذ كانت كل مبرراتها تمييزية.
كانت ترى نفسها أكثر حداثة من أفراد الجماعة التي ينتمي إليها مرسي، وأن مظهر وملابس زوجته، وزوجات وأبناء مساعديه لا تشبه مظهرها ولا ملابسها، وبينما هي تحب لحية بعض الرجال، إلا أنها تكره تلك "اللحية الإخوانية" كما أسمتها.
واجهتها بما في انتقاداتها من استعلاء وعنصرية، ففاجئتني بمبرر جديد صاعق؛ قالت: هؤلاء سيمنعونني وغيري من ارتداء (البكيني)، فهل ترضى أنت بهذا! ألا تحب أن تشاهدني بالبكيني؟.
عندها توقفت عن النقاش تماما، إذ كنت مقتنعا وقتها، أن غضبها نابع من كراهية مفرطة لمحاولات دمج الملتزمون، أو المتزمتون دينيا في المجتمع، لكني اكتشفت لاحقا علاقتها بأجهزة أمنية كانت مسؤولة عن تدبير الانقلاب على الثورة بزعم التخلص من حكم الإخوان، واستعادة الجيش السيطرة على الحكم في البلاد.
تذكرت هذا النقاش مؤخرا مع عودة تفجر الحديث حول حظر ارتداء النقاب في مصر، وسعي نائبة مجهولة مع نائب محسوب على الأجهزة الأمنية إلى استصدار قانون بحظر ارتداءه من البرلمان، بزعم أنه إخفاء وجه المرأة يمثل مخاطر أمنية على المجتمع.
الحديث نفسه تكرر سابقا عبر شخصيات يجمعها الولاء للنظام والنقمة الواضحة على كل معارضيه، وخصوصا من يصطلح على تسميتهم "تيار الإسلام السياسي".
قبل أكثر من عامين، نقلت صحيفة "تليغراف" عن مسؤول كبير في الشرطة البريطانية أن نقاشا رسميا جرى حول السماح للشرطيات بارتداء "البرقع"، وإن لم يتم إقراره، علما أن الشرطيات المسلمات يسمح لهن بارتداء غطاء الرأس "الحجاب" منذ سنوات.
الأصل أن ملابس النساء ملك لهن، وتحكمها قراراتهن النابعة عن حريتهن الشخصية، فضلا عن بعض القيود المجتمعية والدينية، فإن كنت ترفض محاولات إلزام من يقررن كشف أجزاء من جسدهن بتغطيتها، فعليك رفض محاولات إلزام الأخريات اللائي قررن تغطية مساحات أكبر من أجسادهن بتعريتها.
بعض من يدعون الحداثة في بلاد العرب يصرون على أن التعري حق أصيل للنساء، وهؤلاء أنفسهم يعتبرون الحجاب تخلفا، متجاهلين الحق في الاختيار وفق قواعد المساواة التي يبشرون بها.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الجمعة، 28 سبتمبر 2018

عربي ممنوع من الدخول


تختلف الأنظمة العربية لأسباب غير منطقية على الأغلب، وأحياناً بسبب الغيرة أو الحسد، فتتأثر على الفور حياة شعوبها التي تربطها علاقات نسب ومصاهرة. أوّل الإجراءات التعسفية عادة يتمثل في منع تنقل الأشخاص بين الدول بحجة الحفاظ على الأمن القومي. تكرر الأمر كثيراً حتى بات يمكن اعتباره جزءاً من اليوميات العربية، ويمكنك أن تسمع من أجيال مختلفة قصصاً عجيبة، بعضها كوميدي، عما يجري خلال فترات الخلاف، غزو العراق للكويت، أو التدخل السوري في لبنان كمثالين، وبعض الأزمات ما زالت قائمة مثل حصار قطر، أو التدخل العسكري السعودي الإماراتي في اليمن. تداعيات الخلافات السياسية دائماً كارثية على الأفراد، خصوصاً الأسر التي تتشتت بسبب منع بعض أفرادها من التجمع على خلفية منعهم من دخول أحد البلدان، أو رفض منحهم تأشيرات دخول. السنوات الأخيرة شهدت تطورات عدة في أزمات تنقل الأفراد، فوصلنا إلى المنع من أداء شعائر الحج والعمرة بسبب الجنسية، أو الإقامة في بلدان على خلاف مع السعودية، أو للمعترضين على قرارات حكام المملكة التي تكرر الزعم بأنها تسير على درب الحداثة. في موسم الحج الماضي انتشرت تفاصيل كثيرة حول منح السعودية تأشيرات مجانية بالمئات لمليشيات طائفية في العراق، ولقائد حزب مسيحي في لبنان، في حين واصلت منع المواطنين والمقيمين في قطر للعام الثاني على التوالي، وضيقت على جميع المعارضين لسياساتها، وخصوصاً اليمنيين والسوريين. حالياً، يواجه من يحملون وثائق السفر الفلسطينية أشكالاً متباينة من المنع من دخول السعودية لأداء مناسك العمرة، وفي حين يؤكد لاجئون فلسطينيون في لبنان والأردن وغيرهما من بلدان اللجوء، أنّهم ممنوعون، أو غير قادرين على الحصول على تأشيرة دخول، تواصل السلطات السعودية الصمت أو التجاهل. ليس المنع قاصراً على السعودية، فقبل أيام، قامت السلطات في مصر بترحيل الممثل الفلسطيني علي سليمان، من مطار الغردقة الذي وصله للمشاركة عضواً في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان الجونة السينمائي، كما رفضت منح تأشيرة دخول للمخرج الفلسطيني زياد بكري، رغم أنّ فيلمه مشارك في المهرجان نفسه، ورفضت منح تأشيرة دخول للمخرجة السورية سؤدد كنعان، وكذا بطلة فيلمها المشارك في المهرجان "يوم أضعت ظلي"، السورية سوسن أرشيد. الواقع أنّ فرض تأشيرات دخول بين الدول العربية أمر يجب إنهاؤه فوراً، وربما لو أنّ جامعة الدول العربية مؤسسة حقيقية لكان ذلك أولى مهامها. في المقابل، تتبارى الأنظمة العربية في السماح لغير العرب بدخول أراضيها من دون قيود.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 16 سبتمبر 2018

وقيعة منى المذبوح



أبديت تعاطفي مع اللبنانية منى المذبوح عند اعتقالها في مصر، على خلفية مقطع فيديو طويل لها، ورد فيه إهانات عدة لكل المصريين بحجة أنها تعرضت للتحرش. لم يكن تعاطفي معها لأنها بريئة، فما قالته في الفيديو من ألفاظ مسيئة لا يمكن تجاهله، وإنما كان تركيزي منصبا على تحويل الموضوع التافه إلى خلاف بين الشعبين بعد الانتشار المقصود لمقطع الفيديو الذي كان يمكن أن يمر بلا ضجة، لولا أن قرر أحدهم، على الأغلب في السلطة المصرية، تحويله إلى قضية وطنية، والذي يفسره التركيز الواسع من الإعلام الموالي للنظام عليه. أخطأت منى المذبوح، لا شك في هذا، وكان اعتذارها كافيا لإغلاق الموضوع، لكن تصوير هذا الخطأ الفردي باعتباره خطيئة كان مدبرا، واعتقالها والحكم بسجنها لعدة سنوات أمر مستهجن، كما أن تهجم بعض المصريين على كل النساء اللبنانيات بسببها تجاوز لا يمكن قبوله. لكن أبرز ما لفتني عند تفجر القضية كان المحاولات الجادة لتسييسها، في مصر وفي لبنان على حد سواء، فالحكومة المصرية، ووسائل الإعلام التابعة لها، قررت الانتقام لكرامة المصريين المهدرة على يد السائحة اللبنانية، متجاهلة كل الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن المصري يوميا بسبب فشلها في شتى المجالات. والأشقاء اللبنانيين قرروا استغلال القضية للهجوم على حكومتهم لتصريف الأعمال بحجة أنها لم تتصد للدفاع عن المواطنة المعتقلة في القاهرة، ولما تدخلت تلك الحكومة أخيرا، تحولت فجأة الاتهامات الساخنة إلى بيانات متكررة لشكر الحكومة على القيام بدورها، متجاهلة كل فشلها الواضح الذي يعاني بسببه كل لبناني. فور وصولها إلى لبنان فجر الجمعة الماضي، قالت منى المذبوح للصحافيين: "ما قمت به لم يكن بإرادتي بل بسبب تعرضي لعدة مواقف غير لطيفة". استوقفتني تلك الجملة طويلا، إذ لم أفهم تحديدا ما الذي تعنيه، فهل سجلت مقطع الفيديو وهي غائبة عن الوعي؟ هل كانت تحت تأثير مخدر أو كحول؟ المؤكد أنه لا يحق لكل من يتعرض لمواقف "غير لطيفة" في بلد توجيه الإهانات إلى كامل الشعب، لا في مصر ولا في لبنان. لا أشكك في وجود جريمة التحرش في مصر، وفي لبنان كذلك، ولو صح أن المذبوح تعرضت للتحرش، فلا يمكن الإساءة إلى كل المصريين. إن كان بعض المصريين متحرشين، فلا يعني ذلك بالضرورة أن كلهم كذلك. وإن كانت المذبوح بذيئة اللسان، فلا يعني ذلك بالضرورة أن كل اللبنانيات كذلك. الطبيعي ألا يستدرجنا الغضب إلى الخطأ، وعلينا أن نتعلم من تلك الواقعة ضرورة عدم السماح للحكومات باستغلالنا في مخططاتها للتعمية على تكرار فشلها.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

إسلاميون أم مسلمون؟


لا أحد يعرف على وجه التحديد أسباب الانحدار الذي يتفشى في المجتمعات العربية، وإن كان هناك مؤشرات تؤكد مسؤولية الاستبداد والفساد والتسلط، فضلا عن تدني مستوى التعليم الذي ينتج أجيالا محدودة الوعي، أو ذات وعي مشوه. قبل أيام تفجر بيني وبين أصدقاء نقاش طويل حول من يطلق عليهم في بلادنا وصف "الإسلاميون"، وكان النقاش حادا وفيه تجاوزات تؤكد تردي الوعي العربي. كان رأيي أن وصف "الإسلاميون" أشمل من صفة "المسلمون"، وأن حصر إطلاقه على جماعات مثل الإخوان المسلمين أو السلفيين خطأ شائع مقصود. لكن هذا لم يعجب من أناقشهم، وهم ينتمون إلى خلفيات ثقافية وأيدلوجية متباينة، وقد أوضحت رأيي مؤكدا أن الإسلامي هو من يعيش في مجتمع غالبيته من المسلمين، وقد يكون غير مسلم، وأن هذا يؤثر على أفكاره وتصرفاته، ويتحكم في انحيازاته، متأثرا بالتقاليد والأعراف والقوانين، وحتى خرافات المجتمع الذي يعيش فيه. ومن أسف أن غالبية من يعيشون في المجتمعات الإسلامية علاقتهم بالحريات والديمقراطية والمساواة محدودة، وهي علاقة متغيرة بتغير الحكام، أو بتغير المفاهيم الرائجة حول القضايا المطروحة، وفي أحيان كثيرة تفرض عليهم من الخارج مفاهيم مخالفة لكل ما اعتادوا عليه، فيستجيبون لها دون تبصر وفق مزاعم التنوير أو التطوير. هؤلاء أنفسهم، لديهم مئات التابوهات التي يجب تفكيكها قبل محاولة التجانس مع العصر، ولديهم آلاف الأفكار البالية التي عليهم تجاوزها ليفهمهم الأخرين، كما ينبغي عليهم العمل على معلومات وشروحات خاصة بعشرات من مبادئهم ورموزهم التي يستخدمونها يوميا، لأن المجتمع يجهلها، أو معلوماته المتاحة عنها مغلوطة، وهذا بديل أساسي للتباكي على عدم فهم العالم للنظريات المؤسسة لأفكارهم. الواقع أن التباكي لا يعيد الحقوق، ولا يحقق مستقبلا. فالاحتلال الإسرائيلي لازال بعد عقود، يستغل الهولوكوست لابتزاز العالم، لكنهم في الوقت ذاته يعملون ليل نهار على امتلاك مصادر القوة، وألمانيا التي انهارت ودمرت تماما بعد هزيمة أدولف هتلر على أيدي الحلفاء، لم تركن إلى التاريخ والبكاء، وإنما عملت بكل جهد حتى باتت اليوم قوة لا يستهان بها، كما أن الإمبراطورية اليابانية التي فجعتها القنبلة النووية نهضت مجددا في زمن قياسي. طرح خلال النقاش أيضا أن هؤلاء الذين أسميهم "الإسلاميون" غير مؤهلين لملاحقة التطور العالمي، وهو زعم كاذب بالكلية، ولاشك أن المليارات تنفق لترويجه، حتى صدقه البعض، فتفوق الإسلاميين علميا وثقافيا وعسكريا استمر قرونا، وتكرار ذلك ممكن لو أنهم استفاقوا.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 2 سبتمبر 2018

المساواة في التحرش



يتجدد الحديث حول جريمة التحرش كل فترة مع تكرار اعلان اتهام أشخاص بهذا الجرم، عربيا أو عالميا، ورغم أن التحرش جريمة قديمة، إلا أن التطور الكبير لوسائل التواصل بات سببا مباشرا في زيادة انتشاره، لكنه في الوقت ذاته ساهم في زيادة نطاق الحديث عن مخاطره وكذا ضرورة تشديد عقوباته. المثير أن البعض لازال يجادل في تعريف التحرش، وفي مدى خطورته، ويختلف كثيرون حول الفرق بين التحرش اللفظي والتحرش المادي، في حين أن أحدهما على الأغلب يؤدي إلى الأخر، أو يكون له نفس التأثير النفسي على الضحية. بين المسلمات الرائجة أن المجتمع العربي ذكوري الطابع، والواقع أن العالم كله متهم بذلك، بينما يفاقم الأمور عربيا تلك الطبيعة الأبوية الشائعة في كل بلدانه، شرقا وغربا، والتي تتعامل مع الرجل باعتباره مسؤولا عن كل شيء، وتتعامل مع المرأة باعتبارها تابعا، أو تضعها في مرتبة متأخرة عن الرجال. وفي حين تعرف كثير من المجتمعات العربية، خصوصا الريفية والبدوية، مكانة لائقة لا يمكن تجاهلها للنساء، إلا أن ذلك لا يمنع، ولم يمنع يوما، إقرار النسوة أنفسهن بأهمية إبراز السمة الذكورية للمجتمعات التي يعشن فيها، حتى أنك تستطيع ملاحظة ذلك ببساطة في المقولات الشائعة، وفي الأمثال الشعبية، وحتى في الأغاني الرائجة. في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن المساواة بين الجنسين أحد أهم الظواهر العربية، وتفرد لها وسائل الإعلام مساحات نقاش، وتكرر الحكومات الزعم بانها تطبق المساواة، وانطلق البعض من ذلك إلى طرح قضايا جدلية، مثل المساواة في الميراث، أو تجنيد الفتيات. لكن أحدا لا يتحدث أبدا عن المساواة بين الجنسين في جريمة التحرش. المتداول أن الرجال فقط يتحرشون بالنساء، وأنهم وحوش طليقة تطارد فرائسها من الإناث في كل مكان، بينما الواقع يؤكد أن النساء أيضا يتحرشن بالرجال، وإن كان على نطاق أقل. لكن لا يمكن بحال التفريق بين ارتكاب أي من الجنسين للجريمة وفقا لمبدأ المساواة. ربما يكمن الفارق في أن غالبية النساء يرفعن الصوت بالشكوى من تحرش الرجال، ويعتبرنها جريمة ضد أنوثتهن، وهي كذلك. ولاشك أن بعضهن يشتكين من التحرش دون أن يتحرش بهن أحد لإظهار أنهن مرغوبات، أو لدفع الرجال من حولهن للاهتمام بهن. في حين أن غالبية الرجال الذين يتعرضون للتحرش من النساء يتفاخرون بالأمر، ويعتبرونه دليلا على فحولتهم، ونادرا ما يشكو رجل من تحرش امرأة خشية سخرية رفاقه، وإن فعل فإنه يسميه توددا، ولاشك أن بعضهم يدعي زورا أن إحداهن تحرشت به، أو يختلق قصصا حول تقرب النساء منه.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 26 أغسطس 2018

النموذج العربي


يظن كثيرون أن الحكومات العربية هي الأسوأ على كوكب الأرض، وربما كان لديهم بعض الحق، لكن حكوماتنا تتشابه في كثير من الأمور مع غالبية حكومات العالم، فجميع الحكومات تتسم بأشكال متباينة من الفساد والتضليل والكذب. أول مبادئ علم الصحافة، حسب خلاصة خبرة الصحافي الاستقصائي وأستاذ علم الصحافة الأميركي، أي إف ستون: "الحكومات تكذب. كل الحكومات تكذب". الفارق أن العديد من الدول أقرت مبدأ تداول السلطة الذي يجعل الحكومة تفكر ألف مرة قبل أن تكذب على شعبها أو تنهب ثرواته، خوفا من يوم حساب، وإن تأخر. لازال مبدأ تداول السلطة مرفوضا في غالبية بلادنا، حتى أن الدول العربية القليلة التي عرفت تداولا شكليا للسلطة لم تتمكن بعد من إقراره كمبدأ، لكني لا أشك أن هذا الوضع سيتغير رغما عن الجميع. كانت لملوك أوروبا سلطات شبه إلهية قبل أقل من مائتي سنة. كان الملك يكرر أنه يحكم باسم الرب، ولا يعارضه رجال الدين. مثلما هو حال عدد من منافقي بعض الحكام العرب. حاليا كل ملوك أوروبا يملكون ولا يحكمون، والوضع مماثل في عدد كبير من ممالك أسيا. كان للكنيسة في أوروبا قبل بضعة قرون سطوة كبيرة على المجتمع، وقامت حروب بين الدول لمجرد اختلاف الكنائس. الكنائس الأوربية حاليا ليس لها نفس القوة، ولا السطوة الروحية القديمة. السيطرة على قرار الفاتيكان مثلا، كان سببا في صراعات دموية بين الدول الأوربية، إلى أن تم إقرار الفاتيكان دولة مستقلة لا تخضع لأي دولة، وإن كانت هناك ضغوط دائمة. يوما ما ستتغير بلادنا أيضا، والتغيير أصبح سريعا بحكم العصر، فما كان يستغرق في الماضي مائة سنة قد لا يستغرق حاليا عشر سنوات، وقد لا يستغرق في المستقبل سنة واحدة. يرى صديقي الهولندي أن غالبية مشاكلنا يمكن تجاوزها بسهولة لو أننا نرغب في تجاوزها. أجادله كثيرا، وأعترض على مقترحاته التي لا تناسب الواقع العربي، لكنه يواصل التأكيد على أن المشكلات العربية سببها العرب أنفسهم. لا يفهم صديقي الباحث الهولندي لماذا تتحكم السعودية وحدها في مكة والمدينة، ولا كيف يوافق أكثر من مليار مسلم في عشرات من دول العالم أن تسمح دولة واحدة لمن تشاء أو تمنع من تشاء من زيارة الأماكن المقدسة، والحل في رأيه هو تطبيق النموذج الفاتيكاني. أخبره أن هناك محاولات لطرح قضية "تدويل الحرمين"، لكنها لا تلقى دعما من أغلب الدول الإسلامية، فيكرر: قلت لك أنكم سبب مشاكلكم، قبل أن ينتقل إلى قضية أخرى شائكة قائلا: لو بدأت قضية التدويل فإنها لن تتوقف عند مكة والمدينة، وإنما ستمتد أيضا إلى وضع القدس.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 19 أغسطس 2018

أصل الداء العربي


اعتبر عدد كبير من العرب على مواقع التواصل، وصول بضعة من المهاجرين العرب، أو المسلمين، إلى مراكز صنع القرار في عدد من دول العالم، أمر يستحق عقد الأفراح وأنه بداية لليال الملاح، دون أن يكون لذلك أية مؤشرات. المنطق يقول إن الأهم من اختيار منتمين إلى بلادنا أو ثقافتنا في برلمانات غربية، أن يكون لهؤلاء دور حقيقي أو مؤثر في تغيير مواقف تلك البلاد التي باتوا يحملون جنسيتها من بلادنا التي كانوا، أو آباءهم، يحملون يوما جنسيتها. أما مجرد حصولهم على المناصب فهو محض خبر عادي. طالبت بعض الأصدقاء بضرورة تأجيل الاحتفال إلى حين حصول ما يستحق، فإن اتخذ أحدهم أو إحداهن، موقفا يستحق الاحتفال، فلنحتفل ونرقص ونغني، أما أن نحتفل "قبل الهنا بسنة"، فهذا أمر مؤسف، خصوصا وأن تجاربنا في هذا السياق لا تبشر بخير. لكن أصدقائي أصروا على أنها فرصة فرح علينا اقتناصها. تعالوا نستعرض بعض الوقائع: الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أصول أوربية، جده ألماني، لكن ها هو يستعدي أوروبا كلها، بفرض رسوم وضرائب واعلان ما يشبه الحرب الاقتصادية. والرئيس الأميركي السابق باراك أوباما من أصول أفريقية، أبوه من كينيا، فماذا فعل لصالح أفريقيا غير الخطابات الرنانة؟ عمدة لندن صادق خان مسلم باكستاني الأصل، فهل له دور واضح في مواجهة الإسلاموفوبيا في بريطانيا؟ عين أكثر من وزير ووزيرة من أصول عربية، غالبيتهم من دول المغرب العربي، في حكومات فرنسا المتعاقبة، فهل عمل أيهم على دفع فرنسا للاعتذار عن عقود من احتلال بلدانهم الأصلية؟ معلوم أيضا أن عدد من دول أميركا الجنوبية حكمها أبناء مهاجرون عرب، فهل استفاد العرب من هذه الدول خلال فترات حكم هؤلاء لها؟ ولا يجهل أحد أن للعرب استثمارات بالمليارات في الدول الكبرى، فضلا عن صفقات السلاح التي لا تتوقف، فهل استفادت الشعوب العربية بأي شكل مما تمثله تلك الاستثمارات؟ أو غيرت تلك الأموال المتدفقة من طريقة تعامل تلك الدول معنا، أو نظرة بعضها الدونية إلينا؟ يقول صديقي إنها ليست استثمارات وإنما ضريبة يدفعها حكامنا لحماية عروشهم. الخلاصة أن المجتمع العربي مريض، ولا فارق يذكر يحسب لاختلاف التصنيف الديني أو القومي أو الثقافي، فالكل سواء للأسف، وأصل الداء هو الاستبداد، وعندما يتحرر العرب، عسى أن يكون قريبا، سيكون الشفاء. لكن التحرر هو الخطر الأكبر على المستبدين الذين يحرصون على عدم حصولنا على الحرية حتى لا نرفض سيطرتهم، كما أنه خطر على داعميهم من الخارج، فلو امتلكنا قرارنا لن نسمح لهم مجددا بسرقة ثرواتنا.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الاثنين، 13 أغسطس 2018

شرطة الأخلاق


يحرص غالبية البشر على الفضائل والأخلاق خلال تعاملاتهم مع الأخرين، وهذا أمر محمود، فمن يكره أن يعامله الأخرين جيدا، وأن يتجاوزوا أحيانا عن هفواته أو سقطاته، والبعض يحض على ذكر المحاسن بعد موت الأشخاص المختلف عليهم، وكل البشر مختلف عليهم، حتى أن بعض الجهال يظنون أن ذكر محاسن الموتى أحد آيات القرآن، أو جزء من حديث نبوي. في حالات كثيرة يتحول متشدقون بمحاسن الأخلاق، خصوصا في العالم العربي، إلى ما يمكن أن نطلق عليهم "شرطة الأخلاق"، ونافس هؤلاء لفترات طويلة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في السعودية، قبل تجميدها، وهيئات وجمعيات عدة مشابهة لها في دول عربية وإسلامية. ينتشر هؤلاء في الفضاء الإعلامي، وفي مواقع التواصل، وبينهم ساسة ومثقفون ورجال دين، فضلا عن الفنانين والمشاهير، وحتى بعض مقدمي البرامج، وغالبيتهم محسوبون على الأنظمة، وبعضهم محسوبون على المعارضة. وفي حين أن الشرطة في كثير من بلاد العرب معروف عنها تكرار تجاوز القوانين، فإن أفراد "شرطة الأخلاق" عادة ما يتجاوزون القوانين والمبادئ والمنطق، فتجدهم يضخمون عن عمد موضوعات تافهة، ويتعامون عن موضوعات مهمة، وهم يستخدمون كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتدمير أو تشويه أي شخص، أو جهة، لا ترضى عنه السلطة، أو الجهة التي تدعمهم، وبالمثل لا يتورعون عن اختلاق الأكاذيب للدفاع عن أي شخص، أو جهة. ليست تلك الأفة الخطرة حديثة عهد، وإنما هي جزء من تراث محفوظ، وسجلتها آلاف أبيات الشعر التي كانت توثق أحداث التاريخ، فالشاعر كان يدافع عن نفسه، أو عن عائلته أو قبيلته، بقول الحق وباختلاق الزور، ويهاجم غريمه، أو غريم قبيلته، بالحق والزور. لكن تطور وسائل التواصل بين البشر منح "شرطة الأخلاق" مساحات أوسع من الانتشار والتأثير. يكفي أن يهاجم أحدهم شخصا أو ينتقد شيئا، لتظهر آلاف التعليقات والمداخلات المتباينة، والتي تتحول أحيانا إلى حملات شبه منظمة، وبعضها منظم بالتأكيد. لاشك أن من حق كل البشر توجيه الانتقادات لمن وما لا يعجبهم، والثناء على من وما يعجبهم، ولا جدال في أهمية الاختلاف والنقاش، لكن الحملات الموجهة للتشويه أو التلميع لا تندرج ضمن تلك الحقوق. ما يقوم به أفراد مليشيا "شرطة الأخلاق" ليس إلا جريمة منظمة يجب مواجهتها لأنها باتت أحد أدوات الاستبداد وقمع حرية الرأي والتعبير، وليس أوضح على ذلك من تكرار صمت هؤلاء على جرائم كبرى ترتكبها أنظمة حاكمة أو متنفذين، في مقابل تكرار إثارة موضوعات تافهة أو جدلية لإلهاء المجتمعات عن الأزمات الحقيقية.


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 5 أغسطس 2018

حكايات المراهقة




اجتزت الشهادة الإبتدائية بتفوق، وكنت الأول على منطقتي. لم أكن من هواة كرة القدم ولا الأنشطة الرياضية عموماً، بل من عشاق القراءة والأفلام السينمائية والموسيقى، وكلها بطبيعة الحال تستلزم قضاء الوقت في المنزل.
 في المرحلة الإعدادية تغيرت اختياراتي، واصلت حبي للقراءة والأفلام، لكني أصبحت أميل إلى قضاء وقت أطول بعيداً عن المنزل، مدمناً على الرحلات الخلوية والمعسكرات الطلابية، حتى أنني انضممت لفترة إلى فرقة موسيقية. في تلك المرحلة تدهور مستواي التعليمي، واجتزت الشهادة الإعدادية بمعدل متوسط. أذكر أن أبي، كان مبتهجاً باجتيازي الامتحان، إذ لم يكن يعتقد أن بامكاني النجاح.
 في المرحلة الثانوية زادت الأمور تدهوراً، وأصبح قضاء الوقت مع الأصدقاء خارج المنزل شغلي الشاغل، وبات التعليم آخر اهتماماتي. وقتها رحلت أمي عن الدنيا، وتغيرت تفاصيل الحياة إلى حد كبير، ما جعلني أميل إلى البقاء خارج المنزل أكثر.
عدت للتركيز على دروسي، وكنت مصمماً على تحقيق معدل يخالف توقعات العائلة. كان شقيقي البكر قد اجتاز الشهادة الثانوية بمعدل مرتفع والتحق بكلية الصيدلة، وكان أبي فخوراً بذلك، لكنه في المقابل كان لا يعول بالمرة على معدلاتي بعكس آماله خلال سنوات تعليمي الأولى.
كنت مراهقاً صعب المراس، عنيداً إلى درجة لا يمكنني الآن تفهمها، ولست أدري على وجه التحديد سبب تحولي إلى النقيض في السنة الأخيرة من المرحلة المؤهلة للالتحاق بالجامعة.
  اجتزت الثانوية بمعدل غير متوقع، كان بمقاييس السنة السابقة يؤهل للالتحاق بكلية الطب. أذكر أن أبي صاحب الشخصية الحادة والطباع الصارمة كاد أن يرقص فرحاً يوم أن حملت إليه النتيجة، لكن معدلات هذه السنة كانت مرتفعة فلم ألحق بالطب، وإنما أهلني المعدل لكلية الهندسة، وهو ما كان أبي يدعمه بقوة.
لم يكن أبي راضياً عن اختياري، لكنه اقتنع بمبرري، فسنوات الدراسة قبل الجامعية كانت تؤشر إلى خيارات شاب تنحصر هواياته في السينما والموسيقى والآداب والتاريخ، وليس الهندسة.
عندما عدت إلى المنزل من مكتب تنسيق القبول في الجامعة حاملاً أوراق التقدم إلى "كلية اللغات" لم يتفهم أبي الأمر، وإن لم يعترض على اختياري علناً. سألني عن الوظيفة التي تؤهل لها تلك الكلية، فلم أمنحه جواباً شافياً، إذ لم أكن أعرف على وجه التحديد، ثم سألني عن سبب عدم الالتحاق بالهندسة، فقلت إنني لست مؤهلاً لهذا النوع من الدراسة.
  غادر أبي دنيانا خلال سنتي الدراسية الثانية في الجامعة، ولم يشهد تخرجي، أو اختياري للعمل بالصحافة التي لم تكن يوماً تخطر بباله أو ببالي.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

الأحد، 15 يوليو 2018

سكك حديد مصر


لم تكن علاقتي جيدة يوما بالقطارات، رغم أن مصر تمتلك خطوط سكك حديدية ممتدة، ويتفاخر المصريون أحيانا بأنها من الأقدم في العالم، على الرغم من أن كونها تاريخية يعني فقط أنها متهالكة وخدماتها شبه منعدمة.
 كنت معتادا على التنقل بسيارات الأجرة والحافلات، فهي وإن كانت أكثر كلفة، على الأغلب، إلا أنها كانت أسرع، بخلاف القطارات المعروف عنها عدم انضباط مواعيدها.
كان البعض يعتبر القطارات أكثر أمنا من غيرها، وكانت قناعتي، ولازالت، أن كل وسائل النقل في مصر غير آمنة، فترتيب مصر في معدلات حوادث السير حول العالم متقدم، وفي السنوات العشرين الأخيرة، شهدت البلاد آلاف حوادث السير التي راح ضحيتها عشرات آلاف الأشخاص بين مصابين ومتوفين.
 وعلى عكس علاقتي المقطوعة بالقطارات، كانت تربطني لسنوات طوال علاقة شبه يومية بقطارات أنفاق القاهرة الكبرى التي يسميها المصريون "المترو"، إذ كنت أستخدم المترو في أغلب تنقلاتي بين أحياء ومناطق العاصمة، ورغم أنه لم يكن بنفس انضباط المواعيد التي كان عليها في السابق عندما كانت تديره الشركة الفرنسية، إلا أنه كان أفضل بقية وسائل النقل بسبب الزحام الشديد والنظام الغائب الذي يعرفه كل من زار القاهرة.
لذا كان المترو خياري المفضل يوميا، فرحلة الوصول باستخدامه تستغرق بين 15 إلى 20 دقيقة فقط، ويسبقها نحو 10 دقائق من المشي من منزلي إلى المترو، ويتلوها بضعة دقائق مشي أخرى من المترو إلى المكتب.
لسنوات كان عملي على مقربة من مسكني، وقطعت المسافة بينها على قدمي مرات معدودة، أغلبها خلال فترات إغلاق الطرق بسبب حظر التجول، وكانت الرحلة تستغرق نحو ساعة واحدة فقط سيرا، ومرات كثيرة استخدمت السيارة للوصول إلى العمل، وهي رحلة يفترض أن تستغرق 15 دقيقة، لكنها أحيانا كانت تستغرق أكثر من ساعتين كاملتين بسبب الاختناقات المرورية.
  رحلات المترو ليست كلها جيدة، فالزحام عادة خانق، والخدمات غائبة، والمحطات متدهورة، وأحوال القطارات سيئة على مستوى النظافة والتهوية، لكن كل تلك المشكلات يمكن التغاضي عنها باعتبار أن وسائل النقل الأخرى أسوأ حالا، كما أن تكلفة التنقل بالمترو كانت أقل. قبل شهرين، تم رفع أسعار تذاكر المترو بنسبة 300 في المائة بحجة تحسين الخدمة، ومؤخرا تم الإعلان عن الاستعداد لرفع أسعار تذاكر القطارات بنسبة تقترب من 200 في المائة بنفس الحجة، لتتضاعف التكلفة.
وخلال الأسبوع الأخير انقلبت عربتان من قطار مترو في محطة المرج، وبعد يومين، انقلبت ست عربات من قطار الصعيد جنوب الجيزة، فأين إذن تحسن الخدمات؟



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية