السبت، 10 يناير، 2015

السيسي وعبد الناصر.. تقليد باهت لمؤامرات قديمة






* سلامة عبد الحميد


منذ ظهوره الأول في الحياة السياسية المصرية كحاكم محتمل، يحرص عبد الفتاح السيسي على الربط بينه وبين الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، يتعامل السيسي مع عبد الناصر باعتباره القدوة والمثل، يقلده في كثير من الاشياء، ويكرر أحداثا وألفاظا سبقه إليها عبد الناصر، بدون وعي في كثير من الأحيان.
المتابع العادي يسهل عليه أن يكتشف أن السيسي لا يتمتع بـ"كاريزما" عبد الناصر على الإطلاق. فالرجل لا يعرف الخطابة، وكلما تحدث ظهرت ضحالة ثقافته وقدرته على التعبير، بعكس عبد الناصر تماما.
لكن الأزمة تبقى دائما في استخدام وسائل عبد الناصر لتثبيت أركان الحكم، بعد مرور أكثر من ستة عقود كاملة، تغير فيها العالم كثيرا، وباتت العلاقات الدولية والكيانات القوية مختلفة، كما تغيرت وسائل الإتصال والتواصل.
مع قيام السيسي بالإنقلاب على الشرعية وعزل الرئيس المنتخب في الثالث من يوليو/ تموز 2013، وربما قبلها، ظهرت مطبوعات انتشرت في الشارع المصري تشبهه بعبد الناصر، لا ينفي كثير من العالمين بتصاريف السلطة أنها كانت ضمن حملة مدبرة مسبقا للتسويق للحاكم الجديد، رغم أنه قال علنا إنه ليس لديه رغبة في السلطة وقتها.
لاحقا باتت صور السيسي مرتبطة بصورة عبد الناصر دائما، تمتلأ شوارع مصر الرئيسية بلافتات تحمل صورة الرجلين معا، في استغلال فج لما يحمله كثير من المصريين، والعرب، لعبد الناصر من مكانة، وهو استغلال لا يخلو أبدا من النكاية في جماعة الإخوان المسلمين التي نكل بها عبد الناصر، وكرر السيسي نفس الأمر بهم.




نكث السيسي طبعا بما قطعه على نفسه من وعود بعدم الترشح للرئاسة، لم يكن في مصر كلها عاقل يصدق أن قائد الإنقلاب سيترك السلطة لغيره، ومن تصاريف القدر أن كان يوم تنصيب السيسي رئيسا يتزامن مع ذكرى تنحي عبد الناصر عن الحكم في التاسع من يوليو/ تموز، في أعقاب هزيمة 1967، المعروفة إعلاميا باسم "النكسة".
لكن السيسي منذ انقلابه يقلد عبد الناصر في الأخطاء أيضا، وبنفس الطريقة المفتعلة تقريبا، وكأنه يقرأ من نفس الكتاب، وكأنه لا يدري أن لكل زمان ما يميزه عن غيره.
في أزمة مارس/آذار 1954، وبينما كانت إسرائيل منشغلة لإنجاز مفاعل "ديمونة" النووي، كان عبد الناصر منشغلا بتدبير خطط الإطاحة بالرئيس محمد نجيب والإجهاز على الديموقراطية والاستئثار بالسلطة، خرجت مظاهرات عجيبة لم يعرفها العالم سابقا، يهتف المشاركون فيها: "يسقط القانون.. يسقط الدستور"، وأجمع مؤرخو تلك الفترة، وبعضهم من أعضاء مجلس قيادة الثورة على أنها كانت بتدبير من جمال عبد الناصر، الذي دفع لنقيب عمال النقل آنذاك واسمه صاوي أحمد صاوي "صوصو" 4 ألاف جنيه نظير تنظيم تلك التظاهرات، وبعدها وقعت عدة تفجيرات في أماكن متفرقة في القاهرة، وقام بعض الرعاع باقتحام مجلس الدولة والإعتداء على رئيسه الفقيه الدستوري الدكتور عبد الرازق السنهوري بالضرب، ليصدر مجلس قيادة الثورة بعدها قرارات خاصة بإغلاق الأحزاب والنقابات وبعض الصحف.
يمكن دون جهد مقارنة ذلك مع ما فعله السيسي ليلة الثالث من يوليو/ تموز 2013، بالإنقلاب على الشرعية الدستورية، وإعادة مصر إلى عصر الإنقلابات العسكرية، والتي سبقها تظاهرات مدبرة، ولحقها تفجيرات تبدو أيضا مدبرة، ثم إغلاق لأحزاب وصحف وقنوات تليفزيونية، وقيود على كثير من النقابات.
قصة أخرى قلد فيها السيسي عبد الناصر، مع تغيير بعض التفاصيل، لم يكن عبد الناصر في 1954 يأمن شر الإخوان المسلمين، فقرر أن يتخلص منهم نهائيا، فدبر ما عرف لاحقا باسم "حادث المنشية"، الذي تحول بعده إلى بطل شعبي واستصدر قرارا بحل جماعة الإخوان، اعتمادا على اتهامهم بالحادث المدبر، وفق معظم المؤرخين.
تعرض عبد الناصر لمحاولة إغتيال عند إلقائه خطاب في حي المنشية بمدينة الأسكندرية يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول 1954، احتفالا بتوقيعه لاتفاقية جلاء القوات البريطانية عن منطقة السويس، على الرغم من وجود محمد نجيب في السلطة كرئيس للجمهورية في هذا التاريخ.
 الاتفاقية عارضتها كثير من القوى السياسية في مصر، وعلى رأسها الإخوان، لتساهله في بنودها إرضاءا للمخابرات الأمريكية، فقرر عبد الناصر التخلص منهم، وجند عضو الإخوان محمود عبد اللطيف الذي تلقى تدريبا على العملية، حسبما أكد رجل المخابرات المصري والصديق المقرب من عبد الناصر، حسن التهامي، وضابط الجيش حسن صبري الخولي الذي حضر تدريبات منفذ العملية.
ومن ينسى المشهد التمثيلي الشهير لعبد الناصر الذي قال فيه للحشود بعد عملية الإغتيال المدبرة: "إذا مات جمال عبد الناصر.. فكلكم جمال عبد الناصر"، رغم أن الطلقات التي صوبت تجاهه لم تكن حقيقية بالأساس، لكنها كانت ذريعة جيدة للتخلص من جماعة الإخوان المسلمين وضربها في مقتل لدى الشارع المصري.


يقول الرئيس محمد نجيب في مذكراته: "واعتقل جمال عبد الناصر الإخوان المسلمين، بعد هذا الحادث، وشكل لهم في أول نوفمبر/تشرين الثاني 1954 محكمة الشعب برئاسة الصاغ جمال سالم وعضوية أنور السادات وحسين الشافعي (نائبي عبد الناصر فيما بعد) لمحاكمتهم صوريا، وبلغ عدد الذين حوكموا أمامها 867 (عدا المعتقلين بدون محاكمات)، وتم الحكم بالإعدام على رموز وكبار قادة الإخوان المسلمين. أما أناـ محمد نجيبـ فقد تم إقالتي في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1954".
على غرار عبد الناصر، دبر السيسي حادثا مشابها للإيقاع بجماعة الإخوان المسلمين، ففي يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول تم تفجير مقر مديرية أمن الدقهلية، بدلتا مصر، بسيارة مفخخة، وأسفرت الحادث عن استشهاد 14 من رجال الشرطة، وإصابة 130 آخرين.
بعدها أعلن وزير الداخلية المصري، محمد إبراهيم، خلال مؤتمر صحفى، عن تورط تنظيم الإخوان فى التفجير، بالتنسيق مع تنظيم "أنصار بيت المقدس"، بدعم لوجستى كامل من حركة المقاومة الإسلامية "حماس" فى قطاع غزة.
وفي اليوم التالي مباشرة لحادث التفجير، خرج نائب رئيس الوزراء وقتها، حسام عيسى، وهو أستاذ للقانون، في مؤتمر صحفي ليعلن: "قرر مجلس الوزراء إعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية". هكذا تم اصدار الحكم من الحكومة دون تحقيقات أو أحكام قضائية.



ومثلما استأجر عبد الناصر "صاوي أحمد صاوي" لتدبير مظاهرات "لا للدستور"، ومثلما دبر حادث المنشية ودرب منفذه محمود عبد اللطيف، فعل السيسي في 2013. كشفت صحيفة "المصري اليوم" في عددها الصادر يوم 20 ديسمبر/ كانون الأول 2014، نقلا عن مصادر وصفتها بأنها "سيادية" أن: "الانتحارى الذى ارتكب حادث التفجير (تفجير مديرية أمن الدقهلية) مرشد يتعاون مع قطاع الأمن الوطنى (أمن الدولة المنحل)، وسبق ضبطه عن طريق ضباط مديرية أمن القاهرة مرتين وأنه تم تجنيده عن طريق ضباط الأمن الوطنى فى قطاع شرق القاهرة".
وقالت الصحيفة إن : "المصادر المسؤولة فى جهات سيادية، أضافت أن الانتحارى الذى نفذ الحادث يدعى إمام مرعى إمام محفوظ، من مواليد عام 1973 بالقاهرة، وشهير باسم (أبو مريم)، وأن تعليمات من قيادات عليا فى قطاع الأمن الوطنى، صدرت إلى ضباط قطاع شرق فى 2013 بضرورة إخلاء سبيل المتهم عقب لقاء تم مع (لواء شرطة)، ومكالمة طويلة مع رئيس قطاع الأمن الوطنى، انتهت بتمزيق محضر الضبط، وكانت الحجة أنه تم تجنيد المتهم من جانب ضباط القطاع، ليكون بمثابة (مرشد أمن وطنى)، يدلى بمعلومات مهمة عن باقى العناصر الإرهابية".

القصة الجديدة التي يبدو أن السيسي يحاول فيها تقليد ما فعله عبد الناصر، تتمثل في "اعلان التنحي"، حيث قال الإعلامي المقرب منه أحمد موسى مؤخرا: إن السيسي قد لا يكمل فترته الرئاسية، وإن هذا قد يكون في حالة عدم قدرته على تقديم شيء للشعب، مستبعداً أن يحكم لفترة رئاسية ثانية في ظل الصعوبات الحالية. وإن السيسي لا يرغب في إنشاء حزب خاص به نظراً لحالة الانقسام التي تشهدها البلاد".


وبعد يوم واحد قال الإعلامي المقرب من السيسي أيضا، مصطفي بكري، إن السيسي، يقوم بخطوات من شأنها أن تغير الخريطة الاقتصادية في مصر، وأضاف بكري: "يا سيادة الرئيس أوعى تسيبناإحنا مالناش غيرك ولا تلتفت الي الأفاقين فنحن نعي التضحيات التي تقوم بها وندرك الحركة الاقتصادية وبناء الدولة الحديثة وكافة الخطوات الإصلاحية التي تقوم بها".

ويبدو السيناريو الجديد شبيها بما فعله عبد الناصر في أعقاب نكسة 1967، عندما خرج مساء يوم 9 يوليو/تموز ليعلن على الشعب تنحيه عن السلطة، متحملا كامل المسؤولية عن الهزيمة، وهو الأمر الذي كان يعرف جيدا أن الشعب الذي تتحكم فيه عواطفه وليس عقله لن يقبله، لتخرج في اليوم التالي تظاهرات حاشدة تطالبه بالعدول عن القرار، وهو ما استجاب له بالطبع، بالبقاء في الحكم والتخلص من رفيق دربه وقائد الجيش عبد الحكيم عامر، الذي زعم النظام أنه انتحر، بينما يؤكد كل المؤرخين اغتياله عمدا، لتحميله لاحقا مسؤولية الهزيمة وتبرئة عبد الناصر.



يبدو السيسي جادا في تنفيذ سيناريو التنحي، كونه يحتاج حاليا دفعة من الدعم الشعبي، بعد تدهور واضح في الحياة السياسية والإقتصادية في البلاد، تزامن مع تكرار الأحزاب والقوى السياسية التأكيد على أن الحياة السياسية في مصر لم تعد قائمة وأن البلاد تعيش مجددا عصر الحزب الواحد المتمثل في المؤسسة العسكرية التي باتت تهيمن على كل أوجه الحياة في مصر، ومع غياب واسع لحرية التعبير وانحياز فج من جانب وسائل الإعلام للسلطة.







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة