السبت، 11 نوفمبر 2017

حكاية شاب سلفي




 كنت عائداً من عملي، مساء أحد أيام النصف الثاني من شهر أغسطس/آب 2013، فاستوقفني في الشارع. هو عشريني طويل اللحية يعرف نفسه بأنه "السلفي". يملك ويدير متجراً صغيراً في الحي الذي أعيش فيه. كان زائع العينين. قال لي إنه نجا للتو من موت محقق في اعتداء على مسيرة كان مشاركاً فيها إلى ميدان رمسيس.
 حاولت أن أفهم كيف تحوّل إلى النقيض مما كان عليه سابقاً. كان يكره التظاهرات والمسيرات، ويكرر مقولات شيوخه حول طاعة الحاكم وإن جلد ظهرك وسلب مالك.
بعد تنحي مبارك بأيام استوقفني، وسألني باعتباري كنت ممن اعتصموا في ميدان التحرير: ما الذي يجري في البلد؟ فقلت: كان مبارك فاسداً مستبداً، وكان يجب إزاحته من الحكم، ويكفي ما كان يفعله "أمن الدولة" في عهده بمن هم مثلك من الملتحين؟ اكتفى بهز رأسه، فتذكرت قناعاته الراسخة حول تحريم الخروج على الحاكم.
 حكى لي أنه تجاهل الاستفتاء على الدستور، رغم أن معظم أقرانه السلفيين كانوا ناشطين في الدعوة للتصويت بنعم، وأنه لم يصوت في انتخابات البرلمان لأنه لم يكن مقتنعاً بفكرة الانتخابات ولا بالديمقراطية.
لكن الانقلاب على مرسي شهد التحول الأكبر في حياة الشاب الهادئ الذي لم يشارك في تظاهرة طوال حياته. كان يذهب إلى اعتصام ميدان نهضة مصر يومياً. فاجأني قوله إنه لا يصدق أن الأربعاء الدامي فاته، في إشارة إلى يوم فض الاعتصام.
وقال إنه في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية اتخذ قراره بعدم التصويت لأي من المرشحين. لكنه في الجولة الثانية التي تنافس فيها محمد مرسي وأحمد شفيق، قرر التحول من التجاهل إلى المشاركة الفعالة دعما للمرشح المتدين مثله، قال إنه ذهب إلى صندوق الانتخاب لأول مرة في حياته لينتخب مرسي. بعد فوز مرسي بالرئاسة انقطع الشاب السلفي عن كل ما يتعلق بالسياسة مجدداً، وإن كرر مرات عدة أن مرسي كان مخطئاً في عدم التصدي للمؤامرة التي تحاك ضده.
  لم أتخيل أن يتحول هذا الشاب السلفي الرقيق إلى شخص يتحكم فيه الغضب، حاولت أن أهدئ من روعه، لكنه كان يتمتم بكلمات غير محددة حول ضرورة الانتقام. قلت إن الانتقام لن ينهي الوضع القائم وإنما سيزيد المشكلة تعقيداً. فأشاح بوجهه عني. قلت: لماذا لا تعود إلى سيرتك الأولى وتتجاهل السياسة. فرد: لست معنياً بالسياسة، وإنما بالقصاص لأصدقائي. قلت إن ما تقوله ليس صواباً وفق أصول الدين ولا وفق علوم السياسة.
تركته على وعد بأن نلتقي مجدداً لنستكمل نقاشنا، وطلبت منه أن يعود إلى بيته ليستريح، لكننا لم نلتق مجدداً. علمت بعدها أنه اعتقل في محيط مسجد الفتح في ميدان رمسيس.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية