الجمعة، 19 مايو، 2017

"شرشحة" مثقفين.. طه حسين نموذجا




كتب: شعبان يوسف

كانت السيدة درية شفيق تُصدر مجلتها «بنت النيل»، وكانت منشغلة كثيرا بالحركة النسائية، وكانت تروح وتجىء من أجل هذا الأمر، وربما كانت هناك ملاحظات كثيرة تتواتر حول حركتها، وكانت الصحف تنشر كل الأخبار التى تعنى بحركتها، لدرجة أن مجلة «روزاليوسف» الموقرة، نشرت فى 11 مايو 1953 خبرا يقول إن درية شفيق تعقد اجتماعاتها دون رقص أو موسيقى، وهكذا كانت الصحف تتعقبها لتنشر كل شاردة وواردة، وبعد نشر هذا الخبر بأقل من عام كانت درية شفيق محورا لمعركة ضارية، هذه تفاصيلها.
فى خطاب طويل وشديد اللهجة، أرسل الدكتور طه حسين وزير المعارف الأسبق إلى الأستاذ إحسان عبد القدوس رئيس تحرير مجلة «روزاليوسف»، ونشرته المجلة فى 29 مارس 1954 تحت عنوان: «لم أتوجه بكلامى إلى فاروق.. بل للملك الذي صورته وصنعته لنفسي!»، وجاء الخطاب عنيفًا وزاجرًا بشدة لمن تطاولوا على مقام طه حسين الرفيع كمفكر وكوزير للمعارف قبل ثورة يوليو 1952، وبعد إقالة حكومة «الوفد» آنذاك، وكان طه حسين أحد أعضاء تلك الوزارة، ذهب كثيرون للنَّيْل من طه حسين، وترديد كلام سخيف لا يليق به، ولا بدوره، ولا بقيمته الشامخة فى تاريخ نهضة مصر الثقافية.
وتبدأ الحكاية عندما أعلنت مجموعة من السيدات والآنسات بدايتهن لإضراب عن الطعام، للحصول على حقوق المرأة الغائبة فى الدستور، وكانت لجنة الدستور آنذاك كادت تنتهي من وضع الصياغات الأخيرة لأول دستور مصرى بعد قيام ثورة يوليو، وكان رئيس اللجنة على ماهر، الذي اضطر إلى أن يصحب بعضًا من رجالات الأدب والثقافة والقانون، ويذهب لإقناعهن بالعدول عن هذا الإضراب، ولم يستجبن له فور زيارته لهن، ولكنهن قد أنهين هذا الإضراب بعد أيام قليلة من الزيارة.
وكتب الدكتور طه حسين في 16 مارس مقالا في جريدة «الجمهورية»، تحت عنوان «العابثات»، كال فيه قدرا كبيرا من السخرية والتهكم على القائمات بهذا الإضراب، واستخفّ بهذا الإضراب غير المسؤول، الذى لا يأتي إلا للفت النظر، ولكسب مساحات من الشهرة، على حساب القضايا الوطنية والاجتماعية والسياسية والديمقراطية نفسها، وأوضح أن البلاد لا تحتمل مثل هذه السلوكيات الفجة، في ظل الاحتلال الإنجليزي الذى كان لا يزال رابضًا في مدن القناة، وفى ظل انتظار الناس لدستور يضع النقاط الغائبة فوق حروف شائكة ومشرئبّة، لتحسم العلاقة بين الحاكم والمحكوم الذى يريد إخراج البلاد من المتاهة اللا دستورية، ويضع الحاكم محل مراقبة المحكوم.. واستفاض الدكتور في هذه المعاني المركبة في ذلك الوقت.
وفى اليوم التالي مباشرة، ردّ الكاتبان حسين فهمي وعميد الإمام على مقال العميد، وكان لهذين الكاتبين حضور كبير في عالم الصحافة في تلك الأيام، ووجَّها إليه تهمة تعطيل حرية المرأة للحصول على حقوقها، واستفاضا فى تغليظ الاتهام، بعبارات جاءت حادة نسبيا على مقام الدكتور طه حسين.
وفى 18 مارس ردّ الدكتور طه حسين -في الجريدة نفسها «الجمهورية»- على الكاتبين، وأوضح أنه لم يقف يومًا من الأيام فى مواجهة حرية المرأة، وأخذ يعدّد مواقفه الكثيرة والفاعلة فى ذلك الشأن، بما فيها إشرافه على تخريج أول دفعة من الفتيات فى الجامعة، وكذلك دعمه للسيدة الدكتورة درّية شفيق نفسها -زعيمة الإضراب- وإرسالها إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه من السوربون، وعندما قررت الإدارة المصرية إنهاء البعثة لأسباب قانونية، تدخَّل هو لكى تستكمل الدرس لتحصل على شهادتها العلمية، وقد امتدت بالفعل الدراسة.
ودفعت مقالات طه حسين كثيرين من الكتّاب إلى التعليق على هذا الأمر سلبًا أو إيجابًا، وخرجت القضية عن جريدة «الجمهورية»، لتحلّ فى صحف أخرى، ومن بين هذه الصحف والمجلات دخلت مجلة «روزاليوسف» كلاعب رئيس فى مناقشة هذه القضية، وكتب المحرر الشاب أحمد بهاء الدين فى 22 مارس مقالا تحت عنوان «الصائمات»، وبدأه بـ«حتى طه حسين، صاحب الدفاع القديم عن الفتاة فى دخول الجامعة، وصف صيام السيدات بأنه: عبث!»، وجاء المقال كله نوعًا من التقريع المهذب، والذى لا يخفى حدةً ما نالت العميد بقدر من الأذى.
ولم يكن مقال أحمد بهاء الدين هو المفجر الوحيد لغضب طه حسين، بعد أن أصبح -أى طه- مجالا للشد والجذب والتطاول والهجوم عليه، وذِكْر أفعال لم تحدث لإدانته فى فترة استوزاره بحكومة «الوفد» المقالة قبيل ثورة يوليو، ولكن كتبت الدكتورة درية شفيق مقالا فى العدد نفسه تحت عنوان: «طه حسين.. وعجائز الفرح»، بدأته بمقدمة مادحة لطه حسين عندما كان يناضل من أجل الحرية، ثم تحول الآن إلى مقاعد المتفرجين فى قضايا الحرية، فى وقت -كما كتبتْ- يحتاج فيه الناس إلى رأيه بشدة، ولكنه آثر -كما زعمتْ- الركون إلى الموقف الأسهل، وهو إدانة الإضراب، وقالت إن حرية المرأة جزء لا يتجزأ من حريات الشعب كاملة، وإنها تستهجن وصفه لما أقدمن عليه بأنه تمثيلية رخيصة.
وقالت في سياق مقالها: «فإذا سمح الدكتور لنفسه أن يسمى موقفنا تمثيلا فى تمثيل، فكيف يسمى إذن موقفه الشخصي الذي عندما كان بعيدا عن مقعد الحكم والسلطان تكلم عن المعذبين فى الأرض، وأسهب في الكلام حتى ما إذا قفز به كلامه إلى مقعد الحكم والسلطان اندفع يمدح الطاغية والطغيان، ويرفعه في أواخر أيامه إلى مصافّ الآلهة والقديسين..».
وكان هذا الكلام الأخير مثيرا جدا لصاحب المقام الرفيع الدكتور طه حسين، فانبرى ليكتب رسالته إلى رئيس تحرير المجلة، متجاهلا الردّ مباشرة على المحرر الشاب أحمد بهاء الدين، وكذلك تجاهل الدكتورة درية شفيق، وقد نصحها في نهاية مقاله، بالاستعانة بكاتب آخر لا يضعها في المزالق التي أتت بها في المقال التي وضعت توقيعها عليه، هذا ولم يذكر الدكتور طه حسين اسم بهاء أو درية على مدى المقال كله، وراح يعدّد مواقفه الكثيرة من فاروق وأبيه فؤاد الذى فصله من الجامعة، ولم يمدح أيًّا منهما على طول وجوده في الحياة العامة، كاتبًا وناقدًا ووزيرًا، ولا يتسع المقام هنا لعرض الرسالة الاستثنائية، والتي كاد طه حسين يسحق فيها جميع خصومه -بعبارات حادة- الذين نالوا منه ومن أدائه في هذا الرد التاريخي. وأعتقد أن هذه معركة مجهولة لم يشر إليها مؤرخو مسيرة طه حسين ومعاركه، رغم أهميتها القصوى.



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة