السبت، 16 فبراير 2013

لماذا يكره الجهلة المبصرون رؤوس تماثيل النوابغ العميان؟!




سلامة عبد الحميد
قبل أيام طالعتنا وسائل الإعلام بقطع مسلحون مجهولون لرأس تمثال الشاعر العربي "الأعمى" أبو العلاء المعري قبل اسقاطه عن قاعدته في مسقط رأسه معرة النعمان شمال سوريا فيما قيل إنه نكاية فيما نسب للشاعر من هجوم على الإسلام.
ومساء الجمعة فوجئنا مجددا بإعلان سرقة مجهولون لرأس تمثال عميد الأدب العربي "الأعمى" الدكتور طه حسين الكائن في مسقط رأسه في مدينة المنيا بصعيد مصر، فيما قيل إنه بغرض السرقة كون رأس التمثال تزن 20 كيلو جراما من النحاس.
لماذا يفعل البعض هذا؟ هل هو العنف الذي بات سائدا على كل الصفات البشرية في مصر كما في سوريا.. أم هو الجهل الذي بات صفة طافية على السطح تتوارى خلفها كل الصفات؟ ربما هو مزيج من العنف والجهل غلفهما القهر والفقر.. وعندما يجوع الناس أو يشعرون بالخوف أو القهر فلا تسألن عن أكل الميتة أو قتل النفس وغيرها من الكبائر التي يصبح سرقة تمثال أو تحطيمه أمرا هينا أمامها.
كثيرون لا يعرفون من تاريخ طه حسن إلا ما قدمه الراحل أحمد زكي في المسلسل الرائع "الأيام" الذي أخرجه الراحل أيضا يحيى العلمي عام 1979، وكثيرون أيضا لا يعرفون المعارك الكثيرة التي خاضها طه حسين في الجامعة وفي وزارة المعارف "التعليم" وفي الحقل الأدبي والفكري وأنه تم تكفيره ثم اتهامه بالرغبة في "فرنجة" مصر أو نقل النموذج الأوربي بحذافيره وتجنيب الدين والعادات الشرقية في المجتمع.
لكني عندما قرأت خبر سرقة "رأس" تمثال طه حسين تذكرت حوارا تليفزيونيا نادرا له قبل أكثر من 50 عاما كان يجالسه فيه نخبة من مثقفي عصره ممن كانو ينظرون إليه باعجاب التلميذ للأستاذ وبينهم قامات منها نجيب محفوظ ويوسف السباعي وأنيس منصور ومحمود أمين العالم.
تذكرت الحوار الدائر الذي كان طه حسين فيه يستنكر على هؤلاء المثقفين الكبار أنهم وجيلهم لا يهتمون باللغة العربية ويحرصون على الكتابة بالعامية منوها إلى أن هذا يعود إلى جهلهم بتاريخ اللغة، لكن ما لفتني في الحوار كان حديث عميد الأدب العربي عن دور التليفزيون الذي كان حديث عهد بالمصريين أنذاك ولم يكن يمتلكه إلا عدد محدود منهم، ورغم ذلك كان طه حسين يستشرف أنه سيكون له دور بارز في حالة الجهل التي سيصاب بها الشعب لأنه ببساطة وفق رأيه "يلهي الناس ويشغلهم عن القراءة".
تذكرت ما كان يقوله طه حسين عن التليفزيون في هذا الزمان البعيد وما هو واقع الأن في ظل انتشار القنوات ووجود التليفزيون في كل البيوت وتحول الناس إلى كائنات تليفزيونية تصدق ما يقال في القنوات وكأنه أنزل من فوق سبع سماوات.
وبمناسبة الجهل تذكرت أيضا ما قاله لنا في ندوة رائد التعليم الدكتور حامد عمار نفيا لأكاذيب رائجة تزعم أن ثورة يوليو 1952 هي التي أتاحت للمصريين مجانية التعليم باعتباره واحدا من أثارها الباقية، وما في ذلك من غبن شديد لدور الدكتور طه حسين في هذا الإطار.
وملخص ما أتذكره من كلام الدكتور حامد عمار أن التعليم في مصر منذ عهد الفراعنة وحتى مجئ الاحتلال البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر كان تعليما مجانيا.. بل وصل الأمر في عصور إلي أن يتسلم الطالب راتبا منتظما وكسوة وطعاما وشرابا وإقامة داخل المدارس التي انتشرت في عهود عدة وكان أبرزها النظام المعمول به في الجامع الأزهر، ثم أقام محمد علي باشا نظاما للتعليم الحديث علي النمط الغربي إلي أن جاء الاحتلال البريطاني فبدأت المصروفات.
وقال الدكتور حامد عمار أن مجانية التعليم الابتدائي في مصر أقرت عام 1943 عندما كان أحمد نجيب الهلالي باشا وزيرا للمعارف، وقت أن كان طه حسين مساعده الأول، وفي عام 1950 أقرت مجانية التعليم الثانوي حين كان طه حسين نفسه وزيرا للمعارف.
ورغم أن الرجل كان صاحب مجانية التعليم ومطبقها في مصر، إلا أن الجهل والفقر لم يمنعا مواطنا مصريا من سرقة رأس تمثاله النحاسي ليبيعه بجنيهات قليلة.
لا أحد يدري إلى أين نحن ذاهبون، وعلى رأي الأستاذ جلال عامر "مش كنت تسأل قبل ما تركب؟!.
المشكلة الأكبر أننا حريصون على ألا نعرف وجهتنا أو على أن نضيع الوجهة بالكلية.. ربما البعض أعجبه أسلوب الحياة هذا، وربما أننا لا نعرف غيره لنعيشه.







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة