الجمعة، 15 أغسطس 2014

سلامة عبد الحميد يكتب عن حبيبة عبد العزيز.. يمامة "رابعة" الباقية




  


كنت عزمت الكتابة عن كوميديا محاكمة حبيب العادلي وزير داخلية المخلوع وكبار قيادات وزارته من القتلة والسفاحين، تلك المحاكمة الهزلية التي تثبت مجددا أن ما جرى في الثالث من يوليو لم يكن إلا انقلابا على ثورة يناير، جهز له وموله ودعمه فلول النظام المباركي، ومعهم كل أجهزة الدولة العميقة، التي كانت تحكم من خلف ستار، رغم وجود رئيس منتخب، كان بلا حول ولا قوة.
فجأة وجدت صورتها أمامي، قرأت كلماتها وتذكرت قصتها، غاب العادلي وكل السفاحين عن ذهني، أصبحت هي وحدها تحتل كل الفضاءات في عقلي، لم أستطع منها فكاكا، جلست لأكتب عن حبيبة.

الاسم: حبيبة أحمد عبد العزيز
المهنة: صحفية
مكان العمل الحالي: لحقت بالرفيق الأعلى
لا يهم تاريخ مولدها الحقيقي، فقد ولدت واستشهدت وخلدت في يوم الرابع عشر من أغسطس 2013
مكان الولادة/ الاستشهاد: ميدان رابعة العدوية في حي مدينة نصر بالعاصمة المصرية القاهرة.

كانت حبيبة أحد فتيات ثورة يناير، صحفية شابة مجتهدة، تصادف أن والدها عمل مستشارا صحفيا للرئيس محمد مرسي، قالوا لك إن قيادات الإخوان أخرجوا أولادهم من مصر خوفا عليهم قبيل فض اعتصام رابعة، وقد صدقت غالبا ورددت كالببغاء تلك الترهات، لكن حبيبة استشهدت في رابعة، ولم يقم والدها بتهريبها، وكذا استشهد غيرها من أبناء القيادات.
اليوم كتبت "أم حبيبة" على حسابها على "فيس بوك" معبرة عن حنينها لابنتها في ذكرى استشهادها الأولى: "مؤرقة نعم، جزعة لا، ناقمة على قدر الله لا، أستعيذ بالله من ذلك، لا أخشى على حبيبه وإخوانها وأخواتها لأنهم عند مليك مقتدر رحيم بعباده، أبحث عن الثأر نعم، أخشى عدم القدرة على الثأر لكل هذه الدماء النازفة والأعراض المنتهكة والحريات المسلوبة لكرام الناس في مصر من أحط وأخس من عرفت مصر".
كان والد حبيبة يعمل في القصر الرئاسي، لكن حبيبة لم تكن من الإخوان، في الأيام الأولى من أغسطس 2013، وخلال اعتصامها في رابعة، كتبت حبيبة مقالا مطولا عن حقيقة علاقتها بالإخوان، والرئيس مرسي، والديمقراطية والثورة، وحمدين والبرادعي، كان عنوانه "رحلتي من عصر اللمون إلى رابعة"، قالت فيه: "في منتصف 2012 وبعد سقوط الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في المرحلة الأولى في الانتخابات، وخروج الشيخ حازم من السباق الرئاسي قبل بدايته، وجدت نفسي كمعارضة للإخوان ورافضة لترشح أي شخصية من الجماعة أو من ذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة (وما زلت) بين خيارين أحلاهما مر، لوهلة.. احترت في أمري، أأقاطع الانتخابات أم أعطي صوتي لأقل الشرين ضررًا؟، حسمت موقفي بمجرد أن تخيلت مصر رهينة لحكم العسكر ونظام إنْ عاد فسينتقم من كل من ثار عليه فلا يتبقى في مصر من يحميها أو يستنهضها في المستقبل، وعليه. قررت (أعصر على نفسي لمون) وأصوت لمرشح الإخوان، الرجل الذي لقب بألقاب أقلها حقارة "الاستبن".
كانت الفتاة، مثل كل المصريين الذين شاركوا في الثورة إيمانا بها، وليس بحثا عن مصلحة أو منصب، مخدوعة في المظهر الذي بدت عليه الأمور، ثورة تحققت، وانتخابات نزيهة، ورئيس شرعي منتخب يخضع له الجميع، لكنها أيضا ومثل كثيرين أفاقت سريعا على الحقيقة.
"مع الوقت أدركت أن الديموقراطية ليست كالثورة. فالثورة لا تقبل أنصاف الحلول، في الوقت الذي تقبل فيه الديموقراطية بمواءمات ترفع الضغط بهدف الإسراع إلى استقرار البلاد. وبأن علينا ـ كشعب ـ إعانة الرئيس بالضغط الشعبي؛ لمواجهة الدولة العميقة التي بدأت منذ اللحظة الأولى في إعاقة كل محاولات التطهير والاستقرار.
كل هذا من الصعب أن يقبله عقل فتاة بريئة لم تعرف من الدنيا الكثير بعد، لكنها كانت متنبهة لكثير مما يجري، ربما بفطرتها السليمة.
كتبت: "تحولت في تلك الفترة (بعد أحداث الاتحادية) من شابة ثورية صاحبة رأي، إلى خروف يُضحى به على مذبح بلطجة "المعارضة"، على أيدي من وقفت معهم في نفس المعسكر في يوم من الأيام سواء أصدقاء أو معارف الثورة، ومع إعلان الحرب، أصبح المواطن المصري أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الوقوف في معسكر الباطل أو في معسكر الحق، والابتعاد عن الحياد لأنه في حد ذاته جريمة. فآثرت- كمواطنة مصرية- الطريق الوعر وأعلنت تأييدي للحق وإن كان الثمن حياتي أو حياة أعز الخلق إلى قلبي. أبي وأمي وإخوتي."
رحلت حبيبة، قُتلت في رابعة، لكن ذكراها باقية ما بقيت ذكرى رابعة، وذكرى رابعة لن تمحى، ستظل معلقة في أعناق كل جندي وسياسي ومصري ما بقيت مصر، مهما حاولوا، ولابد أن يتم القصاص لشهداء مصر، وعلى رأسهم شهداء رابعة والنهضة والفتح وما بعدها، وشهداء ما قبلها يناير 2011 والعباسية ومحمد محمود ومجلس الوزراء، إلى أخر قائمة أحداث القتل المنظم على يد جنود مبارك وعصاباتهم.
إلى روح حبيبة.. الثورة قادمة..... ووقودها قسم حبيبة الذي كتبته في الرابع من أبريل 2012: "قسما يا عسكر ومن والاكم، لن أنسى دماء ذكية سفكت من أجل الحرية، قسما يا وطني سأظل ثائرة، غاضبة، ناقمة على كل من خانك إلى أن يسترد كل ذي حق حقه، قسما يا مصر لن أبتسم إلى أن تجف دموع أم الشهيد".





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة