الأربعاء، 27 أغسطس، 2014

سلامة عبد الحميد يكتب: إعلاميو السيسي.. أن تكسب أكثر

لقاء للسيسي مع الاعلاميين (GETTY)


كان جمال عبد الناصر ديكتاتورا عسكريا، لكن أتيح له قدر أوفر من الثقافة يتجاوز أقرانه من العسكريين، كان بطبيعته يعشق القراءة ومشاهدة الأفلام، ويعرف الكثير عن التاريخ وعلم النفس، ما ساعده على كسب قطاعات من العرب الذين كانوا يتوقون إلى نموذج الزعيم.
لكن حتى تلك الثقافة والكاريزما الخطابية لم تنفع عبد الناصر الذي ضيع أمال كل العرب في القومية العربية التي لم تتحقق، كما ضيعت رغبته المحمومة في السيطرة والتوسع وفرض الزعامة الكثير من الأراضي والأرواح العربية في مصر واليمن وسوريا.
قتل ألاف الجنود المصريين في اليمن، بعدما أرسلهم إليها عبد الناصر بلا هدف، وضاعت سيناء والجولان، وضاعت غزة التي كانت تابعة إداريا للدولة المصرية، لم يحقق عبد الناصر القومية، وإنما أنتج حكمه الديكتاتوري، وعقليته العسكرية كوارث عربية لازال بعضها قائما حتى الأن.
لكن وللحق فإن عبد الناصر كان له سيطرة كاملة على الإعلام، وكان إعلاميو عصره من القدرة والموهبة التي تمكنهم من تغيير الوقائع واللعب بعقول الشعوب، لكن أيضا ورغم الموهبة والكفاءة، سقط الإعلام في اختبار حقيقي، فبينما كان الإعلامي الراحل أحمد سعيد يتغنى بأمجاد وانتصارات الجيش المصري واسقاطه لطائرات وأليات العدو الإسرائيلي، كان جيش إسرائيل أقرب ما يكون من القاهرة، وطغت النكسة على كل الأحداث.
يجلس عبد الفتاح السيسي، الذي يراد له أن يكون خليفة عبد الناصر، وسط ثلة من الإعلاميين المصريين، في لقاءات باتت تتكرر، يحدثهم عن الأخطار ويطلب منهم الدعم، فيخرج هؤلاء، يحكي كل منهم قصة ويروي رواية عن إيماءة من السيسي أو نظرة منه، أو لفظة هامة أو جملة موجزة معبرة.
الواقع أن السيسي كلما تحدث خسر جمهورا، وكلما ظهر علنا فقد متعاطفين معه أو رافضين لمعارضيه، الرجل باهت بلا ثقافة ولا رؤية ولا حتى كاريزما خطابية، اليوتيوب يمتلأ بالمقاطع الساخرة له، كدليل على أنه نموذج يجوز تدريسه لطلاب الإعلام فيما لا يجوز أن يفعله المتحدث أو الإعلامي.
في زمن الصغار، لا يصلح إلا هؤلاء، وعندما يكون الجالس على مقعد الحاكم عسكريا بلا قيمة، فلابد أن يكون الإعلاميون الجالسون في حضرته من الأراجوزات وأنصاف المواهب والمخبرين.
يحدث السيسي هؤلاء عن المؤامرة الكبرى التي تدبرها قطر وتركيا مع التنظيم الدولي للإخوان لإسقاط الدولة المصرية، ثم ينتبه إلى أن قصة إسقاط الدولة المصرية تعني أنه شخصيا عاجز عن المقاومة، فيقرر أن يوسع المدار ليتحدث عن اسقاط الوطن العربي كله.
ولأنهم أراجوزات أو مخبرين، فإن أيا منهم لم ينتبه إلى خطورة ما يقوله السيسي، فالعسكري القصير قدم دعاية مجانية لعدد من الكيانات الإعلامية الجديدة دون أن يدري، ووضع ما يصوره دولة الانقلاب العظمى في مواجهة مباشرة مع شركات إعلامية.
ولأنهم مفتونون بالجلوس في حضرته، لا يستطيع أيهم أن يناقشه أو يراجعه، فإن أحدا منهم لم ينبس ببنت شفة. رغم أن بعضهم يدرك أن ما يقوله خطأ شنيع على دولة الفساد الجديدة التي باتوا ضمن أركانها وباتت مصائرهم مرتبطة ببقاءها.
خرج رئيس تحرير الصحيفة اليومية الخاصة، ليروي للصحفيين في اجتماع التحرير أن السيسي أثناء حديثه التفت إليه فجأة قائلا: "مش كدا برضه يا عماد؟"، مزهوا بنفسه وبأن السيسي يخاطبه دونا عن الحاضرين.
نسي رئيس التحرير أن لفظة مشابهة قضت، أو لنقل كادت أن تقضي، على مستقبل زميل أخر قال له جمال مبارك "رد عليه انت يا حسين".
الأهم أن الصراع بات على أشده بين قيادات "الأذرع الإعلامية" كما وصفهم السيسي نفسه.
قبل فترة كرر رئيس تحرير صحيفة الوطن أن الإعلام المصري في حالة مزرية وأنه يجب تطويره، وبعدها تحدث رئيس تحرير اليوم السابع في نفس السياق، وحاليا يحاول رئيس تحرير الشروق أن يكرر المعنى ذاته.
لا شك أن الإعلام المصري في حالة يرثى لها، لسنا في حاجة إلى أدلة على هذا، لكن ما غاب عن الزملاء في حضرة السيسي، أن الإعلام وصل إلى هذه الحال بفضلهم وبفضل ما يفعلونه في صحفهم وفضائياتهم.
أما ما غاب عن القراء والجمهور فهو أن الزملاء لا يسعى أيهم لتحسين مستوى الإعلام المصري كما يزعمون، وإنما يسعون لتحسين مستوياتهم المادية والوظيفية، كلهم يتحدث عن تدهور الإعلام أملا في أن يحدثه أحد المسؤولين طالبا منه مشروعا للتطوير، ليعرض نفسه على المسؤول كمشرف على المشروع.
حلم هيكل يطاردهم جميعا، كلهم يرغب في احتلال مكانته التي كان يتربع عليها في عصر عبد الناصر، مثلما يخيل للسيسي أنه سيكون خليفة عبد الناصر كزعيم، حتى وإن فشل الزعيم.









يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة