السبت، 15 نوفمبر، 2014

سلامة عبد الحميد يكتب: عن مصر العجيبة



في مصر العجيبة، يحدثنا إعلام الجيش والشرطة عن ضرورة الوقوف خلف الأجهزة الأمنية التي تحمي البلاد، ويكذبون بترديد أن الثقة بين الشرطة والشعب عادت وأن الشعب بات يثق في قيادته العسكرية أكثر من كل من حكموه سابقا. فيضرب الجيش والشرطة بعضهما في حي محرم بيك بمدينة الإسكندرية، وتحاصر قوات البحرية والشرطة العسكرية قسم شرطة وتغلقه على من فيه.
في مصر العجيبة، يحدثوننا عن قدرات جيشنا الخارقة ومناوراته العظيمة وتدريبه المتطور، وأسره قائد الأسطول الأميركي السادس، ووفقا لأحد إعلاميي الجيش. فتُضرب لنشاته العسكرية من مراكب صيد صغيرة بالقرب من دمياط، يسميها المصريون "بلنصات"، قبل أن تفر هاربة ولا يتم معرفة الجناة. ثم يتم كالعادة القبض على صيادين فقراء كانوا بالقرب من موقع الحادث حتى يمكن "تقفيل" القضية الفضيحة.
وفي مصر العجيبة، يصدعوننا بالبلاد التي باتت في أحسن حال واستعادت قدراتها الاقتصادية. بينما هي تشحت من طوب الأرض، وتعيش على معونات خليجية، وتوقع اتفاقيات مع اليونان المفلسة، أو بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية، ودول أخرى لا يعرف عنها المصريون شيئا.
في مصر العجيبة، الإعلام كله يعزف نغمة واحدة وحيدة، ألفها عسكري جاهل، فيها من النشاز ما فيها، حتى أصبحنا "مسخرة"، وبات العالم يقرأ عن عكاشة ولميس وموسى أكثر مما يقرأ عن السيسي نفسه.
في مصر العجيبة، يحدثوننا عن استعادة البلاد لدورها الريادي في المنطقة. بينما هي تدعم فصيلا في ليبيا وتساهم في قصف معسكرات عدوه جويا، فينتقم منها الفصيل الثاني بتفجير عند سفارتها، ومعاقبة عشرات الألاف من العاملين المصريين هناك.
في مصر العجيبة، يحدثوننا عن القرار المستقل وأننا كسرنا مناخير أوباما و"منيمين" أميركا من المغرب، وأن إسرائيل باتت تحسب لنا مليون حساب. بينما يتم تهجير أهلنا في سيناء من منازلهم وإفراغ الشريط الحدودي من سكانه الذين يعتبرون خط الدفاع الأول، من أجل عيون إسرائيل وحماية أمنها ومصالحها.
في مصر العجيبة، يقتل الجنود في ماسبيرو المتظاهرين المسيحيين، ويطالب التليفزيون الشعب بضرورة التصدي لهم وحماية الجيش، المفترض أنه موجود لحماية الشعب، ثم تجد المسيحيين يتحالفون مع الجيش، الذي قتلهم، ويقفون خلفه للإطاحة بالإسلاميين الذين جاءوا بانتخابات مباشرة قال العالم إنها نزيهة، وإن كان فيها مخالفات فإن الجيش أيضا هو المسؤول عنها باعتباره كان يحكم البلاد وقتها.
ثم في مصر العجيبة، يقتل الجنود في رفح 1 وفي رفح 2 وفي الفرافرة وفي كرم القواديس، ولا أحد يعرف من قتلهم، ولا إلى متى يستمر نزيف الجنود ولا إلى متى يتمكن الجيش من حماية جنوده قبل أن يتفرغ لمهمته الأساسية في حماية البلاد ومن فيها.
في مصر العجيبة، يحدثنا وزير عن تدفق سياحي، بينما الفنادق خاوية على عروشها، والجيش في الشوارع والشرطة تنكل بالمواطنين، والتظاهرات لا تتوقف، والمعتقلات مكتظة بأصحاب الرأي من كل التيارات، ومنظمات دولية كثيرة تنتقد وتهاجم النظام القمعي الجاهل الفاشي.
في مصر العجيبة، تظل ميزانية الجيش سرا، ولا يسمح لأحد بمناقشتها، ثم يسيطر الجيش على نحو نصف مقدرات البلاد الاقتصادية، ويتولى المشروعات التنموية بالأمر المباشر، ثم يجمع قائد الجيش المنقلب على رئيس منتخب أموال من الشعب الفقير لإنجاز مشروع جديد يرى أنه القشة التي قد تنقذه من مصيره المحتوم.
في مصر العجيبة، يكررون على أسماع الشعب الجاهل الفقير ليل نهار أن حاله أحسن من حال أهل سوريا والعراق، رغم أن الأشهر الأخيرة تشهد تصاعدا ملحوظا في أحداث العنف، ويشهد تحول الكثير من الأشخاص إلى حالة أقرب إلى اليأس الذي يدفع الأشخاص إلى الجنون، والجنون هو ما تنتظره بلادنا لتصل إلى الدرك الأسفل، الذي يبدو للأسف، ألا مناص من الوصول إليه.
لا أدري إن كانت تلك مصر العجيبة، أم مصر العبيطة، لكن الواضح أن الأيام القادمة أكثر سوءا وأكثر قتامة، أو بالفعل "أيام سودة".



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة