الجمعة، 14 أبريل، 2017

كيف نجا تواضروس من تفجير الكنيسة؟




لو أن تفجير الكنيسة المرقسية في الإسكندرية وقع قبل تفجير كنيسة مار جرجس في طنطا، لكان منطقياً أن نتحدث بجدية عن قصة نجاة بابا الإسكندرية تواضروس من التفجير قبل وقوعه بوقت قصير، وهناك حالياً كثير من القصص الدرامية المتداولة حول نجاته، وبعضها يتحدث عن فرضية كون النظام هو الذي فجّر الكنائس.


عندما قصفت الولايات المتحدة قاعدة الشعيرات الجوية في سورية، أعلن البنتاجون أنه تم إبلاغ العديد من الحلفاء، كما كان محتماً إبلاغ روسيا، باعتبار أن هناك بروتوكولاً مشتركاً لمنع وقوع الحوادث، وعليه فلا شك أن روسيا أبلغت النظام السوري قبل وقوع القصف، حتى ولو أن ذلك تم قبل وقت قصير، إلا أنه يظل كافياً لتقليل الخسائر إلى أقصى حد ممكن.

في القصة المصرية نحن أمام وضع مختلف، فإن اتبعنا رواية "النظام وراء التفجيرات"، فإن قتل البابا في التفجير ليس في صالح النظام، لأسباب عدة بينها أن البابا حليف قوي للسيسي، وهو أحد أركان النظام في غسيل السمعة وتبرير الجرائم وحشد الجماهير، كما أن قتله قد يتسبب في انقسامات داخل الكنيسة، سواء بسبب الخوف أو الصراع على خلافته، وربما لا يستطيع النظام أن يحتوي تهمة التقصير الأمني في حال سقوط رأس الكنيسة قتيلاً داخل كنيسة يفترض أنها مؤمّنة في يوم "أحد السعف".

أيضا، وفق نفس الرواية، فليست هناك حاجة لقتل كل هذا العدد من الضحايا في التفجيرات، 44 قتيلا حتى الآن، والعدد مازال مرشحاً للزيادة، لأن حالة كثير من المصابين حرجة، يكفي قتل عدة أشخاص لتمرير ما يراد.

ولو اعتمدنا رواية النظام الخاصة بأن "إرهابيين قاموا بتفجير الكنيستين"، فليس هناك بروتوكول حماية بين الإرهابيين والنظام، وإنما عنصر المباغتة هو الأسلوب المتبع اعتماداً على التراخي الأمني، وبالتالي فإن قتل البابا في أحد التفجيرين سيكون غنيمة عظيمة لمن نفذوها، وستكون الرسالة من خلاله أكبر بكثير من قتل الأشخاص العاديين.

ووفق تلك الرواية أيضاً، فإن أعداد الضحايا متوقع أن يكون كبيراً في ظل استخدام كميات ضخمة من المتفجرات يتم زرعها في قلب الكنائس أو يقوم انتحاري بحملها وتفجير نفسها في وسط الحشود داخل الكنيسة.

كيف نجا البابا إذن من تفجير الكنيسة المرقسية؟

المنطقي أن وقوع انفجار في كنيسة ومقتل أكثر من 25 شخصاً يستدعي تأمين بقية الكنائس على الفور، خصوصاً في مناسبات مثل "أحد السعف". وعندما يكون رأس الكنيسة في أحدها (المرقسية)، فالطبيعي أن يتم إخراجه منها فوراً إلى مكان آمن.

القوات الأمنية في مصر بائسة، والمخابرات، على عكس ما يشاع عنها، أكثر بؤساً. لكن يبدو أن أحدهم انتبه إلى خطورة مقتل البابا تواضروس في هذا اليوم. وطلب تأمينه فوراً كإجراء احترازي، وهكذا نجا البابا على الأغلب.

لساعات طوال، ظلت قصة وجود البابا في الكنيسة غامضة، بين من يؤكدها ومن ينفيها، لكنها في نهاية اليوم باتت مؤكدة. ربما تم السماح بتأكيدها بعد أن بات البابا في مكان آمن، والغريب أنه، على غير العادة، لم يظهر في خلفية خطاب السيسي مع بقية عناصر النظام الذين وقفوا خلف رئيسهم مذعورين، بينما يتحدث عن النجاح الأمني في سيناء التي باتت تنظيمات متشددة تقيم حواجز تفتيش داخل أكبر مدنها.

على كل الأحوال، في البلاد المشابهة لمصر، لا يمكنك أبداً أن تعرف الحقيقة. حتى اليوم لا يعرف أحد حقيقة تفجير كثير من الكنائس في مصر، ولدينا عشرات الروايات الرائجة حول تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية خلال احتفالات رأس السنة في 2011، وتفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وقبلها عشرات الأحداث التي ضربت كنائس مصرية أو محيطها من بني مزار إلى الكشح إلى إمبابة، والقائمة تطول.

لدى المصريين موروث طويل من الوقائع التي تجعل اتهام النظام بالجريمة مقبولاً، أو على الأقل، تجعله متهماً ضمن آخرين. لكن على كل حال، فإن تنفيذ التفجير لا تختلف نتيجته كثيراً عن السماح بوقوع التفجير، سواء بالتقصير أو التراخي، أو حتى وفق نظرية صراع الأجهزة التي لا يمكن تجاهلها في مصر.

تعالى نتعامى عن إعلان حالة الطوارئ في مصر لمدة ثلاثة أشهر مرشحة للتكرار رغم أننا على أبواب انتخابات رئاسية، ولنتجاهل قرار نشر الجيش في عدد من مناطق البلاد بحجة التأمين، رغم أن عدد أفراد الشرطة المصرية يماثلون ثلاثة أضعاف عدد الجيش.

ودعك من الإعلان المتوقع عن تصفية عناصر بحجة أنهم إرهابيون في أنحاء البلاد، فالتصفيات لم تتوقف منذ الانقلاب، ودعك أيضا من المتوقع من عدم إعلان نتائج التحقيقات في تفجير كنائس المرقسية ومار جرجس والبطرسية، ولا تفجير كنيسة القديسين الذي وقع قبل أكثر من سبع سنوات.

تعالوا نركز مع طلب السيسي من الإعلام عدم تكرار نشر وقائع جريمتي تفجير الكنيستين.​


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة