الجمعة، 8 نوفمبر، 2013

د. سلمان العودة يكتب عن تأثير الدراما الفنية على البشر




منقول:


1

(مسلسل عمر) كان أقرب إلى أن يكون (حدثاً) أثار الكثير من ردود الأفعال المعارضة والمؤيدة، وكان أحد أهم الموضوعات التي أثارت جدلاً في الصحافة والتلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي والمجالس الخاصة والعامة.
تمثيل الصحابة محل خلاف وأكثر المجامع الفقهية ترفضه، ووجود المرأة ولو بشكل محدود ومحتشم، ومدى ثبوت بعض التفاصيل التاريخية، وشخصيات الممثلين .. هي عنوانات من أبرز ما دار الحديث حوله.
اللجنة المشرفة والتي كنت أحد أعضائها عنيت بقراءة النص (السيناريو) والتوثق من تطابقه مع المخرَج، ولم تشأ أن تقحم نفسها في الجدل حول المسلسل بعد تحوله إلى عمل فني، لأن من حق الناس أن يختلفوا دون سقف يصادرهم إلا أن يكون أمراً شرعياً محكماً، وإن كان لرئيس اللجنة الشيخ يوسف القرضاوي رأي يجوز فيه ظهور الصحابة بعد أن كان يمنع ذلك مراعاة للمتغير وأن الميدان ليس مقصوراً على جهة وهناك أعمال درامية ضخمة تقوم عليها أطراف إيرانية سيئة النظرة إلى ذلك الجيل الفريد، فضلاً عن الأثر المتعاظم للدراما لدى الأجيال الجديدة في العالم كله.
لم تستطع الفتاوى أن تمنع مشاهدة المسلسلات والأفلام الرومانسية من تركيا أو أمريكا الجنوبية أو كوريا، وظلت مجتمعات الخليج السوق الأكثر طلباً تستقبل الكثير من القنوات المحلية والعالمية المخصصة لذلك النوع من الانتاج دون فرز أو رقابة.
حدث هذا مع إحجام العقول الهادفة والمواهب المخلصة ذات الرسالة، وفي تردد رؤوس الأموال عن الاستثمار في الميدان الضخم.
وإذا كان الشعر ديوان العرب -كما يقول ابن عباس- فإن الدراما كانت ولا زالت ديوان الكثير من شعوب العالم؛ التي أبرزت فيها عاداتها في الحياة وطريقة حل المشكلات والتعبير عن الآلام والأحلام.
لغة ضخمة في التعبير والتغيير وصناعة الرأي العام، تعتمد على مجموع الحواس، وليس على مجرد السماع، وتخاطب الإنسان كله، وتستهدف المتعة والإثارة والتعليم في وقت واحد.
في المثل الصيني: "قل لي وسوف أنسى، أرني وربما أتذكر، أشركني وسوف أحفظ".
الحفظ هنا ليس مجرد تلقين، ولكنه وسم راسخ في العقل والقلب يصعب محوه.
المشاهد شريك يدخل في التفاصيل، ويعيش الحادثة بلحظتها، ويضحك ويبكي ويستثار ويتعاطف، ويحقد أحياناً ويغضب ويرضى، وفي كل مرة يندمج مع العمل الدرامي وينسى تماماً أنه أمام صور تمثيلية، يحسّ أنه في معترك الحياة.
المشاهد مشارك من شأنه أن يصوّت على نجاح العمل أو فشله، وأن يجعل العمل أكثر إبداعاً عبر التحليل والقراءة والغوص على أبعاده ومراميه وفلسفته.
الشباب والفتيات يجدون مجالاً رحباً للمغامرة والحركة والمفاجأة والاكتشاف، إلى جوار العواطف والرومانسيات التي لها أعمالها الخاصة.
ليس سراً أن الشوارع في دول عدة تكاد تخلو من المارة في أوقات معينة، وأن المشاهدين يعدون بمئات الملايين عبر العالم.
وليس سراً أن تكلفة إنتاج فيلم واحد كفيلم "إنسبشن inception " تبلغ مائة وستين مليون دولار، ومردوده ثمانمائة وخمس وعشرون مليون لحد الآن، وتمت مشاهدته في سائر بلاد العالم، وهو يحكي أن الحياة حلم بصيغة فلسفية.
ومثله فيلم "آفاتار avatar" الذي كلف إنتاجه مائتين وسبع وثلاثين مليون دولار، وإيراداته تفوق مليارين وسبعمائة مليون دولار، ولا يزال يتصدّر قوائم الأكثر مشاهدة، وحاز على ثلاث جوائز للأوسكار.
فيلم (كوني) الوثائقي يتحدث عن أوغندا وأمراء الحرب كان يحلم بـ 500 ألف مشاهدة، حصل قبل نهاية العام (2012م) على 75 مليون مشاهدة.
نجوم الدراما في هوليوود في الولايات المتحدة مثل (دينزل واشنطن وبراد بت وتوم هانكس.. إلخ ) يحوزون شهرة تفوق شهرة رؤساء الدول.
وأموال الدراما ونجومها في بوليوود في الهند تشكل الاستثمار الأعظم عبر 100 عام.
لم يعد المنتج محصوراً في رقعة جغرافية، الغالبية العظمى من الشباب والبنات يشاهدون الأفلام الغربية، والقنوات الفضائية تتنافس في العرض، وتقدم الأموال الطائلة للحصول على حقوق العرض المبكر، ثم قنوات كثيرة جداً دورها هو التفنن في تقديم خدمات إضافية تتعلق بتمكين المشاهد من الاختيار بين قائمة واسعة من العناوين.
قادتني خطاي إلى مواقع إلكترونية خليجية متعلقة بعروض الأفلام فوجدت تبادل معلومات غير عادي بين الشباب والفتيات؛ خاصة حول المشاهدات والاستشارات والتقييم بصورة أكّدت لي أن هذا الضخ الهائل يفعل فعله حتماً في عقول أجيالنا ويشكل شخصياتهم، ويصنع قيمهم، ويرسم لهم الأنموذج الذي لا يستقل بتكوينهم، ولكنه يؤثر فيهم بصورة شديدة، ويصنع لديهم عادات جديدة منها الجيد ومنها الرديء، وغالبية المتلقين لا يملكون القدرة على الفرز والنقد ويستسلمون لما يتكرر أمامهم، كيف وأحدهم لا يستطيع مشاهدة برنامج تلفزيوني لمدة ساعة كاملة ولكنه يستطيع مشاهدة سبعة أفلام في اليوم الواحد تمتد لساعات دون ملل؟!
في اللباس والعادات الصحية والاجتماعية والعلاقات والحركات والكلمات والمصطلحات والطقوس، بل وفي الأفكار والمشاعر والأحاسيس والمفاهيم والرؤى والمواقف يخضع جمهور عريض لتغيير مستمر وتأثير عميق لا تقاومه الوسائل العادية.
ثمَّ ثقافة بشرية مشتركة في اللباس والألعاب والتجميل والأكل والاتصال والفرح .. إلخ، وثمَّ عادات مشتركة أو متقاربة، وقبل الرسالة المحمدية كان في عادات العرب الفارسي والروماني والصيني والعربي الجاهلي ولم يرفض الإسلام منها إلا ما كان محتوياً على معنى مرذول.

 2

البشرية أسرة واحدة تفرَّقت في مواطنها وثقافاتها ومذاهبها وبقي الطبع الفطري الذي يولدون عليه ويتشابهون فيه، وكل شعب يعبر عنه وفق مبادئه وموروثه الخاص.
تأثير الدراما ليس مقصوراً على مجتمع ما، فمن ينكر تأثير (آلام المسيح)، أو (تايتانك)، أو (قتل الطائر المحكي)، أو (المساعدة) على المجتمعات الغربية، وقدرتها على معالجة قضايا اجتماعية؛ كمحاربة العنصرية والفقر أو العنف ضد الأطفال أو المرأة، أو قضايا سياسية؛ كأحداث العراق وأفغانستان وفلسطين، أو تاريخية أو عقدية.. ؟
التأثُّر والتأثير داخل مجتمع واحد مفهوم، لكن عبور الحواجز والحدود، ووجود مجتمعات تستقبل ولا ترسل، تتأثر ولا تؤثر أمر معيب.
ومن قبل كان الإمام أبو حنيفة يقول: "إن دراسة السِّير تُغني عن كثيرٍ من الفقه".
تاريخياً يمكن اعتبار "الدراما" عادة فنيةً لليونانيين والإغريق، ولكن مجتمع العرب لم يخل من لفتات تومئ لأهمية هذا النمط من التعبير، وما (خيال الظل) عنا ببعيد، ولعل ما تزخر به الكتب الأدبية من مشاهد وروايات وحوارات وهمية ومسابقات في التخيُّل هو قريب من هذا الضرب.
وهذا يفتح الباب للحديث عن الدراما التاريخية، أكان حديثها عن تاريخ العالم، أو عن تاريخ الإسلام والعرب وشخصياته المؤثرة، أو عن التاريخ القريب المتعلّق بالصراعات القبلية والإقليمية والكشوف والحراك السياسي والاستعمار والثورات.
يعرف النشء (عمر المختار) أكثر من قادة آخرين قاوموا الاستعمار، وكان للعمل الدرامي أثر في ذلك لا يشك فيه.
الاستعمار الأمريكي في العراق أو فيتنام أو إفريقيا حاول توظيف الدراما لتحسين صورته في أذهان الشعوب، وأفلح كثيراً في ظل غيبة الأعمال الناضجة التي تكشف الحقيقة.
 البحث عن الابتسامة عبر ما يسمى بـ"الكوميديا" هو أحد مقاصد الأعمال الدرامية، وفي الدانمرك مات أحد الأزواج من شدة الضحك وهو يشاهد عملاً درامياً، فأرسلت زوجته تشكر المنتجين!
أهي تشكرهم لأنهم أراحوها من زوج مؤذٍ؟ أم لأنها اعتبرت نهاية زوجها لطيفة أن رحل وهو يضحك!
حتى الضحك له رسالة، ولو كانت خفيَّة، والإسلام جعل لكل شيء قدراً، ولذا لم يأت النهي عن الضحك، بل كان الرسل والأنبياء يضحكون، والابتسامة هي من صفات الصالحين، و(تَبَسُّمُكَ فِى وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ).
ولكن جاء النهي عن الإكثار من الضحك (فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ) رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي وقال: حديث غريب.
الأطفال يقضون ساعات طويلة يومياً تفوق ضعف ساعات الدراسة أمام الشاشة، أفلام كرتونية، أفلام "أنمي"، ألعاب كمبيوترية..
استخدام عجيب ومذهل لأحدث التقنيات التي وضعت لصياغة حياتهم والكسب بواسطتهم، ولكن بطريقة ناجحة.
حتى في ظل تراجع التلفزيون ظلت قنوات الأطفال تحظى بالموقع الأفضل وتتنافس بشراسة على صياغة عادات الطفولة عبر التحكم في عقولهم وألسنتهم ومشاعرهم، وطالما أحبوا منتجاً شاهدوه في العرض دون التفات لتحذيرات الوالدين.
هل التقنية محايدة؟!
إلى حد ما، لو كنا مؤهلين لتوظيفها لتعزيز قيم الحياة الإيجابية من التفاؤل والأمل والنجاح والصبر والقوة والتسامح.. أو توظيفها لتعزيز الهوية الإسلامية التي هي منطلق للتواصل والتنافس والتعايش وحافز للعمل والإنجاز والبناء والإبداع، ولا يجوز أن تتحول إلى سجن يتقوقع داخله أناس معزولون عن عالمهم، عاجزون عن فهمه والتعامل الإيجابي معه، واستثمار أدواته وفرصه.
يأتي رمضان بروحانيته العالية وعاداته الجميلة في كل بلدٍ إسلامي، ومعه عادة راسخة لا تتوافق مع سموه وتألقه!
أن تزدحم الشاشات والأوقات بأعمال درامية محلية وعربية، منها التاريخي ومنها الاجتماعي، بعضها يجترئ على تجاوز المحرّم الاجتماعي ما لا تجترئ على الاقتراب من المحرّم السياسي، ويعاني فراغاً من البُعد القيمي والحضاري. إلى جوار أعمال أخرى تبدو أكثر جدية ومصداقية وسعياً في التغيير. ويظل سقف الحرية والمال عائقاً أكبر أمام النجاح.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة