السبت، 28 يناير 2012

سلامة عبد الحميد يكتب: عزيزي متابع وسائل الإعلام.. بطل استعباط بقى




أذكر دوما جملة كانت تكررها والدتي رحمها الله نصها "صاحب العقل يميز" ومعناها أن عليك أن تعقل ما يقال لك لا أن تأخذه كمسلمات وتتعامل مع منطوقه الحرفي دون أن تعمل عقلك.. خاصة وأنك تتشدق ليل نهار بأنك صاحب عقل وتفهم كل شيء وتدرك كل شيء ومن حقك التعبير عن رأيك لأنك "فتك" و"بوروم" و"بتفهم الكوفت".
يا سيدي العزيز لم يعد بيني وبينك جدال على أن التليفزيونات، حكومية وخاصة، ضللتنا وخانتنا وشوهت معلوماتنا ووجهتنا لأمور ليس لها علاقة بالواقع لسنوات طوال. كلنا بات يدرك حجم الكذب الذي تم ترويجه عن نظام مبارك والذي اعتمد فيه على أسلوب "الزن على الودان" حتى كاد مبارك يتحول ملاكا بجناحين.
كلنا يدرك جيدا أن الإعلام المصري، مرئيا ومسموعا ومكتوبا، ليس بالحياد ولا المهنية الكافية ليكون منبرا يعتمد عليه المواطن العادي في استقاء معلوماته وبنار رؤيته عما يجري في البلاد. ذلك أن كل شيء مخترق وكل منبر إعلامي لديه توازناته وخطوطه الحمر التي لا يمكنه تجاوزها.
كلنا يدرك كم تم تسميم عقولنا وأبصارنا وأسماعنا بأمور تخالف الحقيقة بينما كانت الوقائع في الشارع على العكس من ذلك تماما.. ومع ذلك يخجلني وبقوة أن يظل السيد القارئ والمشاهد والمستمع يصر على تغييب عقله وعدم إعمال فطرته وفطنته وخبرته في تفحص ولو سريع لتلك الأمور التي تسكب سكبا في عقله.
كذبوا عليك سابقا وكنت تصدقهم قبل أن تكتشف أنهم كاذبون.. فكيف تقبل على عقلك أن تصدقهم مجددا دون أن تعمل عقلك فيما يقولون.. اياك يا سيدي أن تزعم أن الإعلام مخطأ أو أن الإعلام كاذب أو أن الإعلام مضلل.. هم كما تقول بالفعل.. لكنك أيضا شريك في الجرم مثلهم تماما.
هم يكذبون وأنت تصق الأكاذيب.. هم يزورون وأنت توافق على التزوير.. هم يقبضون المال ليزيفوا الحقائق وحضرتك تعتبر الزيف واقعا لأنك لا تحب أن تتعب نفسك في التدقيق والتعقل على طريقة كونهم يرتشون وأنت تقبل الرشوة، و"لعن الله الراشي والمرتشي".
"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" وأنت لدغت من الإعلام لدغات كثيرة موجعة، فكيف تسلم لهم عقلك بتلك السهولة دون أن تعمل عقلك.. كيف تصدق بتلك السهولة ما يقوله لك التليفزيون حتى ولو كان مدعما بصور وفيديوهات.. ما أكثر الفيديوهات الملفقة والمزورة والمقتطعة من سياقها التي عرضوها لك سابقا كأدلة على ما يقولون من أكاذيب.
هل نسيت أنهم قالوا إن شباب الثورة العام الماضي كانوا عملاء وخونة ويتلقون أموالا من الخارج وتأتيهم وجبات الكنتاكي وغيرها وعرضوا لك شهادات وفيديوهات تؤكد ذلك.. هل نسيت أنك صدقتهم ورددت نفس الكلام حتى سقط النظام كله لتكتشف حجم الفساد والكذب والقتل الذي فعله في هؤلاء الشباب الوطني الشريف الذي دافع عن مستقبلك ومستقبل أولادك بحياته ودفع في سبيل ذلك دمه.
كيف تقبل على نفسك مجددا أن تصدق بقايا نظام مبارك.. كلكم مدرك جيدا أن حكام مصر العسكريين طنطاوي وعنان من بقايا مبارك. أو هكذا يزعم معظم من أتحدث معهم من أهالينا.. فكيف بكم تصدقونهم عندما يقولون لكم مجددا وبنفس الغباء السابق أن نصف المصريين هم عملاء وخونة وممولين من الخارج.
ألم يقولوا أنه يجب محاكمة مبارك في محكمة عادلة حتى نسترجع أموال سرقها من قوتنا وهربها للخارج؟. هل ترى حضرتك المحاكمة عادلة؟ ألم يقتل الليبيون الطاغية القذافي في الشارع أمام العالم ومع ذلك استرجعوا أموالهم؟ ألم تقرأ تصريحات العالم كله التي تؤكد أن الحكومات المصرية الثلاث المتعاقبة لم تطلب حتى الأن استرداد الأموال المهربة من مصر إلى الخارج؟.
أولم يقل لنا مؤخرا مسئول عسكري كبير أن هناك مؤامرة لاحراق مصر يوم 25 يناير..أين ذهبت تلك المؤامرة المزعومة؟.. ألم تكتشف حتى الأن أنهم يكذبون أولا ترى أنهم يعطلون ويؤجلون ويصرون على تفتيت الثورة والشعب بالتقسيم إلى ليبراليين واسلاميين وأقباط.
أولا ترى حجم الصفقات المفضوحة القائمة بين بقايا النظام المباركي وبين من يطمحون في تولي مكانهم. أولا تشك يوما في وجود صفقة غير معلنة حول خروج أمن لمن قتلونا وعذبونا وسرقونا؟.
يا سيدي.. الحقائق واضحة لكن "صاحب العقل يميز" كما كانت تقول أمي.. ولك أقول: بطل استعباط.




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

حدث خطأ في هذه الأداة