الخميس، 21 مارس، 2013

سلامة عبد الحميد يكتب: مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بين الفن والسبوبة





لم أكن بين من أبدوا استهجانهم من حديث السيناريست سيد فؤاد رئيس مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية عن إمكانية إلغاء المهرجان لو أنه لم يتمكن من توفير الميزانيات اللازمة لعقد الدورة الثالثة العام القادم، فالرجل يتحدث بالمنطق، فكيف له أن يقيم مهرجانا بلا ميزانية.
لابد أن أعبر أيضا عن اعجابي بجرأته في الهجومه على الفنانين الذين لا يدعمون مهرجانات السينما إلا بالكلام فقط، بعضه لا يفعل هذا حتى، واتخاذه الفنان خالد صالح مثالا لمن يدعمون السينما بالفعل وليس بمجرد التكرم بحضور المهرجان وإجبار إدارته على حجز الغرف الفاخرة والسيارات الفارهة وتوفير ما لذ وطاب وإلا غضب النجم وغادر بعد أن يصب لعناته على المهرجان.
كان سيد فؤاد فعلا جريئا في اعلان موقفه الصريح من بقاء المهرجان في ظل انعدام الدعم المالي.. وكذا في اعلانه مسئولية الفنانين أنفسهم عن الوضع المتأزم للمهرجانات المصرية كلها.
لكني رغم ذلك أتعجب من أن يتحدث السيد سيد فؤاد بكل هذا الصلف عن مهرجان سينمائي مصري، فالسيد سيد فؤاد هو من يقرر استمرار المهرجان، وهو من يقرر إلغاءه وكأنه مهرجان ملاكي أقامه السيد رئيس المهرجان من جيبه ولما لم يحقق المرجو منه قرر أن يوقفه.. هكذا بكل بساطة.
ربما كشف رئيس المهرجان دون أن يدري أنه “الكل في الكل” وأن ما يقال عن اللجنة العليا أو اللجنة التنفيذية وكل هذه الأشياء حبر على ورق، “أنا رئيس المهرجان ولو توفر لي المال الكافي فسوف أقرر بقاءه، ولو لم يتوفر المال فسوف أقرر إلغاءه”.. هكذا هو الأمر إذن على بلاطة.
الواقع أن مهرجان الأقصر يدفع تكاليف إقامته منذ الدورة الأولى وزارات الثقافة والسياحة والأثار ومحافظة الأقصر، والواقع أن تحمس الوزير السابق عماد أبو غازي للمهرجان هو سبب ظهوره للنور. والواقع أيضا أن عماد أبو غازي نفسه هو من تسبب في أزمات مالية لكل المهرجانات المصرية بقرارته غير المدروسة خلال فترة توليه للوزارة.
المهم أنه كان الأولى بإدارة المهرجان، إن كانت هناك إدارة، أن تعمل على مدار العام على توفير مصادر دخل بديلة أو التعاقد مع رعاة، مثلما حدث هذا العام وفي أخر لحظة مع رجل الأعمال حسن راتب صاحب قناة المحور الذي يدعم الرئيس محمد مرسي بكل الوسائل، وفي هذا مفارقة كبيرة مع تصريحات معظم العاملين في المهرجان وضيوفه، لكن ما علينا “اللي ييجي منهم أحسن منهم”.
كان عليهم البحث عن حلول لو أن القائمون عليه بحق حريصون على بقاء المهرجان واستمرار دوره الثقافي والفني في التواصل بين السينمائيين الأفارقة، بعيدا عن أدوار أخرى بينها مكاسب مالية تدخل جيوب العاملين فيه أو ترفيه سنوي لهم ولعدد من المحاسيب، أو حتى مناسبة لظهور عدد من الفنانين الذين انطفأت أضواءهم منذ سنوات.
وفي هذا المقام لا يفوتني أن أعبر عن السخرية من واقعة تكررت للعام الثاني على التوالي هي حرص عواجيز السينما، رجالا ونساء، والأهم عادة النساء على اثبات أنهن تحديدا لازلن قادرات على الرقص، وتركيز الكاميرات على تلك الرقصات.
فماذا يعنينا في مهرجان سينمائي من رقص ليلى علوي ولبلبة في الدورة الأولى ورقص يسرا وهالة صدقي في الدورة الثانية “برضه ما علينا”.
1363856882.55
قبل أيام من عقد الدورة الثانية من المهرجان فاجأ رئيسه الوسط الفني كله بإعلان اعتصامه واضرابه عن الطعام لأن جهة حكومية اعتبرها تحاول تعطيل مسيرته الشخصية التي هي في نظره مسيرة المهرجان وربما مسيرة السينما المصرية كلها، لم تقم الجهة الرسمية بحجز تذاكر السفر التي التزمت بحجزها.. إنها بالفعل أزمة حقيقية للمهرجان وكارثة إدارية تتحملها الجهة الرسمية، لكن أين كانت إدارة المهرجان نائمة حتى باتت مهددة بإلغاء الدورة بالكامل بسبب تلك المشكلة الإدارية.
فاجأني سيد فؤاد فعلا برد فعله، اعتصام واضراب عن الطعام؟! ما هذه الوسائل الجديدة.. الحاجة فعلا أم الاختراع، وطالما الطرق المستقيمة لا تصلح لإنهاء المشكلات فلنلجأ إلى وسائل جديدة باتت شائعة في الشارع، لا أخفيكم أن الوسيلة كانت ناجعة وأثمرت انهاء الأزمة، لكن هل تكون معتمدة في السنوات القادمة وفي المهرجانات القادمة.. على رئيس أي مهرجان أن يعتمد أسلوب سيد فؤاد في حال واجهته أي مشكلة مع أية جهة رسمية فورا إذن.
أتذكر قبل سنوات عندما نظم الأستاذ سمير فريد مهرجانا قال عنه وقتها إنه نموذج للمهرجانات السينمائية وإنه سيكون مهرجانا سنويا قويا.. ثم لم يظهر المهرجان للنور بعدها لأن الأستاذ سمير كان يظن أن الجهات الرسمية ستتوافد على أبواب مهرجانه تباعا لتعرض عليه أن تدعم المهرجان، ثم يتدلل ويتعزز هو في اختيار الأنسب من بينها، وأن شركات الانتاج السينمائي ستقف طابورا في حضرة مهرجانه ليضم أفلامها أو لتشارك في دعمه بتقديم الجوائز أو الفعاليات، وهو الأمر الذي لم يحدث أبدا لا من هؤلاء ولا من أولئك، وعندها قرر الأستاذ سمير إلغاء المهرجان “وكفى عليه ماجور”.
ربما لو كان الأستاذ سمير فريد يعرف تلك الوصفة السحرية التي لجأ إليها رئيس مهرجان الأقصر لنفذها ولظل مهرجانه قائما حتى الأن.. وربما تحرج الأستاذ الكبير من التدني لهذه الدرجة وأظنه كان لن يتدنى أبدا لهذا.
المستغرب بالنسبة لي في الأمر أن السيد سيد فؤاد الذي قال نصا للصحفيين في مهرجان الأقصر إنه كاد يتسول من الجهات الرسمية ليقيم المهرجان قرر أن يتحول إلى مؤسسات المجتمع المدني ليبحث لديها عن التمويل اللازم رغم ايمانه أن وزارة الثقافة ملزمة بتمويل مهرجانه وغيره من المهرجانات، وما أستغربه أن المهرجان لم يلجأ بالأساس لهذا الإتجاه قبل الجهات الرسمية المعروف للكافة أنها مكبلة بإداريات وقوانين ولوائح كثيرة معقدة إضافة إلى الحالة الاقتصادية للحكومة التي لا تخفى على أحد.
لا أريد القول بإن المهرجان مجرد “سبوبة” لمجموعة من العاملين بالسينما والمهتمين بها، وفسحة لمجموعة أخرى من العاملين بالسينما والمهتمين بها.. لكن الواقع يؤيد ذلك بعض الشيء.
رغم هذا فإنني أدعم استمرار المهرجان واطلاق المزيد من المهرجانات.. في الأقصر وفي غيرها من المحافظات.. حتى لو كانت مجرد سبوبة… بالتوفيق للجميع….



يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة