الجمعة، 4 نوفمبر 2011

دولة لا ترى لا تسمع لكن تتكلم.. الفلول ومرحلة "التكويش" على الإعلام المرئي




كتب: سلامة عبد الحميد

الاستحواذ أو "التكويش" هو الوصف الأمثل لوضع الإعلام المصري الخاص حاليا.. لم يعد هناك مجال للكيانات الصغيرة لأن الفترة القادمة وعلى غير ما كان البعض يتوقع ليست فترة العدالة الإجتماعية أو الاهتمام بالمواطن البسيط وإنما فترة "تكويش" يستفيد منها أصحاب الكيانات الضخمة على طريقة فترة  الإنفتاح الإقتصادي نهاية السبعينات.
كان التليفزيون الحكومي وحده محتكرا الإعلام المسموع والمرئي لسنوات طويلة، كان أيضا متحكما في الإعلام المقروء بشكل أو بأخر، فجأة انفتحت السموات وتوالى ظهور القنوات الفضائية المصرية لكن داخل عباءة النظام ووفقا لأوامره، فلا يمكن لأي منها أن تقدم نشرة أخبار ولا يقبل من أحدها أن يرتفع سقف نقدها للسياسات أو رجال السياسات وإلا كان العقاب وخيما.
بعد الثورة ظهرت قنوات جديدة كثيرة وتحرر الإعلام بعض الشيء وإنما كان أيضا ملتزما بإطار حدده الحكام الجدد يمنع انتقاد سياسات جديدة بنفس الطريقة القديمة ويغلق من يخالف أو يطلق عليه كلابه المسعورة.
الأخطر في المرحلة الجديدة هو ما أسميناه في البداية "التكويش"، فبينما كان ماسبيرو الوحيد الذي يملك هذا الحق بات الوضع الأن أخطر كثيرا، فكل صاحب مال بات يملك حق التكويش وكل صاحب مشروع حتى لو كان غير مشروع في استطاعته أن يكون شبكة اعلامية تروج لمشروعه أو بالأحرى تدافع عنه وعن مصدر أمواله أو شركاءه أو أفكاره.
لا يوجد مانع من أن تغسل الأموال القذرة الأن في الإعلام والشائعات تملأ مصر طولا وعرضا حول مصادر تمويل معظم وسائل الإعلام التي ظهرت بعد الثورة دون أن يحقق أحد في تلك الشائعات رغم خطورتها، ولا مانع الأن أن تروج لأفكار تهدم المجتمع طالما أنك لا تتجاوز حدود انتقاد السلطة الحاكمة حتى لو كان ما تفعله باطلا أو فاشلا فإنك ستجد من يشاهد أو يمولك أو يثني على أداءك دائما.
منذ ظهرت شبكة قنوات "سي بي سي" والشكوك حول مصادر تمويلها تتناثر وتدور في فلك محدد من منصور عامر صاحب بورتو مارينا وبورتو السخنة والبرلماني المنتسب للحزب الوطني عن دائرة القناطر الخيرية، أو أحمد عز القيادي السابق في الحزب نفسه والبرلماني السابق أيضا وصاحب "حديد عز" أو أشرف صفوت الشريف أحد أبرز أباطرة الإعلام المصري في العهد السابق وابن أحد رجالات النظام الكبار المحبوسين حاليا.
الأسماء الثلاثة كانت الأكثر تداولا دوما فيما يخص تمويل القنوات التي ظهرت سريعا وأنفقت كثيرا واستقدمت أسماء شهيرة، وبعدها بكثير كان يظهر اسم رجل الأعمال محمد الأمين الذي يتم تقديمه دائما على أنه المالك الحقيقي لتلك القنوات رغم عدم اقتناع أحد بالأمر.

بدأت "سي بي سي" واستمرت رغم الرفض والهجوم عليها وحققت انفرادات وظهر على شاشاتها قيادات ومسئولين، لكن فجأة بدأت الأيادي الاخطبوطية للشبكة تتحرك للتكويش، فاشترت عددا كبيرا من القنوات القائمة، بعضها كان يعاني مشكلات مالية رغم الجماهيرية والتاريخ مثل "مودرن" وبعضها الأخر كان يبحث عن مظلة أكبر تجعله قادرا على الاستمرار.
الأهم في القضية أن التكويش في الأغلب وراءه عناصر لا تنتمي للثورة وأصحاب أموال حاولوا جاهدين اجهاضها قبل أن يتحولو فجأة ليستفيدو منها على طريقة "اللي تكسب به العب به" بينما الشعب في واد والإعلام الذي يزيف الحقائق ويتلاعب بالمبادئ في واد أخر.
قناة المحور ومالكها رجل الأعمال حسن راتب مثال صريح للحال الذي نتحدث عنه، فالقناة كانت من أبرز القنوات المناهضة للثورة والداعمة لمبارك، وكانت لسنوات القناة الرسمية للحزب الوطني، تنفرد بنقل مؤتمره السنوي وتروج لرموزه، ولا أحد في مصر ينسى حلقات برنامج "48 ساعة" لمقدميه هناء سمري مراسلة الرئاسة السابقة في التليفزيون وسيد علي الصحفي في الأهرام والفضائح التي ضمتها حلقات أيام الثورة الأولى.
فجأة يدعي مالك المحور ومعه اعلاميو قناته أنهم مع الثورة ويدعمونها بل إن راتب ظهر مؤخرا ليقول إن مصر فيها مناطق جاهزة تماما لتكون أفضل من سنغافورة وهونج كونج لكن مبارك ونظامه كانوا يعطلون مسيرة التطور، كما أن سيد علي الشريك في فضيحة الصحفية نجاة الشهيرة عاد ليقدم برنامجا عن الصحافة في القناة ذاتها ويدافع عن نفسه ويؤكد أنه وأولاده كانو في التحرير أيام الثورة الأولى.
حالة غسيل الأموال مستمرة بالطبع في قنوات عدة ليست ببعيدة عنها قنوات "الحياة" لصاحبها رجل الأعمال سيد البدوي رئيس حزب الوفد وحليف حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لجماعة الإخوان، وتحالف الوفد الليبرالي مع الإخوان ظاهرة تستحق الدراسة، فالقنوات التي استضافت كل مناهضي الثورة في أيامها الأولى، عفاف شعيب وحسن يوسف وطلعت زكريا مثالا، ثم أحمد شفيق وأحمد عز وصفوت الشريف نموذجا، تلك القنوات لازالت على العهد ولا يشكل خروج محمود مسلم محاولة للتطهر كما لا يمكن أن يشكك أحد في أن الحياة لازالت تتلاعب بعقول المصريين.
في حوار أخير لوزير الإعلام أنس الفقي، يوووه أسامة هيكل.. عموما مش فارقة كتيير.. في حوار للأخير مع شريف عامر في برنامج "الحياة اليوم" كان ظاهرا للكافة أن الحوار هدفه الأول غسيل سمعة الوزير الذي بات متهما من جانب معظم الإعلاميين والسياسيين الشرفاء في مصر بالتحريض على قتل المصريين من خلال قنواته، وعلى طريقة "اللي أقوله تسمعه" كان شريف عامر مقيدا أمام الوزير الوفدي مثله مثل مالك القناة لا يملك الرد على ما يقال له حتى وإن بدا عليه عدم التصديق أو بدرت على طرف لسانه أسئلة ضرورية، كان الوزير يتوعده دائما "انت هتقاطعني يا شريف؟".
إنهم "الفلول" إذن.. تلك اللفظة التي باتت أشهر وأكثر استخداما من ألفاظ أخرى يفترض أن تكون أهم بينها "الحكومة" و"العدالة" و"الشهداء"، الفلول يسيطرون على الإعلام ومن يسيطر على الإعلام يسيطر على عقول الناس، وعقول الناس باتت بعد أشهر من الرعب والخوف في ظل الإنفلات الامني والتهديد بالجوع والتقشف والإفلاس باتت تتقبل تصديق أي كلام يقال لها تحت شعار الخروج من الأزمة.
أما القنوات التي ادعت منذ البداية دعم الثورة والمشاركة في الترويج لها وعلى رأسها قنوات "نجيب ساويرس" فإن مصداقيتها خسرت كثيرا بمرور الوقت مع تباين مواقف مالكها والأسماء البارزة فيها الذين كان كلامهم يتبدل بين ليلة وضحاها من الوقوف خلف مبارك ونظامه والجلوس مع رجالات إنقاذه سواء عمر سليمان أو أحمد شفيق وصولا إلى النقمة على الجميع واطلاق الاتهامات في كل اتجاه، دون أن يقول لنا هو أو مقدمو برامجه من أين جاء بأمواله وما مدى استفادته من نظام مبارك وما قدر الفساد الذي تورط فيه في ظل هذا النظام.
ثم كانت الطامة الكبرى التي عصفت بالقناة الساويريسية مع الترويج لرفض الاستفتاء ثم المطالبة بقول "لا" ثم أزمة "ميكي وميني ماوس" تلك الأزمات المتتالية أفقدت القناة مصداقيتها لدى قطاع عريض في الشارع خاصة مع ربطها بحزب المصريين الأحرار الذي أسسه ساويرس بمشاركة عدد من الرموز البارزة التي انسحبت تباعا من الحزب بسبب تضارب المواقف فيه تبعا للمصالح طبعا.
قناة التحرير مثال واضح على سيطرة الفلول على الإعلام، فالقناة التي ظهرت تدعي أنها بوق الثورة وصوت الحرية والمثال الصريح لفضح الفساد لم تجد لها مكانا في سوق الفضائيات ولم يتابعها كثيرون في الشارع لأنها لم تقدم اعلاما احترافيا ولأنها عملت على طريقة تقشف ابراهيم عيسى أحد مؤسسيها والشريك فيها، فالكبار يحصدون الملايين والصغار يقبضون الملاليم، وأحيانا لا يقبضون أصلا.
أزمة "التحرير" بدأت مع ضم مجموعة من الفلول بينهم عمرو الليثي والمقتول سلفا محمود سعد إضافة إلى برامج الرغي الطويل لأصحابها ابراهيم عيسى وبلال فضل وأخرين من مدرسة الدستور القديمة التي تفضل أن تغلف الخبر والمعلومة بحدوتة طويلة ربما تنسى في نهايتها الخبر الأصلي.
سريعا سقط نموذج التحرير في فخ التمويل وانفض سامر الأسماء الشهيرة وتوالى خروج الإعلاميين منها قبل أن نعلم مؤخرا أن المبادرات بدأت لاتقاذ القناة بالبحث عن ممول يشتري أو يدفع بغض النظرعن السياسة التحرير التي لا يعلم أحد إن كانت موجودة أصلا.
نجحت الحياة وسي بي سي وغيرها لأنها اعتمدت النموذج الإعلامي الأنجح، برامج ذات تمويل كبير وأسماء شهيرة يقبل الناس على مشاهدتها وماكينة دعاية لا تتوقف، بينما لم تنجح التحرير كمثال للقنوات المضادة لفلول لأنها اعتمدت أسلوب التليفزيون الحكومي النائم المدعي، فكانت سي بي سي "الفلولية" موجودة في التحرير تنقل بثا مباشرا للمظاهرات وتلتقي وجوه الثورة، بينما كانت التحرير "الثورية" تبث من الاستديو كلاما انشائيا لمذيعيها.
نعود للتكويش.. فالظاهرة وإن لم تظهر أثارها بالكامل على المجتمع إلا أنها مؤثرة للغاية والانتخابات القادمة خير وسيلة للتدليل على ذلك، فمن يرغب في النجاح والوصول للبرلمان عليه أن ينفق ببذخ على الدعاية التليفزيونية، والقنوات جاهزة تماما لتقبل الاموال والتحول لبوق لمن يدفع في ظل عدم وجود سياسة اعلامية تمنع الافتراء والتشنيع والكذب والتدليس وتبديل الحقائق "الفراعين" نموذجا، وقنوات ماسبيرو دليلا.





يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

حدث خطأ في هذه الأداة