الخميس، 25 يوليو، 2013

السيسي يضع مصر على طريق سيناريو موريتانيا.. إلى العسكرة رأسا





بعد استقلال موريتانيا عن فرنسا عام 1960، وتنصيب المحامي المختار ولد داداه (أبو الأمة) كرئيس للجمهورية الفتية، دخلت موريتانيا في أتون أزمات متتالية. فمن إثبات الهوية والوجود على إثر عدم اعتراف المغرب بها كدولة مستقلة واعتبارها جزء من الأراضي المغربية إلى صراع الصحراء، وجدت موريتانيا نفسها طرفا في مشكلة الصحراء الغربية، وبالتأكيد كانت الطرف الأضعف مقارنة مع المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر والدول الاشتراكية.
بعد خروج الاستعمار الاسباني من الصحراء الغربية عام 1975، تقاسمت الدولتان هذه الأرض المتنازع عليها، فتم ضم جهة وادي الذهب إلى موريتانيا، وكثفت جبهة البوليساريو من هجماتها على موريتانيا باعتبارها الحلقة الأضعف، وبلغت الهجمات ذروتها حين دخلت الجبهة مدينة نواكشوط عاصمة الدولة الموريتانية في يوليو من عام 1977.
وأدى تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية إلى تنفيذ بالجيش الموريتاني أول انقلاباته عام 1978 على الرئيس المختار ولد داده.
وقاد الانقلاب مجموعة من القادة يتزعمهم محمد خونا ولد هيداله ومصطفى ولد السالك وجدو ولد السالك وولد بوسيف. ونصب العقيد مصطفى ولد السالك كرئيس للجمهورية وعلقت الحياة السياسية والحزبية. وفي يوم 6 إبريل من عام 1979، تم تنفيذ انقلاب أبيض كان من نتائجه إسناد رئاسة الوزراء للعقيد بوسيف مع إبقاء منصب الرئاسة للعقيد مصطفى ولد السالك دون صلاحيات تذكر.
وعلى إثر مقتل بوسيف في حادث سقوط طائرته المتجهة نحو السنغال، شكلت لجنة عسكرية جديدة عرفت باسم اللجنة العسكرية للخلاص الوطني، وكان الرجل النافذ فيها والشخصية المسيطرة على مراكز القوة بها هو ولد هيدالة الذي أمضى 10 أشهر رئيسا للحكومة مسندا بشكل صوري رئاسة الدولة للمقدم محمد محمود ولد أحمد لولي الذي كان يشغل قائد الدرك الموريتاني، وفي شهر يناير من عام 1980، أزاح ولد هيدالة المقدم ولد أحمد لولي ليجمع بين يديه رئاسة اللجنة العسكرية ورئاسة الحكومة ورئاسة الدولة ووزارة الدفاع في نفس الوقت.
عرف عن ولد هيدالة شدة وطأته بمعارضيه، كما أنه كان متعاطفا مع البوليساريو إلى حد الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، هذه العوامل أثرت سلبا في بقاء ولد هيدالة على سدة الرئاسة. فالمغرب و من وراءه فرنسا والغليان الداخلي ساهما في زعزعة نظام ولد هيدالة، حيث تعرض لمحاولة انقلاب عنيفة عام 1981، قامت بها قيادات من منظمة التحالف من أجل موريتانيا الديمقراطية المدعومة من المغرب مما دفع بولد هيدالة إلى قطع علاقاته الدبلوماسية بجاره الشمالي. وأمام هذه الأزمة السياسية والاقتصادية المتفاقمة في موريتانيا لجأ ولد هيدالة عام 1983 إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ومحاربة الرق.
اعترفت موريتانيا بالجمهورية العربية الصحراوية في فبراير1984، وفي 12 ديسمبر من نفس العام أطاح انقلاب عسكري أبيض بمحمد خونا ولد هيداله بقيادة معاوية ولد سيد أحمد الطايع. وفي عام 1992 نظم معاوية انتخابات رئاسية فاز فيها ثم أعاد ترشحه على التوالي سنتي 1997 و2003 وكان الفوز ملازمه كما هو حال الانتخابات في الدول العربية.
استمر معاوية في حكم موريتانيا عشرين عاما، تعرض خلالها لمحاولتين انقلابيتين فاشلتين، الأولى عام 1987 قادها بعض الضباط الزنوج المنتمين إلى جبهة التحرير الأفريقية بموريتانيا، كان من نتائجها أن قام بحملة طرد للزنوج الأفارقة وكذا توتر العلاقات الموريتانية السنغالية.
في 5 يونيو 2003 قامت مجموعة من الضباط المستائين من الفساد في الجيش ومؤسسات الدولة بمحاولة انقلابية بقيادة صالح ولد حننّه ومحمد ولد شيخنا وضباط في كتيبة المدرعات وقيادة الطيران وبعد أن سيطروا على العاصمة فشلوا في اعتقال الرئيس مما أدى لفشل الانقلاب، وقد أدى هذا الانقلاب وماتلاه من محاولتين قامت بها نفس المجموعة بعد فرارها للخارج خلال سنة إلى تعرض استقرار النظام للاهتزاز
وهذا الانقلاب كان نذير شؤم لمعاوية الذي تميز أخر حكمه بالارتماء في أحضان أمريكا مما أزعج الحليف الاستراتيجي فرنسا، خاصة وأن موريتانيا باتت على وشك الانضمام للدول النفطية، غير أن المثير هو اعتراف معاوية ونظامه بإسرائيل وفتح سفارتها في نواكشوط مما زاد من كره الشعب له.
3 أغسطس 2005 قامت مجموعة من الضباط بتنفيذ انقلاب  أبيض على معاوية الذي كان خارج البلاد يعزي في وفاة الملك فهد ملك السعودية ولأن رتبهم العسكرية أصغر من كبار الضباط اختاروا العقيد أعلى ولد محمد فال مدير الامن الوطني ليكون رئيسا للبلاد وواجهة لهم، وأمروا بحل البرلمان وشكلوا المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية وأعلنو عن برنامج انتقالي وإصلاحات دستورية تمهد لتسليم الحكم لنظام ديمقراطي بعد سنة ونصف
في 21 نوفمبر 2006 جرت انتخابات بلدية وتشريعية وقد أدت لفوز اللوائح المستقلة المتهمة بالتنسيق مع المجلس العسكري بأغلبية في البرلمان والمجالس البلدية إلا أن أحزاب المعارضة السابقة المشكلة لتحالف قوى التغيير فازت في العاصمة والمدن الكبرى وولاية الترارزة وأصبح حزب تكتل القوى الديمقراطية أكثر الأحزاب تمثيلا يليه اتحاد قوى التقدم.
في 11 مارس 2007 أجريت انتخابات رئاسية ديمقراطية تنافسيه في موريتانيا لأول مره في تاريخها، وبعد جولة أولى لم يحصل فيها أي من المترشحين على 50% جرى شوط ثاني بين سيدي ولد الشيخ عبد الله وأحمد ولد داداه وتم انتخاب سيدي ولد الشيخ عبد الله رئيسا للجمهورية بنسبة 53% وأصبح بذلك أول رئيس مدني لموريتانيا منذ ثلاثين سنة، وقد اتهم القادة العسكريين بالوقوف إلى جانب ولد الشيخ عبد الله وحشد التأييد له.
بعد تسلم الرئيس لمهامه تم تنصيب البرلمان وتم انتخاب مسعود ولد بوالخير رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي رئيسا للجمعية الوطنية، وشكلت حكومة يرأسها الزين ولد زيدان.
بعد مضي 15 شهر علي تسلم السلطة لأول رئيس منتخب ديمقراطيا سيدي ولد الشيخ عبد الله وبعد ترقيته للعقيدين محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي ومحمد ولد غزواني قائد القوات المسلحة الي رتبة جنرال، قام الجنرالان رفقة بعض القيادات العسكرية بإنقلاب عسكري أطلقو عليه إسم "حركة تصحيحية" بمباركة بعض أحزاب المعارضة وقد تعهد الجنرال محمد ولد عبد العزيز بعدم الترشح لأي انتخابات رئاسية سيتم إجرائها،، بعد الإنقلاب مباشرة تم تشكيل الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية (الدفاع عن الشرعية) وقامت بعدة مسيرات للتنديد بالإنقلاب تم قمعها جميعا، وبعد أشهر من الإنقلاب إستقال الجنرال محمد ولد عبد العزيز من الجيش ومن رئاسة المجلس العسكري الحاكم وأسندت الرئاسة بشكل صوري لرئيس مجلس الشيوخ وهو مدني لم يجلس يوما واحدا في القصر الرئاسي، وتأزمت الأوضاع مما اضطر الإنقلابيين بالإستعانة بالقذافي الذي كان حينها رئيس الإتحاد الإفريقي، كما استعانوا ببعض دول الجوار كالمغرب والسينيغال للضغط علي المعارضين، الذين جلسوا أخيرا علي طاولة الحوار بالعاصمة السينيغالية داكار حيث تم الإتفاق علي عدة بنود منها إلقاء الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله لخطاب يعلن من خلاله استقالته ويدعو فيه الي انتخابات رئاسية مبكرة أفضت الي نجاح الجنرال محمد ولد عبد العزيز كرئيس لموريتانيا، حيث تنكّر الأخير الي بقية بنود الإتفاق مع المعارضة وأدخل البلاد الي مرحلة جديدة بعيدة كل البعد عن منهج الديمقراطية.

والانقلابات الناجحة في موريتانيا لا تحمل أي طابع إيديولوجي، وإنما نزوة ضباط وحرب مصالح. ويلاحظ أن الانقلابات الناجحة هي تلك التي قام بها الضباط الذين درسوا إما في مدارس عسكرية فرنسية كمعاوية وولد هيدالة، أو من مكناس بالمغرب مثل علي ولد فال ومحمد ولد عبد العزيز، في حين كان مآل انقلاب صالح ولد حننا الفشل لأنه تعلم في السعودية. 




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة