السبت، 6 يوليو، 2013

سليم عزوز يكتب: انتهت النشرة.. انتهت الثورة




كنت أمر على الجزيرة مرور الكرام، أقبل ذا الجدار وذا الجدار، قبل أن اتذكر أن ‘ليلى’، لم تعد هناك ولكنها في العراق مريضة، فتوقفت عن التقبيل، لكن لأن الجزيرة في طريقي الى المحطات في جولاتي التي لا تتوقف، فانني امر عليها غير مستأنس لحديث، ولهذا فلم أعد اعرف ما اذا كان جميل عازر هناك، أم انه جرى عليه ما جرى لسامي حداد، الذي تم الاستغناء عن خدماته قبل سنوات فانقطعت عنا اخباره، مثلما انقطعت أخبار جمانة نمور، والتي قيل أنها الان في وظيفة مرموقة بالفضائية الجديدة ‘الغد العربي’… لكن لم تطل من شاشتها الى الان، هناك حراس قمت بتعيينهم في انتظار هذه اللحظة التاريخية… لكننا هرمنا ولم تأت اللحظة!
جميل عازر له عبارة اشتهر بها في ختام نشرة الأخبار، هي ‘انتهت النشرة’، يقولها وهو في حالة قرف عام، وكان لنا صديق رحل عن دنيانا يقلده فيقول ‘انتهت النشرة’ ويبصق، وعازر رجل غريب يعامل المشاهدين بتأفف، كأنه يقول لهم أن الزمن جار عليه، على نحو يجعله مضطراً لأن يطل على مشاهدين مثلهم، ومع ذلك فهو محبب لهم، بشكل لا يحوز عليه ملك الوسامة في العالم!
البعيد عن العين بعيد عن القلب، ومع هذا فقد طفت عبارة ‘انتهت النشرة’ على سطح الذاكرة وأنا استمع الى بيان القوم، وهم يعزلون الرئيس المنتخب، في انقلاب عسكري، جاء متماشياً مع روح العصر، الذي لم يعد يقبل مثل هذه الانقلابات، التي كانت مقبولة في الخمسينيات والستينيات، وما أدراك ما الستينيات، ثم ما أدراك ما الستينيات.
عندئذ قلت: ‘انتهت الثورة’، أقصد بذلك ثورة يناير، التي رفعت شعارات الحرية، والمدنية، والتي خرجت على الاستبداد، وهتفت ضد حكم العسكر، وظلت تهتف الى أن غادر المجلس العسكري الحكم، بعد سنة ونصف قضاها وكان قد وعد بأن المرحلة الانتقالية لن تكون أكثر من ست شهور، لكنه كان يطمع أن يزيد!
لم يخدعني كرنفال الازياء، ما بين ديني، ومدني، وشبابي، فلم أر سوى الزي العسكري، يبدو ان عيني مغرضتان، ويبدو لأنني من عشاق النكد، ومن الذين يستعذبون العذاب، كالسيدة أمينة رزق في اعمالها الدرامية، لهذا فلم اسعد على الرغم من انني كنت أجلس في محيط السعداء بهذه الخطوة التاريخية، وكنت بعيداً عن ميدان رابعة العدوية حيث يرابط أنصار الرئيس محمد مرسي.
لعل الوحيد الذي تحدث عن ثورة يناير هو الدكتور محمد البرادعي في هذا الاحتقال، وبدا لي كلامه مفتعلاً، لأنني من ‘القلة، الحاقدة، والمندسة’ التي ترى ان ما جرى في هذا المشهد هو انقلاب على ثورة يناير التي لم تفرز زعامات ولكنها أنتجت مطالب، وعلى رأس مطالبها اقامة حياة ديمقراطية سليمة، وهو احد مبادئ ثورة يوليو 1952 الذي لم يتحقق حتى ثورة يناير 2011.
البرادعي قال ان ما جرى هو ثورة تصحيح لثورة يناير، مع أن كلمة ثورة التصحيح لها معنى سلبي في أذهان من كانت لهم اهتمامات سياسية قديمة، وواضح ان صاحبنا وباعتباره سياسيا مستجداً لم تصله، فعندما انقلب السادات على أركان حكمه، و’تغدى’ بهم قبل أن يتعشوا به وقام بسجنهم، أطلق على تصرفه هذا ‘ثورة التصحيح’، ومن انقلب عليهم السادات وانقلبوا عليه، أُطلق عليهم في وقت لاحق أنهم رجال عبد الناصر، الذين كانوا في مواجهة ممثل الثورة المضادة الرئيس السادات ‘معبود الرياح’.

جهود البرادعي
فكرة الاستجابة لمطالب الشعب، الذي خرج يطالب باسقاط الرئيس، لم تهضمها معدتي، ومؤخراً نسب للدكتور محمد البرادعي قوله في مقابلة مع صحيفة أمريكية أنه بذل جهداً عظيماً من اجل اقناع الغرب بالانقلاب على الرئيس محمد مرسي، وأن هذا تم منذ ستة شهور، والمعنى أن النية كانت مبيتة، وان الاحتشاد الجماهيري، والرضوخ لمطالب الشعب الرافض لوجود الرئيس مرسي، هو الغطاء لما بذل فيه البرادعي جهداً لاقناع الغرب به.
الغرب هو الراعي الرسمي للاستبداد في عالمنا العربي، وهو سر تخلف أوطاننا، وتخلفها كان مرتبطاً بالديكتاتورية، ولعله نتاج لها، والاستبداد العربي نما وترعرع في أحضان الفرنجة، وفي القلب منهم سكان البيت الابيض، وربما هم الذين أوحوا بهذا الاخراج، لاسقاط رئيس منتخب، فهم يعنيهم الشكل وقد كان على النحو المأمول، فها هو البرادعي الذي وصف نفسه وهو في حضرة منى الشاذلي بأنه ‘داعية حرية’ يتصدر المشهد، ويتعامل على أنه ‘صاحب الفرح’ مع أنه جزء من الديكور.
في ظل الادعاء بأنه ولي أمر العروس، وزوج أمها، قال البرادعي لـ ‘سي ان ان’: لن يتم اعتقال احد بدون قرار من النائب العام. ربما من ‘محاسن الصدف’ أن يعود النائب العام الذي عينه مبارك وعزله مرسي الى منصبه في نفس اليوم، الذي حدث فيه ما حدث.
وما قاله البرادعي هو شبيه بمطلب المعارضة المتواضع في زمن ما قبل الربيع العربي، بتبعية السجون لوزارة العدل بدلاً من تبعيتها لوزارة الداخلية، وبحت أصوات المعارضين بهذا المطلب الغريب، مع أن الذي عين وزير العدل هو نفسه من عين وزير وزير الداخلية، ومع ذلك كان كثير من القادة العرب يرفضون الاستجابة لذلك، حتى لا يرتفع سقف المطالب، بأن تكون تبعية السجون لوزير شؤون البيئة!
سيرد عليّ أحدهم ألم تر الحشود التي خرجت تطالب باسقاط الرئيس، والتي قدرها ‘جوجل ايرث’ بـ 35 مليون نسمة؟!.. وسأرد: رأيتها، وان كنت اتحفظ على تقديرات ‘جوجل ايرث’ وأرى أن تقديراته تدخل في اطار المخطط الذي بذل البرادعي جهداً عظيماً من اجل اقناع الغرب به، ولدينا سابقة مع احدى الصحف البريطانية التي نشرت في أيام ثورة يناير أن ارصدة مبارك في عدد من البنوك الغربية بلغت 70 مليار دولار فمثل هذا زخماً كانت تحتاجه ثورتنا، ومثل استفزازاً للبسطاء الذين ربما لم يكونوا معنا، وبعد ذلك نشرت الصحيفة أن معلوماتها لم تكن دقيقة.
جزء لا بأس به من الحشد ضد الدكتور محمد مرسي كان مرده لترسانة اعلامية تنتمي بالأصل والفصل للثورة المضادة، التي هي على عداء مع ثورتنا، وقد قامت بالشحن ضد الرئيس، مستغلة بذلك حالة الاعاقة الذهنية لدى الاخوان في فهمهم لدور الاعلام، فلم ينتجوا اعلاماً عليه القيمة يجذب الناس، فاعلامهم يخاطب النفس، ويتعامل مع الاتباع الذين ليسوا بحاجة الى من يقنعهم، ولم يجذب احدا من خارج دائرة الانصار بالانتماء.

اخطاء الرئيس
اعلام الثورة المضادة تصيد للرئيس، لكن الرئيس ارتكب أخطاء لا تغتفر في ادارة الدولة، عندما نقل قواعد ادارة التنظيم ليدير بها دولة بحجم مصر، وبدلاً من ان يشرك في الحكم رفقاء الثورة، ورفقاء جولة الاعادة في الانتخابات الرئاسية، استبعدهم واقصاهم، وكان طبيعياً أن يستدعيهم، وفي الأقاليم تعالى الاخوان على الناس، وأمام الدكتور عصام العريان ذكرني ذاكر بالخير، فرد عليه بتعال: هذا هاجم الجماعة كثيراً.. وفي الواقع أنا كانت لي صولات وجولات ضد جماعته، لكنه لم يذكر لي أربع مقالات من النوع طويل التيلة كتبتها دفاعاً عنه في اعتقالات مختلفة في عهد النظام البائد، وأنني وقفت هنا وفي هذه الزاوية ضد ما وصفته بحملة الابادة الاعلامية للاخوان، التي تخالف قيم العمل الاعلامي، عندما كان يتم الهجوم عليهم في التلفزيون المصري في غيبتهم!
لا اقول أن النظام الاخواني كان يسعى للاخونة، لذا لم يهتم باشراك الذين وقفوا معه في مواجهة مرشح الدولة القديمة الفريق احمد شفيق، ففي الواقع ان هذه كانت الاسطوانة المشروخة التي كان يتم ترديدها بدون وعي، وكأنها أناشيد الصباح.. اعني بذلك الاخونة.
حتى لا يذهب عقل احدكم بعيداً فلم أكن من الذين أعنيهم بالتهميش، ذلك بأنني لم انتخب الدكتور مرسي، ففي جولة الاعادة كنت من المقاطعين، لكن من أعنيهم هم قيادات القوى الثورية التي انحازت له، وتجلى هذا في بيان تاريخي ألقاه حمدي قنديل، والذي انتظرت أن يكون وزيراً للاعلام في حكومة ثورة شارك فيها، فلم يحدث، بل لم يرجع برنامجه ‘رئيس التحرير’ الذي أوقفه الرائد متقاعد صفوت الشريف عندما كان وزيراً للاعلام، و الوزير الاخواني المختار استعان لبعض الوقت بمن تفاخر بأنه من اوقف البرنامج وقرر ‘شيل القضية’ كصبيان تجار المخدرات.
لم يؤخون صلاح عبد المقصود التلفزيون المصري، لكنه استدعى نفس نظرية الاخوان في الاختيار وهي الاستعانة بقيادات ضعيفة، ظناً منه انه سيجد أمانه الشخصي في وجود هؤلاء، تماماً كما وجد الرئيس مرسي أمانه في وجود شخصية متواضعة الامكانيات والقدرات هو هشام قنديل، تطالبه كل قوى المعارضة باقالته فيرفض بحجج مختلفة، واهية على أية حال.
ولم يستفد الاخوان بوزارة الاعلام بأخونتها، ولم يمنحوها لواحد له قدم صدق في مجال الاعلام لينهض بها، ويمثل وجوده في السلطة اضافة مثل قنديل.
سيقول أحدهم لقد تم عرض الوزارة على حمدي قنديل واعتذر، وهو ما يقولونه كثيراً لتبرير هذه الاختيارات الضعيفة، وبعد الانتخابات الرئاسية قالوا انهم عرضوا رئاسة الحكومة على البرادعي وانه رفض، بعد ان طلب مهلة للتفكير، وقد علمت من الدوائر القريبة من المذكور أن الامر لم يعرض عليه وبالتالي لم يطلب مهلة ولم يعتذر بعد ‘وصلة تفكير’.

المستخدم الضعيف
وفي خطابه في الاسبوع قبل الماضي قال الرئيس انه عرض حقائب وزارية، وانصتّ له لعله يذكر قامات الثورة الكبرى، فذكر منير فخري عبد النور وزير السياحة في حكم المجلس العسكري عن ‘الوفد’، و جودة عبد الخالق وزير التموين في نفس الفترة عن حزب ‘التجمع.. والاثنان ليسا هما الموضوع.. فلا البرادعي ولا حمدي قنديل، ولا عبد الجليل مصطفى، ولا علاء الأسواني.
المستخدم الضعيف قد يريح المسؤول في زمن الرخاء لكنه في وقت الشدة يصبح ثغرة في الجدار، وها هو وزير الاعلام يتأكد من هذا في الوقت الضائع فبيان الفريق السيسي وزير الدفاع الذي مثل تحذيراً مبطناً لمؤسسة الرئاسة تسرب للتلفزيون من خلال رئيس قطاع الاخبار الذي اصر الوزير على استمراره في موقعه، ثم تسرب على الشاشة ليشاهده الوزير كعامة الناس فيغادر مبنى ‘ماسبيرو’ في التو واللحظة!
على قناة ‘سكاي نيوز عربية’ قلت لا اخفي أنني فوجئت بحجم الكراهية للاخوان في الشارع، حتى من البسطاء الذين كانوا يمثلون الاحتياطي الاستراتيجي لهم. وهذه الحالة ربما تجلت بعد الاستفتاء على الدستور، لأنها لو كانت قبل ذلك لما تمكن القوم من ان يحصل دستورهم على موافقة 64 في المائة من أصوات من أدلوا بأصواتهم!
جمال عبد الناصر في مواجهة عداء النخبة، لجأ للبسطاء فانتصر لهم فانتصروا له، لكن مرسي بدا ضعيفاً يتحدث عن مؤامرات ولا يواجهها، والناس لا تطلب منه لسان العصفور، فطلباتها تتلخص في أمن ضابط، وفي تلبية احتياجاتهم اليومية البسيطة، لكنه ترك وزارة الداخلية بدون هيكلة، وقياداتها يتربصون به الدوائر حتى حانت ساعة الجد فانطلقوا يقفون ضده ويهتفون بسقوط حكمه، ونفاجئ بظهور وزير الداخلية السابق في ساحات النضال جنباً الى جنب مع الثوار الذين سبق لهم ان اتهموه بارتكاب مجزرة شارع محمد محمود وقتل جيكا وغيره، ولا بأس فالمشترك بينهم الان أكبر من أي ماض أليم، والحي أبقي من الميت!
الغريب أن من عينه وزيراً للداخلية كان هو بشحمه ولحمه الدكتور محمد مرسي، وعلى نحو كاشف عن عدم توافر قدرات القائد في الاختيار، وهو نقص كان يمكن تعويضه بشراكة في الحكم، وببطانة صاحبة رأي وصاحبة رؤية وليست مختارة بمواصفات نظرية السمع والطاعة.
أخطأ الرئيس مرسي في ادارة شؤون البلاد مما أنتج رفضاً شعبياً كبيراً له.. دعك من ‘عداد جوجل ايرث’، الذي سبقته بأيام محاولات ‘ويكليكس الفاشلة في اعادة انتاج المخلوع حسني مبارك، بالحديث عن وثائق تؤكد الدور الشجاع لمبارك في مواجهة سد النهضة الاثيوبي.
وليس يراد بطبيعة الحال عودة مبارك، وانما المستهدف هو التقليل من حجم العداء لانصاره، وفي هذه الاجواء يخرج احدهم عبر برنامج ‘العاشرة مساء’ ويطالب اتباعه من الثوار بعدم التعرض للفلول في يوم 30 يونيه باعتبار ان العداء مع الاخوان هو القضية الاساسية، أما العداء لانصار النظام البائد فمسألة فرعية.

البيان الاول
منذ البداية وأنا انظر الى ‘ويكيليكس بعدم ارتياح، وذلك باعتباري متآمرا سابقا، أصدرت ذات مرة البيان الثاني، فكرست اجهزة الأمن كل جهودها للحصول على نسخة من البيان الاول، الذي لا وجود له لأن البيان الثاني هو البيان الاول.
مهما كانت الاعداد، فان اعداد الذين خرجوا ضد الرئيس في القاهرةوالمحافظات كان كبيراً وغير مسبوق، وحتى لا تأخذنا الجلالة كما اخذت ‘جوجل ارث’ نقول ان من حضروا في ميدان التحرير وضواحيه في يوم الأحد الماضي يقتربون من اعداد الذين حضروا أول مليونية دعت اليها الثورة.. (ثورتنا)، فأنا لم اشارك في ثورة شارك فيها من كانوا ضد ثورة يناير، حتى الهام شاهين التي سبت الثورة والثوار، وبكت على مبارك، وحتى الفنانة عفاف شعيب التي ذرفت الدمع الهتون لأن وجود ثوار يناير في الشارع تسبب في غلق المحال في حين ان حفيدها يتوجع طلباً لـ ‘البيتزا’ ولنصف مشكل ‘كباب على كفتة’.. في تونس يطلقون على ‘الكفتة’ .. ‘كباب’.. أرأيتم الى الاهانة البالغة التي لحقت بـ ‘الكباب’.. أكلتي المفضلة؟!
يبدو ان عفاف شعيب عملت حسابها هذه المرة من ‘الكباب والكفتة والريش’ ومن ‘البيتزا’ أيضاً، فلم تهتم بغلق المحال والمطاعم وخرجت تهتف: ‘الشعب يريد اسقاط النظام’.
هل كان القوم في حالة اضطرار لا ارادي لما اقدموا عليه؟.. في الواقع لو كان البيان التحذيري في اليوم الاول للمظاهرات لقلت أنهم خافوا على الامن القومي للبلاد فاتخذوا خطوتهم باقالة الرئيس، لكن هذا كان في اليوم التالي ولم تكن الحشود كما كانت عليه في اليوم الاول، فضلاً عن أن هذه المرة وبرغم وجود بعض الضحايا هنا وهناك الا ان المتوقع كان أكثر من هذا بكثير، فضلاً عن أن الفعل كان اقل من المرة التي تم فيها حصار قصر الاتحادية في السابق، لكن يبدو ان البرادعي لم يكن قد نجح في مهمة اقناع الغربيين بالاطاحة بالرئيس المنتخب حينذاك.
انخفضت شعبية مرسي حتماً، لكن الى الان لا احد يمكنه تحديد نسبة هذا الانخفاض، ولهذا فان خصومه لم يكونوا راغبين في ان يتم الاستفتاء على بقائه في السلطة، وهو الاجراء الذي يمثل اخف الضررين مع خالص احترامنا لشيخ الأزهر الذي قال أنه عندما عرضت عليه خارطة المستقبل وازن بين أخف الضررين الذي يعد العمل به واجباً.
لا أظن أن الرئيس على ثقة من ان شعبيته في الشارع لا تزال كما كانت عليه وبذات النسبة التي طالعناها في الاستفتاء على الدستور الذي قال معارضوه انه دستور الاخوان وطالبوا بالتصويت بـ ‘لا’، ولهذا فقد أكد الرئيس تمسكه بشرعية انتخابه لدورة رئاسية كاملة.
لا احد يخترع العجلة، وفي البلدان الديمقراطية، فان الرئيس لا يعمل باليومية كالذين يعملون في اعمال البناء و’الهدد’، لكن شعبيته ترتفع وتنخفض ثم يكون التقييم الكلي للناخب بعد انتهاء مدة ولايته وعبر صندوق الانتخاب، وفي الواقع أن ما جرى قد أسس لقاعدة جديدة وهي أنه يمكن أن يتم تغيير الرئيس المنتخب بالمظاهرات، واذا اعتمدت هذه القاعدة فلن يعيش لنا رئيس.

الطائرات
في الديمقراطيات الوليدة كحالتنا جرى نفس الموقف، في تركيا، وفي ايران في الولاية الثانية للرئيس أحمدي نجاد، ولم يرتب أثراً، لكن القوم عندنا قالوا انهم انحازوا للشعب، مع أن هناك شعباً اخراً كان يتظاهر في رابعة العدوية وامام جامعة القاهرة وفي عدد من المحافظات مع الشرعية، ولم يوضع في الحسبان مع أن المشاركين في هذه المظاهرات لا يزالون وحسب معلوماتي يتمتعون بالجنسية المصرية ولم تسقط عنهم!
وفي مظاهرات رابعة أعلن خصمي اللدود محمد البلتاجي أن الكل ضدهم وبدليل أن الطائرات التي تصور المظاهرات، تصور مظاهرات الرفض، ولا توجد طائرة تقترب من رحابهم!
الطائرات اذن تصور، يا له من اكتشاف مبهج، وفي أيام ثورتنا ظهرت ذات يوم طائرة كانت تقترب من ميدان التحرير مرات عديدة، وكنت اظن انها ترهبنا وكلما هبطت رفعت لها حذائي..
عذراَ على هذه الاساءة غير المقصودة، فقد تعاملت معها على طريق تعاملنا أيام الطفولة مع ‘طائرات الرش’، اذ كنا نقذفها بالحجارة كلما اقتربت من الارض.
بعد ذلك شاهدت الفضائيات ‘اياها’ تنقل هذه الصور، ودهشت لأنه وبحسب معلوماتي ان الطائرات التي يسمح لها بالتحليق على هذا النحو والتصوير لا تتبع شركات خاصة يمكن استئجارها باعتبارها ‘توك توك’، وان جهة واحدة تملك هذا الطيران، ومصرح لها بالتصوير، وتقديم الصور والتي تكشف حجم الحشود دال على أن هذا يأتي تبريراً لقرار تم وضعه سلفاً، منذ ان اقنع المستشرق المصري الشهير الدكتور محمد البرادعي الغرب بخطته!
قناة ‘مصر 25 التابعة لجماعة الاخوان أعادت بث صورة ملتقطة لمتظاهري رابعة بالبطيء لتؤكد من اين التقطت وقد بثتها القنوات الأخرى على انها من ‘ميدان التحرير’، وقلت يبدو انها وصلت بالخطأ، ولم يكن مقدراً بث مظاهرات الدفاع عن الشرعية، حتى يوجد مبرر للانقلاب على هذه الشرعية بالقول ان هذا الانقلاب جاء انصياعاً لارادة الشعب ولا شعب اخر له وجهة نظر اخر.
ولم يكن هذا انقلاباً على شرعية مرسي بل كان انقلاباً على مبادئ ثورة يناير في الدعوة للحرية، ففي ذات اللحظة التي اعلن فيها بيان الانقلاب، تم تغييب الرأي الاخر، والصورة الأخرى، واغلاق القنوات المناصرة للشرعية، بل واعتقال العاملين فيها وضيوفهم، وكلنا شاهدنا المشهد الجريمة لقطع الهواء عن قناة الجزيرة، والتعامل بطريقة تليق بهذا الانقلاب مع برنامج على الهواء كان صوت خصوم الرئيس فيه اقوى من صوت من يناصره.
ياله من انقلاب تم باراداة الشعب وانتصر لثورة جاءت لتعديل مسار ثورة يناير كما قال البرادعي الذي برر هذه الاجراءات البولسية.

ثورة يناير طالبت بالحرية.. والحرية قرأنا عليها الفاتحة في هذا اليوم.
حدث خطأ في هذه الأداة