الأربعاء، 25 يوليو 2012

عن حرية الإبداع المزعوم.. وحق الحياة المفقود.. مجرد وجهة نظر

منحوتة للفنان سامي محمد شيخ النحاتين العرب


كتب: سلامة عبد الحميد

كنت وكثير من أصدقائي ندافع عن حرية الإبداع رغم إدراكنا أن الإبداع المصري كان "بعافية" ويحتاج للكثير من التطوير والتطهير وربما "الجلوكوز" حتى تستعيد بلادنا مكانتها التي تستحقها.

جاءت الثورة واكتشفنا جبلا من الإبداع المطمور تحت جبال من الفساد وتلال من إفساد المحتوى الإبداعي بدافع المكسب التجاري.. انفجرت مدافع الإبداع وظهر أن بلادنا لم تكن عقمت وأنها ولٌادة وأن أبناءها يمتلكون من القدرة على الإبداع ما يجعلها بحق بلدا للمبدعين.

فجأة امتلئت الشوارع والميادين بالمبدعين وسط الثوار وعلى رأس المظاهرات والإضرابات.. ظهر جيل جديد من الفنانين والكتاب والموسيقيين. وظهرت ألوان جديدة من الإبداع لم نكن نعتقد في بقاءها.. احتضن الجميع في الشارع والإعلام الطفرة الجديدة واستبشرنا خيرا.

لكن الظن كان خاطئا حيث كان احتضان الموجة الجديدة في البداية بهدف التربح من خلالها باعتبارها المطلوب الأول جماهيريا.. ثم وبمرور الأشهر تحول احتضان تلك الطفرة هدفه الأساسي قمعها أو على الأقل احتواءها بطرق كثيرة أبسطها تطويعها للأمر الواقع.

يخشى تجار الإبداع على أنفسهم من أن تكشف الطفرة الإبداعية الثورية ورقة التوت الأخيرة التي يسترون بها أنفسهم.. كلهم تقريبا كان ضد الثورة.. ثم كلهم تقريبا كان مع منح مبارك فرصة لاستكمال مدته.. كلهم تقريبا كان مع منح أحمد شفيق فرصة في رئاسة الوزارة.. ثم كلهم تقريبا اعتبر عصام شرف مناسبا وقادما من التحرير رغم كذب هذا الزعم.

كل تجار الإبداع "تقريبا" موالون ومؤيدون لبقاء الدولة العسكرية التي سمحت على مدار سنوات طوال ببقاءهم وتضخم ثرواتهم على حساب الإبداع الحقيقي الذي يصب في صالح تثقيف وتوعية المواطنين.. كلهم تقريبا كانو مع ترشح عمر سليمان نائب المخلوع للرئاسة وكذا بعدها مع فوز أحمد شفيق بالانتخابات الرئاسية.

هم يزعمون أنهم يخشون من تغيير الإسلاميين لطبيعة الدولة. هم يدعون زورا أن وصول الإسلاميين للحكم ضد مدنية الدولة.. وكأن الدولة العسكرية التي كنا نعيش فيها منذ انقلاب يوليو 1952 العسكري كانت دولة مدنية؟ وكان المجلس العسكري سيمنح بلادنا دولة مدنية ديمقراطية؟.

منذ البداية لم أصدق أنهم يخشون من الإخوان.. كانت الصورة بالنسبة لي واضحة: أصحاب المصالح والثروات يرغبون في عودة النظام القديم كاملا حتى تستمر مسيرة فسادهم وجمعهم للأموال.. ولتذهب المدنية والديمقراطية للجحيم.

الأن.. يتشدقون مجددا بحرية الإبداع.. ويزعمون فرض قيود عليهم.. ويتخوفون من استمرار تلك القيود أو زيادتها في المستقبل.. وبالطبع يساندهم في ذلك ألة إعلامية جبارة تابعة بالكلية للنظام القديم ويتحكم فيها رجال أعمال أثرياء تضخمت ثرواتهم في ظل المخلوع وفقا لقواعد الفساد المستقرة فيه.

لكن تعالو "نعقلن" القضية.. أي قيود على الإبداع ونحن أمام أكثر من عشرين قناة انطلقت بعد الثورة دون أن نعرف شيئا عن تمويلها أو تجهات الممولين مثلما يحدث في العالم كله؟ أي قيود وتوفيق عكاشة ولميس الحديدي وعمرو أديب وإبراهيم حجازي ومدحت شلبي وغيرهم يستضيفون كل الفلول وكذبة نظام مبارك ليشككو الجمهور في كل ما حدث ويحدث؟.

دعكم من السياسة ولنركز على الإبداع الفني من خلال شهر رمضان الكريم.. أي قيود ولدينا 100 مسلسل تم تجهيزها خلال العام الأخير للعرض في رمضان؟ أي قيود وتلك المسلسلات مليئة بشاهد عارية وخمور؟ أي قيود وتلك الأعمال تضم تضليلا صريحا للكثير من المواقف وتحايلا على الأحداث لصالح الداخلية تارة والمؤسسة العسكرية تارة والفلول في معظم الأحيان؟.

كيف يمكن لأناس يدعون الإبداع أن ينتجو كل هذه الأعمال في ظل ادعاءهم وجود قيود على الإبداع؟ كيف يمكن لأناس يعيشون في بلد يقال لنا إنها على حافة الفقر أن ينتجو أعمالا تتجاوز قيمتها الإنفاقية المليار جنيه؟ كيف نعقل اقتصاديا إنفاق كل هذه الأموال على مسلسلات دون دراسات جدوى لما يمكن أن تحققه في المقابل؟.

لا تقل لي إن المسلسلات لا تخسر لأن الأمور ليست غامضة ولا تحتاج متخصصين لمعرفة التفاصيل. فطالما أن حجم الإنفاق الإعلاني أقل من حجم الإنفاق الإعلامي فالمحتوى خاسر.. وتلك معادلة بسيطة توضح الموقف بجلاء.

لا تقل لي إن المنتج قرر أن يخسر ماله بانتاج مسلسلات لن يستعيد من بيعها ما أنفقه عليها.. لكن دعني أقل لك إن الخسارة ليست مرفوضة بل ربما كانت هدفا في حد ذاتها.. والتكييف العقلي لذلك اسمه "غسيل الأموال".

تخيل نفسك عزيزي المواطن جالسا أمام التليفزيون تشاهد مسلسلا يعرض لك مشاهدا من قصور وسيارات فارهة، ثم يعرض لك مشاهد من عشش وبيوت متهالكة.. تخيل حجم الإنفاق على هذه الأعمال أخذا في الإعتبار أجور النجوم الكبار.. ثم تخيل نفسك تتابع اعلانا يظهر فيه أطفال صغار يستحثونك عزيز المشاهد لتتبرع لهم "ولو بجنيه".

سيقولون لك إن المسلسلات "فاتحة بيوت" ولا خلاف على ذلك.. لكن ألا ترى مثلي أن نصف العاملين في المسلسلات يظهرون في ثلاثة أو أربعة أعمال دفعة واحدة؟ أين عدالة التوزيع؟ أين الإنصاف؟ ألا يمكن اختصار تلك الأعمال إلى النصف وتظل بيوت العاملين في المهنة والمهن المجاورة لها مفتوحة؟.

سيقولون لك إن هذا نفسه قيد جديد على المبدع.. ربما.. لكن ألا تخجل سيدي المبدع من مستوى الأعمال التافهة المقدمة؟ ألا تخجل عزيز المشاهد المحترم من تضييع وقتك أمام أعمال لا تستحق؟ ألا ترى عزيزي المبدع والمشاهد الفارق المهول إبداعيا بين الإنتاجات المصرية الكثيرة والإنتاجات العربية القليلة؟ هل يمكنك مقارنة أي مسلسل مصري بمسلسل "عمر" مثلا؟.

من حقك عزيزي المبدع أن تعمل كما تشاء وواجبنا الدفاع عن حقك.. لكن من حقنا أيضا أن نناقش وننتقد ونرفض ومن حقنا عليك أن تدافع عن حقنا.. من حقك عزيزي المبدع أن تربح وأن تقدم ما تشاء حتى لو كان "خراء".. ومن حقنا أيضا أن نقول لك إنك "فاشل" وإننا لا نريد هذا "الخراء".

كيف تسوغ لنفسك "حضرتك" أن يكون دخلك السنوي مليون جنيه؟ ربنا يباركلك فيه.. بينما جمهورك في غالبه الأعم لا يجد قوت يومه.. كيف تسوغ لنفسك مطالبة الفقير والجائع بالدفاع عن حريتك في الإبداع بينما هو لا يجدك مدافعا عن حقه في الحياة؟ كيف تقبل على نفسك أن تظهر في التليفزيونات والصحف والمواقع لتتحدث عن القيود على حرية الإبداع وتطلب من الناس الطيبين أن يصدقوك ويدعموك.. بينما هم يرون أن الأولى بك أن تستخدم كل طاقاتك في دعم حقهم في العيش بكرامة؟.

راجع نفسك عزيزي المبدع.. فحرية الإبداع لا تتحقق بين الجوعى والفقراء.. حرية الإبداع ليست مقدمة على حق الحياة..


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة