الأحد، 12 فبراير، 2012

سعد القرش يكتب: السيد يسين حول التحول الديمقراطي: التنبؤ بالثورة بعد وقوعها!



قبل عشرين عاما، انتحر ماركسيون كمدا على فكرة لم يتح لها الظرف التاريخي أن تعيش طويلا. كانوا صادقين مع أنفسهم، مخلصين لما آمنوا به، ولم يتخيلوا أن تتعرض الفكرة المثالية لانتكاسة تثير شماتة الرأسماليين.
البعض لم ينتحر بل التزم الصمت، أو قدم شروحا جديدة على متن رأى الأحفاد أقل إخلاصا له، وأدنى من قامته وقيمته. ولكن أحدا لم يجار التيار أو يمالئ العهد الجديد بتقديم تنبؤات بأثر رجعي، بنهاية الماركسية وسيادة النموذج الرأسمالي. في مصر، بعد ثورة 25 يناير، سارع كثيرون من أركان نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، والمتعاونين والمتواطئين معه، والمنظرين له، والمستفيدين منه، إلى اللحاق بسفينة الثورة، والمزاحمة بالأذرع والأكتاف، وصولا إلى المقدمة، والإمساك بالدفة، أو لمسها بأطراف الأصابع تملقا أو تبركا.
حين تقرأ الصورة التذكارية لأحد عشر كاتبا قابلهم مبارك في قصر العروبة، يوم 30/ 9 /2010، ستجد السيد يسين واسطة العقد، يحمل رقم 6، ويقف على يسار مبارك. من اليمين أو الشمال سيكون هو السادس، بترتيب وقوفهم حول مبارك. هو حر، وهم أحرار في اختياراتهم، ويحشر المرء مع من أحب. ربما كان بعضهم محرجا أو مضطرا، وعلينا أن نلتمس لأي منهم ألف عذر، وفي الوقت نفسه نحيي من أفلح في التهرب من المشاركة، بالتمارض أو التسافر.
عن ذلك اللقاء كتب السيد يسين مقالا عنوانه 'لقاء ثقافي فريد'. (الأهرام 2/ 10/2010)، فهل يصلح مثله في الكتابة عن ثورة، أو التأريخ لها؟!
هو حر. قامت الثورة لتمنح الناس حرية القول أو الفعل، بل الاستغفال أيضا، بالرهان على ضعف ذاكراتنا فيما يخص أحداثا ما زالت ساخنة تتفاعل.
نشط الرجل العجوز بعد إسقاط نظام مبارك، وصدرت له عن الثورة كتب، منها (ثورة 25 يناير بين التحول الديمقراطي والثورة الشاملة)، عن الدار المصرية اللبنانية، وفيه يتجول شرقا وغربا، ضاربا في عمق التاريخ ومجاهل المستقبل، عبر 450 صفحة يمكن الاكتفاء منها بنحو 100 صفحة فقط، لو كان الحديث 'في' الثورة، ولكنه يتكلم 'عن' الثورة وحولها. والحديث 'في' الثورة يحتاج إلى ثوري، يرى الهدف بوضوح، ولا يحوم حول ظواهر لا يجرؤ على تسميتها بغير أسمائها الحقيقية.
يقول الكاتب إنه قام بتأصيل مفهوم (العجز الديمقراطي). كنا ننتظر أن يتبع 'التأصيل' توقع اندلاع عمل ثوري ينهي الأزمة، مثلما تكون الطلقة الأولى في الحرب إنهاء لحوار سياسي مستحيل، بلغ نهايته دون أن يحسم الجدل، فتكون الحرب مفتاحا للحل.
ينتمي البابان الأول والثاني (280 صفحة) إلى ماض لا يشتبك معه المؤلف، وربما لا يرفضه، إذ ظل يحث على إصلاحه، والإصلاح يتناقض مع نسف الوضع القائم بفعل ثوري ينهي مرحلة ويؤسس أخرى، في حين يثبت يسين أننا 'نحتاج إلى إقامة أكبر حوار ديمقراطي بين مختلف التيارات المصرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار' (ص 219)، فكيف تستقيم تلك الدعوة مع وجود 'عجز ديمقراطي'، ومع العجز لا يجدي علاج، وإنما جراحة لاستئصال أورام تحول دون تدفق دماء الديمقراطية، بعد انسداد الآفاق وتصلب الشرايين.
العلاج بالإصلاح الجزئي يتسق مع وصف المؤلف للقائه بمبارك بأنه 'لقاء ثقافي فريد'، في حين كان أي مراقب يرى الجبل يتحرك، ويسمع أنين الجنين الثوري، ولكن لغة الأنين لم تكن مفهومة لمن ضبط موجة الاستقبال على (الإصلاح) لا (الثورة).
يريد قارئ مثل هذا الكتاب أن يقفز سريعا، طاويا أكثر من 280 صفحة، لكي يصل إلى الباب الثالث وعنوانه (ما بعد ثورة 25 يناير 2011). هنا يأتي مصطلح (الثورة) اعترافا اضطراريا متأخرا بأمر واقع، كأنه تنبؤ بالثورة الشعبية بعد نجاحها في إزاحة نظام، أو القضاء على رموزه العليا على الأقل. ولكن يسين في هذه الفصول/المقالات يسمي ما حدث في تونس ومصر 'هبة' كما سجل ذلك في مقاله في (الأهرام) يوم 3 / 2 / 2011 (ص 298)، أو 'مظاهرات حاشدة' كما سماها في مقاله في (الأهرام) يوم 10 / 2 / 2011 (ص 306).
نجاح الثورة فاجأ كثيرين ممن تعلقت عراقيبهم بنظام مبارك، وراهنوا على قوته، حتى إن يسين وصف الثورة بأنها 'هبة شبابية... صاحبتها ظواهر مؤسفة'. 
في هذه الفصول/المقالات راهن يسين على الإصلاح مع بقاء النظام البائد، داعيا إلى 'تنظيم حوار سياسي قومي يدور بين السلطة وكافة الأحزاب المعارضة الشرعية بالإضافة إلى ممثلين للحركات السياسية الجديدة والشبابية الذين قاموا بالانتفاضة' (ص 300)، وكأن صيحات الثوار في ميدان التحرير لا تصل إلى مكتبه المطل على شارع الجلاء في مؤسسة الأهرام، وقد تلخصت مطالب الثوار في شعار 'الشعب يريد إسقاط النظام'، برموزه ودستوره وقياداته التي تعاني العجز والشيخوخة والفساد. إلا أن المؤلف ظل، حتى قبل رحيل مبارك بأربع وعشرين ساعة، يستعرض (إصلاحات) النظام، ومنها قوله: 'أعلن الرئيس أنه لن يرشح نفسه لفترة تالية لا هو ولا السيد جمال مبارك'.
في تصور يسين 'غير الثوري' كان جمال مبارك مازال سيدا!!
فرق كبير بين استشعار غضب جماعي ينتظر الشرط التاريخي لانفجاره وبين اللحاق بالقطار تحت ستار مصطلحات جاهزة تخرج من الجراب، لكي تستر فرق التوقيت بين الثوار الشباب والمتابعين المسنين.
إلا أن المؤلف حرص على أن يسجل، أو يتنبأ بأثر رجعي، بأن ثورة 25 يناير 'قامت لتقضي نهائيا على نظرية التحول الديمقراطي وتثبت أنه لم يكن هناك حل إلا بالثورة الشاملة!'، علامة التعجب كتبها السيد يسين الذي سيلملم جلبابه بسرعة، لكي لا يعوقه عن اللحاق بالقطار، ومن عربته الأخيرة سيعلن في إحدى حلقات مسلسل تنبؤاته بالثورة بعد 120 يوما: 'يمكن القول بيقين إن ثورة 25 يناير كانت لها إرهاصات في الفكر العالمي منذ بداية التسعينيات'. (الأهرام 26 / 5 / 2011).
الثورة هي الثورة، والثوار هم الثوار، والميدان هو الميدان، ومبارك هو مبارك، فكيف تتأتى الجرأة المفاجئة للسيد يسين الذي لم يكلف نفسه بزيارة الميدان ليشاهد، حتى لا يختزل الثورة في 'هبة شبابية' صاحبتها ظواهر مؤسفة، على حد قوله، 'تتعلق بردود فعل بالغة الحدة والعنف من قبل المتظاهرين إزاء محاولات الشرطة المستميتة في فض المظاهرات التي خرجت عن مسارها السلمي... والأمل أن يعطي الشباب المقترحات التي قدمها الرئيس استجابة لمطالبهم فرصة كافية للتنفيذ ولن يتم ذلك إلا إذا ابتعد الشباب عن المزايدات السياسية للمعارضة التي لم يكن لها أي دور في الانتفاضة'. (الأهرام المسائي 5 / 2 / 2011).
ولكنه سيعلن إيمانه بالثورة، كمن يؤمن بالله عصر يوم القيامة، ويكتب مبتهجا: 'ها هي ثورة 25 يناير أشرقت شمسها وبسطت ضياءها على الكون'. (الأهرام 30 / 6 / 2011)، ولا يمكن الثقة بجملته الأخيرة، ولا فهمها إلا في ضوء كلامه المجاني عن النظام السابق، ومنه قوله للبهاء حسين إن مبارك 'افتقد الرؤية السياسية، كان متخبطا.. لم يكن لديه مشروع ولا رؤية، مبارك موظف بدرجة رئيس جمهورية'، (الأهرام المسائي 25 / 9 / 2011)، وفي الحوار نفسه قال إن جمال مبارك 'لم تكن لديه رؤية لأي شيء'.
وكان يسين بين مثقفين اجتمع بهم الوريث سرا، وحين تسربت أخبار عن الاجتماع، التزم الحضور الصمت إلا أن يسين كتب في (الأهرام المسائي 14 /8 / 2010) كلاما إنشائيا انفعاليا عنوانه (أساطير المثقفين)، قائلا إن الاجتماع نظمته لجنة الثقافة، إحدى لجان أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، وإن جمال مبارك 'رأس اجتماعا يناقش فيه مستقبل الثقافة في مصر'. فهل أتاحت الفترة القصيرة، بأحداثها المتلاحقة، للسيد يسين أو لغيره الفرصة للمراجعة، ليعلن براءته من مبارك وتبنه وعصره؟
لا أحد يعتذر!


يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية

حدث خطأ في هذه الأداة