الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

حاول تفهم: شرح المشروح في عدم تأييد عبد المنعم أبو الفتوح






هناك الجمهور العام، والجمهور الخاص، وجمهور الـ"هنا" أي جمهور الفايسبوك.النوع الأول أتوجه إليه في مقالاتي الصحافية، والثاني أتفاعل معه في الحياة وعلى المقهى، أما الثالث فهو أصغر حجما من الأول وأكبر من الثاني، إنه ذلك الذي يتكوّن تلقائيا من خلال الطريقة التي تقبل بها إضافات الصداقة على الفايسبوك، ومن ثم فهو يشبهك "نوعًا ما". وهذا النوع الأخير، أشعر أنه داعم أساسي لعبد المنعم أبو الفتوح.وأعترف أن الكلمات التالية ليست ردة فعل على قرار العديد من الأصدقاء انتخاب أبو الفتوح – رغم دهشتي الكبيرة من ذلك، وإنما هي رد على الحالة التي تحركت بالتدريج من استبعاد الفكرة واستغرابها إلى قبولها، ثم العداء الصريح لمن لا يقبلها، وذلك في صيغة السخرية والتهكم الواضح من "الغباء" و"الذعر العلماني" و"الدوجما"، و"الوقوع في أسر الإسلاموفوبيا" إلخ، وتلك الكلمات السابقة بين الأٌقواس هي اقتباسات محددة من تعليقات وكتابات أصدقاء أكن لهم كل مودة واحترام، لذا فقد قررت معالجة مرارتي من هكذا تعليقات بأن أكتب هنا "لماذا لا يمكن أن أنتخب أبو الفتوح"، وأعتقد أنني هنا أعبر أيضًا عن آخرين ربما لم يصيغوا أفكارهم بصورة محددة.

1 – أفعال، لا أقوال:على الرغم من أن معظم كلام أبو الفتوح في برنامجه الانتخابي جميل ومبشر (مقارنة بالإسلاميين)، إلا أن خبرتي المتواضعة في الحياة عودتني على أن أقيّم الناس بناء على "أفعالهم" لا على "أقوالهم". وإذا خيّرت بين الأولى والثانية فإني أختار الأولى بلا تردد. وذلك هو السبب نفسه الذي يجعلنا نرفض شفيق أو سليمان بسبب "أفعالهم" في الماضي لا بسبب "كلامهم" اليوم.و"أفعال" أبو الفتوح تقول أنه أمضى حياته السياسية "كلها" في جماعة الإخوان المسلمين، وهو لم يكن عضوا هامشيًا بل رئيسيا بل مؤسسا للجماعة في طورها الثاني.ثم هو :أ – لم يستقل من الجماعة. ب – لم ينشق على الجماعة.إن ما نعرفه جميعا أنه " تم فصله" من الجماعة، فمن أين جاء التصور بأن أبو الفتوح شيء، والجماعة شيء آخر؟(ووجود أبو الفتوح في الجماعة طوال هذه السنوات لا يعني فقط أنه كان مشاركا في جماعة الصفقات والتربيطات مع أمن الدولة وإخلاء دوائر قادة الحزب الوطني، جماعة رفع الدعاوى ضد الفنانين ومطاردة الكتاب وانتخابات الزيت والسكر، جماعة "طز في مصر" و"مبارك أبو المصريين" إلخ، بل يعني أيضا أنه كان موجودا عندما جلس الإخوان مع عمر سليمان أثناء الثورة، ومن المفترض أن أقل واعز من الضمير، سوف يدفع صاحبه إلى إعلان تلك الخيانة لأهل الميدان فورا على الأقل ليأخذوا حذرهم، وقد عرف أبو الفتوح بذلك – في أكثر الروايات دفاعا عنه- قبل يوم من تنحي مبارك، وهو اليوم نفسه الذي رحب فيه- مساءًا - بعمر سليمان رئيسا عبر شاشة الجزيرة في الليلة السابقة للتنحي، وأكد فيه أيضًا أن الجماعة لن تقدم مرشحا للرئاسة)لاحظ أنني في كل ذلك أتكلم عن "الأفعال" لا عن أيديولوجيا الإسلام السياسي.وربما تندهش لو قلت أن فصل الإخوان لأبو الفتوح هو القرار الوحيد الذي أوافقهم عليه، فإذا كان قرار التنظيم المعلن هو عدم تقديم مرشح من الجماعة للرئاسة، وخالف أحد قادتها هذا القرار فإن فصله يكون واجبًا، والغريب جدا، أن الإخوان عندما قدموا مرشحا، واجههم الغضب العارم لأنهم "يريدون الاستحواذ على مصر"، على الرغم من أن أبو الفتوح هو أول من بادر بذلك قبل أكثر من عام، وظل يأمل مساندة الإخوان حتى ... الآن؟!

أما عن "الأقوال"، فلن أرهقك بالاقتباسات، لكن لو خالفنا المنطق، فألقينا تاريخه الإخواني في القمامة وأخذنا بكلامه "الجديد" فقط ، فإني أود أن يدلني أحدكم إلى مقام واحد لم يقل فيه أبو الفتوح أنه إخواني العقيدة والمنهج، وأنه يحمل فكر الإخوان المسلمين، وأن الجماعة تعيش فيه ويعيش فيها، ومن ثم فلو كانت مشكلتنا هي مع فكر الإخوان المسلمين فإن هذا رجل لم ينكر أبدا أنه يتبنى فكر الجماعة، بل يعلن ذلك بكل قوة وفي كل مناسبة، ومن ثم فأين مشكلتك مع الإخوان؟ أفي أفكارهم ؟ أم في عضوية مكتب الإرشاد؟ إذا كانت المشكلة في العضوية، فقد استقال الشاطر أيضًا ! كما استقال عمر سليمان من المخابرات وأحمد شفيق من رئاسة الوزراء!

2- إسلامي "معتدل":أشعر أن ثمة خلطا بين المسلم المعتدل والإسلامي المعتدل، إن "الإسلامي المعتدل" هو معتدل قياسًا إلى "الإسلاميين" وليس قياسًا إلى "المسلمين" أو المواطنين.لو انتخبت "يساريا معتدلا" فذلك لا يعني أنه غير يساري، ولن يعني أيضًا أنه سيبقى على مسافة واحدة من بقية الأطراف بل سيبقى على نفس المسافة من بقية اليسار، على سبيل المثال فإن "أبو العز الحريري" قد يقف على مسافة واحدة بين التحالف الاشتراكي والشيوعي المصري، لكنه بالطبع لن يبقى على نفس المسافة بينهما وبين حزب النور أو المصريين الأحرار أو الفلول.. إلخ، ويمكن وضع اسم أي يساري آخر مكان "الحريري".وبصورة أخرى، فإن "اعتدال" أبو الفتوح يتمثل مثلا في أنه "يحب سماع أم كلثوم" وقد لاقي العديد من الاتهامات "الإسلامية" بسبب ذلك. و.. عفوا، إن طموحي أكبر بكثير من عدم إدانة الاستماع إلى أم كلثوم.إن انتخاب إسلامي" معتدل" يعني في النهاية أنك تدعم المشروع الإسلامي، وكذلك انتخاب شيوعي معتدل أو ليبرالي معتدل.. إلخ يعني دعم مشروعهما "مشروع الفكر لا مشروع الاعتدال"، إن "تطوير" الظاهرة هو مهمة أبناءها، أما "دعمها" من الخارج فلا يعني إلا الاعتراف - من الأعداء- بمشروعيتها من حيث المبدأ. ( وأعني مشروعية الإسلام السياسي بوصفه مجالا يقوم على السلطة الدينية على مستوى الهيئات أو القوانين للتحكم في المجال الخاص للأفراد).

3 – "أحسن الوحشين":ومن نقطة "الضوابط" ننتقل إلى السؤال المنطقي: وهل هناك من بين المرشحين، حتى المدنيين منهم، من يجرؤ على أن يطالب بحريات مطلقة ولو على مستوى التعبير والتفكير؟الإجابة هي كلا، معظمهم أو جميعهم لا يستطيعون رفع شعار حرية مطلقة، لكن الفارق شاسع جدًا، بين مرشح "لا يجرؤ" على طلب حرية مطلقة أو "يقر" بوجود ضوابط، وبين مرشح "يؤمن" بضرورة ووجوب الضوابط على التعبير والتفكير والإبداع والحياة الشخصية، بل يتأسس منهجه الفكري – أي فكر الإخوان المسلمين الذي يفخر به أبو الفتوح- على وجود تلك الضوابط بل دعمها وتأكيدها. وعلى سبيل المثال، فإنه حتى نظام مبارك الذي كان يتلاعب بالمشاعر الدينية ويتراجع أمام هبات التطرف، لم يبد يومًا هذا الإصرار على تقييد الإنترنت تحت شعار "حجب المواقع الإباحية" على الرغم من صدور أحكام قضائية متعددة، وهو الشعار الذي يتحقق الآن فعلا وأنت تقرأ هذا المقال (طبقا لوزارة الاتصالات فإن فلاتر الانترنت ستكون جاهزة خلال 9- 12 شهرا)، الفارق بين موقف نظام مبارك وموقف البرلمان الإسلامي، هو الفارق بين المتلاعب بالدين وبين صاحب الإيديولوجيا الدينية. الفارق أن نظام مبارك كان يتراجع إذا "اكتشف" الإسلاميون رواية أو اثنتين بهما "إساءة" للدين، أما الإيديولوجيا الدينية فستكون مهمتها "ألا توجد" رواية بها"إساءة" للدين، كما يروها طبعا.هل أبو الفتوح بهذا التطرف؟ طبعا لا .. لكن هل يمكن التصدي لهذا التطرف، في وجود رئيس يحمل الإيديولوجيا نفسها، وإن اختلفت في الدرجة لا في النوع؟

4 – صوتي :صوتي هو مجرد صوت واحد وحيد، لن ينصر مرشحا ولن يحسم معركة انتخابية، وهو بهذا المعنى أشبه بإبراء الذمة أو بشهادة الحق أو حتى بالفعل الرمزي، وبهذا المعنى فإنني لا يمكن أن أمنحه لمن يرى ويؤمن بوجوب الدين في السياسة على أي نحو، أو يعتقد بضرورة وضع الضوابط على العقل والجسد بأي شكل.قناعتي النهائية هي رفض أي سلطة على العقل والجسد، ورفض أي تقييد لحرية الفرد الإنسان، إن انتخاب مرشح يؤمن بـ "عكس" هذه الأفكار، مهما كان "معتدلا"، يعني أنني أخون أفكاري نفسها، ولهذا لا يمكن أن أنتخب أبو الفتوح...!!!؟؟؟


الكاتب: مصري بجد
Masry Bgd




يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة