الجمعة، 27 أبريل، 2012

مصطفى حمدي يكتب: زعيم الفن وطيور الظلام.. المقال الأصلي قبل حذف فقرتين منه في "أخبار اليوم"






يا أهل مصر.. إن صادفتم لحية تحمل سلاحا وتقتل طفلا فلا تمنعوها.. امنحوها زهوركم واحتضنوا قنابلها فمن حق اللحية أن تفعل ماتشاء، ولاتعادوها أو تخالفوها فتصبحوا بعد ايمانكم كافرين.. ولكم في عادل إمام عبرة.
لم يكذب وحيد حامد عندما كتب جملته الشهيرة في فيلم "عمارة يعقوبيان" وقالها عادل إمام صارخا: "احنا في زمن المسخ" فمن يتحدثون عن ديمقراطية الصناديق– التي وصفوها بغزوة الصناديق- هم الأن من يمارسون مصطلحا سياسيا واجتماعيا جديدا هو ديكتاتورية الأغلبية.. واي أغلبية؟ الصامتة أم المتحدثة أم المتأسلمة؟
لا أدافع عن فنان نختلف معه وعليه وربما نتفق أيضا.. فلا شك أن عادل إمام أحد رموز الفن المصري خلال القرن الأخير وربما هو أحد عناصر القوة الناعمة التي تغلغلت عبرها مصر إلى شرايين الوطن العربي في زمن ما قد لا يعود مجددا.
المشهد في أم الدنيا ينذر بعصر الجفاف في كل منابع الإبداع التي روت أبنائها وأشقائها بكافة ألوان الفكر والثقافة والفن والإبداع خاصة وأن حكم حبس الزعيم لن يكون الأول ولا الأخير، فمن ينسى تصريحات الأخوة ضد العالمي نجيب محفوظ– حتى قبل أن يغزو الصناديق.. الأزمة أننا أمام رقابة جديدة على الفن.. رقابة لاتعرف الاختلاف في الرأي.. رقابة تحكم بمنطق من ليس معي فهو ضدي وربما اكثر من ذلك.. رقابة استغلت قانون الازدراء لتحويلة من وسيلة لحماية الأمن القومي والسلام الانساني والوحدة الوطنية إلى "سبوبة" يتشدق بها بعض الباحثين عن الشهرة في أروقة المحاكم.
حكم على عادل إمام بالحبس ثلاثة أشهر في حكم- مجبرين على الصمت أمامه– احتراما للقضاء تماما مثلما احترمنا القضاء الذي منح أبو اسماعيل حكما "دوخ مصر" تحت حصار الأنصار وتهديد الهتافات أمام مقر مجلس الدولة.. الان نحن في عصر جديد.. عصر قامت فيه الثورة لتمنح بعض التيارات الحق في محاسبة المصريين على أرائهم.. إنها الحرية على طريقة بن لادن والظواهري.
المحامي الباحث عن حق لحيته ولحية إخوانه قال في دعواه إن النجم الكبير ازدرأ الإسلام وسخر منه في أعماله ومنها الإرهابي ومرجان أحمد مرجان وحسن ومرقص ومسرحية الزعيم وفيلم طيور الظلام والأخير على وجه التحديد قد نكون في أمس الحاجة لرؤيته مجددا الأن لنقارن ونحلل ما رأه وحيد حامد وعادل إمام وشريف عرفه منذ 15 عاما.
في مطلع التسعينات كانت مصر تعيش حربا ضارية ضد الارهاب.. تحول الصعيد إلى بركة دماء وهجرت السياحة أرض الأمن والأمان.. "الارهاب المتأسلم"  لم يفرق بين مصري وأجنبي فالكل في نظرهم كفار، أتذكر وقتها عندما قرر عادل إمام عرض مسرحيته "الواد سيد الشغال" في أسيوط ليقدم للعالم رسالة بأن مصر لن تخضع لجماعة معينة ولا لأي ارهاب من أي نوع.. لم يقدم عادل إمام مشهدا واحدا في مسرحيته يتناول رمزا دينيا أو ينتقده حتى أن مشهد المأذون الذي لازلنا نتذكرة بعبارته الشهيرة "لابد أن تدخل بها" لم يمس الإسلام بقدر ما أثار حماس الواد سيد للزواج من ابنة الاثرياء– بما لايخالف شرع الله- كما يقول المتأسلمون سياسيا.
قبلها بفترة ليست بعيدة كان فيلم الارهاب والكباب قد حقق أعلى الايرادات في دور السينما.. الفيلم بمنتهى البساطة طرح فكرة معاناة المواطن البسيط مع الروتين وكيف حولته الحكومة إلى إهابي بالصدفة.. غضب الإسلاميون لأن الفيلم قدم نموذجا لموظف ملتحي يهرب من عمله بحجة الصلاة واعتبره البعض محاولة للنيل من الاسلام بالرغم من أننا نواجه يوميا وفي كل المصالح الحكومية عشرات النماذج كهذه، ولكن الغاضبون لم ينظروا إلى بقية النماذج الفاسدة التي قدمها صناع الفيلم مثل الظابط الفاسد الذي يستغل نفوذه لاذلال المجندين ولا وزير الداخلية ضعيف الشخصية الباحث عن أمن كرسيه قبل أمن البلد.
واجه عادل إمام تهديدات بالقتل في مطلع التسعينات ولكنه لم يهتم حتى أنه قرر الوقوف أمام كاميرات السينما في فيلم الارهابي الذي كان أول وأجرا عمل سينمائي يناقش قضية "الارهاب المتأسلم" في مصر.. كثير من الفنانين قرروا الإبتعاد عن الساحة مؤقتا، قرر البعض الصمت خوفا على حياته وتوارى البعض الأخر في أعمال بعيدة عن الواقع بينما وقف عادل إمام ليمثل ويتكلم ويتحدى وينقل تفاصيل ما يدور في خلايا الجماعات الارهابية التي كانت تغسل عقول الشباب لتصنع منهم مشاريع "قنابل بشرية" تنفجر أمام مسجد الخازندارة والحسين وميدان التحرير والأقصر.
نعم سخر عادل إمام من الارهابيين ولكنه لم يسخر من الإسلام.. قدم المواطن المصري المسلم الملتزم وقدم العائلة المتحررة وقدم المواطن المسيحي المتمسك بدينه ولم يمس عقيدة أي منهم حتى أنه لم يمس ممارسات الارهابيين لشعائر الإسلام.. في الإرهابي تعامل عادل إمام أو بمعنى أدق المؤلف لينين الرملي مع الكبت الجنسي الذي يعيشه هؤلاء المتطرفون والمتأسلمون وها هي عجلة الزمن تدور ويجلس بعض المنتمين لهذه التيارات أسفل قبة البرلمان فماذا فعلوا؟ تناسوا ألام وهموم المصري البسيط من فقر وجهل ومرض وتجاهلوا قوانين تنظيم الفساد التي صاغها النظام السابق ولهثوا وراء إرساء قوانين لاتعبر سوى عن ممارسة السياسة "بالنصف الأسفل".
لدى عادل إمام قناعة شخصية بأن الإسلام السياسي مفسدة.. الرجل لم يعلن رفضه للإخوان المسلمين ولا الجماعات الاسلامية وصرح بذلك في كثير من لقاءاته ولكنه يرفض الوصاية على الفن والإبداع وعلى المجتمع أيضا تحت شعار "نحن نقودك إلى الجنة".. ومن هنا كانت مواجهاته مع تلك التيارات صادمة ومثيرة للجدل ولكن العجيب أنهم لم يواجهوه قبل الثورة كعادتهم في كثير من القضايا التي مستهم بداية من موقفهم من الخروج على الحاكم ووصولا إلى الخروج على "الفنانين".. في فيلمه طيور الظلام طرح عادل إمام والكاتب وحيد حامد التزاوج الذي يتم بين البيزنس والسياسة ليخلق نموذجا فاسدا بوجهيه "الوطني الديمقراطي" والاسلامي أيضا، فالمحامي "الفلاتي" الذي ينمو في مهد سياسي ووزير فاسد من رجال النظام لا يختلف كثيرا عن المحامي "الملتحي" الذي يولد في رحم الجماعات المتطرفة ليلتقي الاثنان في النهاية في ملعب سجن طرة.


هل سخر عادل إمام من الاسلاميين فقط أم قام بتعرية الفساد بكافة ألوانه وتوجهاته قبل أن تندلع ثورة أو يفكر الشعب في خلع نظام استباح ثرواتهم وأفكارهم وتعمد تجهيلهم وتضليلهم؟
في مسرحيته الشهيرة "الزعيم" انتقد عادل إمام الحكومات العربية والحكام العرب وربما مازال المقطع الشهير الذي يتحدث فيه عن الزعماء يحقق يوما بعد الأخر أعلى معدلات المشاهدة على موقع "يوتيوب".. مازلنا نضحك حتى الأن على جملته "الزعيم يلهط على طووووووول".. نعم لقد "لهط" الزعيم كثيرا وجاء الدور على المتأسلمون لـ"يلهطوا" الوطن بأكلمه.. ففي الوقت الذي أعلن فيه إمام موقفه تجاه ديكتاتورية الحكام العرب ربما كان المحامي الذي قاضاه الأن أخر من يفكر وقتها في مقاضاة نظام أفسد حياة المصريين وذلك بحجة "تحريم الخروج على الحاكم".
إنه عادل إمام الذي خرج في فيلمه "السفارة في العمارة" ليهاجم التطبيع مع الكيان الصهيوني طالما استمرت اسرائيل في إراقة الدم العربي بينما كان هذا المحامي وإخوانه يبحثون عن مشروعية "إرضاع الكبير".. عادل إمام الذي طرح في مرجان أحمد مرجان فساد رجال الأعمال وشرائهم للذمم بل وللمثقفين ورجال الدين أيضا، وفي فيلم حسن ومرقص قدم نموذجا للتسامح الذي عاشته مصر بين مختلف أطيافها وواجه الفتنة الطائفية هو وعمر الشريف وقالا إن المسلم والمسيحي دم واحد.. بينما كان أمثال هذا المحامي وإخوانه يبحثون في مشروعية جماع الرجل لزوجته المتوفية!!


إن الحرب التي تشن على عادل إمام الأن تبدو حربا على الإبداع والحرية ولكنها في صورة نجم ربما هو الأهم والأشهر والأكثر تأثيرا في مصر والوطن العربي.. فاليوم عادل إمام وغدا أي مبدع يختلف مع التيارات الاسلامية التي اتخذت من قانون إزدراء الأديان سيفا ودرعا لقمع كل من يختلف معها حتى لو كان خلافا سياسيا وهو ما قد يتطور ليدخل بنا إلى دائرة العنف التي لوح بها قادة التيارات الدينية مؤخرا بمختلف مسمياتها.. هذا العنف الذي قد تتكرر معه مأساة الوزير الباكستاني سلمان تيسير عندما انتقد التطرف الاسلامي وانتقد قانون إزدراء الأديان الذي صاغته جيوب تنظيم القاعدة فكان مصيرة القتل على يدي أحد حراسه بتسع وعشرون رصاصة تقريبا.
الدفاع عن عادل إمام ليس تأييدا لكل مواقفة ولا هو ولع واعجاب تام بكل ماقدمه ولكن الصمت على ما يواجهه الأن لا يعني سوى أننا نرحب ونؤيد مشروع "مصرستان".. فماذا نحن فاعلون؟


الفقرتان الملونتان في المقال تم حذفهما عند نشره في أخبار اليوم.. في عدد الغد 28 أبريل 







يسمح بنقل أو استخدام المواد المنشورة بشرط ذكر المصدر أي نوع من التعدي يعرض صاحبه للمسائلة القانونية
حدث خطأ في هذه الأداة