الأربعاء، 6 أبريل، 2011

لينا الطيبي تكتب: رعاة البقر


فى طفولتى كنتُ أكره أفلام هوليود
أكره أفلام العنف ومطاردات البوليس للخارجين على القانون
أكره أفلام العصابات
وأفلام المعارك التاريخية والمعارك الأقل تاريخية منها
كما أكره حروب الفضاء وحروب الأرض..
أكره المجرمين والقتلة المأجورين
الكاوبويز ومطاريد الصحراء
أفلام الجرائم التي حدثت والجرائم التي لم تحدث
تماما كما أكره الكلاب والقطط..
الآن من على كرسي يشبهني
يشبه أصابعي التي ماتت وهي تقصِّف أحرف اللاب توب
يشبه عيني وهما تبحثان عن خبر الموت
يشبه أذني اللتين تنصتان إلى أزيز الرصاص
وصراخ المارة
الآن أجلس وأفكر
لأول مرة في حياتي أكتشف جمال الكلاب الضالة
لا تقتل برصاصة
لا تجرح بخنجر
فقط.. تعض بوخز مؤلم
تنبح بصوت مزعج
لكنها لا تقتل
والقطط الرائعة قد تخدش سطح الجلد فينبئ عن دم
لا يتكشف..
كنت أحب الأفلام التى تبكيني
فأذهب لأشاهد فيلم بيانو عشرات المرات لأبكي
أشاهد فيلم آلام المسيح لأبكي
الآن..
من خلف هذا الحائط
الجدار الخفيف الذي أقرأ فيه الموت
القتل والرجم
السحل والصلب
الحرق والدم
الآن
أنا لست أنا
لن تبكيني بطلة فيلم بعد اليوم
ولن أدمع لمشهد طفل برىء الوجه يتسول في الشارع
لن أبكي وأنا أشاهد "بيانو"
بل لن أشاهده مرة أخرى
لن أضحك
لن أبتسم
فقط
على هذا الكرسي
أتشبث تماما لئلا أغرق
سأنصت تماما إلى ما يريد الشعب
وما يريد القاتل
إلى ما حلم به المقتول
وما منحه له السفاح
سأنظر بعينين مفتوحتين إلى شهادات الدم المدموغة بالعائلة
لن أبكي
بل سأصرخ من أعلى الشرفة
ومن أسفلها
سأدق الشوارع بقدم ملتهبة وأنا أصرخ الشعب يريد
سأحمل في شنطتى بدلا من أحمر الشفاه والخدود خنجرا صغيرا
وأبدل العطر بمبيد الحشرات الذي يعمي
سأحمل هويتي
وأنزلق على ركبتي
...
الآن
ابنة اليوم
لم أخلق قبل اليوم
وما عرف اسمي صوتي من قبلي
....
الآن
لن أبكي
بل سأنظر فى عين الكلب وأعضه
وأنظر إلى القطة وهي تتأهب وأخمشها..
خلقتُ منذ أيام
عمري يزيد عن شهر بقليل
صرتُ أكثر قوة
وصار بوسعي أن أبدل نعومة صوتي بالصراخ
ووجهي في المرآة بعلم بلادي
سأشاهد أفلام المطاردات البوليسية
وسأكون على يقين وأنا أتتبع النهاية
أن الشرطي..
ظالم..
والهارب
مظلوم..
سأشاهد أفلام الجرائم المروعة
لأتعلم منها كيف أمحو عن ذاكرتي في كل صبيحة دم الأمس
تماما مثلما أمسح بمنديل عرقي عن جبهتي
ولأنني تمنيت أن أخلق شاعرة
سأبكي
لأن ليس بوسعي أن أرى السماء
إلا بعد أن أزيح أكوام القتلى
ولن يكون في وسعي أن أكتب عن البحر
قبل أن أسترد لونه الأزرق من بقع الدم
سأبكي وأنا ألمح تكسّر قبلتي وهى تجتاح قوس قزح
سأبكي وأنا أبدد خيالي
وأهبط في ابتكار فريد إلى الأرض
لأقف كطفلة صغيرة وعنيدة
أضرب الأرض بقدمي
مرة ومرتين
لأطلب رغيف خبز
لا قمرا في سماء..
أهبط هكذا..
بكل قسوة..
طفلة بخنجر لامع ومطوي
حدث خطأ في هذه الأداة